أنوار التنزيل وأسرار التأويل - ج ٥

عبدالله بن عمر بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي

أنوار التنزيل وأسرار التأويل - ج ٥

المؤلف:

عبدالله بن عمر بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: دار إحياء التراث العربي للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ١
الصفحات: ٣٥٧
  نسخة غير مصححة

وقيل الرمال على أنه جمع هيام بالفتح وهو الرمل الذي لا يتماسك جمع على هيم كسحب ، ثم خفف وفعل به ما فعل بجمع أبيض وكل من المعطوف والمعطوف عليه أخص من الآخر من وجه فلا اتحاد ، وقرأ نافع وحمزة وعاصم (شُرْبَ) بضم الشين.

(هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ) يوم الجزاء فما ظنك بما يكون لهم بعد ما استقروا في الجحيم ، وفيه تهكم كما في قوله : (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ) لأن النزل ما يعد للنازل تكرمة له ، وقرئ «نزلهم» بالتخفيف.

(نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْ لا تُصَدِّقُونَ (٥٧) أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ)(٥٩)

(نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْ لا تُصَدِّقُونَ) بالخلق متيقنين محققين للتصديق بالأعمال الدالة عليه ، أو بالبعث فإن من قدر على الإبداء قدر على الإعادة.

(أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ) أي ما تقذفونه في الأرحام من النطف ، وقرئ بفتح التاء من منى النطفة بمعنى أمناها.

(أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ) تجعلونه بشرا سويا. (أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ).

(نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ (٦١) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ)(٦٢)

(نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ) قسمناه عليكم وأقتنا موت كل بوقت معين ، وقرأ ابن كثير بتخفيف الدال. (وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ) لا يسبقنا أحد فيهرب من الموت أو يغير وقته ، أو لا يغلبنا أحد من سبقته على كذا إذا غلبته عليه.

(عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ) على الأول حال أو علة ل (قَدَّرْنا) وعلى بمعنى اللام ، (وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ) اعتراض وعلى الثاني صلة ، والمعنى على أن نبدل منكم أشباهكم فنخلق بدلكم ، أو نبدل صفاتكم على أن أمثالكم جمع مثل بمعنى صفة. (وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ) في خلق أو صفات لا تعلمونها.

(وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ) أن من قدر عليها قدر على النشأة الأخرى فإنها أقل صنعا لحصول المواد وتخصيص الاجزاء وسبق المثال ، وفيه دليل على صحة القياس.

(أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ)(٦٧)

(أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ) تبذرون حبه.

(أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ) تنبتونه. (أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ) المنبتون.

(لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً) هشيما. (فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ) تعجبون أو تندمون على اجتهادكم فيه ، أو على ما أصبتم لأجله من المعاصي فتتحدثون فيه ، والفكه التنقل بصنوف الفاكهة وقد استعير للتنقل بالحديث ، وقرئ «فظلتم» بالكسر و «فظللتم» على الأصل.

(إِنَّا لَمُغْرَمُونَ) لملزمون غرامة ما أنفقنا ، أو مهلكون لهلاك رزقنا من الغرام ، وقرأ أبو بكر «أإنا لمغرمون» على الاستفهام.

(بَلْ نَحْنُ) قوم. (مَحْرُومُونَ) حرمنا رزقنا ، أو محدودون لا مجدودون.

١٨١

(أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً فَلَوْ لا تَشْكُرُونَ)(٧٠)

(أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ) أي العذب الصالح للشرب.

(أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ) من السحاب واحده مزنة ، وقيل (الْمُزْنِ) السحاب الأبيض وماؤه أعذب. (أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ) بقدرتنا والرؤية إن كانت بمعنى العلم فمتعلقة بالاستفهام.

(لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً) ملحا أو من الأجيج فإنه يحرق الفم ، وحذف اللام الفاصلة بين جواب ما يتمحض للشرط وما يتضمن معناه لعلم السامع بمكانها ، أو الاكتفاء بسبق ذكرها أو يختص ما يقصد لذاته ويكون أهم وفقده أصعب بمزيد التأكيد. (فَلَوْ لا تَشْكُرُونَ) أمثال هذه النعم الضرورية.

(أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ (٧٢) نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ (٧٣) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ)(٧٤)

(أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ) تقدحون.

(أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ) يعني الشجرة التي منها الزناد.

(نَحْنُ جَعَلْناها) جعلنا نار الزناد. (تَذْكِرَةً) تبصرة في أمر البعث كما مر في سورة «يس» ، أو في الظلام أو تذكيرا وأنموذجا لنار جهنم. (وَمَتاعاً) ومنفعة. (لِلْمُقْوِينَ) الذين ينزلون القواء وهي القفر ، أو للذين خلت بطونهم أو مزاودهم من الطعام ، من أقوت الدار إذا خلت من ساكنيها.

(فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) فأحدث التسبيح بذكر اسمه تعالى أو بذكره فإن إطلاق اسم الشيء ذكره والعظيم صفة للاسم أو الرب ، وتعقيب الأمر بالتسبيح لما عدد من بدائع صنعه وإنعامه إما لتنزيهه تعالى عما يقول الجاحدون لوحدانيته الكافرون لنعمته ، أو للتعجب من أمرهم في غمط نعمه ، أو للشكر على ما عدها من النعم.

(فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ)(٧٦)

(فَلا أُقْسِمُ) إذ الأمر أوضح من أن يحتاج إلى قسم ، أو فأقسم و «لا» مزيدة للتأكيد كما في (لِئَلَّا يَعْلَمَ) أو فلأنا أقسم فحذف المبتدأ وأشبع فتحة لام الابتداء ، ويدل عليه قراءة فلا قسم أو (فَلا) رد لكلام يخالف المقسم عليه. (بِمَواقِعِ النُّجُومِ) بمساقطها ، وتخصيص المغارب لما في غروبها من زوال أثرها والدلالة على وجود مؤثر لا يزول تأثيره ، أو بمنازلها ومجاريها. وقيل النجوم نجوم القرآن ومواقعها أوقات نزولها ، وقرأ حمزة والكسائي بموقع.

(وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ) لما في المقسم به من الدلالة على عظم القدرة وكمال الحكمة وفرط الرحمة ، ومن مقتضيات رحمته أن لا يترك عباده سدى ، وهو اعتراض في اعتراض فإنه اعتراض بين القسم والمقسم عليه ، و (لَوْ تَعْلَمُونَ) اعتراض بين الموصوف والصفة.

(إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ)(٨٠)

(إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ) كثير النفع لاشتماله على أصول العلوم المهمة في إصلاح المعاش والمعاد ، أو حسن

١٨٢

مرضي في جنسه.

(فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ) مصون وهو اللوح المحفوظ.

(لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) لا يطلع على اللوح إلا المطهرون من الكدورات الجسمانية وهم الملائكة ، أو لا يمس القرآن (إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) من الأحداث فيكون نفيا بمعنى النهي ، أو لا يطلبه (إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) من الكفر ، وقرئ «المتطهرون» و «المطّهّرون» من أطهره بمعنى طهره و «المطّهرون» أي أنفسهم أو غيرهم بالاستغفار لهم والإلهام.

(تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ) صفة ثالثة أو رابعة للقرآن ، وهو مصدر نعت به وقرئ بالنصب أي نزل تنزيلا.

(أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ)(٨٢)

(أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ) يعني القرآن. (أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ) متهاونون به كمن يدهن في الأمر أي يلين جانبه ولا يتصلب فيه تهاونا به.

(وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ) أي شكر رزقكم. (أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) أي بمانحه حيث تنسبونه إلى الأنواء ، وقرئ «شكركم» أي وتجعلون شكركم لنعمة القرآن أنكم تكذبون به وتكذبون أي بقولكم في القرآن أنه سحر وشعر ، أو في المطر أنه من الأنواء.

(فَلَوْ لا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ)(٨٥)

(فَلَوْ لا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ) أي النفس.

(وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ) حالكم ، والخطاب لمن حول المحتضر والواو للحال.

(وَنَحْنُ أَقْرَبُ) أي ونحن أعلم. (إِلَيْهِ) إلى المحتضر. (مِنْكُمْ) عبر عن العلم بالقرب الذي هو أقوى سبب الاطلاع. (وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ) لا تدركون كنه ما يجري عليه.

(فَلَوْ لا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ)(٨٧)

(فَلَوْ لا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ) أي مجزيين يوم القيامة أو مملوكين مقهورين من دانه إذا أذله واستعبده ، وأصل التركيب للذل والانقياد.

(تَرْجِعُونَها) ترجعون النفس إلى مقرها وهو عامل الظرف والمحضض عليه بلولا الأولى والثانية تكرير للتوكيد وهي بما في حيزها دليل جواب الشرط ، والمعنى إن كنتم غير مملوكين مجزيين كما دل عليه جحدكم أفعال الله وتكذيبكم بآياته. (إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) في أباطيلكم (فَلَوْ لا) ترجعون الأرواح إلى الأبدان بعد بلوغها الحلقوم.

(فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ(٩٠) فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ)(٩١)

(فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ) أي إن كان المتوفى من السابقين.

(فَرَوْحٌ) فله استراحة وقرئ «فروح» بالضم وفسر بالرحمة لأنها كالسبب لحياة المرحوم وبالحياة

١٨٣

الدائمة. (وَرَيْحانٌ) ورزق طيب. (وَجَنَّةُ نَعِيمٍ) ذات تنعم.

(وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ فَسَلامٌ لَكَ) يا صاحب اليمين. (مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ) أي من إخوانك يسلمون عليك.

(وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ)(٩٤)

(وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ) يعني أصحاب الشمال ، وإنما وصفهم بأفعالهم زجرا عنها وإشعارا بما أوجب لهم ما أوعدهم به.

(فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ) وذلك ما يجد في القبر من سموم النار ودخانها.

(إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ)(٩٦)

(إِنَّ هذا) أي الذي ذكر في السورة أو في شأن الفرق. (لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ) أي حق الخبر اليقين.

(فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) فنزهه بذكر اسمه تعالى عما لا يليق بعظمة شأنه.

عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم «من قرأ سورة الواقعة في كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا».

١٨٤

(٥٧) سورة الحديد

مدينة وقيل مكية وآيها تسع وعشرون آية

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)(٢)

(سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) ذكر ها هنا وفي «الحشر» و «الصف» بلفظ الماضي ، وفي «الجمعة» و «التغابن» بلفظ المضارع إشعارا بأن من شأن ما أسند إليه أن يسبحه في جميع أوقاته ، لأنه دلالة جبلّية لا تختلف باختلاف الحالات ، ومجيء المصدر مطلقا في «بني إسرائيل» أبلغ من حيث إنه يشعر بإطلاقه على استحقاق التسبيح من كل شيء وفي كل حال ، وإنما عدي باللام وهو متعد بنفسه مثل نصحت له في نصحته أشعارا بأن إيقاع الفعل لأجل الله وخالصا لوجهه. (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) حال يشعر بما هو المبدأ للتسبيح.

(لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) فإنه الموجد لهما والمتصرف فيهما. (يُحْيِي وَيُمِيتُ) استئناف أو خبر لمحذوف أو حال من المجرور في له (وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ) من الإحياء والإماتة وغيرهما. (قَدِيرٌ) تام القدرة.

(هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣) هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)(٤)

(هُوَ الْأَوَّلُ) السابق على سائر الموجودات من حيث إنه موجدها ومحدثها. (وَالْآخِرُ) الباقي بعد فنائها ولو بالنظر إلى ذاتها مع قطع النظر عن غيرها ، أو (هُوَ الْأَوَّلُ) الذي تبتدأ منه الأسباب وتنتهي إليه المسببات ، أو (الْأَوَّلُ) خارجا و (الْآخِرُ) ذهنا. (وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ) الظاهر وجوده لكثرة دلائله والباطن حقيقة ذاته فلا تكتنهها العقول ، أو الغالب على كل شيء والعالم بباطنه والواو الأولى والأخيرة للجمع بين الوصفين ، والمتوسطة للجمع بين المجموعين. (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) يستوي عنده الظاهر والخفي.

(هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ) كالبذور. (وَما يَخْرُجُ مِنْها) كالزروع. (وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ) كالأمطار. (وَما يَعْرُجُ فِيها) كالأبخرة. (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ) لا ينفك علمه وقدرته عنكم بحال. (وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) فيجازيكم عليه ، ولعل تقديم الخلق على العلم لأنه دليل عليه.

(لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٥) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ)(٦)

١٨٥

(لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) ذكره مع الإعادة كما ذكره مع كالإبداء لأنه كالمقدمة لهما. (وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ).

(يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ) بمكنوناتها.

(آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ(٧) وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)(٨)

(آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ) من الأموال التي جعلكم الله خلفاء في التصرف فيها فهي في الحقيقة له لا لكم ، أو التي استخلفكم عمن قبلكم في تملكها والتصرف فيها ، وفيه حث على الإنفاق وتهوين له على النفس. (فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ) وعد فيه مبالغات جعل الجملة اسمية وإعادة ذكر الإيمان والإنفاق وبناء الحكم على الضمير وتنكير الأجر ووصفه بالكبر.

(وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللهِ) أي وما تصنعون غير مؤمنين به كقولك : مالك قائما. (وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ) حال من ضمير تؤمنون ، والمعنى أي عذر لكم في ترك الإيمان والرسول يدعوكم إليه بالحجج والآيات. (وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ) أي وقد أخذ الله ميثاقكم بالإيمان قبل ، وذلك بنصب الأدلة والتمكين من النظر ، والواو للحال من مفعول (يَدْعُوكُمْ) ، وقرأ أبو عمرو على البناء للمفعول ورفع (مِيثاقَكُمْ). (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) لموجب ما فإن هذا موجب لا مزيد عليه.

(هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٩) وَما لَكُمْ أَلاَّ تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)(١٠)

(هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكُمْ) أي الله أو العبد. (مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ) من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان. (وَإِنَّ اللهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ) حيث نبهكم بالرسول والآيات ولم يقتصر على ما نصب لكم من الحجج العقلية.

(وَما لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا) وأي شيء لكم في (أَلَّا تُنْفِقُوا). (فِي سَبِيلِ اللهِ) فيما يكون قربة إليه. (وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) يرث كل شيء فيهما فلا يبقى لأحد مال ، وإذا كان كذلك فإنفاقه بحيث يستخلف عوضا يبقي وهو الثواب كان أولى. (لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً) بيان لتفاوت المنفقين باختلاف أحوالهم من السبق وقوة اليقين ، وتحري الحاجات حثا على تحري الأفضل منها بعد الحث على الإنفاق ، وذكر القتال للاستطراد وقسيم من أنفق محذوف لوضوحه ودلالة ما بعده عليه ، و (الْفَتْحِ) فتح مكة إذ عز الإسلام به وكثر أهله وقلت الحاجة إلى المقاتلة والإنفاق. (مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ) أي من بعد الفتح. (وَقاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى) أي وعد الله كلّا من المنفقين المثوبة الحسنى وهي الجنة. وقرأ ابن عامر «وكلّ» بالرفع على الابتداء أي وكل وعده الله ليطابق ما عطف عليه. (وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) عالم بظاهره وباطنه فيجازيكم على حسبه ، والآية نزلت في أبي بكر رضي الله تعالى عنه فإنه أول من آمن وأنفق في سبيل الله وخاصم الكفار حتى ضرب ضربا أشرف به على الهلاك.

(مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١١) يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى

١٨٦

نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)(١٢)

(مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً) أي من الذي ينفق ماله في سبيله رجاء أن يعوضه ، فإنه كمن يقرضه وحسن الإنفاق بالإخلاص فيه وتحري أكرم المال وأفضل الجهات له. (فَيُضاعِفَهُ لَهُ) أي يعطي أجره أضعافا. (وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ) أي وذلك الأجر المضموم إليه الأضعاف كريم في نفسه ينبغي أن يتوخى وإن لم يضاعف ، فكيف وقد يضاعف أضعافا. وقرأ عاصم (فَيُضاعِفَهُ) بالنصب على جواب الاستفهام باعتبار المعنى فكأنه قال : أيقرض الله أحد فيضاعفه له. وقرأ ابن كثير «فيضعفه» مرفوعا وقرأ ابن عامر ويعقوب «فيضعفه» منصوبا.

(يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ) ظرف لقوله (وَلَهُ) أو (فَيُضاعِفَهُ) أو مقدر باذكر (يَسْعى نُورُهُمْ) ما يوجب نجاتهم وهدايتهم إلى الجنة. (بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ) لأن السعداء يؤتون صحائف أعمالهم من هاتين الجهتين. (بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ) أي يقول لهم من يتلقاهم من الملائكة (بُشْراكُمُ) أي المبشر به جنات ، أو (بُشْراكُمُ) دخول جنات. (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) الإشارة إلى ما تقدم من النور والبشرى بالجنات المخلدة.

(يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ)(١٣)

(يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ) بدل من (يَوْمَ تَرَى). (لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا) انتظرونا فإنهم يسرع بهم إلى الجنة كالبرق الخاطف ، أو انظروا إلينا فإنهم إذا نظروا إليهم استقبلوهم بوجوههم فيستضيئون بنور بين أيديهم. وقرأ حمزة «أنظرونا» على أن اتئادهم ليلحقوا بهم إمهال لهم. (نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ) نصب منه. (قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ) إلى الدنيا. (فَالْتَمِسُوا نُوراً) بتحصيل المعارف الإلهية والأخلاق الفاضلة ، فإنه يتولد منها أو إلى الموقف فإنه من ثمة يقتبس ، أو إلى حيث شئتم فاطلبوا نورا آخر فإنه لا سبيل لكم إلى هذا ، وهو تهكم بهم وتخييب من المؤمنين أو الملائكة (فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ) بين المؤمنين والمنافقين. (بِسُورٍ) بحائط. (لَهُ بابٌ) يدخل منه المؤمنون. (باطِنُهُ) باطن السور أو الباب. (فِيهِ الرَّحْمَةُ) لأنه يلي الجنة. (وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ) من جهته لأنه يلي النار.

(يُنادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قالُوا بَلى وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللهِ وَغَرَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ (١٤) فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْواكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)(١٥)

(يُنادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ) يريدون موافقتهم في الظاهر. (قالُوا بَلى وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ) بالنفاق. (وَتَرَبَّصْتُمْ) بالمؤمنين الدوائر. (وَارْتَبْتُمْ) وشككتم في الدين. (وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُ) كامتداد العمر. (حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللهِ) وهو الموت. (وَغَرَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ) الشيطان أو الدنيا.

(فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ) فداء وقرأ ابن عامر ويعقوب بالتاء. (وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا) ظاهرا وباطنا. (مَأْواكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ) هي أولى بكم كقول لبيد :

فغدت كلا الفرجين تحسب أنّه

مولى المخافة خلفها وأمامها

وحقيقته محراكم أي مكانكم الذي يقال فيه هو أولى بكم كقولك : هو مئنة الكرم أي مكان قول القائل

١٨٧

إنه لكريم ، أو مكانكم عما قريب من الولي وهو القرب ، أو ناصركم على طريقة قوله : تحيّة بينهم ضرب وجيع. أو متوليكم يتولاكم كما توليتم موجباتها في الدنيا. (وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) النار.

(أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ)(١٦)

(أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ) ألم يأت وقته يقال أنى الأمر يأني أنيا وأنا وإنا إذا جاء إناه ، وقرئ «ألم يئن» بكسر الهمزة وسكون النون من آن يئين بمعنى أتى و «ألما يأن». روي أن المؤمنين كانوا مجدبين بمكة فلما هاجروا أصابوا الرزق والنعمة ففتروا عما كانوا عليه فنزلت. (وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِ) أي القرآن وهو عطف على الذكر عطف أحد الوصفين على الآخر ، ويجوز أن يراد بالذكر أن يذكر الله ، وقرأ نافع وحفص ويعقوب (نَزَلَ) بالتخفيف. وقرئ «أنزل». (وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ) عطف على (تَخْشَعَ) ، وقرأ رويس بالتاء والمراد النهي عن مماثلة أهل الكتاب فيما حكي عنهم بقوله : (فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ) أي فطال عليهم الأجل لطول أعمارهم وآمالهم ، أو ما بينهم وبين أنبيائهم (فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ). وقرئ «الأمدّ» وهو الوقت الأطول. (وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ) خارجون عن دينهم رافضون لما في كتابهم من فرط القسوة.

(اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧) إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ)(١٨)

(اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها) تمثيل لإحياء القلوب القاسية بالذكر والتلاوة بالإحياء والإموات ترغيبا في الخشوع وزجرا عن القساوة. (قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) كي تكمل عقولكم.

(إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ) إن المتصدقين والمتصدقات ، وقد قرئ بهما ، وقرأ ابن كثير وأبو بكر بتخفيف الصاد أي الذين صدقوا الله ورسوله. (وَأَقْرَضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً) عطف على معنى الفعل في المحلى باللام لأن معناه : الذين أصدقوا ، أو صدقوا وهو على الأول للدلالة على أن المعتبر هو التصدق المقرون بالإخلاص. (يُضاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ) معناه والقراءة في (يُضاعَفُ) كما مر غير أنه لم يجزم لأنه خبر إن وهو مسند إلى (لَهُمْ) أو إلى ضمير المصدر.

(وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ)(١٩)

(وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ) أي أولئك عند الله بمنزلة الصديقين والشهداء ، أو هم المبالغون في الصدق فإنهم آمنوا وصدقوا جميع أخبار الله ورسله والقائمون بالشهادة لله ولهم ، أو على الأمم يوم القيامة. وقيل (وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ) مبتدأ وخبر ، والمراد به الأنبياء من قوله : (فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ) أو الذين استشهدوا في سبيل الله. (لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ) مثل أجر الصديقين والشهداء ومثل نورهم ولكنه من غير تضعيف ليحل التفاوت ، أو الأجر والنور الموعودان لهم. (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ) فيه دليل على أن الخلود في النار مخصوص بالكفار من حيث إن التركيب يشعر بالاختصاص والصحبة تدل على الملازمة عرفا.

١٨٨

(اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرِضْوانٌ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ مَتاعُ الْغُرُورِ)(٢٠)

(اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ) لما ذكر حال الفريقين في الآخرة حقر أمور الدنيا أعني ما لا يتوصل به إلى الفوز الآجل ، بأن بين أنها أمور خيالية قليلة النفع سريعة الزوال لأنها لعب يتعب الناس فيه أنفسهم جدا إتعاب الصبيان في الملاعب من غير فائدة ، ولهو يلهون به أنفسهم عما يهمهم وزينة كالملابس الحسنة والمراكب البهية والمنازل الرفيعة ، وتفاخر بالأنساب أو تكاثر بالعدد والعدد ، ثم قرر ذلك بقوله : (كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً) وهو تمثيل لها في سرعة تقضيها وقلة جدواها بحال نبات أنبته الغيث فاستوى وأعجب به الحراث ، أو الكافرون بالله لأنهم أشداء إعجابا بزينة الدنيا ولأن المؤمن إذا رأى معجبا انتقل فكره إلى قدرة صانعه فأعجب بها ، والكافر لا يتخطى فكره عما أحس به فيستغرق فيه إعجابا ، ثم هاج أي يبس بعاهة فاصفر ثم صار حطاما ، ثم عظم أمور الآخرة الأبدية بقوله : (وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ) تنفيرا عن الانهماك في الدنيا وحثا على ما يوجب كرامة العقبى ، ثم أكد ذلك بقوله : (وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرِضْوانٌ) أي لمن أقبل عليها ولم يطلب إلا الآخرة. (وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ) أي لمن أقبل عليها ولم يطلب بها الآخرة.

(سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)(٢١)

(سابِقُوا) سارعوا مسارعة المسابقين في المضمار. (إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) إلى موجباتها. (وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ) أي عرضها كعرضهما وإذا كان العرض كذلك فما ظنك بالطول ، وقيل المراد به البسطة كقوله : (فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ)(أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ) فيه دليل على أن الجنة مخلوقة وأن الإيمان وحده كاف في استحقاقها. (ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ) ذلك الموعود يتفضل به على من يشاء من غير إيجاب. (وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) منه التفضل بذلك وإن عظم قدره.

(ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ)(٢٣)

(ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ) كجدب وعاهة. (وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ) كمرض وآفة. (إِلَّا فِي كِتابٍ) إلا مكتوبة في اللوح مثبتة في علم الله تعالى. (مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها) نخلقها والضمير لل (مُصِيبَةٍ) أو (الْأَرْضِ) أو للأنفس. (إِنَّ ذلِكَ) أي إثباته في كتاب. (عَلَى اللهِ يَسِيرٌ) لاستغنائه تعالى فيه عن العدة والمدة. (لِكَيْلا تَأْسَوْا) أي أثبت وكتب كي لا تحزنوا (عَلى ما فاتَكُمْ) من نعم الدنيا (وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ) بما أعطاكم الله منها فإن من علم أن الكل مقدر هان عليه الأمر ، وقرأ أبو عمرو (بِما آتاكُمْ) من الإتيان ليعادل ما فاتكم ، وعلى الأول فيه إشعار بأن فواتها يلحقها إذا خليت وطباعها ، وأما حصولها وإبقاؤها فلا بد لهما من سبب يوجدها ويبقيها ، والمراد به نفي الآسي المانع عن التسليم لأمر الله والفرح الموجب للبطر والاختيال ، ولذلك عقبه بقوله : (وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ) إذ قل من يثبت نفسه في حالي الضراء والسراء.

١٨٩

(الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ)(٢٤)

(الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ) بدل من كل مختال فإن المختال بالمال يضن به غالبا أو مبتدأ خبره محذوف مدلول عليه بقوله : (وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) لأن معناه ومن يعرض عن الإنفاق فإن الله غني عنه وعن إنفاقه محمود في ذاته لا يضره الإعراض عن شكره ولا ينفعه التقرب إليه بشكر من نعمه ، وفيه تهديد وإشعار بأن الأمر بالإنفاق لمصلحة المنفق وقرأ نافع وابن عامر فإن الله الغني.

(لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ)(٢٦)

(لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا) أي الملائكة إلى الأنبياء أو الأنبياء إلى الأمم. (بِالْبَيِّناتِ) بالحجج والمعجزات. (وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ) ليبين الحق ويميز صواب العمل. (وَالْمِيزانَ) لتسوى به الحقوق ويقام به العدل كما قال تعالى : (لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) وإنزاله إنزال أسبابه والأمر باعداده ، وقيل أنزل الميزان إلى نوح عليه‌السلام ، ويجوز أن يراد به العدل. (لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) لتقام به السياسة وتدفع به الأعداء كما قال : (وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ) فإن آلات الحروب متخذة منه. (وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ) إذ ما من صنعة إلا والحديد آلاتها. (وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ) باستعمال الأسلحة في مجاهدة الكفار والعطف على محذوف دل عليه ما قبله فإنه حال يتضمن تعليلا ، أو اللام صلة لمحذوف أي أنزله ليعلم الله. (بِالْغَيْبِ) حال من المستكن في ينصره. (إِنَّ اللهَ قَوِيٌ) ، على إهلاك من أراد إهلاكه. (عَزِيزٌ) لا يفتقر إلى نصرة وإنما أمرهم بالجهاد لينتفعوا به ويستوجبوا ثواب الامتثال فيه.

(وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ) بأن استنبأناهم وأوحينا إليهم الكتب. وقيل المراد الكتاب الخط. (فَمِنْهُمْ) فمن الذرية أو من المرسل إليهم وقد دل عليهم (أَرْسَلْنا). (مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ) خارجون عن الطريق المستقيم والعدول عن السنن المقابلة للمبالغة في الذم والدلالة على أن الغلبة للضلال.

(ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ)(٢٧)

(ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ) أي أرسلنا رسولا بعد رسول حتى انتهى إلى عيسى عليه‌السلام ، والضمير لنوح وإبراهيم ومن أرسلا إليهم ، أو من عاصرهما من الرسل لا للذرية ، فإن الرسل الملقى بهم من الذرية. (وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ) وقرئ بفتح الهمزة وأمره أهون من أمر البرطيل لأنه أعجمي. (وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً) وقرئ «رآفة» على فعالة. (وَرَحْمَةً وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها) أي وابتدعوا رهبانية ابتدعوها ، أو رهبانية مبتدعة على أنها من المجعولات وهي المبالغة في العبادة والرياضة والانقطاع عن الناس ، منسوبة إلى الرهبان وهو المبالغ في الخوف من رهب كالخشيان من خشي ، وقرئت بالضم كأنها منسوبة إلى الرهبان وهو جمع راهب كراكب وركبان. (ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ) ما فرضناها عليهم. (إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللهِ) استثناء منقطع أي ولكنهم ابتدعوها (ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللهِ). وقيل متصل فإن (ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ) بمعنى ما تعبدناهم بها وهو كما ينفي الإيجاب المقصود منه دفع العقاب ينفي الندب المقصود منه

١٩٠

مجرد حصول مرضاة الله ، وهو يخالف قوله (ابْتَدَعُوها) إلا أن يقال (ابْتَدَعُوها) ثم ندبوا إليها ، أو (ابْتَدَعُوها) بمعنى استحدثوها وأتوا بها ، أولا أنهم اخترعوها من تلقاء أنفسهم. (فَما رَعَوْها) أي فما رعوها جميعا. (حَقَّ رِعايَتِها) بضم التثليث والقول بالاتحاد وقصد السمعة والكفر بمحمد عليه الصلاة والسلام ونحوها إليها. (فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا) أتوا بالإيمان الصحيح ومن ذلك الإيمان بمحمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم وحافظوا حقوقها. (مِنْهُمْ) من المتسمين باتباعه. (أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ) خارجون عن حال الاتباع.

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)(٢٨)

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) بالرسل المتقدمة. (اتَّقُوا اللهَ) فيما نهاكم عنه. (وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ) محمد عليه الصلاة والسلام. (يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ) نصيبين. (مِنْ رَحْمَتِهِ) لإيمانكم بمحمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم وإيمانكم بمن قبله ، ولا يبعد أن يثابوا على دينهم السابق وإن كان منسوخا ببركة الإسلام ، وقيل الخطاب للنصارى الذين كانوا في عصره.

(وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ) يريد المذكور في قوله : (يَسْعى نُورُهُمْ) أو الهدى الذي يسلك به إلى جناب القدس. (وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ).

(لِئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)(٢٩)

(لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ) أي ليعلموا و «لا» مزيدة ويؤيده أنه قرئ «ليعلم» و «لكي يعلم» و «لأن يعلم» بإدغام النون في الياء. (أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللهِ) أن هي المخففة والمعنى : أنه لا ينالون شيئا مما ذكر من فضله ولا يتمكنون من نيله لأنهم لم يؤمنوا برسوله وهو مشروط بالإيمان به ، أو لا يقدرون على شيء من فضله فضلا عن أن يتصرفوا في أعظمه وهو النبوة فيخصوها بمن أرادوا ويؤيده قوله : (وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) وقيل «لا» غير مزيدة ، والمعنى لئلا يعتقد أهل الكتاب أنه لا يقدر النبي والمؤمنون به على شيء من فضل الله ولا ينالونه ، فيكون (وَأَنَّ الْفَضْلَ) عطفا على (لِئَلَّا يَعْلَمَ) ، وقرئ «ليلا يعلم» ووجهه أن الهمزة حذفت وأدغمت النون في اللام ثم أبدلت ياء. وقرئ «ليلا» على أن الأصل في الحروف المفردة الفتح.

عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم «من قرأ سورة الحديد كتب من الذين آمنوا بالله ورسله أجمعين».

١٩١

(٥٨) سورة المجادلة

مدنية وقيل العشر الأول مكي والباقي مدني ، وآيها اثنتان وعشرون آية

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ وَاللهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ)(١)

(قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ) روي أن خولة بنت ثعلبة ظاهر عنها زوجها أوس بن الصامت ، فاستفتت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : «حرمت عليه» ، فقالت : ما طلقني فقال : «حرمت عليه» ، فاغتمت لصغر أولادها وشكت إلى الله تعالى فنزلت هذه الآيات الأربع ، وقد تشعر بأن الرسول عليه الصلاة والسلام أو المجادلة يتوقع أن الله يسمع مجادلتها وشكواها ويفرج عنها كربها ، وأدغم حمزة والكسائي وأبو عمرو وهشام عن ابن عامر دالها في السين. (وَاللهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما) تراجعكما الكلام وهو على تغليب الخطاب. (إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) للأقوال والأحوال.

(الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلاَّ اللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ)(٢)

(الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ) الظهار أن يقول الرجل لامرأته أنت عليّ كظهر أمي مشتق من الظهر ، وألحق به الفقهاء تشبيهها بجزء أنثى محرم ، وفي (مِنْكُمْ) تهجين لعادتهم فيه فإنه كان من إيمان أهل الجاهلية ، وأصل يظهرون يتظهرون وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي يظهرون من أظاهر ، وعاصم يظهرون من ظاهر. (ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ) أي على الحقيقة. (إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ) فلا تشبه بهن في الحرمة إلا من ألحقها الله بهن كالمرضعات وأزواج الرسول ، وعن عاصم (أُمَّهاتِهِمْ) بالرفع على لغة بني تميم ، وقرئ ب «أمّهاتهم» وهو أيضا على لغة من ينصب. (وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ) إذ الشرع أنكره. (وَزُوراً) منحرفا عن الحق فإن الزوجة لا تشبه الأم. (وَإِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ) لما سلف منه مطلقا ، أو إذا تيب عنه.

(وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)(٣)

(وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا) أي إلى قولهم بالتدارك ومنه المثل : عاد الغيث على ما أفسد ، وهو بنقض ما يقتضيه وذلك عند الشافعي بإمساك المظاهر عنها في النكاح زمانا يمكنه مفارقتها فيه ، إذ التشبيه يتناول حرمته لصحة استثنائها عنه وهو أقل ما ينتقض به. وعند أبي حنيفة باستباحة استمتاعها ولو بنظرة شهوة. وعند مالك بالعزم على الجماع ، وعند الحسن بالجماع. أو بالظهار في الإسلام على أن قوله (يَظْهَرُونَ) بمعنى يعتادون الظهار إذ كانوا يظاهرون في الجاهلية ، وهو قول الثوري أو بتكراره لفظا وهو قول

١٩٢

الظاهرية ، أو معنى بأن يحلف على ما قال وهو قول أبي مسلم أو إلى المقول فيها بإمساكها ، أو استباحة استمتاعها أو وطئها. (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) أي فعليهم أو فالواجب إعتاق رقبة والفاء للسببية ، ومن فوائدها الدلالة على تكرر وجوب التحرير بتكرر الظهار ، والرقبة مقيدة بالإيمان عندنا قياسا على كفارة القتل. (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا) أن يستمتع كل من المظاهر عنها بالآخر لعموم اللفظ ومقتضى التشبيه ، أو أن يجامعها وفيه دليل على حرمة ذلك قبل التكفير. (ذلِكُمْ) أي ذلكم الحكم بالكفارة. (تُوعَظُونَ بِهِ) لأنه يدل على ارتكاب الجناية الموجبة للغرامة ويردع عنه. (وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) لا تخفى عليه خافية.

(فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ)(٤)

(فَمَنْ لَمْ يَجِدْ) أي الرقبة والذي غاب ماله واجد. (فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا) فإن أفطر بغير عذر لزمه الاستئناف وإن أفطر لعذر ففيه خلاف ، وإن جامع المظاهر عنها ليلا لم ينقطع التتابع عندنا خلافا لأبي حنيفة ومالك رضي الله تعالى عنهما. (فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ) أي الصوم لهرم أو مرض مزمن أو شبق مفرط فإنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم رخص للأعرابي المفطر أن يعدل لأجله. (فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً) ستين مدا بمد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وهو رطل وثلث لأنه أقل ما قيل في الكفارات وجنسه المخرج في الفطرة ، وقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه يعطي كل مسكين نصف صاع من بر أو صاعا من غيره ، وإنما لم يذكر التماس مع الطعام اكتفاء بذكره مع الآخرين ، أو لجوازه في خلال الإطعام كما قال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه. (ذلِكَ) أي ذلك البيان أو التعليم للأحكام ومحله النصب بفعل معلل بقوله : (لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ) ، أي فرض ذلك لتصدقوا بالله ورسوله في قبول شرائعه ورفض ما كنتم عليه في جاهليتكم (وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ) لا يجوز تعديها. (وَلِلْكافِرِينَ) أي الذين لا يقبلونها. (عَذابٌ أَلِيمٌ) هو نظير قوله : (وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ).

(إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (٥) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللهُ وَنَسُوهُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)(٦)

(إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ) يعادونهما فإن كلّا من المتعاديين في حد غير حد الآخر ، أو يضعون أو يختارون حدودا غير حدودهما. (كُبِتُوا) أخزوا أو أهلكوا وأصل الكبت الكب. (كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) يعني كفار الأمم الماضية. (وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ) تدل على صدق الرسول وما جاء به. (وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ) يذهب عزهم وتكبرهم.

(يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ) منصوب ب (مُهِينٌ) أو بإضمار اذكر. (جَمِيعاً) كلهم لا يدع أحدا غير مبعوث أو مجتمعين. (فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا) أي على رؤوس الأشهاد تشهيرا لحالهم وتقريرا لعذابهم. (أَحْصاهُ اللهُ) أحاط به عددا لم يغب منه شيء. (وَنَسُوهُ) لكثرته أو تهاونهم به. (وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) لا يغيب عنه شيء.

(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)(٧).

١٩٣

(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) كليا وجزئيا. (ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ) أي ما يقع من تناجي ثلاثة ، ويجوز أن يقدر مضاف أو يؤول (نَجْوى) بمتناجين ويجعل (ثَلاثَةٍ) صفة لها ، واشتقاقها من النجوة وهي ما ارتفع من الأرض فإن السر أمر مرفوع إلى الذهن لا يتيسر لكل أحد أن يطلع عليه. (إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ) إلا الله يجعلهم أربعة من حيث إنه يشاركهم في الاطلاع عليها ، والاستثناء من أعم الأحوال. (وَلا خَمْسَةٍ) ولا نجوى خمسة. (إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ) وتخصيص العددين إما لخصوص الواقعة فإن الآية نزلت في تناجي المنافقين ، أو لأن الله تعالى وتر يحب الوتر ، والثلاثة أول الأوتار أو لأن التشاور لا بد له من اثنين يكونان كالمتنازعين وثالث يتوسط بينها ، وقرئ (ثَلاثَةٍ) و «خمسة» بالنصب على الحال بإضمار (يَتَناجَوْنَ) أو تأويل (نَجْوى) بمتناجين. (وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ) ولا أقل مما ذكر كالواحد والاثنين. (وَلا أَكْثَرَ) كالستة وما فوقها. (إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ) يعلم ما يجري بينهم. وقرأ يعقوب ولا أكثر بالرفع عطفا على محل من (نَجْوى) أو محل لا أدنى بأن جعلت لا لنفي الجنس. (أَيْنَ ما كانُوا) فإن علمه بالأشياء ليس لقرب مكاني حتى يتفاوت باختلاف الأمكنة. (ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ) تفضيحا لهم وتقريرا لما يستحقونه من الجزاء. (إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) لأن نسبة ذاته المقتضية للعلم إلى الكل على السواء.

(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْ لا يُعَذِّبُنَا اللهُ بِما نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ)(٨)

(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ) ، نزلت في اليهود والمنافقين كانوا يتناجون فيما بينهم ويتغامزون بأعينهم إذا رأوا المؤمنين فنهاهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ثم عادوا لمثل فعلهم. (وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ) أي بما هو إثم وعدوان للمؤمنين وتواص بمعصية الرسول ، وقرأ حمزة «وينتجون» وهو يفتعلون من النجوى وروي عن يعقوب مثله. (وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللهُ) فيقولون السام عليك ، أو أنعم صباحا والله تعالى يقول : (وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى). (وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ) فيما بينهم. (لَوْ لا يُعَذِّبُنَا اللهُ بِما نَقُولُ) هلا يعذبنا الله بذلك لو كان محمد نبيا. (حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ) عذابا. (يَصْلَوْنَها) يدخلونها. (فَبِئْسَ الْمَصِيرُ) جهنم.

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩) إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ)(١٠)

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ) كما يفعله المنافقون وعن يعقوب «فلا تنتجوا». (وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى) بما يتضمن خير المؤمنين والاتقاء عن معصية الرسول. (وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) فيما تأتون وتذرون فإنه مجازيكم عليه.

(إِنَّمَا النَّجْوى) أي النجوى بالإثم والعدوان. (مِنَ الشَّيْطانِ) فإنه المزين لها والحامل عليها. (لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا) بتوهمهم أنها في نكبة أصابتهم. (وَلَيْسَ) أي الشيطان أو التناجي. (بِضارِّهِمْ) بضار المؤمنين. (شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ) إلا بمشيئته. (وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) ولا يبالوا بنجواهم.

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا

١٩٤

فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)(١١)

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ) توسعوا فيه وليفسح بعضكم عن بعض من قولهم : افسح عني أي تنح ، وقرئ «تفاسحوا» والمراد بالمجلس الجنس ويدل عليه قراءة عاصم بالجمع ، أو مجلس رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فإنهم كانوا يتضامون به تنافسا على القرب منه وحرصا على استماع كلامه. (فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ) فيما تريدون التفسح فيه من المكان والرزق والصدر وغيرها. (وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا) انهضوا للتوسعة أو لما أمرتم به كصلاة أو جهاد ، أو ارتفعوا عن المجلس. (فَانْشُزُوا) وقرأ نافع وابن عامر وعاصم بضم الشين فيهما. (يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ) بالنصر وحسن الذكر في الدنيا ، وإيوائهم غرف الجنان في الآخرة. (وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ) ويرفع العلماء منهم خاصة درجات بما جمعوا من العلم والعمل ، فإن العلم مع علو درجته يقتضي العمل المقرون به مزيد رفعة ، ولذلك يقتدى بالعالم في أفعاله ولا يقتدى بغيره. وفي الحديث «فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب». (وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) تهديد لمن لم يتمثل الأمر أو استكرهه.

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ)(١٣)

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً) فتصدقوا قدامها مستعار ممن له يدان ، وفي هذا الأمر تعظيم الرسول وإنفاع الفقراء والنهي عن الإفراط في السؤال ، والميز بين المخلص والمنافق ومحب الآخرة ومحب الدنيا ، واختلف في أنه للندب أو للوجوب لكنه منسوخ بقوله : (أَأَشْفَقْتُمْ) وهو وإن اتصل به تلاوة لم يتصل به نزولا. وعن علي كرم الله وجهه إن في كتاب الله آية ما عمل بها أحد غيري ، كان لي دينار فصرفته فكنت إذا ناجيته تصدقت بدرهم. وهو على القول بالوجوب لا يقدح في غيره فلعله لم يتفق للأغنياء مناجاة في مدة بقائه ، إذ روي أنه لم يبق إلا عشرا وقيل إلا ساعة. (ذلِكَ) أي ذلك التصدق. (خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ) أي لأنفسكم من الريبة وحب المال وهو يشعر بالندبية لكن قوله : (فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) أي لمن لم يجده حيث رخص له في المناجاة بلا تصدق أدل على الوجوب.

(أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ) أخفتم الفقر من تقديم الصدقة أو أخفتم التقديم لما يعدكم الشيطان عليه من الفقر وجمع (صَدَقاتٍ) لجمع المخاطبين ، أو لكثرة التناجي. (فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللهُ عَلَيْكُمْ) بأن رخص لكم أن لا تفعلوه ، وفيه إشعار بأن إشفاقهم ذنب تجاوز الله عنه لما رأى منهم مما قام مقام توبتهم وإذ على بابها وقيل بمعنى إذا أو إن. (فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ). فلا تفرطوا في أدائهما.

(وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ) في سائر الأوامر ، فإن القيام بها كالجابر للتفريط في ذلك. (وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ) ظاهرا وباطنا.

(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ ما هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤) أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ)(١٥)

(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا) والوا. (قَوْماً غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ) يعني اليهود : (ما هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ) لأنهم منافقون مذبذبون بين ذلك. (وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ) وهو ادعاء الإسلام. (وَهُمْ يَعْلَمُونَ) أن المحلوف عليه كذب كمن يحلف بالغموس ، وفي هذا التقييد دليل على أن الكذب يعم ما يعلم المخبر عدم مطابقته وما لا

١٩٥

يعلم. وروي أنه عليه‌السلام كان في حجرة من حجراته فقال «يدخل عليكم الآن رجل قلبه قلب جبار وينظر بعين شيطان ، فدخل عبد الله بن نبتل المنافق وكان أزرق فقال عليه الصلاة والسلام له : علام تشتمني أنت وأصحابك ، فحلف بالله ما فعل ثم جاء بأصحابه فحلفوا فنزلت».

(أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً) نوعا من العذاب متفاقما. (إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) فتمرنوا على سوء العمل وأصروا عليه.

(اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (١٦) لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ)(١٧)

(اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ) أي التي حلفوا بها ، وقرئ بالكسر أي «إيمانهم» الذي أظهروه. (جُنَّةً) وقاية دون دمائهم وأموالهم. (فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ) فصدوا الناس في خلال أمنهم عن دين الله بالتحريش والتثبيط.

(فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ) وعيد ثان بوصف آخر لعذابهم. وقيل الأول عذاب القبر وهذا عذاب الآخرة.

(لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ) قد سبق مثله.

(يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ (١٨) اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللهِ أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ)(١٩)

(يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ) أي لله تعالى على أنهم مسلمون. (كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ) في الدنيا ويقولون إنهم لمنكم. (وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ) في حلفهم الكاذب لأن تمكن النفاق في نفوسهم بحيث يخيل إليهم في الآخرة أن الأيمان الكاذبة تروج الكذب على الله كما تروجه عليكم في الدنيا. (أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ) البالغون الغاية في الكذب حيث يكذبون مع عالم الغيب والشهادة ويحلفون عليه.

(اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ) استولى عليهم من حذت الإبل وأحذتها إذا استوليت عليها ، وهو مما جاء على الأصل. (فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللهِ) لا يذكرونه بقلوبهم ولا بألسنتهم. (أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ) جنوده وأتباعه. (أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ) لأنهم فوتوا على أنفسهم النعيم المؤبد وعرضوها للعذاب المخلد.

(إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠) كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ)(٢١)

(إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ) في جملة من هو أذل خلق الله.

(كَتَبَ اللهُ) في اللوح. (لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي) أي بالحجة ، وقرأ نافع وابن عامر (رُسُلِي) بفتح الياء. (إِنَّ اللهَ قَوِيٌ) على نصر أنبيائه. (عَزِيزٌ) لا يغلب عليه شيء في مراده.

(لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)(٢٢)

(لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ) أي لا ينبغي أن تجدهم وادين

١٩٦

أعداء الله ، والمراد أنه لا ينبغي أن يوادوهم. (وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) ولو كان المحادون أقرب الناس إليهم. (أُولئِكَ) أي الذين لم يوادوهم. (كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ) أثبته فيها ، وهو دليل على خروج العمل من مفهوم الإيمان ، فإن جزء الثابت في القلب يكون ثابتا فيه ، وأعمال الجوارح لا تثبت فيه. (وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ) أي من عند الله وهو نور القلب أو القرآن ، أو بالنصر على العدو. قيل الضمير ل (الْإِيمانَ) فإنه سبب لحياة القلب. (وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ) بطاعتهم. (وَرَضُوا عَنْهُ) بقضائه أو بما وعدهم من الثواب. (أُولئِكَ حِزْبُ اللهِ) جنده وأنصار دينه. (أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) الفائزون بخير الدارين.

عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم «من قرأ سورة المجادلة كتب من حزب الله يوم القيامة».

١٩٧

(٥٩) سورة الحشر

مدينة وآيها أربع وعشرون آية

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)(١)

(سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)

روي «أنه عليه‌السلام لما قدم المدينة صالح بني النضير على أن لا يكونوا له ولا عليه ، فلما ظهر يوم بدر قالوا : إنه النبي المنعوت في التوراة بالنصرة ، فلما هزم المسلمون يوم أحد ارتابوا ونكثوا وخرج كعب بن الأشرف في أربعين راكبا إلى مكة وحالفوا أبا سفيان ، فأمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أخا كعب من الرضاعة فقتله غيلة ، ثم صبحهم بالكتائب وحاصرهم حتى صالحوا على الجلاء فجلا أكثرهم إلى الشام ولحقت طائفة بخيبر والحيرة» فأنزل الله تعالى (سَبَّحَ لِلَّهِ) إلى قوله : (وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).

(هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللهِ فَأَتاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ)(٢)

(هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ) أي في أول حشرهم من جزيرة العرب إذ لم يصبهم هذا الذل قبل ذلك ، أو في أول حشرهم للقتال أو الجلاء إلى الشأم ، وآخر حشرهم إجلاء عمر رضي الله تعالى عنه إياهم من خيبر إليه ، أو في أول حشر الناس إلى الشأم وآخر حشرهم أنهم يحشرون إليه عند قيام الساعة فيدركهم هناك ، أو أن نارا تخرج من المشرق فتحشرهم إلى المغرب. والحشر إخراج جمع من مكان إلى آخر. (ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا) لشدة بأسهم ومنعتهم. (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللهِ) أي أن حصونهم تمنعهم من بأس الله ، وتغيير النظم وتقديم الخبر وإسناد الجملة إلى ضميرهم للدلالة على فرط وثوقهم بحصانتها واعتقادهم في أنفسهم أنهم في عزة ومنعة بسببها ، ويجوز أن تكون (حُصُونُهُمْ) فاعلا ل (مانِعَتُهُمْ). (فَأَتاهُمُ اللهُ) أي عذابه وهو الرعب والاضطرار إلى الجلاء ، وقيل الضمير ل (الْمُؤْمِنِينَ) أي فأتاهم نصر الله ، وقرئ «فآتاهم الله» أي العذاب أو النصر. (مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا) لقوة وثوقهم. (وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ) وأثبت فيها الخوف الذي يرعبها أي يملؤها. (يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ) ضنا بها على المسلمين وإخراجا لما استحسنوا من آلاتها. (وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ) فإنهم أيضا كانوا يخربون ظواهرها نكاية وتوسيعا لمجال القتال. وعطفها على «أيديهم» من حيث إن تخريب المؤمنين مسبب عن نقضهم فكأنهم استعملوهم فيه ، والجملة حال أو تفسير ل (الرُّعْبَ). وقرأ أبو عمرو (يُخْرِبُونَ) بالتشديد وهو أبلغ لما فيه من التكثير. وقيل الإخراب التعطيل أو ترك الشيء خرابا والتخريب الهدم. (فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ) فاتعظوا بحالهم فلا تغدروا ولا تعتمدوا على غير الله ، واستدل به على أن القياس حجة من حيث إنه أمر بالمجاوزة من حال إلى حال وحملها عليها في حكم لما بينهما من المشاركة المقتضية

١٩٨

له على ما قررناه في الكتب الأصولية.

(وَلَوْ لا أَنْ كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ (٣) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللهَ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ)(٤)

(وَلَوْ لا أَنْ كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ) الخروج من أوطانهم. (لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا) بالقتل والسبي كما فعل ببني قريظة. (وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ) استئناف معناه أنهم إن نجوا من عذاب الدنيا لم ينجوا من عذاب الآخرة.

(ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللهَ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ) الإشارة إلى ما ذكر مما حاق بهم وما كانوا بصدده وما هو معد لهم أو إلى الأخير.

(ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ)(٥)

(ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ) أي شيء قطعتم من نخلة فعلة من اللون ويجمع على ألوان ، وقيل من اللين ومعناها النخلة الكريمة وجمعها أليان. (أَوْ تَرَكْتُمُوها) الضمير لما وتأنيثه لأنه مفسر باللينة. (قائِمَةً عَلى أُصُولِها) وقرئ «أصلها» اكتفاء بالضمة عن الواو أو على أنه كرهن. (فَبِإِذْنِ اللهِ) فبأمره. (وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ) علة لمحذوف أي وفعلتم أو وأذن لكم في القطع ليجزيهم على فسقهم بما غاظهم منه. روي أنه عليه‌السلام لما أمر بقطع نخيلهم قالوا : قد كنت يا محمد تنهى عن الفساد في الأرض فما بال قطع النخل وتحريقها فنزلت. واستدل به على جواز هدم ديار الكفار وقطع أشجارهم زيادة لغيظهم.

(وَما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)(٦)

(وَما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ) وما أعاده عليه بمعنى صيره له أو رده عليه ، فإنه كان حقيقا بأن يكون له لأنه تعالى خلق الناس لعبادته وخلق ما خلق لهم ليتوسلوا به إلى طاعته فهو جدير بأن يكون للمطيعين. (مِنْهُمْ) من بني النضير أو من الكفرة. (فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ) فما أجريتم على تحصيله من الوجيف وهو سرعة السير. (مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ) ما يركب من الإبل غلب فيه كما غلب الراكب على راكبه ، وذلك إن كان المراد فيء بني النضير ، فلأن قراهم كانت على ميلين من المدينة فمشوا إليها رجالا غير رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فإنه ركب جملا أو حمارا ، ولم يجر مزيد قتال ولذلك لم يعط الأنصار منه شيئا إلا ثلاثة كانت بهم حاجة. (وَلكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ) بقذف الرعب في قلوبهم. (وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فيفعل ما يريد تارة بالوسائط الظاهرة وتارة بغيرها.

(ما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ)(٧)

(ما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى) بيان للأول ولذلك لم يعطف عليه. (فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) اختلف في قسم الفيء ، فقيل يسدس لظاهر الآية ويصرف سهم الله في عمارة الكعبة وسائر المساجد ، وقيل يخمس لأن ذكر الله للتعظيم ويصرف الآن سهم الرسول عليه الصلاة

١٩٩

والسلام إلى الإمام على قول وإلى العساكر والثغور على قول وإلى مصالح المسلمين على قول. وقيل يخمس خمسه كالغنيمة فإنه عليه الصلاة والسلام كان يقسم الخمس كذلك ويصرف الأخماس الأربعة كما يشاء والآن على الخلاف المذكور. (كَيْ لا يَكُونَ) أي الفيء الذي حقه أن يكون للفقراء. وقرأ هشام في رواية بالتاء. (دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ) الدولة ما يتداوله الأغنياء ويدور بينهم كما كان في الجاهلية ، وقرئ «دولة» بمعنى كيلا يكون الفيء ذا تداول بينهم أو أخذه غلبة تكون بينهم ، وقرأ هشام (دُولَةً) بالرفع على كان التامة أي كيلا يقع دولة جاهلية. (وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ) وما أعطاكم من الفيء أو من الأمر. (فَخُذُوهُ) لأنه حلال لكم ، أو فتمسكوا به لأنه واجب الطاعة. (وَما نَهاكُمْ عَنْهُ) عن أخذه منه ، أو عن إتيانه. (فَانْتَهُوا) عنه. (وَاتَّقُوا اللهَ) في مخالفة رسوله. (إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ) لمن خالفه.

(لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ)(٨)

(لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ) بدل من (لِذِي الْقُرْبى) و (ما) عطف عليه فإن (الرَّسُولُ) لا يسمى فقيرا ، ومن أعطى أغنياء ذوي القربى خصص الإبدال بما بعده ، أو الفيء بفيء بني النضير. (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ) فإن كفار مكة أخرجوهم وأخذوا أموالهم. (يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً) حال مقيدة لإخراجهم بما يوجب تفخيم شأنهم. (وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ) بأنفسهم وأموالهم. (أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) في إيمانهم.

(وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ)(١٠)

(وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ) عطف على المهاجرين ، والمراد بهم الأنصار الذين ظهر صدقهم فإنهم لزموا المدينة والإيمان وتمكنوا فيهما ، وقيل المعنى تبؤوا دار الهجرة ودار الإيمان فحذف المضاف من الثاني والمضاف إليه من الأول وعوض عنه اللام ، أو تبؤوا الدار وأخلصوا الإيمان كقوله : علّفتها تبنا وماء باردا. وقيل سمى المدينة بالإيمان لأنها مظهره ومصيره. (مِنْ قَبْلِهِمْ) من قبل هجرة المهاجرين. وقيل تقدير الكلام والذين تبؤوا الدار من قبلهم والإيمان. (يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ) ولا يثقل عليهم. (وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ) في أنفسهم. (حاجَةً) ما تحمل عليه الحاجة كالطلب والحزازة والحسد والغيظ. (مِمَّا أُوتُوا) مما أعطي المهاجرون من الفيء وغيره. (وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ) ويقدمون المهاجرين على أنفسهم حتى إن من كان عنده امرأتان نزل عن واحدة وزوجها من أحدهم. (وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ) حاجة من خصاص البناء وهي فرجة. (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ) حتى يخالفها فيما يغلب عليها من حب المال وبغض الإنفاق. (فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) الفائزون بالثناء العاجل والثواب الآجل.

(وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ) هم الذين هاجروا حين قوي الإسلام ، أو التابعون بإحسان وهم المؤمنون بعد الفريقين إلى يوم القيامة ولذلك قيل : إن الآية قد استوعبت جميع المؤمنين. (يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ) أي لإخواننا في الدين. (وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا) حقدا لهم. (رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ) فحقيق بأن تجيب دعاءنا.

٢٠٠