أمثال القرآن

آية الله مكارم الشيرازي

أمثال القرآن

المؤلف:

آية الله مكارم الشيرازي


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مدرسة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام
المطبعة: معراج
الطبعة: ٢
ISBN: 964-6632-94-7
الصفحات: ٥٥٢

والسحاب وغيرها من الظواهر الطبيعية التي سميت في الروايات ملكاً. لقد جاء في رواية أنَّ كل قطرة تنزل من السماء يحتضنها ملك وينزلها إلى الارض. (١)

وبهذا التبرير أي اعتبار الجاذبية ملكاً يمكن القول بعدم التضاد بين الرؤى والكشفيات العلمية مع ما ورد في الروايات الدينية ، بل ينطبق احدهما على الاخر وتحل بذلك عقدة التضاد الظاهري بينهما.

٢ ـ الاختلاف بين المثلين

المثلان يتعلقان بالمسافر الذي ضل الطريق في صحراء ؛ لكن المسافر في المثل الأول يواجه خطر المجاعة والعطش والافتراس من قبل الحيوانات ، أمّا في المثل الثاني فان الأخطار التي تحدق به هي الاعصار والسيول والرعد والبرق والصاعقة. ومن الطبيعي ان تكون شدة الاخطار في المورد الثاني اكثر من المورد الأول وتجعل حياته عرضة للموت بشكل اشد.

يعتقد البعض أنَّ المثلين يحكيان حال طائفة خاصة وهي طائفة المنافقين عموماً ، إلّا أنِّي أرى أنَّ كلاً من المثلين يحكي حال قسم من المنافقين ، فان المنافقين ينقسمون إلى قسمين :

القسم الاول : هم المسلمون الذين ضعف ايمانهم عن مواجهة المطامع المادية والدنيوية مثل المال والجاه والمقام ، فلا يهابون الكذب وخلف الوعد ونكث العهد ؛ وصولاً لمآربهم الشخصية ، فهم في النتيجة (مسلمون ضعيفو الإيمان) امثال ثعلبة بن حاطب الذي تكلمنا عنه في الصفحات الماضية.

والقسم الآخر للمنافقين : هم اولئك الذين لم يدخل الايمان في قلوبهم ابداً وقد تظاهروا به فحسب دون ان يحملوه ، وذلك خوفاً من قدرة الإسلام أو طمعاً بمصالح المسلمين ، فهم في النتيجة (كفار متظاهرون بالاسلام) أمثال أبي سفيان ومعاوية ومروان.

ومن الواضح أنّ القسم الثاني هم الاعداء اللدودون للإسلام ووجودهم يشكل خطراً على الإسلام والمسلمين يفوق خطر القسم الاول بمرات ، ولذلك نرى أنّ المثل الأول ناظر إلى

__________________

(١) من لا يحضره الفقيه ١ : ٣٣٣ ، الحديث ٥.

٤١

القسم الاول من المنافقين ، والمثل الثاني ناظر إلى القسم الثاني من المنافقين الذين يعدّ خطرهم أشد وأعظم من خطر القسم الأول.

٣ ـ عالم النفاق أو النفاق العالمي

للنفاق مستويات مختلفة ، فمنه ذات المستوى الفردي ومنه ذات المستوى الجماعي والحكومي والعالمي. ومما يؤسف له أنّ عالمنا اليوم عالم منافق حيث يدعو لشيء ويعمل بما يخالف دعوته ، والحدث الآتي ذكره من أبسط مظاهر النفاق العالمي واوضحها في ذات الوقت.

أرسل الإنسان في سنة من السنوات الماضية كلباً في مركب فضائي وذلك لدراسة تأثير الفضاء على الموجودات الحية ، وبعد هبوط المركبة على وجه الارض وجد الكلب ميتاً.

اذاعة هذا الخبر آثار إعتراضاً من قبل منظمات الدفاع عن حقوق الحيوانات وكذا غيرها من المؤسسات والجمعيات وقد كان محور الاعتراضات هو : لماذا قتلتم حيواناً في سبيل تجربة علمية؟

إنَّ هذه الاعتراضات تكشف عن الوجه الظاهري النزيه للمجتمع الدولي ، إلّا أنا نشاهد حالياً مقتل العشرات بل المئات والآلاف من المواطنين الجزائريين في مجازر جماعية دون أنْ تطلق صرخات ضد هذه المجازر.

لمن تلك الايادي التي ترتكب هذه المجازر من دون ان تلاقي اعتراضات معتد بها؟ يا لها من أيد لا تستطيع الشرطة بل ولا الجيش ان تقف امامها؟ انها ايدي العالم المتستر والمتقمص قميص الدفاع عن حقوق الحيوانات فضلاً عن حقوق البشر. ألا يمكن ان نقول : ان هذا العالم هو عالم منافق؟ واي نفاق يرتكبه؟ انه نفاق وقح ، فيه صرخات تعلو وتشتد لاجل قتل كلب ، كما فيه سكوت على قتل الشعوب وارتكاب المجازر الجماعية.

إن الإسلام ووجدان البشرية ينفر من هذا النفاق العالمي ونحن مطمئنون بان زعماء النفاق سيفتضحون يوماً ما.

الهي اكف المستضعفين وبخاصة المسلمين شر هذا النوع من النفاق.

٤٢

٤ ـ ظهور المنافقين في الإسلام

هل (جذور النفاق) بدأت من المدينة ام من مكة؟ قضية مختلف فيها.

ولاجل ايضاح الموضوع ودراسة تاريخ النفاق والمنافقين في الإسلام نستعين بالقرآن المجيد ، فقد جاءت آيات كثيرة في مجال النفاق ، والدراسة الاجمالية للموضوع يكشف عن استخدام هذه المادة ٣٧ مرة في القرآن.

لكن أمر النفاق والمنافقين لا ينحصر في هذه الموارد المحدودة ؛ وذلك لانا نجد الكثير من الايات تعرضت لهذه القضية من دون ذكر لهذه المادة أبداً ، كما هو الحال بالنسبة لثلاثة عشر آية من الايات الاوائل لسورة البقرة (١) فقد كان موضوعها النفاق من دون ان يأتي ذكر لمادة النفاق مباشرة بل استخدمت مواد مرادفة لمادة النفاق.

إنَّ الايات السبع والثلاثين التي تضمنت مادة النفاق ، نزلت كلها في المدينة ؛ ومن هنا يمكننا ان نستنتج ان القائلين ببدء النفاق من المدينة نظروا إلى ظاهر القرآن ، إلّا أنّ الافضل لنا ان نرجع إلى الوراء قليلاً لننظر إلى تاريخ حياة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله والنبوة وكيفية التبليغ ومراحل جهاد الرسول لاعداء الإسلام.

مراحل جهاد الرسول لاعداء الإسلام

ان مواجهة الكفار والمشركين للرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله والدين الاسلامي الحنيف ذات مراحل ست :

المرحلة الاولى : الاستهزاء والاستخفاف بالدين

بُعث محمد نبياً في غار حراء ونزلت آنذاك اول آيات القرآن عليه ، وأصبحت دعوته علنية بعد ثلاث سنوات من الكتمان والتستر في دعوة الناس إلى الدين الجديد.

كان المشركون والوثنيون يعتبرون هذا الدين خطراً على مصالحهم ، لكنهم ما كانوا يأخذونه مأخذاً جدياً لذا بادروا إلى الاستهزاء بالرسول ونسبة الجنون اليه.

يقول الله في هذا المجال في الاية ٦ من سورة الحجر : (قَالُوا يَا أيُّها الّذي نُزّلَ عَلَيْهِ الذّكْرَ إنَّكَ

__________________

(١) من الاية الثامنة وحتى العشرين.

٤٣

لَمَجْنُونٌ) (١) وكانوا يستهدفون من ذلك عدم اخذ الناس هذا الدين مأخذاً جدياً ، وعدم الاعتناء والتصديق بكلام الرسول ؛ إلّا أنّ المسلمين رغم هذه الاتهامات كانوا يزدادون يوماً بعد اخر ، وكان الناس وبخاصة الشباب (٢) منهم يصغون لكلام الرسول وينجذبون اليه ، لذلك باءت مواجهتهم في هذه المرحلة بالفشل ، وباتوا يفكرون بمواجهة أخرى ومرحلة أخرى من التصدي.

المرحلة الثانية : نسبة السحر والشعر للرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله

بما أنّ الكفار لم ينجحوا في الحد من تأثير الرسول على الناس ، من خلال المرحلة الاولى من المواجهة ، بادروا إلى التصدي له بنعته بالكذب والشعر والسحر. إنّ النسبة هذه تعني أنهم قالوا للناس : إنّ تأثير الرسول فيهم لأجل كونه ـ نعوذ بالله ـ ساحراً ذكياً وشخصية مرموقة ويجذب النفوس نحوه لعلمه بالشعر وامتهانه مهارة انشاده. ولو كان كلامه كلاماً عادياً ما كان يجذب الناس بهذه الشدة. يقول القرآن في هذا المجال في الاية ٤ من سورة (ص) : «(وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذّابٌ) (٣)

لم توفّر آلية المواجهة هذه جميع الاهداف التي كانوا يستهدفونها ، وذلك لأن عدد المسلمين لا زال في تزايد مستمر والرجال والنساء والشباب والشيوخ لا زالوا يتوافدون على الرسول ليعلنوا الإسلام ، وكان نتيجة ذلك ان بادر الكفار إلى تغيير اسلوبهم في المواجهة.

__________________

(١) وقد تكررت هذه الإتهامات في آيات أخرى نقلاً عن المشركين ، وهي : الدخان : ١٤ والطور : ٩٢ ، والقلم : ٢ ، و ٥١ والتكوير : ٢١. ويستفاد من آيات القرآن ان اول مواجهة يخوضها المشركون والكفار لرسول يبعث لهم هي نسبة الجنون إليه. وللمزيد يمكن مراجعة الايات التالية : الذاريات : ٣٩ و ٥٢ ، الصافات : ٣٦ ، الشعراء : ٧٢ ، نوح : ٩.

(٢) لقد كان لجيل الشباب دور فاعل في تمكن الإسلام وامتداده في بقاع الارض ؛ وحالياً للشباب نفس الدور الذي كان للشباب في صدر الإسلام ؛ فما دام الشباب في حضن الإسلام لا خطر يواجه هذا الدين. ولهذا ينبغي العناية الخاصة بهذه الشريحة في بلداننا.

(٣) ان هذه التهمة لم تختص برسولنا ، بل شملت الكثير من الرسل حيث يقول الله في الاية ٥٢ من سورة الذاريات : (كَذِلك ما أتَى الّذين مِنْ قَبْلِهِم مِنْ رَسُولٍ إلّا قَالُوا سَاحِرٌ مَجْنُونٌ) وقد جاءت آيات كثيرة من القرآن متناولة الموضوع ذاته.

٤٤

المرحلة الثالثة : المحاصرة الاقتصادية وقطع العلاقات

إنَّ فشل أساليب التهم ونسبة الجنون وغيره إلى الرسول جعلت الكفار والمشركين يفكرون بالمواجهة العملية ، لذلك فرضوا حضراً على المسلمين وحبسوهم في مكان يدعى (شعب ابي طالب) ، فمنعوا التردد عليهم والتعامل معهم.

لقد صبر المسلمون مدة ثلاث سنوات في ذلك الشعب الخالي من الماء والكلاء ، وتحملوا المشاكل التي واجهتهم آنذاك وثبتوا ولم تزل أقدامهم. (١) والمكان هذا رغم انه مشجر حالياً إلّا أن الإنسان لا يطيق قراءة الفاتحة على قبر ابي طالب عليه‌السلام هناك ، وذلك لشدة الحرارة ، والمسلمون آنذاك صمدوا وثبتوا ، وقد قضى البعض نحبه هناك ، رغم ذلك لم يستسلموا للاعداء.

وبعد تجييش عواطف اهالي مكة بادر البعض إلى فك الحصار عنهم شيئاً فشيئاً إلى ان فقد الحصار تأثيره وباءت جهود الكفار مرة أخرى بالفشل الذريع وما باتت هذه الآلية تجدي نفعاً.

المرحلة الرابعة : التدبير لاغتيال الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله

لقد شاهد المشركون من جانب فشل آليات التصدي للرسول والمسلمين ومن جانب اخر شاهدوا انتشار الدعوة الاسلامية بشكل سريع بين الناس وإدبارهم عن الاصنام ؛ لذا فكروا باجراءات جدية وخطرة اكثر من ذي قبل وقد استهدفوا في هذه المرحلة شخصية الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ذاتها. فقد وجد زعماء قريش حلولاً ثلاثة لمشكلتهم :

الأول : نفي الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله خارج مكة حفظاً لمصالح الكفار في مكة.

الثاني : حبسه للحيلولة دون اتصاله بالناس والمسلمين.

الثالث : قتله.

__________________

(١) ان الإسلام الذي بلغنا حالياً هو نتيجة للمشاق والزحمات والشهادات والتضحيات التي تحملها الاوائل ، لذلك كان علينا لزاماً ان نسعى لحفظ هذا الدين بالقول والعمل.

٤٥

نتيجة شوراهم كان قرار قتل الرسول في ليلة المبيت (١) حيث حاصر أربعون شخصاً من شجعان العرب بيت الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ليقتلوه في صباح تلك الليلة. اطّلع الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله على مؤامرتهم بوحي الهي فامر الامام علي عليه‌السلام ان ينام في فراشه آنذاك ، وخرج بشكل معجز من بيته قاصداً يثرب (المدينة) ، إلّا أنه تحرك خلاف اتجاه وطريق المدينة لخداع المشركين ، وبعد ان اطلع المشركون على تملُّص الرسول قاموا بتعقيبه وتتبع خطواته ، لكنَّ الله شاء بقدرته ان يصل الرسول المدينة بسلامة ليقيم اول حكومة اسلامية زادت من قدرة المسلمين وشوكتهم.

المرحلة الخامسة : الحروب المتوالية ضد المسلمين

بعد ما نجع الكفار من النيل من شخصية الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله سلكوا طريق المواجهة المسلحة ، وذلك لعدم نجاح آليات الحرب النفسية التي سلكوها ضد المسلمين لردهم عن دينهم وللحد من توسع رقعة الإسلام.

إنّ الإسلام يهدد سلطة الكفار ومصالحهم ؛ ولاجل القيام بمهمة المواجهة العسكرية هموا في البداية اعداد رجال مكة ثم رجال القبائل الاخرى لبدء سلسلة حروب عسكرية متوالية ومتواصلة كانت معركة (بدر) البداية ومعركة الاحزاب (٢) هي الذروة.

لقد استفاد كفار قريش في معركة الاحزاب من جميع ما توفر لهم من امكانيات وقوى ، وكما يبدو من اسمها فان جميع قبائل العرب وطوائفهم اجتمعوا واعدوا انفسهم للنزال ضد الإسلام ولقتل الرسول ورجال المسلمين وللإغارة على اموالهم ولهدم بيوتهم ، وسبي نسائهم والقضاء على الإسلام في النهاية.

تشير الآيتان ٩ و ١٠ من سورة الاحزاب إلى هذه المرحلة من المواجهة : (يَا أيُّها الّذِيْنَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللِهِ عَلَيْكُم إذْ جَاءَتْكُم جُنُودٌ فأرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيْحَاً وجُنُودَاً لَم تَرَوْهَا وَكَانَ اللهُ

__________________

(١) الاصطلاح يطلق على الليلة التي نام فيها الامام علي عليه‌السلام مكان الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ليموّه على خروج الرسول من بيته. ولاجل هذه التضحية العظيمة نزلت الاية الشريفة التالية في حقه عليه‌السلام : (وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللهِ واللهُ رؤوفٌ بالعِبَادِ.)

(٢) بعد الاحزاب كانت معارك أخرى الا انها ليست بمستوى الاحزاب من حيث الاهمية.

٤٦

بِمَا تَعْمَلُون بَصِيْراً ، إذ جَاؤوكُم مِنْ فَوْقِكُم وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإذْ زَاغَتِ الأبْصَارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَنَاجرَ وتَظُنُّونَ باللهِ الظَّنُونا)

إنّ هذه الايات أهل للتأمل من حيث أنها تكشف عن معاناة المسلمين في صدر الإسلام.

وحسب هذه الآيات ، فإنّ العَدُو حاصر المدينة مِنْ جميع الجهات ، وقد بلغت اعدادات الاعداء وعدتهم إلى مستوى جعلت أبصار المؤمنين تزيغ ، وقلوبهم تبلغ الحناجر ؛ وذلك لأن المسلمين قليلون وعدتهم محدودة وأسلحتهم بسيطة ، وهذا هو السبب في نفوذ الرعب والخوف في قلوب ضعاف الايمان من المسلمين حيث كانت عبارات التزلزل والشك تدور في اذهانهم وقد يكون المسلمون جميعاً باستثناء الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله والإمام علي عليه‌السلام وعدة قليلة من المسلمين تزلزلوا إيماناً. فان ضعيف الإيمان يتزلزل عند مواجهته لأزمة شديدة ، عكس قوي الايمان حيث يقوى ايمانه ويزداد ثباته عند مواجهة الأزمات والمشاكل.

إنّ معركة الاحزاب كانت ساحة للإختبار لتمييز المؤمنين الحقيقيين عن غيرهم من ضعاف الايمان والمترددين في إيمانهم. إنّ نهاية هذه المعركة كان لصالح المسلمين ولم تحصل مواجهة واراقة دماء الا في مورد واحد ، حيث قتل الإمام علي عليه‌السلام عمرو بن ود.

عسكر الاعداء ابتلي باعصار شديد ، ولشدته كانت تقلع خيامهم من اماكنها وتقلب قدور الطعام ، كما سادهم خوف واضطراب وخيبة امل اجبرت أبا سفيان وغيره من زعماء الكفر على الرجوع كالجيش الخاسر ، وبذلك تحقق وعد الله بنصر المؤمنين تارة أخرى ، ونجى المؤمنون من خطر كبير كان يهدد وجودهم ودينهم ، فكان نصراً للمسلمين اضفى عليهم قدرة وعظمة جعلت مكة وضواحيها لا تفكر بعدئذ بحرب مع المسلمين. ولاجل هذا استسلمت بعد فترة من الزمن مكة واهاليها ليصبح الإسلام القوة الوحيدة في بلاد الحجاز.

المرحلة السادسة ، اللجوء إلى اخطر سلاح (النفاق)

رغم انتكاسة الاعداء في حرب الاحزاب وخسرانهم الحرب آنذاك ، ورغم ما ترتب على هذه الانتكاسة من عدم تفكيرهم بعدئذ بدخول حرب مع المسلمين ، إلّا أنّ ذلك ما كان يعني تركهم لمعارضة الإسلام ومخالفته. إنّ الأعداء ، اثر ادراكهم فشل وسائل المواجهة السابقة

٤٧

واقرارهم بذلك ، بدأوا يفكرون بوسيلة ناجحة وفضلى للتخريب والدمار ، وما كانت وسيلتهم الجديدة إلّا النفاق.

إنّ الأعداء خسروا الحرب مع المسلمين ، وهو أمر جعلهم في النهاية يستسلمون ويفتضحون إلّا أنهم لم ينسوا حربهم مع الإسلام وعدائهم له ، وقد تستروا في هذه المرحلة من المواجهة بنقاب النفاق وانتظروا يترصدون الفرصة للنيل من الإسلام وانزال الضربة القاصمة فيه. والآية الشريفة الأولى من سورة المنافقين ناظرة إلى هذه المرحلة من المواجهة (إذا جاءَكَ المُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إنّكَ لَرَسُولُ اللهِ والُله يَعْلَمُ إنّكَ لَرَسُولُه واللهُ يَشْهَدُ إنّ المُنَافِقِينَ لكَاذِبُونَ)

وبهذا الشكل تشكّل تيار النفاق ليصبح تدريجياً كالسيل الجارف ، (١) وظاهر هذه الآية وآيات أخرى هو أنّ النفاق بدأ من المدينة. لكن هذا لا يعني أنّ مكة كانت تخلو من النفاق والمنافقين ، فقد يملك البعض قدرة حدس وتخمين المستقبل وفكراً سياسياً قوياً ، وكان من خلال ذلك قد رأى النصر النتيجة الحتمية لنشاطات الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولا يمكن بلوغ المقامات العليا آنذاك إلا من خلال التظاهر بالايمان الواقعي والقوي والتماشي مع هذا التيار.

نتائج الأمثال

يمكننا الخروج بالنتيجة التالية من الآيات الأربع للمثلين السابقين : (المنافق لا ثبات له) وانه يعاني من حالات نفسية منها الوحدة والخوف والوحشة والاضطراب والفضيحة ، كما تُتصور في حقه جميع الأخطار التي عدت للمسافر الذي ضلّ الطريق في الصحراء. أمّا المؤمن فيحضى بهدوء وسكينة واطمئنان خاص يحصل في ظلّ الإيمان الخالص بالله.

ما أحسن ما قال الله تعالى في هذا المجال : (الّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) (٢)

__________________

(١) ان الثورة الاسلامية في ايران واجهت نفس المراحل الست ، وقد شهدناها قبل الثورة وبعدها فكان منها الاستهزاء بالامام الخميني (قده) واهانته ونفيه إلى الخارج والحصار الاقتصادي والحروب المسلحة الداخلية منها والخارجية ، والنهاية هو النفاق الذي كانت منظمة خلق ايران نموذجاً بارزاً له.

(٢) الأنعام : ٨٢.

٤٨

وقد فسّر الظلم في الاية بتفسيرين ، الاول : هو الشرك ، أي أنّ (إيْمَانَهُمْ بِظُلْمٍ) تعني الإيمان الخالص الذي لم يمتزج بالشرك. والثاني : هو المعنى المعروف والمتبادر من المفردة ، أي أنّ المؤمن الذي لم يمتزج ايمانه بظلم لأحد فله الأمن وهو مهتد.

ونقرأ في آيات أخرى : (ألا إنّ أوْلِيَاءَ الله لا خَوْفٌ عَلَيْهِم وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ الّذينَ آمنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ لَهُم البُشرَى فِي الحيوةِ الدُّنْيَا وفي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللهِ ذَلك هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ) (١)

إنَّ عدم الأمن والاضطراب والخوف والوحشة في الدنيا ، وعذاب جهنم في الآخرة هو نصيب المنافقين ، أمّا المؤمنون فنصيبهم الأمن والسعادة والفلاح.

وهذا أمر اثبت العلم الحديث صحته ، ففي مؤتمر حمل عنوان (تأثير الدين على نفس الإنسان) ، توصل العلماء المشتركون فيه إلى ان المؤمنين قليلاً ما يبتلون بالامراض النفسية وكثيراً ما نجد هذا النوع من الامراض في الذين يفقدون الايمان بالله ؛ وذلك لأنّ غير المؤمن يشعر بالوحدة دائماً وتهزه ابسط المشاكل.

أمّا المؤمن فيرى الله معه ، يتوكل عليه في الحوادث ويبدي الثبات والصبر من نفسه دائماً ، فإذا فقد أحد أعزته قال : (إنَّا للهِ وإنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ) (٢) وبهذا الإعتقاد تسهل عليه الوطئة وتتغمده رحمة الله وألطافه كما تقول الاية ١٥٧ من سورة البقرة.

وهو إذا فقد رأس ماله لا يأسى ولا يحزن ، كما انه إذا اتاه شيء ثمين لا يفرح ولا يفخر (لَكَيْلا تأسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ واللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) (٣)

وإذا حصلت له حوادث أخرى فيعدها امتحانات الهية تسلك به نحو الكمال في الدنيا وتدرُّ عليه الثواب والأجر في الآخرة. فهو لا يلعن الزمان ولا المكان بل يشكر الله ويحكّم ايمانه بالله ويقوّيه. واذا ما تصفحنا سيرة عظمائنا لوجدنا مفاهيم هذه الايات متجسدة فيهم عملياً.

__________________

(١) يونس : ٢٦ ـ ٦٤.

(٢) البقرة : ١٦٥.

(٣) الحديد : ٢٣.

٤٩

سعيد بن جبير عند الموت

إن سعيد بن جبير من العظماء والأولياء ، كما انه من انصار الامام السجاد عليه‌السلام ، فقد كان مؤمناً حنيفاً ومتوكلاً على الله في اعماله ، وقد ابتسم عند مقتله.

عند ما جي بسعيد بن جبير إلى الحجاج (١) دار نقاش بينهما استهدف الحجاج عبره النيل والاستهزاء بسعيد ، إلّا أنَّه ما استطاع ، لقدرة سعيد على الكلام ، فامر بقتله وقال له : اختر أي قتلة شئت! قال : اختر لنفسك فان القصاص امامك. ولما أمر بقتله قال (وَجَّهْتُ وَجْهِي للّذي فَطَرَ السَّمَواتِ والأَرْضَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكينَ) (٢) فقال : شدوا به لغير القبلة. فقال : (أيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ) (٣) قال : كُبوَّه على وجهه. فقال : (مِنْها خَلَقْنَاكُم وَفِيْها نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارةً أُخْرَى) (٤)

وبعد ما أمر الحجاج بقتله دعى سعيد بهذا الدعاء (اللهم لا تسلّطه على احد بعدي) ، وقد استجيب دعاؤه ولم يبق الحجاج بعده الا خمسة عشرة ليلة (٥) ولم يقتل بعده الحجاج احداً.

وقد مات الحجاج اثر مرض كان يشعر خلاله بالبرودة والرعشة بحيث كان يدخل يديه في النار وتحترق وهو لا يشعر بها. ولما جاءه احد الوجهاء وطلب منه ان يدعو له ، ذكّره بما قد أوصاه سابقاً من عدم الاكثار في القتل.

نعم إنَّ الامان في الدنيا للمؤمنين فقط دون المنافقين ، ودين الله ليس للاخرة فقط بل هو منهج للحياة الدنيا كذلك.

__________________

(١) يقول احد الكتّاب في الحجاج : «لو كانت هناك مسابقة تعرّف من خلالها الملل والنحل طغاتها وجناتها وعرّفنا نحن المسلمون الحجاج في تلك المسابقة لربحنا تلك المسابقة قطعاً».

ويبدو انه منصف في كلامه وليس الأمر بعيداً عن الواقع ؛ فانَّ قطع رؤوس المعارضين له ومشاهدة فوران الدم من الجسد والشرايين هي احد موارد ترفيهه والتذاذه ، وكان يصّرح بالتذاذه بمشاهدة هذه المناظر.

(٢) الأنعام : ٧٩.

(٣) البقرة : ١١٥.

(٤) طه : ٥٥.

(٥) سفينة البحار ، مادة سعد.

٥٠

المثل الثالث :

قسوة القلب

يقول الله في الاية المباركة ٧٤ من سورة البقرة :

(ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْد ذَلك فَهِيَ كالحِجَارَةِ أوْ أشَدُّ قُسْوَةً وإنَّ مِنَ الحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وإنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَقّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ المَاءَ وإنّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وما اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ)

الآية الشريفة جاءت في بني اسرائيل وضربت مثلاً جميلاً في قسوة قلوبهم ؛ فان دفتر أعمالهم مسوَّد على طول التاريخ. وإن التعصب واللجاجة والتحجج والغرور والضغينة تجاه الانبياء والمقاومة قبال الحق من خصال هذا القوم العاصي والكافر لنعم الله.

لقد شاكس هذا القوم المسلمين ونافق ضدهم ، فمن جانب كانوا يتعاهدون مع المسلمين ومن جانب اخر ينالون منهم بخنجر من الخلف. إنَّ عداء هذا القوم المعاند للمسلمين لم تنته ابداً ولا زال مشهوداً في عصرنا هذا ، بل هو حالياً بلغ ذروته. ويمكن القول : إنَّ اكبر صفعة نالتها الامة الاسلامية كانت من بني اسرائيل ومن قسم خاص منهم معروف باسم (الصهاينة) ؛ انهم في الدول الاسلامية منشأ الفساد والقتل والنزاعات والاختلافات والفحشاء واللامبالاة تجاه الاحكام الاسلامية والربا و.. إنَّ انتهاكاتهم ومظالمهم لو جمعت في مكان واحد لاصبحت كتاباً ضخماً بل كتباً. إنَّ قسوة قلوبهم بلغت درجة حيث لا يرحمون حتى انبيائهم فضلاً عن غيرهم ، وقد حمل منهم نبيهم موسى عليه‌السلام الكثير.

٥١

قصة بقرة بني اسرائيل

الاية الشريفة جاءت بعد آيات حكت قصة بقرة بني اسرائيل ؛ وخلاصة القصة محكية في الايات ٦٧ ـ ٧٣ من سورة البقرة نأتي بها هنا :

قُتِل شخص من بني اسرائيل من دون ان يعرف القاتل ، وهو أمر سبب اختلافاً بين القوم. وعادة عند ما يُقتل شخص يسعى البعض ان يرجعه إلى عملية تصفية الحسابات فيلقي القتل على عاتق اطراف خاصة. وقد كان اصل الحادث ان شخصاً قتل عمه الثري ، وقد كان الشاب الوارث الوحيد لعمه وكان منزعجاً من جراء تأخر وفاة عمه فقتله لينال نصيبه من الارث في وقت مبكر. وقد عدَّ البعض حبّ الشاب لابنة عمه هو سبب القتل ؛ وذلك لان العم رغم حبه لابن اخيه زوج ابنته من شخص آخر.

إنَّ بث خبر مقتل هذا الشخص اثار ضجة شديدة جعلت البعض ومنهم القاتل الحقيقي يبحثون عن القاتل ، فكانت الفتنة العظيمة وكان الموقف يوشك على نزاع بين القبائل ليتبدل إلى حرب شاملة ، فطلبوا من موسى ان يحل لهم المشكلة فكانت المساءلة التالية حسب ما دونها القرآن :

(وإذْ قَالَ مُوسَىَ لِقَومهِ إنَّ الله يَأمُرُكُم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أتتَّخذُنا هُزُواً؟ قَالَ أعُوذُ باللهِ أن أكُون مِنَ الجَاهِلِينَ). أي أنَّ الاستهزاء من عمل الجاهلين ، والانبياء مبرؤون من ذلك.

بعد أن ايقنوا جدية المسألة ، (قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّك يُبَيِّنُ لَنَا مَا هِي؟)

أجابهم موسى عليه‌السلام : (قَالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلك) ، أي لا كبيرة هرمة ولا صغيرة بل متوسطة بين الحالتين (فافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ) لكن بني اسرائيل لم يكفوا عن لجاجتهم ، (قَالُوا ادعُ لَنَا رَبَّك يُبَيِّنُ لَنَا مَا لَوْنُها) أجابهم موسى (قَالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّهَا بَقرَةٌ صَفْرَاءٌ فَاقِعٌ لَوْنُها تُسِرُّ النَاظِرِينَ) أي أنَّها حسنة ولا يشوبها لون آخر.

ثم لجوا مرة أخرى وعاودوا السؤال : (قَالُوا ادْعُ لَنَا ربَّك يُبَيِّنُ لَنَا مَا هِيَ إنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وإنَّا إنْ شَاءَ اللهُ لمُهْتَدُونَ)

أجابهم موسى (قَالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُول تُثِيرُ الأرضَ ولا تُسْقِى الحَرْثَ) ، أي ليست

٥٢

من النوع المذلل لحرث الارض وسقيها. وبعد المساعي الحثيثة وجدوا هذه البقرة وذبحوها ولمسوا الاعجاز الالهي.

الشرح والتفسير

المفروض بهذه الاية العظيمة ان تزيد من ايمان القوم إلا أنَّ ذلك لم يحصل ، بل الآية الشريفة حكت حالهم بعد ذلك بالقول : (قَسَتْ فَهِيَ كالحِجَارَةِ أوْ أشدُّ قَسْوَةً) أي لم تزد هذه الاية الكبرى القوم الا لجاجة وقسوة وتمرداً وعصياناً وانتهاكاً لحرمات الانبياء و.. وذلك بسبب قسوة قلوبهم تحجّرها.

ان مفردة (قلب) استخدمت مائة وثلاثين مرة في القرآن ، لكن يا ترى هل يراد من هذه المفردة ذلك العضو الصنوبري الذي يدق في الدقيقة اكثر من سبعين مرة في الجسم ليضخ دم الإنسان إلى جميع اجزاء جسمه مرتين في الدقيقة؟ إنَّ هذا العضو من عجائب خلق الله حقاً وله في الجسم وظائف مهمة ، لكن مراد الله من القلب في القرآن ليس ذلك العضو.

نشير هنا باقتضاب إلى مهام هذا العضو وذلك لايضاح اهميته :

أولاً : تغذية جميع خلايا الجسم ؛ إنَّ الاغذية التي تصل المعدة تمتزج مع ترشحات المعدة لتتهيّأ للذهاب إلى الأمعاء ؛ وتتم عملية هضم وجذب الاغذية في الامعاء من خلال الدم ، والأخير يوزعها على جميع خلايا الجسم وبذلك تتم عملية تغذية الجسم.

ثانيا : ارواء الإنسان ؛ إنَّ الجزء الاكبر من جسم الإنسان عبارة عن الماء واذا ما قلت نسبة الماء في الجسم فانه قد يؤول ذلك الامر إلى الموت إذا ما بلغ مستوى الجفاف.

ثالثاً : ايصال الحرارة الموحدة للجسم ؛ ان جسم الإنسان حار ، لكن هل فكرتم من اين قدمت له هذه الحرارة؟ ان الاوكسجين يدخل الجهاز التنفسي ومن خلال هذا الجهاز يدخل الدم ليصل من خلاله إلى جميع خلايا الجسم ، واثر الاحتراق الذي يوجده الاوكسجين عند تركبه مع اغذية الخلايا تتولد حرارة تنتقل هذه الحرارة بشكل ثابت إلى جميع اجزاء الجسم بواسطة الدم.

رابعاً : جمع المواد الزائدة والسمية ودفعها. ان احتراق الاغذية في الجسم يولد مواد سمية

٥٣

وزائدة يطرح جسم الإنسان بعضها من خلال الزفير وبعضها الاخر من خلال الكلية والادرار ، وهذه العمليات كلها تتم من خلال الدم.

حقاً ان القلب مع هذه الظرافة والعمل المتواصل آية إلهية عظمى ، فلو كان هذا القلب من حديد لصدأ وتلف خلال سبعين سنة من عمر الإنسان الا ان قدرة الله اللامتناهية صنعت منه عضواً يعمل اكثر من مائة سنة في بعض الموارد. والمدهش هنا أنَّ القلب من الاعضاء التي تعمل ليل نهار وفي النوم واليقظة رغم أنَّ نشاطه عند النوم أقل.

ومن هنا نجد سر تعظيم المؤمنين وتمجيدهم مقولة الله تعالى : (وفِي الأرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أنْفُسِكُمْ أفَلَا تُبْصِرُونَ) (١)

لو لم يكن لدينا دليل على عظمة الخالق غير القلب لكان كافياً لادراك قدرته وحكمته السرمدية.

ولأجل استيعاب عظمة الخلق وادراك اكبر لهذه الهدية الالهية القيمة نقرأ الموضوع التالي :

القلب الصناعي مرآة لعظمة قلب الإنسان

كلّفت صناعة قلب صناعي قبل عدة سنوات ثلاثين مليون دولاراً ، إلَّا أنَّ هذا القلب لم يدم عمله اكثر من ستة أيام ، كما أنَّ المستفيد منه لم يكن قادراً على الحركة والمشي خلال هذه الفترة. كيف يمكننا شكر الخالق على نعمة القلب التي منحها اياناً مجاناً؟

ما أجمل ما قاله القرآن : (وَفِي أنْفُسِكُم أفَلَا تُبْصِرُونَ)

وبعد ما عرفنا أنَّ المراد من القلب في الاية ليس ذلك العضو الصنوبري نقول هنا : إنَّ المراد منه هو العقل والعاطفة. يقول الله في سورة الاعراف الاية ١٧٩ : (وَلَهُم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا) فالمراد من القلب هنا هو العقل والعاطفة ؛ لأن الفهم والادراك من شأن العقل ، كما أنّ الإحساس والشعور والحب والمعرفة من شأن العاطفة والعقل ، وكنموذج على ذلك يقول الله في الاية ١٠ من سورة البقرة : (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فزَادَهُم اللهُ مَرَضَاً)

__________________

(١) الذاريات : ٢٠ ـ ٢١.

٥٤

هل إنَّ قلب المنافق الصنوبري يعطل من جراء مرض النفاق؟ أو أنَّ مرض النفاق يؤدي إلى اتساع في صمام القلب؟

من الواضح أنَّه لا يراد من القلب ذلك العضو الصنوبري ، ولا يراد من المرض تلك الحالة الطبيعية التي تعرض للإنسان وأعضائه. إنّ القلب هنا هو العقل والعاطفة اللتان قد يضعفان بسبب مرض النفاق إلى مستوى يسمحان للانسان قتل الابرياء في حرم الامام الرضا عليه‌السلام ، فهما في الحقيقة يموتان.

نقرأ في رواية أنّ للأمر بالمعروف ثلاث مراحل : الأمر بالقلب أولاً ، وباللسان ثانياً ، وبالعمل ثالثاً. فاذا كانت المرحلة الأخيرة غير ممكنة فتتوجب المرحلتان الاوليتان. وإذا استحالت المرحلة الثانية والثالثة فعلينا بالاولى أي علينا ان نكون متذمرين من الظالمين وسلوكهم وأن نكون محبين للمؤمنين والمصلحين. واذا ترك شخص الامر بالمعروف بمراحله الثلاث فقد صدق عليه الحديث التالي : «فمن لم يعرف بقلبه معروفاً ولم ينكر منكراً قُلبَ ؛ فَجُعِلَ أعلاه اسفله». (١) وهل يراد من القلب هنا هو ذلك العضو الصنوبري؟ بالطبع لا ، لان ذلك العضو لا يتحرك من مكانه ولا يتزلزل بل المراد منه هو العاطفة والادراك.

مما مضى نستنتج ان للقلب معينين في القرآن والروايات : ١ ـ العقل الانساني ٢ ـ العواطف الانسانية. وهما ظاهرتان روحيتان يعدان مركزاً للادراك والشعور. ولهذا عند ما يقال : (لهم قلوب لكن لا يفقهون) فان المراد كونهم يملكون القلب لكن ملكة الادراك عندهم معطلة وإذا قيل (قَسَتْ قُلُوبُهُمْ) فإنَّ المراد أنَّ عواطفهم ميتة.

القلب الذي في الاية ٤٦ من سورة الحج (فإنَّهَا لا تَعْمَى الأبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى القُلُوبُ التي فِي الصُّدُورِ) قد يعني ذلك العضو الصنوبري بقرينة (في الصدور) ، لكن هل الواقع كذلك؟

رغم أنَّ العقل ليس في صدر الإنسان ، إلّا أنَّ له ارتباطاً بالدماغ ولذلك نرى البعض قد تعطل دماغه لكنَّ قلبه لا زال يعمل. وعلى هذا فالصدر الذي في الاية ليس ذلك الجزء من البدن المكسو بالقفص بل المراد منه الروح. وعليه فالقلب هنا يعني العقل والإدراك ، فمفهوم

__________________

(١) بحار الانوار ٩٧ : ٨٩ (طبع بيروت).

٥٥

الآية هو (العقول التي في الأرواح).

وهناك إحتمال آخر وهو : رغم أنّ هذا العضو الصنوبري ليس مركزاً للعواطف والعقل ، إلّا أنَّ الأمر لا يخلو عن علاقة بينهما ؛ وذلك لان هناك علاقة مباشرة بين القلب والروح أو العقل والعاطفة فان القلب يتأثر مباشرة وأولاً في أي ظاهرة تطرأ على الإنسان ، فاذا واجه الإنسان موقفاً مفرحاً ازدادت ضربات قلبه وسرعت ؛ وإذا واجه موقفاً مؤلماً شعر في قلبه التعب والثقل ، وكذا الامر في كل الحوادث والقضايا الروحية. إنَّ العلاقة بين القضايا الروحية والقلب هي كالعلاقة بين الماء والعين وسطح الارض. إنَّ الماء يعلو من الطبقات التحتية للارض ثم ينبع من نقطة خاصة من الارض والظواهر الروحية مثل ذلك ، فإنها تنبع من القلب. ومن خلال التفاسير الماضية يمكننا معرفة الكلام الالهي في الاية الكريمة (قَسَتْ قُلُوبُهُمْ)

تصوير القرآن لقلوب بني إسرائيل

لقد وصف القرآن قلوب بني اسرائيل في الاية ٧٤ من سورة البقرة بانها كالحجارة أو اشد قسوة : (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُهُم مِنْ بَعْدِ ذلك فَهِيَ كالحِجَارةِ أو أشدّ قَسْوَةً) وقد اختلف المفسرون في تفسير (فَهِيَ كالحِجَارَةِ) وفي (أو أشَدَّ قَسْوَةً)

بما أنَّ الآية نزلت في المنافقين وبما أنَّ للنفاق درجات ومراتب فإنَّ صفة كالحجارة ترجع إلى طائفة خاصة من المنافقين ، وأمّا (أو أشَدُّ قَسْوَةً) فترجع إلى طائفة أخرى أسوء حالاً من السابقة.

لكن كيف يمكن للقلب أنْ يَكُون أشدَّ قسوةً من الحجارة؟

إنَّ القُرآن يعدّ ثلاث بركات من بركات الحجارة :

الأُولى : بعض الاحجار في الجبال تتفجر لينبع منها الماء والأنهار وبجريانه تُروى المزارع والنباتات والحيوانات. نعم ، ان للحجارة بركة التفجر لينبع الماء ، وهي بركة عظيمة إلّا أنَّ قلوب بني اسرائيل لا ينبع منها الفضيلة ولا العلم ولا الحكمة كما انها ليست مراكز للعواطف والحب والحنان ؛ إنَّ قُلُوبهم أشدّ قَسوة من الحجارة حقاً.

الثانية : إنَّ من الاحجار تتشقق لتضم في شقوقها مقداراً من الماء. ورغم أنَّ هذا الماء لا يروي المزارع والحيوانات ، إلّا أنه قد ينقذ حياة سائرٍ عطشان. أمّا قلوب بني اسرائيل فهي لا

٥٦

تضم حتى ذلك المقدار القليل من المحبة والحنان.

الثالثة : بعض الاحجار تهبط وتسقط خشية من الله وخضوعاً امام قدرته واستطاعته العظمى كما تؤكد ذلك الآية ٢١ من سورة الحشر (لَوْ أنْزَلْنَا هذا القُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأيْتَه خاشِعاً مُتَصَدّعاً مِن خَشْيَةِ اللهِ وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُها للنّاسِ لَعَلّهُمْ يَتَفكَرُونَ)

تسبيح الموجودات جميعاً

إن خضوع وخشوع الاحجار والجبال امام قدرة الله وعظمته وتسبيحها عموماً أمر يمكن استظهاره من الايات العديدة للقران ، والآية ٤٤ من سورة الاسراء نموذج على ذلك : (وَإنْ مِنْ شَيءٍ إلّا يُسَبّحُ بِحَمْدِه وَلَكِن لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيْحَهُم ...) (١) وقد اعتبر بعض المفسرين الجمادات حية ومنحها حياة ذات نوع خاص من الشعور والاحساس الذاتي يختلف عن الشعور الإنساني ، فشعورها مثل تسبيحها الذي لا يُفقه (لا يَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُم) حيث نجد مقابل الحمد والخشوع والخضوع امام الله القادر الذي يشهد من الموجودات وبخاصة الاحجار قلوباً قاسية لا تسبّح ولا تذكر الله ولا تخضع أمامه.

القسوة

للانسان قوتان قوة العقل والفكر وقوة العاطفة الإنسانية ، الجهاز الذي يستطيع الإنسان من خلاله فهم الحقائق يقال له عقل ، وكل ما يدركه الإنسان ويفهمه يتم من خلال عقله.

أمّا العاطفة فهي القوة التي يتمكن الإنسان من خلالها ادراك القضايا الاخلاقية مثل الحب والبغض ، فنحن مثلاً نتأثر من جراء سماعنا للمجازر الجماعية التي ترتكب من قبل اناس فقدوا العاطفة في الدولة المسلمة (الجزائر). أو نتأثر بالاوضاع المتأزمة لافغانستان الذي ابتلي بحب وبغض بعض الزعماء الانانيين.

__________________

(١) نجد هذا المضمون في آيات أخرى منها الاية ١٤ من سورة النور والآية ٢٤ من سورة الحشر ، والآية ١ من سورة الجمعة ، وفي سورة التغابن والحديد والحشر والصف.

٥٧

إنّ هذه الاحاسيس تتعلق بقوة العاطفة الإنسانية ، والشعوب الانسانية حية ما دامت عواطفها حية ، وفي الحقيقة ان موت هذه العواطف يعني موت المجتمعات البشرية.

تباً للإنسان في اليوم الذي تموت فيه عواطفه حباً للدنيا ؛ فإنّه يصبح انذاك انساناً خطراً اخطر من الحيوان المفترس والوحشي!

من الذي صنع القنابل الكيمياوية؟ العلماء الذين فقدوا عواطفهم حباً للدنيا ، اولئك الذين اشتروا العواطف الانسانية بالدولارات وغضوا اطرافهم عن الذين قتلوا في حلبجة! من هم الذين قصفوا مدينتي هيروشيما وناكازاكي وقتلوا فيهما مئات الالاف بالقنابل النووية في لحظة. (١)

انهم العلماء الذين ماتت عندهم العواطف والذين لم يأثروا من الإنسانية شيئاً ، والذين يرون اللذة في تدمير الاخرين! من هم الذين زرعوا اكثر من عشرين مليون لغم من النوع المضاد للافراد على سطح الكرة الارضية؟ هم اولئك الذين اتسموا بصفات حيوانية ولم يأثروا من الانسانية الا اسمها وما كان لهم نصيب من العواطف الإنسانية.

إنَّ العالم قرر منع تصنيع هذا النوع من اللغم ؛ وذلك لاجل كونها غير اخلاقية وذات ابعاد غير انسانية ؛ إلا أن الدولة العطوفة والمهتمة بحقوق البشر ، أي امريكا ، خالفت ذلك ، كما خالفت مشروع حضر تصنيع اسلحة الدمار الشامل رغم تظاهرها بالدفاع عن حقوق البشر وتزعمها لمنظمات انسانية تهتم بهذه المجالات. هذا كله بسبب الضغوط التي تمارسها اسرائيل والصهاينة المنافقين على أمريكا ، وهي تستخدم هذه المنظمات والآليات الاعلامية دائماً لاجل تدمير الأعداء ، وكأنّ رعاية حقوق البشر أمر ينبغي ان يحصل في الدول المناهضة لامريكا فحسب دون الصديقة لها.

__________________

(١) يقول الطيار الذي ألقى بهذه القنابل : (في مدة ساعة وجدت المدينة كالخيمة التي تلتهب وترتفع ألسنة النار فيها إلى مستوى مائة متر).

٥٨

العلم والعاطفة وجه تمايز الإنسان عن الحيوان

اختلاف الإنسان عن الحيوان في أنَّ الاول يتمتع بالعقل والعاطفة ، أو بتعبير آخر يمكنه الادراك والشعور ، أمّا الحيوان فانه يفقد هذين الامتيازين. ورغم أنَّ بعض الحيوانات تحضى بذكاء واحساس ضعيفين وفي بعضها نرى نوعاً خاصاً من العاطفة البسيطة ، كدفاع الدجاجة عن افراخها عند الاحساس بالخطر ، فإنَّ هذا لا يعد شيئاً بالنسبة للعاطفة الإنسانية ، بل إنَّ بعض الحيوانات تأكل أفراخها وبعضها الاخر تطرد افراخها عند البلوغ.

إن الإنسان إذا فقد عقله عُدَّ احمقاً ولا يستحق اطلاق الإنسان عليه ، أمّا إذا فقد العاطفة فسوف لا يرى معنى للترحم والمروة والحب والعشق ، فهو حينئذ بهيمة بل أسوأ حالاً.

دنيا دون عاطفة

من المؤسف أنَّ عالم اليوم عالم يخلو من العواطف رغم أنَّ الإنسان بلغ المدارج العليا في مجال العلم والمعرفة وقد حصل على المزيد من التقنيات ، إلَّا أنَّه بنفس المقدار فقد العواطف والاحاسيس البشرية في ذات الوقت.

إنَّ القيم في الدول الصناعية هي المال والمادة ؛ أمّا سلعة المحبة والعاطفة فغير متوفرة ، واذا وجدت فلا مشتري لها!

إنَّ العواطف هناك حتى في العائلة الواحدة قليلة وضعيفة. الوالدان يتخلّان عن أبنائهما بمجرد ان يبلغوا ، والأولاد يتخلون عن والديهم بمجرد ان يشيبوا ويضعفوا ، واذا شعروا بعاطفة جزئية تجاههم أو دعوهم في دار العجزة ، وتركوا السؤال عنهم حتى الموت.

إنّ نسبة الطلاق في هذه الدول كبيرة جداً وقد تقدر هذه النسبة في بعض الدول إلى اكثر من خمسين بالمائة ، أي أنَّ نصف حالات الزواج أو اكثر من ذلك تؤول إلى الطلاق. إلَّا أنَّ نسبة الطلاق في بلدنا هي واحد بالعشرين رغم ذلك نعدها نسبة كبيرة.

إنَّ البيئة التي تفقد العواطف لا تجد معنى لاعانة الفقراء والمحتاجين ، فلا نسمع شيئاً عن

٥٩

(حفلة العواطف) و (تعالوا لنتقاسم افراحنا) (١) ولا شأن للناس هناك حتى لو سمعوا بشخص يوشك ان يموت من الجوع والعطش.

لقد ورد في الأخبار أنَّ شخصاً نفد وقود سيارته في طريق مزدحم وفي يوم بارد جداً ، فأخذ بوعاء البنزين يؤشر للسيارات المارة طلباً للوقود ، إلَّا أنَّه لم يجد عوناً رغم انتظاره مدة احدى عشرة ساعة هناك ، وما كانت النتيجة الا موته في الطريق. في الحقيقة ان موت العواطف في هكذا مجتمعات ادى إلى موت هذا الشخص.

ولاجل هذه الشواهد نعتقد أنَّ الغرب لا قدرة له على استيعاب المفاهيم الاسلامية الرفيعة ، مثل الشهادة والجهاد والايثار واعانة المحتاجين وغيرها ، وحتى دفاعهم عن حقوق البشر لا يكشف عن عواطفهم ، بل انها وسيلة لتدمير وتسقيط أعدائهم. فاذا قُتل اسرائيلي مثلاً على يد فلسطيني في عملية استشهادية ارتفعت اصوات مدوية لهذه الموجودات الفاقدة للعواطف ؛ وذلك دفاعاً عن حقوق البشر ، إلَّا أنه عند مقتل النساء والرجال والاطفال والشباب في الجزائر وتقطّع أبدانهم إرباً إرباً لا تثار حفيضة هؤلاء المنافقين المترائين ، وكأنه لم يحدث شيء ابداً.

الدين أو المذهب يقويان العاطفة

الدين أو المذهب هو اهم عامل يقوي العاطفة الانسانية ؛ وذلك لأن الدين عُرّف في الروايات (بالحب والبغض) أي محبة المسلمين وبغض الكافرين.

جاء في رواية عن الصادق عليه‌السلام يسأله فضيل بن يسار عن الحب والبغض ، أمن الايمان هو؟ فقال : «وهل الايمان الا الحب والبغض»؟! (٢) ونقرأ في رواية أخرى أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قبّل الحسن والحسين عليهما‌السلام فقال الاقرع بن حابس : إنَّ لي عشرة من الاولاد ما قبلت واحداً منهم.

__________________

(١) ان حفلة العواطف حفلة تقام في نهاية السنة الهجرية الشمسية في ايران تجمع خلالها التبرعات للفقراء والمحتاجين ويرفع في خلال هذه الحفلة شعار (تعالوا نتقاسم افراحنا).

(٢) ميزان الحكمة ، الباب ٦٥٨ الحديث ٣٠٩٦ ، وفي هذا الباب نرى ثلاث روايات أخرى حكت نفس المضمون.

٦٠