أمثال القرآن

آية الله مكارم الشيرازي

أمثال القرآن

المؤلف:

آية الله مكارم الشيرازي


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مدرسة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام
المطبعة: معراج
الطبعة: ٢
ISBN: 964-6632-94-7
الصفحات: ٥٥٢

المثل السابع والأربعون :

الغيبة

يقول الله في الآية الثانية عشر من سورة الحجرات :

(يَا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اجتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظنِّ إنَّ بَعْضَ الظنِّ إثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أيُحِبُّ أحَدُكُمْ أنْ يَأكُلَ لَحْمَ أخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ واتَّقُوا اللهَ إنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ)

تصوير البحث

رغم عدم ورود مفردة مثل في هذه الآية ، إلَّا أن أمراً معنوياً وغير مادي شُبِّه فيها بأمر محسوس ومادي ، لهذا تندرج في أمثال القرآن.

في هذه الآية شُبِّهت الغيبة ، التي هي من الذنوب الكبيرة والخطرة وبلاءً عاماً ، بأكل لحم الأخ الميت ، وتريد القول من خلال ذلك : كما أنَّه لا أحد يأكل لحم أخيه كذلك الحال المفروض في الغيبة ، فلا ينبغي أن ترتكب أبداً.

تعريف مجمل بسورة الحجرات

الحجرات هي السورة التاسعة والأربعون من القرآن ، وهي مدنية وذات ثمانية عشر آية ، وتضمَّنت مجموعة من الأوامر والآداب تخصُّ كيفية التعامل مع الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله وأولياء الله ، ولو سميناها سورة الأخلاق كانت تسمية في محلها ؛ لما تضمّنته من أوامر أخلاقية عديدة.

٤٤١

في فضل هذه السورة روي ما يلي عن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله :

«من قرأ سورة الحجرات اعطي من الأجر عشر حسنات بعدد مَن أطاع الله ومن عصاه» (١).

قد يظنُّ البعض أنَّ ذكر فضائل جمّة من قبيل ما ورد في الحديث الشريف لقراءة سورة صغيرة مثل الحجرات يُعدُّ مبالغة ، لكن بطلان هذا الظن واضح ؛ لأن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله والمعصومين عليهم‌السلام عموماً لم يبالغوا أبداً ، ومراد الحديث وما شابهه ليس التلاوة المجرّدة بل التلاوة مع التفكّر في معانيها مقترناً بالعمل بمضامينها.

الشرح والتفسير

(يَا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا)

المخاطبون في هذه الآية هم المؤمنون وقد حذِّروا فيها من اقتراف ثلاثة أعمال ، هي :

(١ ـ اجتنبوا كَثِيراً مِنَ الظنِّ إنَّ بَعْضَ الظنِّ إثْمٌ)

يطلب ألله من المؤمنين هنا أن يتركوا إساءة الظن للآخرين ، لأنَّه إن كان خاطئاً كان إثماً كبيراً.

يريد الله للمؤمنين محيطاً وبيئة آمنة تحفظ فيها الأموال والأرواح والشخصيات ، لا على مستوى البيئة الخارجية فحسب بل على مستوى الأفكار والذهن. انظر إلى تعالي هذا الدين.

ينقل المرحوم الفيض الكاشاني الحديث المفعم بالمعاني التالي عن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله : «إن الله حرَّم من المسلم دمه وماله وعرضه وأن يظنَّ به السوء» (٢).

إذا عملنا بهذا الأمر الأخلاقي فحسب فان كثيراً من البغض والعداوة والحسد سينتفي ؛ لأن منشأ الكثير من هذه الذنوب هو سوء الظن.

سؤال : إساءة الظن ليس إرادياً لكي يجتنب عنه ، فقد يتبلور سوء الظن لمجرّد رؤيتنا للقطة

__________________

(١) مجمع البيان ٩ : ١٢٨.

(٢) المحجة البيضاء ٥ : ٣٦٨.

٤٤٢

خاصة دون إرادة أو اختيار منا ، فكيف يمكننا ترك ما ليس بأيدينا؟

الجواب : أولاً : ينبغي السعي لحمل أعمال الآخرين وتصرّفاتهم على الصحة وعلى محامل حسنة ، وعلى سبيل المثال لو شاهدنا شخصاً يأكل في شهر رمضان نقول : قد يكون مريضاً أو معذوراً لعذر آخر. وإذا شاهدنا شاباً مع شابة نحتمل أنَّها من محارمه وأقربائه. وإذا شاهدنا تصرّفاً غير مناسب صدر من شخص نقول : لا بدَّ وأنه صدر عنه إثر تعب أو اضطرار ...

جاء في الروايات : احمل أعمال الآخر على سبعين محملاً (١) ، وإذا تصوّرنا هذه الاحتمالات انمحت من أذهاننا سوء الظن عن الآخرين تدريجياً.

ثانياً : إذا استحكم في ذهنك سوء ظنٍّ تجاه شخص فلا تبرزه ولا تحرجه عن محيط ذهنك ولا تعمل وفقه ، فإذا كان صديقك وتحبه فاستمر في صداقتك وحبك له ، ولا تقلّل منهما شيئاً.

خلاصة الكلام : أن لا تسمح لسوء الظن أن يؤثر في نفسك.

٢ ـ (وَلا تَجَسَّسُوا)

ثاني أمر أخلاقي أمرت به الآية هو عدم التجسس على الآخرين. جاء التجسّس والتحسّس بمعنى واحد ، وهو الفحص أو البحث أو السعي لادراك الامور ، والاختلاف بينهما في أن التحسس هو التفحّص في الامور المشروعة والمجازة ، بينما التجسس هو التفحّص في الامور غير المشروع التفحّص فيها. ومن ذلك قول يعقوب عليه‌السلام لإخوة يوسف عليه‌السلام : (يَا بَنيِّ اذْهَبُوا فَتَحسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأخِيهِ) (٢).

__________________

(١) لم تأت رواية بهذا النص (أي الحمل على سبعين محملاً) لكن جاءت رواية من قبيل الرواية التالية : قال أُبي بن كعب : «إذا رأيتم أحد إخوانكم في خصلة تستنكرونها منه فتأولوا لها سبعين تأويلاً فإن اطمأنّت قلوبكم على أحدها وإلَّا فلوموا أنفسكم حيث لم تعذروه في خصلة سرها عليه سبعون تأويلاً وأنتم أولى بالانكار على أنفسكم منه». بحار الأنوار ٧٢ : ١٩٦.

لا يبعد أن ابي بن كعب روى هذه الرواية عن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ باعتبار مضمونها الرفيع الذي لا يصدر إلَّا عن المعصوم. كما أن هناك روايات كثيرة وردت عن المعصومين تأمر بحمل الأعمال على الصحة لكن لم يرد فيها كلمة سبعين ، راجع بحار الأنوار ٧١ : ١٨٧ ، و ٧٢ : ١٩٦ ، و ٧٥ : ٣٣ و ٢٥١ ، وعمدتها مروية عن أمير المؤمنين عليه‌السلام والامام الصادق عليه‌السلام.

(٢) يوسف : ٨٧.

٤٤٣

للناس أسرار وأعمال سرية لا يرغبون البوح بها ولا اطلاع الناس عليها ، والسعي للاطلاع عليها يُعدُّ تجسساً غير مجازٍ.

جاء في رواية : «إذا حدَّث الرجل الحديث ثم التفت فهي أمانة» (١) ، أي أنه إذا كان يلتفت يميناً ويساراً خوفاً من اطلاع أحد على سرّه فعليكم الاجتناب من السعي لإدراك ما يقوله ؛ وذلك لأن إفشاء اسرار الناس من الذنوب الكبيرة ، وإفشاء أسرارهم يبدّل الدنيا إلى جهنم يصعب تحمّلها.

لا يمكن للناس التعايش دون أن يتبادلوا الثقة ، والتجسس يزلزل اسس الثقة وأعمدتها.

بالطبع هناك موارد مستثناة لا إشكال فيها ، من قبيل التجسس على شخص متَّهم بالارتباط بالأجانب يسرّب لهم معلومات ، أو من قبيل التجسس على شخص متَّهم بتهريب المخدرات وما شابه ، وهذه الموارد ليست من قبيل التجسس بل هي تحسس ، على أن يكون تحسساً منطقياً ووفق ضوابط لا يكون مطلق العنان بحيث يسمح في الانصات للمكالمات الهاتفية مطلقاً.

٣ ـ (وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُم بَعْضاً)

ثالث وصية أخلاقية هو الاجتناب عن الغيبة ، فلا ينبغي لأحد أن يفشي أسرار آخر في غيابه.

سؤال : ما العلاقة بين الذنوب الثلاث؟ وهل اقترنت اعتباطاً دون أن يكون بينها علاقة؟

الجواب : الانصاف هو أن هناك علاقة تربط هذه الذنوب فيما بينها ، وكلٌّ منها معلول للآخر. عند المعاشرة يحصل سوء الظن ، ولو استطاع الانسان مقاومته ومواجهته كان عليه شكر الله ، ولو استمر أدَّى إلى التجسس على أعمال الآخرين ، ولو استطاع جهاد هذه المرحلة والتغلب عليها فبها ونعمت وإلَّا أنتجت ثمرة غير مباركة ، وهي الغيبة ، فالغيبة معلول للتجسُّس.

إذن ، سوء الظن منشأ للتجسس ، والتجسُّس علة للغيبة ، وبعبارة اخرَى الغيبة معلول

__________________

(١) المحجة البيضاء ٥ : ٢٣٧.

٤٤٤

للتجسس ، والأخير معلول لسوء الظن.

(أيُحِبُّ أحَدُكُمْ أنْ يَأكُلَ لَحْمَ أخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهُتُموهُ)

بعد ما بيَّن الله الذنوب الكبيرة الثلاثة ونهى المؤمنين عنها يضرب مثلاً للغيبة التي هي فاكهة مجالس أكثر الناس ، قائلاً : إنَّها بمثابة أكل لحم الأخ الميت ، وهل أحدٌ منكم مستعد لأكل لحم الأخ الميّت؟

سبب هذا التشبيه هو أنَّ الغيبة تذهب بماء وجه المغتاب ، وإذهاب ماء الوجه بمثابة قطع قطعة من بدنه ، بل قد يكون أصعب من ذلك. وبما أن المسلمين إخوة فاغتياب أحدهم الآخر بمثابة أكل لحم الأخ. وتشبيه الأخ المغتاب بالميّت باعتبار وجه الشبه بين الغائب عن المجلس والميت ، فان كلاهما عاجزان عن الدفاع عن انفسهما.

التمثيل عجيب جداً ، وهل يمكن تصوّر ما هو أسوء من أكل لحم الأخ الميّت؟ وهل يستعد أحدنا عمل ذلك ولو كان مجنوناً؟

يجيب القرآن على هذه التساؤلات بقوله :

(فَكَرِهْتُمُوهُ واتَّقُوا اللهِ إنَّ اللهَ توَّابٌ رَحِيمٌ)

نعم ، كلٌّ منا يكره عمل ذلك ويستاء منه. وعلى هذا ، ينبغي بالانسان أن يتقي الله ويتجنَّب الغيبة ، بل لا يفكّر بها ، فالتفكير بها تفكير بأَكل لحم الميت.

اتقوا الله واتركوا سوء الظن لكي لا تتجسّسوا ولا تطّلعوا على أسرار الآخرين ولكي لا تفشوها ، وإذا سبق وأن ارتكبتم هذه الذنوب أو ذنوباً اخرَى فعودوا إلى الله وتوبوا منها بعد ما أدركتم قبحها ، فالله يقبل التوبة ويغفر الذنوب ، فهو غفور رحيم.

خطاب الآية

الغيبة قبيحة للغاية

خطاب الآية الواضح والموجَّه للجميع هو أن التلاعب بكرامات الناس واستعابتهم بمثابة أكل لحم الانسان ، بل أكل لحم الانسان ميتاً ، وأي ميّت؟ ليس ميّت الأعداء بل ميّت الإخوان ، وهو عمل يصدر من الحيوانات الأكثر وحشية فقط. ومن الواضح أن الانسان لو

٤٤٥

كان يحمل شيئاً بسيطاً من العاطفة لا يقدم على هذا العمل. إذن لماذا هذا التساهل في التلاعب بكرامة الانسان وماء وجهه واعتبار الغيبة فاكهة المجالس؟

مباحث تكميلية

١ ـ عاقبة الذي يستغيب

أيَّها القرَّاء المحترمون ، للغيبة عواقب سيئة كثيرة أشارت لها الروايات ، نكتفي هنا بذكر روايتين :

الف : جاء في رواية :

«مَن مات تائباً من الغيبة فهو آخر من يدخل الجنّة ومن مات مصرّاً عليها فهو أول من يدخل النار» (١).

باء : ورد في روايات أنَّ على الذي يستغيب أن يدفع غرامة غيبته ، وهي عبارة عن أخذ بعض ذنوب المغتاب (إذا كانت له ذنوب) ووضعها في صحيفة أعمال الذي يستغيب ، وإذا كان المغتاب خالياً من الذنوب تؤخذ بعض حسنات الذي استغاب وتعطى للمغتاب (٢).

وفي رواية : «يؤتى بأحد يوم القيامة يوقف بين يدي الله ويدفع إليه كتابه فلا يرى حسناته فيقول : إلهي ليس هذا كتابي ، فانّي لا أرى فيها طاعتي؟ فيقال له : إن ربّك لا يضل ولا ينسى ، ذهب عملك باغتياب الناس ...» (٣).

الروايات السالفة تكشف عن أن الغيبة من حقوق الناس ، وهي أشدّ وأصعب من حقوق الله ، ولهذا يجب احتياطاً إبراء الذمة من المغتاب ، وإذا كان في الإبراء مفسدة فعلية العمل للمغتاب بكثرة إلى درجة يجبر فيها سوء عمله تجاه المغتاب.

بئس المصير مصير من اغتاب شخصاً ومات الشخص قبل أن يبرء ذمته من الغيبة ، فلا يمكن الوصول إليه عندئذٍ ، لكن عليه الإكثار من الأعمال الصالحة له لكي ترضى روحه عليه.

__________________

(١) بحار الأنوار ٧٢ : ٢٢٢ ، المحجة البيضاء ٥ : ٢٥٢.

(٢) المحجة البيضاء ٥ : ١٢٥ (نقلاً عن أنوار الفقاهة ، المكاسب المحرمة : ٣٦٤).

(٣) ميزان الحكمة ، الباب ٣١٣٣ ، الحديث ١٥١٩٧.

٤٤٦

٢ ـ لا نخدع أنفسنا

كثير من الناس يخدع نفسه في مجال الغيبة ويسعى لتبرير سوء عمله بنحو وآخر ، مثلاً عند ما نعترض على البعض ونأمره بعدم الغيبة يقول : (ذلك ليس غيبة ، بل إنّي أقول هذا أمامه) أو (هذه ليست غيبة بل إحدى صفاته) ، مع أن هذا تبرير خاطئ ؛ لأن الغيبة لو لم تكن ذكراً لاحدى صفات المغتاب كانت تهمة أو بهتاناً عليه ، وباعتبار كونها صفة لم يطّلع عليها الآخرون كانت غيبة ، وذكرها عند المغتاب لا أنه لا يحلُّ المشكلة بل يضاعف من الذنب ؛ لأنها تدخل عندئذٍ في باب إيذاء المؤمن ، وهو من الكبائر (١).

يتشبث البعض الآخر بعذر آخر من قبيل : (أنَّه أساء لي فأغتابه) ، مع أن هذا لا يسيغ الغيبة ، فلو أن شخصاً أساء لعرض آخر فهل يمكن للأخير أن يسيء لعرض الاول؟ بالطبع لا ؛ لأن الحاكم الشرعي هو الوحيد الذي يمكنه تعزير المذنب.

٣ ـ إضفاء صفة القداسة على الغيبة

البعض من الناس يغتاب الآخرين بظاهر شرعي مقدس ، كما لو سأله آخرون عن فلان فيجيبهم : (آسف على أن الشرع لم يسمح لي بالكلام عنه) ، وحديثه هذا أسوء من الغيبة ، ولو ذكر عيبه بصراحة كان أفضل بكثير من ما يتركه من إبهام واحتمالات كثيرة في ذهن المستمع لكلامه ، وقد قال بعض العلماء في هذا الكلام : إن صاحبه يتحمَّل ذنبين : الغيبة والرياء.

اللهم وفقنا جميعاً لترك هذه الذنوب الثلاثة وبالخصوص الغيبة.

__________________

(١) ورد في هذا المجال روايات كثيرة دلت على ما ذكر ، للمزيد راجع وسائل الشيعة الجزء ٨ ، أبواب أحكام العشرة ، الباب ١٤٥ و ١٤٦ و ١٤٧ و ١٤٨ ، ومجموع الروايات فيها تبلغ ٢٤ رواية.

٤٤٧
٤٤٨

المثل الثامن والأربعون :

قرب الله من الانسان

يقول الله تعالى في الآية ١٦ من سورة (ق) :

(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسَانَ وَنَعْلَمُ ما تُوسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أقرَبُ إلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوَرِيدِ)

تصوير البحث

لم تستخدم مفردة مثل أو كاف التشبيه في الآية ، رغم ذلك أدرجناها في الامثال ؛ باعتبار ما تضمَّنته من تشبيه أمر معقول ومعنوي بأمرٍ محسوس.

في الآية شبَّه الله قربه إلى الانسان بقرب الوريد إلى الانسان بل اعتبر نفسه أقرب إلى الانسان من قرب الوريد إليه.

إلقاء نظرة على الآيات السابقة للمثل

آيات القرآن على العموم مترابطة فيما بينها ترابطاً خاصاً ، وهذا الترابط قد يبدو واضحاً وجلياً ، مثل آيات سورة يوسف التي تحكي قصة واحدة ، وأحياناً لا يكون الترابط جلياً وواضحاً بل يتّضح بعد التأمُّل والتدقيق.

العلاقة بين آية المثل والآيات التي سبقتها من نوع العلاقة الثانية ، فلا تُدرك ببساطة بل بعد التدقيق والتفكير. وبعد هذه المقدمة نلقي نظرة عابرة على الآيات التي سبقت آية المثل.

٤٤٩

سورة (ق) مكية ، والسورة المكية غالباً ما تتحدَّث عن التوحيد والمعاد.

ربَّى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله المسلمين خلال تواجده في مكة تربية عقائدية مستحكمة بنحو كانت منشأً للحركات المستقبلية. والانسان إذا استحكمت عقيدته في مجالي التوحيد والمعاد تعبَّد له طريق العقيدة الكاملة واتضح له سبيل السعادة.

إشكال الكثير من الناس ينشأ عن ضعف عقيدتهم في المبدأ والمعاد ، وأمثال هؤلاء لا يرون الله حاضراً في كل مكان ولا ناظراً على كل شيء ، ممَّا يحرّضهم على اقتراف الذنوب وارتكاب الجرائم ، وإذا اعتبروه حاضراً وناظراً فيبقى ضعف اعتقادهم أو انعدامه في الحياة بعد الموت.

عند ما امر ابن سعد بقتال الامام الحسين عليه‌السلام ، استاء من ذلك الأمر كثيراً ؛ لأنه أصبح بين خيارين ، إمَّا قتال حفيد الرسول وابن بنته وإمَّا رفع اليد عن إمارة الري ، ذلك البلد الخصب ، فنشبت عنده الحرب بين عقله وأهوائه ، وكانت الغلبة لأهوائه واختار إثر ذلك حرب الامام الحسين عليه‌السلام سعياً لبلوغ إمارة الري ، وأنشد عندها :

يقولون إن الله خالق جنة

ونار وتعذيب وغل يدين

فإن صدقوا فيما يقولون انني

أتوب إلى الرحمن من سنتين

وإن كذبوا فزنا بدنيا عظيمة

وملك عقيم دائم الحجلين (١)

إذن ، الاعتقاد بأصلي التوحيد والمعاد مفيد لا في الآخرة فحسب بل في الدنيا كذلك ، وبهما نستغني عن المحاكم والسجون ، وهذا هو سبب تأكيد الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله عليهما خلال تواجده في مكة ، كما أن محور حديث غالب الآيات التي نزلت في مكة هو هذان الأصلان. أمَّا الآيات المدنية فقلَّ التأكيد فيها على هذين الأصلين ، وغالبها كان يصبُّ في قضايا أخلاقية وفقهية وتاريخية وعسكرية ، وقلَّما تعرَّضت للمبدأ والمعاد ؛ وذلك لأن اسس عقائد المسلمين ثبتت في مكة واستحكمت هناك.

__________________

(١) منهاج الدموع : ٢٩١.

ياترى من يضمن لابن سعد الحياة بعد الحرب والتوفيق للتوبة ، والتاريخ يشهد بأنه لم يتوفق للتوبة ، كما لم ينل إمارة الري ، وكانت عاقبته كما تنبأ الامام الحسين عليه‌السلام أن قتل بيد المختار ذليلاً. راجع مقتل الخوارزمي ١ : ٢٤٥.

٤٥٠

تعرَّض القرآن في الآيات ٦ ـ ٨ من سورة (ق) إلى مسائل التوحيد قائلاً فيها :

(أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّمَاءِ فَوْقهُمْ كَيْفَ بَنيْنَاهَا وَزَيَّناهَا وَمَا لَهُمْ مِنْ فُرُوج)

سؤال : يظنُّ البعض أنَّ السَّماء ليست سقفاً لكي نتصوّر فيه الثقب أو التزلزل ، وما نراه شيء يشبه السقف لا سقفاً حقيقياً ، ويبدو أن كلام القرآن هنا غير منسجم مع الاكتشافات العلمية.

الجواب : من معاني السماء هو غلاف الكرة الأرضية ، أي الجو الذي أحاط بالكرة الأرضية ولا ثقب فيه ، وهو رغم ظرافته يعد أكثر استحكاماً من السقف المصنوع من الفولاذ السميك جداً ، فهو يصد الشهب رغم عظمتها ، وخطرها على الأرض كبير جداً ، بحيث إذا سقطت على الأرض أمكنها تدمير منازل كثيرة ومزارع واسعة ومعامل وما شابه ، لكن الله حفظ الأرض وسكنتها من خلال هذا الغلاف الذي يحرق الشهب عند ما تصطدم به ، لتتبدل إلى رماد.

هذا مضافاً إلى أن الغلاف يمنع من دخول بعض الأشعة المضرّة إلى الكرة الأرضية ، ولو سمح لهذه الاشعة بالدخول لعرَّضت حياة الانسان إلى الخطر.

إنَّ هذا الغلاف بمثابة المصفاة الذي يصفي الأشعة التي تصدر من الشمس ليصل المفيد منها إلى الأرض وينعكس غير المفيد إلى خارج الجو.

لو كان في هذا الغلاف ثقوب لتسنَّى للشهب وكذا الأشعة المضرّة الدخول إلى الأرض ، ولعرَّضت حياة الانسان إلى خطر جدّي. ألا يفكر الانسان الجاحد بهذه الآيات لكي يدرك عظمة خالقه؟

(وَالأرْضَ مَدَدْنَاها وألْقَيْنَا فِيها رَوَاسِيَ وأنْبَتْنا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) (١).

كان سطح الأرض يعمّه الماء ، وظهرت اليابسة تدريجياً ، ولهذا يُعدُّ ظهور اليابسة من آيات الله العظمى ومن معالم التوحيد.

جبال الأرض بمثابة الأوتاد (الرواسي) التي تصدُّ الإعصارات الشديدة ، وتمنع من حصول

__________________

(١) ق : ٧.

٤٥١

آثار الزلازل المخرّبة ، وهي بذلك من آيات الله ومعالم قدرته.

قضية الزوجية في الحيوانات والنباتات دليل آخر على عظمة الخالق.

في القرن السابع عشر من الميلاد اكتشف العلماء أن الزوجية لا اختصاص لها بالحيوانات ، بل النباتات لها ذكر وانثى ، وإلَّا لما أثمرت.

كشف القرآن المجيد عن هذا اللغز العلمي منذ ١٤ قرناً وأعلن وجود الزوجية حتى في النباتات.

(تَبْصِرَةً وذِكْرَى لكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ) (١).

أي أنَّا جعلنا الآيات السالف ذكرها لغرض الإبصار والتذكر لكلِّ عبد تائب.

بعد ما تعرَّض الله تعالى إلى قضية التوحيد في الآيات الثلاث المتقدِّمة ينتقل في الآية ١٥ من نفس السورة إلى قضية المعاد والحياة بعد الموت ويقول :

(أفَعَيِينَا بالْخَلْقِ الأوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبسٍ مِنْ خَلقٍ جَدِيدٍ)

أي أنَّهم ظنوا أنا عجزنا في الخلق الأول وشكوا في امكانية خلقنا الثاني أو الجديد.

النتيجة : أن الله تعرَّض في الآيات التي سبقت آية المثل إلى معارف توحيدية ، وآية المثل تمتُّ بهذه الآيات بصلة ؛ باعتبار أنَّ محاسبة أعمال الانسان من الآثار المفروضة للمعاد.

المعاد للمحاسبة ، وهي عملية منوطة بتسجيل وتثبيت الأعمال ، لكن من سجَّل الأعمال وأثبتها؟ هذا ما تجيب عنه آية المثل.

الشرح والتفسير

(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسوِسُ بِهِ نَفْسَهُ)

الله يعلم بكل ما يصدر من الانسان ، لا أعماله الخارجية وكلامه فحسب بل بكل ما يدور في باطنه من أسرار واعتقادات وأفكار.

الوسوسة في الأصل تعني الصوت الذي يحدثه الحلي عند احتكاك بعضها بالآخر ، ثم

__________________

(١) ق : ٨.

٤٥٢

استخدم لكل ما يخدع الانسان ، ومنها الأوهام والخيالات غير المرادة التي تنتقش في ذهن الانسان.

إذن ، الله يعلم بكل شيء حتى في بالوساوس والأوهام التي تدور في الأذهان ، فبأي شيءٍ أنتم تشكّون؟

(وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوَريدِ)

الله ليس بعيداً عن الانسان بل قريب وقريب جداً أقرب ممَّا يتصوره الانسان.

للوريد معنيان :

١ ـ الوريد الذي في أحد طرفي عنق الانسان.

٢ ـ الوريد الذي يتصّل بالقلب.

القلب من مخلوقات الله العجيبة ، فهو جهاز يعمل متواصلاً ليل نهار مدَّة ثمانين سنة أو أقل أو أكثر.

الله أقرب إلى الانسان من وريد قلبه إليه ، ومع هذا هل يبقى شيء من الانسان خافياً على الله؟ هل تخفى على الله أوهام الانسان وخيالاته؟ كلا ، بل هو يعلم بكل شيء.

خطاب الآية

آثار الايمان بقرب الله

إذا آمنا بقرب الله إلينا وأنه أقرب إلينا من حبل الوريد نبدأ نشعر بأنَّا في محضرٍ من الله تعالى دائماً ، ونخجل من ارتكاب الذنوب والمعاصي في محضره.

العالم الخارجي ليس الوحيد الذي هو محضر الله تعالى ، بل كذلك عالم الباطن ، وما أقبح المعصية وسوء الأدب في محضر الله الغفور الرحيم الكريم؟

مباحث تكميلية

١ ـ أمثال اخرَى لقرب الله من الانسان

ضربت أمثال اخرَى لقرب الله من الانسان ، من قبيل : مثل الله والانسان كمثل الروح إلى

٤٥٣

البدن ، أو كمثل الشمس إلى الكون ، أو كمثل المولّد للكهرباء إلى المصباح أو الوسائل الكهربائية الاخرى ، التي تنطفئ بمجرد انقطاع التيار الكهربائي.

لكن لا أحد من الأمثال المتقدّمة تبيّن قرب الله إلى الانسان مثلما بيّنه مثل الآية الشريفة.

الله تعالى أقرب من كل قريب ، ولا ينفصل عنا أبداً ، لكن ليتنا نصدق ذلك؟ ولو صدَّق الانسان هذه الآية فقط لاستحال ارتكابه الذنوب وتلوّثه بالظلم والآثام.

٢ ـ حديث للامام الكاظم عليه‌السلام

ورد في حديث أنَّ أبا حنيفة (زعيم الطائفة الحنفية لأهل السنة) جاء إلى الامام الصادق عليه‌السلام يوماً فقال : رأيت ولدك يصلي والناس يعبرون من أمامه (١) إلَّا أنَّه لم ينههم عن ذلك ، مع أنَّ هذا العمل غير صحيح. فقال الصادق عليه‌السلام ادعوا لي ولدي موسى فدُعي له فكرّر الامام الصادق عليه‌السلام حديث أبي حنيفة لولده موسى بن جعفر فأجاب موسى بن جعفر قائلاً :

«إنَّ الله الذي اصلى له أقرب إليَّ من حبل الوريد ، إنَّ الله عزوجل يقول : نحن أقربُ إليه مِن حبل الوريد» (٢). وإذا كان الله بهذا المستوى من القرب للانسان فما يؤثر عبور المارّة من أمام المصلي؟

إن الله قريب جداً للانسان حقاً ، فلما ذا لا نستحيي؟

إنَّ عدم حياءنا بسبب عدم فهمنا للآية أو عدم تصديقنا لها ، وإذا أردنا تصديقها فعلينا ترديدها والترنم بها كل يوم ليل نهار.

__________________

(١) أهل السنة يبدون حساسية شديدة تجاه هذه القضية ، ومن تشرَّف إلى مكة المكرمة يدرك ذلك ، فانَّهم يواجهون الذي يمر من أمام المصلين بعنف ويدفعون المار الى جانب ، والذين يبدون حساسية قليلة تجاه هذه القضية يشيرون للمار بأيديهم للابتعاد عنهم وعدم المرور من أمامهم ، وهم عموماً يستاؤون من هذا العمل كثيراً ، وأبو حنيفة يشير إلى هذا المطلب.

(٢) نور الثقلين ٥ : ١٠٨ (نقلاً عن الأمثل ١٧ : ٢٦).

٤٥٤

المثل التاسع والأربعون :

مثل آخر للحياة الدنيا

الآية ٢٠ من سورة الحديد تعدُّ مثلاً آخر للحياة الدنيا ، يقول الله فيها :

(اعْلَمُوا أَنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنيَا لَعِبٌ وَلَهوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُر بَينَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَموَالِ وَالأَولادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعجَبَ الكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَراً ثُمَّ يكُونُ حُطَاماً وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَديدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرِضوانٌ وَمَا الحَياةُ الدُّنيَا إلَّامَتَاعُ الغُرُورِ)

تصوير البحث

هذا المثل ضرب للحياة الدنيا ، كما ضربت أمثال اخرَى تقدَّم شرحها ، لكنه يختلف عمَّا تقدَّم. في هذا المثل شُبِّهت الحياة الدنيا بالغيث الذي يهبط على الأرض فينبت الزرع ويضفي على الأرض حياة وطراوة عجيبة ، لكنه سرعان ما يفقد أثره وتنتهي الحياة والطراوة بعد فترة من الزمن.

الشرح والتفسير

(اعْلَمُوا أنَّما الحَيَاةُ الدُنْيا لَعبٌ ولَهْوٌ وزينةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وتكاثرٌ فِي الأموَالِ والأولادِ)

المخاطبون في هذه الآية ليس المسلمين فحسب بل الناس أجمعين ، الآية تقول : أيُّها الناس أينما كنتم وعشتم وفي أي زمان ومكان ، إن الدنيا لا تخرج عن حالات خمس :

١ ـ (لَعِبٌ)

٤٥٥

الدنيا لعب يمارسه عدَّة من أتباع الأهواء ، كما يفعل ذلك الأطفال ، ورغم كبر سنهم إلَّا أنَّ عقولهم وسلوكهم طفولية.

٢ ـ (لَهْوٌ)

مجموعة اخرَى من الناس هم أصحاب اللهو ، وما داموا في الحياة الدنيا لا يفكرون بشيءٍ غير اللهو ، وشعارهم اللهو ما داموا قادرين عليه.

٣ ـ (زِينة)

الشكل الآخر للحياة الدنيا هو الزينة ، فالبعض لا يهتم بأمرٍ مثل ما يهتم بالزينة ، وهو دائماً منهمك في الزينة والملابس الجديدة والموضات الجديدة والمنزل الجديد والحركات الجديدة ، والخلاصة أنه لا شأن للبعض غير الزينة.

٤ ـ (تَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ)

التفاخر هو الشكل الآخر للدنيا ، وقد يكون المراد من التفاخر هنا هو التفاخر في الجاه والمقام والشأن الاجتماعي ، الذي يتفاخر به البعض على الآخر.

٥ ـ (وتَكاثُرٌ فِي الأمْوَالِ والأولاد)

الشكل الآخر للدنيا هو التكاثر في الأموال أو الثروة والجانب الاقتصادي والأولاد.

الدنيا تنحصر أشكالها فيما تقدَّم من الحالات الخمس.

سؤال : ما المراد من حالات الدنيا وأشكالها الخمسة؟ هل المراد منها أن الناس ينقسمون إلى خمسة أقسام ، بحيث حياة البعض مفعمة باللعب وحياة بعض آخر مفعمة باللهو وحياة بعض آخر مفعمة بالزينة وحياة آخرين مفعمة بالتفاخر أو التكاثر ، أو أن المراد كون الانسان يمرّ بالمراحل والأشكال الخسمة من الحياة؟

الجواب : يعتقد بعض المفسرين أنَّ كل انسان يمرُّ بهذه المراحل الخمس حتى يبلغ الأربعين ، وعندها يكون كاملاً ، والسنوات التي تسبق هذا العمر تنقسم إلى خمس مراحل ، كل مرحلة تتكوَّن من ثمان سنوات ، المرحلة الاولى هي الثمان سنوات الاولى من عمر الانسان ، حيث يقضي وقته باللعب ، وفي الثمان سنوات الثانية يقضي وقته باللهو والعبث ، وهي مرحلة الأشبال والأحداث ، وفي الثمان سنوات الثالثة يقضي الانسان أوقاته في الزينة ، وهي مرحلة

٤٥٦

الشباب ، وفي الثمان سنوات الرابعة يسعى لكسب الجاه والمقام والتفاخر به ، ومنذ الثانية والثلاثين وحتى الأربعين يحاول جمع أكبر حجم من الثروة والمال والذهب ، وبدخوله الأربعين يتكامل وتثبت شخصيته وتستقر (١).

(كَمَثَلِ غَيْثٍ أعْجَبَ الكُفَّارَ نَبَاتُهُ)

بعد ما بيَّن الله تعالى ماهية الدنيا وحقيقتها ضرب لها مثلاً فقال بأنَّها تشبه الغيث الذي ينزل على الأرض فيحييها وينبت فيها مختلف النباتات والزهور الجميلة ، بحيث تثير إعجاب الكفَّار.

المراد من الكفَّار هنا هو المزارعون والفلاحون ، والكفر بمعنى الستر والتغطية ، وأُطلق الكافر على غير المؤمن باعتبار أنه يستر الحقيقة وما تعتقد به فطرته ، كما اطلق هذا اللفظ على المزارع باعتباره يستر البذور ويخفيها تحت التراب ، كما يُطلق هذا اللفظ على القبر والليل ؛ باعتبار أن القبر يستر الجسد والليل يستر أشياء كثيرة لظلمته.

على أي حال ، الآية تشير إلى أن الغيث يثير إعجاب المزارعين لما يمنحه من حياة وطراوة ونشاط على وجه الأرض ، فينبت النباتات وتتغيّر وجه الأرض بها.

(ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرّاً)

لكن عمر النباتات والاشجار والزهور التي نبتت جرَّاء الغيث ليس طويلاً ، وينتهي بحلول فصل الخريف ، فيُذهب بكل ما جاء به الغيث من حياة ونشاط وطراوة.

(ثُمَّ يكُونُ حُطَاماً)

بعد ما تصفرّ النباتات تتبدَّل إلى حطام يتلاشى بريح بسيط أو نسيم ، فيذهب به إلى مكان أو آخر ، بعد ما كان صامداً أما الأعاصير عند ما كان أخضر.

نعم ، الحياة الدنيا بأموالها وزينتها ومقامها بمثابة هذه المزرعة ، أوَّلها زخرف جذَّاب ، لكنَّها سرعان ما تتلاشى ، ولو شككنا في ذلك يكفينا أن نلقي نظرة عابرة على حياة النباتات التي

__________________

(١) نقل العلامة الطباطبائي رضى الله عنه في تفسيره (الميزان ١٩ : ١٧٠ ـ ١٧١) هذه المراحل عن الشيخ البهائي رحمه‌الله ، لكنه لم يشر إلى مدّة كلٍّ منها.

٤٥٧

تدوم ستة أشهر ، فحياتها تصوير لحياتنا المادية ، لكنها تعيش ستة أشهر والانسان يعيش ستين عاماً ، والموت هو نهاية كل حياة ، وكلٌّ من الانسان والنبات يموت يوماً ما ، والانسان ضعيف كالنبات ، فهو في بداية ولادته عاجز على الاحتفاظ بلعاب فمه ، وينتهي به الأمر في الشيخوخة إلى ذلك أيضاً.

(وفي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ الله ورِضْوانٌ)

سيبتلي الانسان في الآخرة بأحد المصيرين ؛ العذاب الشديد أو المغفرة والرضوان.

(وَمَا الحَيَاةُ الدُنْيا إلَّامَتَاعُ الغُرورِ)

ليست الحياة أكثر من سلعة للخداع ، أي لها ظاهر جذاب خادع دون باطن.

خطابات الآية

١ ـ الدنيا خادعة وفانية

خطاب الآية هو أن لا تخدعكم الدنيا بظاهرها ولا تصدّكم عن أهدافكم الأساسية ، فالدنيا ممَّا لا يمكن الوثوق بها ، فهي خادعة زائلة.

يصف الامام علي عليه‌السلام الدنيا كما يلي : «تغرُّ وتضرُّ وتمرُّ» ، أي أنَّ لها صفات ثلاث :

١ ـ خادعة تغرُّ الانسان وتخدعه.

٢ ـ تضرُّ الانسان وتصدّه عن الآخرة.

٣ ـ فانية وزائلة وغير دائمة.

ثم يقول : «إنَّ الله تعالى لم يرضها ثواباً لأوليائه ولا عِقاباً لأعدائه».

ثمّ يمثل للدنيا مثلاً جميلاً ويقول : «وإنَّ أهل الدنيا كركبٍ بينا هم حلّوا إذ صاح بهم سائقهم فارتحلوا» (١).

في كل تشبيه ثلاثة أركان ، هي : المشبَّه والمشبَّه به ووجه الشبه ، وعند ما نشبّه الانسان بالأسد ، يكون الانسان مشبَّهاً ، والاسد مشبَّهاً به ، والشجاعة وجه الشبه ، أي أنَّا نشبِّه الانسان بالاسد في الشجاعة.

__________________

(١) نهج البلاغة ، الكلمات القصار ، الكلمة ٤١٥.

٤٥٨

وفي المثل الذي هو موضع بحثنا تكون الدنيا مشبَّهاً ، والغيث والنباتات مشبّهاً به ، لكن ما هو وجه الشبه؟ أي ما هو الذي في النباتات والزهور يشبه الدنيا؟

احتمل المفسرون عدّة احتمالات هنا :

الاول : شبِّهت الدنيا بالنباتات من حيث عدم الثبات وكونها مؤقتة وزائلة ، فكما أن طراوة النباتات وخضارها ليس دائماً وتصفرُّ بعد فترة من الزمن كذلك الحياة الدنيا فلا دوام لها ولا وفاء لها لأيٍّ من البشر ، فهي زائلة وفانية (١).

الثاني : وجه الشبه هو التحولات الدنيوية السريعة ، فهي سرعان ما تتغيّر ، فالملك قد يتحوّل إلى فقير متسوّل أو يُسجن ، والرئيس قد يُقال من منصبه ، وتحولات من هذا القبيل كثيرة في الدنيا ، ولا ينبغي الوثوق بها في أي وقت ، فهي كبيت العنكبوت ، فإذا كنت شاباً فلا تغرّك طاقتك وقدرتك ، وإذا كنت ثرياً فلا تغرّك ثروتك ، وإذا كنت صاحب مقام وشأن فلا يغرّك شأنك ومقامك.

الخلاصة : لا تغتر بوضعك الراهن ، فان الأوضاع غير ثابتة ، ويمكن أن تتحول الأوضاع كلها في حادث واحدٍ.

الثالث : اعتبر البعض الخداع هو وجه الشبه ، فكما أن النباتات جذّابة وخادعة ومتنوّعة كذلك الدنيا ، فهي كالحية ذات الظاهر الجذّاب والخادع.

العاقل لا يفكّر بلحظة طراوة النباتات فقط بل بفصل الخريف ، الذي سرعان ما يقدم ويبدّل خضار النباتات إلى صفارٍ ، فلا يغتر بخضارها الخادع ، ولا ظاهرها الفاتن دون أن يفكّر بباطنها الأجوف (٢).

٢ ـ الهدف من الخلق

هل ينثر المزارع البذور في الأرض دون هدف؟ هل ينمّي الفلاح النباتات والزهور دون

__________________

(١) انظر مجمع البيان ٩ : ٢٣٩.

(٢) انظر الميزان ١٩ : ١٧١.

٤٥٩

هدف؟ لماذا لم يزرع الفلاح أعلافاً وأشواكاً بدلاً عن النباتات المفيدة؟

لا شكَّ بأن للفلاح هدفاً ، وعلى هذا كيف يمكن لله الحكيم والأعقل من كل عاقل والأعلم من كل عالم أن يخلق الانسان والدنيا دون هدف؟ وهل يمكن لله أن يخلق الانسان ويخلق جميع المخلوقات لأجله ، لغرض اللهو واللعب والزينة والتفاخر والتكاثر ولأجل أن يعيش أياماً ثم ينتقل إلى عالم الآخرة؟

أيُّها الانسان ، خلقك زارع الكون لهدف أهم ، وحياتك الخالدة تبدأ بعد الحياة الدنيا ، والدنيا بمثابة عالم الأجنّة ، حيث موتك فيه هو الحياة (وَانَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الحَيَوانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) (١) ، فاسعَ لتلك الحياة الخالدة ، ولا تلقِ نفسك في مستنقع اللهو واللعب والتفاخر والزينة والتكاثر في الأموال والأولاد.

__________________

(١) العنكبوت : ٦٤.

٤٦٠