أمثال القرآن

آية الله مكارم الشيرازي

أمثال القرآن

المؤلف:

آية الله مكارم الشيرازي


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مدرسة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام
المطبعة: معراج
الطبعة: ٢
ISBN: 964-6632-94-7
الصفحات: ٥٥٢

الآخرون حتى الأنبياء والأولياء من حياة وحركة ونشاط يرجع إليه تعالى.

إذا قالت الشيعة بالتوسُّل بالأولياء فلا يعني ذلك قدرة الأولياء على العمل على نحو الاستقلال وأن قدرتهم على أداء شيء في عرض قدرة الله تعالى ، بل تعتقد الشيعة بقدرة هؤلاء على عمل شيء بإذنٍ من الله تعالى أو أن بإمكانهم الطلب من الله ليلبي حاجاتنا.

إذا استطاع عيسى عليه‌السلام على إبصار الأعمى أو إحياء الموتى أو تبديل تمثالٍ لطير إلى طير حقيقي أو معالجة المرضى الذين انقطعت الآمال عن شفائهم ، فذلك كله بإذن الله لا أن عيسى عليه‌السلام كان قادراً بنحو مستقل على تنفيذ هذه الأعمال ، كما صُرِّح بذلك في الآيّة ٤٩ من سورة آل عمران والآية ١١ من سورة المائدة.

خطأ الوهابية في نسبة الشرك إلى الشيعة وبعض الفرق السنية ينشأ من تصوّرهم أنَّا نقول بالقدرة المستقلة لكلٍّ من الأولياء ونعتبر قدرتهم في عرض قدرة الله ، مع أنَّا نعتقد في أولياء والائمة المعصومين نفس الاعتقاد الذي صرَّح به الله سبحانه في حق عيسى عليه‌السلام.

يسرّني أن بعضاً من مفكّريهم التفت إلى هذا الخطأ وأصلح معتقداتهم في هذا المجال ، ونشرت له كتب تخص الموضوع (١).

٤ ـ التوحيد في الحاكمية

الحاكم الوحيد للكون هو الله تعالى ، ومَن أراد الحكومة فعليه كسب الإذن من الله والعلم وفق قوانينه ، وهذا ما يُطلق عليه التوحيد في الحاكمية ، وهو من فروع التوحيد.

الحكومات حتى حكومات الأنبياء تكتسب شرعيتها من تأييد الله لها ، وإذا شكّل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله حكومة في المدينة فبإذنٍ من الله تعالى. وإذا شكّل الامام علي عليه‌السلام حكومة في الكوفة فبأمر من رسول الله وإذن من الله ، وكذلك حكومة باقي الأئمة عليهم‌السلام.

حكومة الولي الفقيه في هذا الزمان مشمولة بهذه الضابطة ، فالفقيه يتولّى الحكومة في عهد

__________________

(١) يمكن الاشارة في هذا الباب إلى كتاب (مفاهيم يجب أن تصحَّح) تأليف السيد محمّد بن علوي المالكي الحسيني ، وقد لاقى إقبالاً وانتشاراً واسعاً في العالم الاسلامي.

٤٠١

الغيبة ، وفقاً لما جاء في روايات عن امام الزمان (عجل الله فرجه) وباقي المعصومين عليهم‌السلام ، وبهذا تكتسب حكومة الولي الفقيه شرعيتها من الله ، رغم أن قبولها من قبل الناس يعد عاملاً مؤثراً جيداً في المجال التنفيذي.

الآية ١٨٩ من سورة آل عمران تشير إلى هذا الفرع من فروع التوحيد ، حيث جاء هناك : (وَللهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ والأرْضِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شيءٍ قَدِيرٌ)

٥ ـ توحيد المالك

توحيد المالك يعني اعتبار الله مالكاً لكلِّ شيء في السماوات والأرض ، بعبارة اخرَى :

الملكية الحقيقية لله فقط ، وما عند الآخرين فبإذن الله ومنه تعالى. ملكية الله للكون ملكية تكوينية ، فهو الذي خلق الكون وحافظ عليه. وقد جاء في بداية آية الكرسي : (اللهُ لَاإلهَ إلَّا هُوَ الحَيُّ القيُّوم) (١) ، والقيوّم تعني القائم بالذات والمقوِّم للغير ، أي أن الله قائم وباق بالاتكاء على ذاته ، وقيام وبقاء باقي الموجودات مرتبط به ، فهو خالق الكون وحافظه ، ولهذا يُعدُّ المالك الحقيقي له. أمَّا ملكية الانسان للبيت والسيارة وما شابه فملكية اعتبارية لا حقيقية ، رغم امكانية تصوّر الملكية الحقيقية في حق الانسان ؛ لأن ملكيته لعينه ويده واذنه وباقي أعضائه ليست ملكية اعتبارية بحيث يمكن بيعها وشراؤها ونقلها بل ملكية حقيقية ، بالطبع في طول ملكية الله لها لا في عرضها.

إذن ، الله المالك الحقيقي للكون كله ، وجعل مالك له غير الله يُعدُّ شركاً ، والمشركون عُدُّوا كذلك ؛ لأنهم كانوا يعتبرون الأصنام تملك النفع والضرر ، ويقولون بتأثيرها بنحو مستقل لا بإذن الله ، وذلك شرك.

أشارت آية المثل إلى هذا الفرع من فروع التوحيد ، ومع لحاظ ما تقدَّم نبتُّ بشرحها.

الشرح والتفسير

(ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِن أنْفُسِكُمْ)

جملة (مِن أنْفُسِكُمْ) تشير إلى مطلب جيّد ، وهو أن الله يوظّف معتقدات المشركين الباطلة

__________________

(١) البقرة : ٢٥٥.

٤٠٢

لإبطال عقائدهم الاخرى ، وهي نقطة مهمة في المناظرات والمناقشات ، ولا تعني صحة الاعتقادات الموظّفة والمستدل بها.

(هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ مِنْ ما رَزَقْنَاكُمْ)

خلاصة المثل : لو كان لك عبد لا يملك شيئاً ولا صلاحية له لعمل شيء إلَّا بإذنك ، فهل أنت مستعد لجعل ذلك العبد شريكاً لك فيما رزقك الله وفيما جعله ملكاً لك؟

(فَأنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ)

بأن تتساوى أنت وعبدك في الأملاك واتخاذ القرارات وإبداء الرأي.

(تَخَافُونَ كخيفتِكُم أنْفُسَكُم)

ذكرت تفاسير مختلفة لهذه العبارة نبيّن واحداً منها :

ان تشترك مع عبدك في جميع الاموال والممتلكات وتخاف أن يتصرَّف العبد بالأموال المشتركة بنحو مستقل (١). عندئذٍ فهل أنت مستعد لإشراكه في أموالك كلها؟ أنت غير مستعد قطعاً. إذن لماذا تجعلون لله شركاء من الأصنام ، مع أن جميع ما في الكون من مخلوقات لله؟ وهل يمكن أن يكون مخلوق الله شريكاً له؟

عبدك ليس شريكاً لك ، فكيف تجعل مملوك الله شريكاً له؟ أنت غير مستعد لإشراك عبدك في أموالك رغم أنَّ ملكيتك لها اعتبارية ، فكيف لك أن تجعل مخلوق الله شريكاً له ، مع أن ملكيته للمخلوقات حقيقية؟

(كَذَلِكَ نفصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)

العقلاء والعلماء والمفكرون مخاطبون في القرآن دائماً ، والدين الذي يدعو دائماً للتعقل والتفكير والعلم هو دين إلهي ؛ لأنَّ الأديان الباطلة وغير السماوية تدعو للجهل ، وتجعل

__________________

(١) يُذكر أنَّه لا يجوز التصرُّف في المال المشترك إلَّا برضا جميع الشركاء ، والمنزل الذي يرثه الاولاد لا يمكن لأحدهم أن يتصرَّف به حتى مثل الصلاة فيه دون إذن باقي الورثة ؛ لأن إذن جميع الشركاء في المنزل شرط في التصرُّف ، وإذا أجاز بعض كبار الورثة لنفسه التصرُّف فيه بنحو مستقل أو منع الأخوات من التصرُّف فيه ، وفقاً لبعض التقاليد ، كان ذلك غير مشروع ، خاصة إذا كان طفل صغير بين الورثة.

٤٠٣

أتباعها يعيشون الجهل لكي يتيسَّر لها الاحتفاظ بهم.

جاء في رواية عن الامام الصادق عليه‌السلام : «إن الثواب بقدر العقل» (١) ، وبناءً على هذا الحديث لو أنَّ عدداً من الناس صلوا ركعتين فانهم لا ينالون ثواباً متساوياً ، فقد يعادل ثواب صلاة أحدهم مائة ألف ضعف ثواب صلاة الآخر ، بل قد لا يصل ثواب صلاة أحدهم مستوى ثواب ركعتين ؛ وذلك لأن العقل مُعامِل لثواب الأعمال.

خطابات الآية

١ ـ الله مالك لكلِّ ضرر ونفع ، ولا يؤثر شيءٍ دون إذنه ، وحتى النار لا تحرق دون إذنه ، ولهذا لم تحرق نار نمرود إبراهيم عليه‌السلام ولم تضرّه أقلّ ضرر ؛ لأن الله لم يأذن لها بذلك.

السكين لا تقطع دون إذن الله ، ولهذا لم تذبح إسماعيل رغم ظرافة رقبته ورغم قوّة إبراهيم عليه‌السلام ؛ وذلك رغم أن الله أمر الخليل بالذبح إلَّا أنَّه لم يأذن للسكين بالقطع ، وهذا ما يُدعى بالتوحيد في الأفعال.

٢ ـ تقدَّم أن الله يستخدم بعض عقائد المشركين ويوظّفها لغرض إبطال عقائدهم الاخرى ، رغم أن العقائد المستخدمة غير صحيحة. وقد استخدم القرآن هذا المنهج في آية هذا المثل ، وأثبت بطلان عقائدهم من خلال عقائدهم ذاتها ، وقال : إذا كنتم غير مستعدين لتشريك عبيدكم بأموالكم وممتلكاتكم فكيف لكم أن تجعلوا مخلوقات الله شركاء له؟ بالطبع لا يعني ذلك أنهم لو استعدوا لهذه الشراكة جاز جعل شريك لله.

وقد استخدم هذا المنهج في موارد اخرى كذلك ، على سبيل المثال يعتقد المشركون بأن الملائكة بنات الله ، مع أنَّهم يخجلون من تبشيرهم بولادة بنت لهم ، كما نقرأ ذلك في الآية ٥٧ ـ ٥٩ من سورة النحل :

(وَيَجْعَلُون للهِ البَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشتَهُونَ وإذا بُشِّرَ أحَدُهُمْ بالانْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسوَداً وَهُو كَظِيمٌ يَتَوارى مِنَ القَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرِ بِهِ أيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ ألا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ)

__________________

(١) ميزان الحكمة ، الباب ٢٧٨٦ ، الحديث ١٣٠٤٢.

٤٠٤

إذا كنتم تعدّون البنت موجوداً غير ذات قيمة فلما ذا تجعلون لله بنات. بالطبع ، هذا لا يعني إقرار الله تعالى بما يعتقدون به تجاه البنات ، بل الآية تريد تنبيه المشركين على عدم انسجام عقائدهم ، وهو بحدِّ ذاته دليل على بطلانها ؛ لأنَّ العقائد الحقة منسجمة دائماً.

بحث تكميلي

الرق من وجهة نظر الاسلام

الرق ممَّا يرفضه وجدان البشرية جميعها ، ولهذا انتفضت ضده البشرية قبل قرن ، لتعلن اغلاق اضبارة الرق ، وما بات لأحدٍ بعدها الحق في امتلاك انسان آخر أو اعتباره عبداً له ، رغم أن بعضاً من مدافعي ما يصطلح عليه بحقوق البشر يمارسون هذه التجارة ويشترون أطفالاً من الدول الفقيرة بأسعار زهيدة ليبيعونهم في الدول الغربية بأسعار باهضة.

سؤال : ما رأي الاسلام في الرق؟ وباعتبار أن الاسلام بشَّر بالحرية ، فهل خطى في هذا المجال؟ وهل سلك منهجاً خاصاً لتحرير العبيد؟

الجواب : لاتّضاح الجواب على هذا السؤال ينبغي توضيح ثلاثة مطالب :

الاول : لم يبدع الاسلام ظاهرة العبودية ، بل هي كانت موجودة قبل الاسلام بآلاف السنين.

الثاني : رسم الاسلام خطَّة لتحرير العبيد ونفّذها خلال مراحل.

المرحلة الاولى : ترغيب الناس لتحرير العبيد من خلال أقوال المعصومين عليهم‌السلام وكذا أفعالهم ، فعلى سبيل المثال وردت الرواية التالية عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله :

«شرُّ الناس من باع الناس» (١). طبقاً لهذا الحديث فإن التعامل على الانسان أسوء تعامل ، ومعاملته أسوء معاملة ، وهناك روايات اخرَى نعرض عن ذكرها.

رغَّب المعصومون عليهم‌السلام الناس عملياً في تحرير العبيد ، ومن مفاخر الامام عليّ عليه‌السلام أنَّه حرَّر

__________________

(١) مستدرك الوسائل ج ١٣ ، أبواب ما يكتسب به ، الباب ١٩ ، الحديث ١.

٤٠٥

ألف عبد من كد يده (١). كما أن الامام الحسن عليه‌السلام حرَّر إحدى جواريه بداعي أنَّها أهدت له زهرة (٢).

المرحلة الثانية : الحدّ من مصادر التعبيد ، فالإسلام منع ترقيق الانسان بسبب ديونه أو سرقته ، كما منع بيع الأحرار على من غصبهم ، كما نهى بشدّة عن بيع الأولاد من قبل والديهم بسبب الفقر.

المرحلة الثالثة : اتخاذ الإجراءات العملية لتحرير العبيد ، فقد نفّذ الاسلام إجراءات عملية كثيرة في هذا المجال ، من قبيل فتح مجال لهذا الأمر في باب الزكاة ، وجعل كفارة بعض الذنوب تحرير رقبة ، كما منع بيع الجارية ذات الولد من مولاها ، لكي تتحرَّر من إرث ابنها بعد وفاة مولاها ، كما سمح للعبيد الاستئذان من المولى للعمل ولتهيئة المبلغ الكفيل لشراء النفس وتحريرها من مولاها.

سؤال : لماذا لم يحرِّر الاسلام العبيد دفعة واحدة ، ولم يعلن حريتهم في وقت واحد؟

الجواب : لم يكن ذلك لصالح العبيد ؛ لأنهم كانوا قد قدموا الحجاز من بلاد بعيدة ، ولم يكن لهم في الحجاز أحد ، كما لم يكن لهم ثروة ، ولو تركوا أحراراً آنذاك لانسابوا في الشوارع والأزقة ، ولشكّلوا كارثة ، ولمات بعضهم من الجوع ، أمَّا لو تحرّروا بنحو تدريجي لاستقطبهم المجتمع دون مشكلة.

الثالث : غيَّر الاسلام مفهوم العبودية ، ونهى عن قتل العبيد وتعذيبهم وإيذاءهم ، واعتبرهم كباقي الناس ، ومنحهم نفس الشخصية التي يتمتّع بها باقي البشر ، ولهذا كان الامام علي عليه‌السلام يشتري ثوبين ويعطي واحداً منهما لقنبر غَلامه ، وفي رواية أنه اشترى ثوبين أحدهما بثلاثة دراهم والآخر بدرهمين وطلب من قنبر أن يأخذ الذي بثلاثة دراهم (٣).

وبهذا لا يبقى العبد عبداً بل يصبح سيداً ، بل أكثر من ذلك حيث سمح الاسلام للعبد أن يصبح إمام جماعة وقاضياً وآمراً عسكرياً.

__________________

(١) وسائل الشيعة ج ١٦ ، أبواب العتق ، الباب ١ ، الحديث ٦.

(٢) مسند الامام المجتبى عليه‌السلام : ٧٠٢.

(٣) بحار الأنوار ٤٠ : ٣٢٤.

٤٠٦

وجاء في سيرة الامام السجاد عليه‌السلام : كان له عبد كسول وكثير النوم ، فدخل الامام المنزل يوماً ورآه نائماً وقد عرق كثيراً من شدَّة الحر فأخذ يروّح له بالمروحة ، وبعد ما استراح استيقظ ، فقال له الامام : استرح لكن عليك أداء وظيفتك تجاهنا كذلك.

للمزيد راجع الأمثل (١) ذيل تفسير سورة محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله.

__________________

(١) الأمثل ١٦ : ٣٠٨ فما بعدها.

٤٠٧
٤٠٨

المثل الثالث والأربعون :

انتصار الفئة القليلة على الفئة الكثيرة

يقول الله تعالى في الآيات ١٣ ـ ٣٠ من سورة يس :

(وَاضْرِبْ لَهُم مَثَلاً أَصْحَابَ القَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا المُرسَلُونَ* إِذْ أَرْسَلنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إلَيْكُم مُرْسَلُونَ* قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَنُ مِن شَيءٍ إِن أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ* قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ* وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا البَلاغُ المُبِينُ* قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لئِن لَمْ تَنتَهُوا لنَرْجُمَنكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ* قَالُوا طَائِرُكُم مَعَكُمْ أَئِن ذُكِّرْتُم بَل أَنتُمْ قَومٌ مُسْرِفُونَ* وَجَاءَ مِنْ أَقْصَا المَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ* اتَّبِعُوا مَن لَّايَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُم مُّهْتَدُونَ* وَمَالِيَ لَاأَعْبُدُ الذِي فَطَرَنِي وَإِلَيهِ تُرجَعُونَ*ءَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً ان يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَّاتُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيئاً وَلَا يُنقِذُونِ* إِنِّي إِذاً لَّفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ* إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ* قِيلَ ادْخُلِ الجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ* بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ المُكْرَمِينَ* وَمَا أَنزَلنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِن جُندٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ* إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ* يَا حَسْرَةً عَلَى العِبَادِ مَا يَأتِيهِم مِن رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ)

تصوير البحث

المثل المزبور يرتبط بوضع المسلمين في مكة ، فقد كانوا فئة قليلة ، وكان المشركون يشكّلون الأكثرية ، والقرآن استهدف من بيانه هذا المثل إعطاء المسلمين وعداً بالنصر

٤٠٩

وتسكين قلوبهم وطمئنتها من خلال نقل قصص ذات صلة. هذا من جانب ، ومن جانب آخر هدَّد فئة الأكثرية من المشركين وحذّرهم من الاغترار بكثرة نفوسهم وقدرتهم فقد تغلب الفئة القليلة الفئة الكثيرة.

يمكن النظر إلى آية المثل من زاويتين ، وفقاً لإحداهما تكون الآية تشجيعاً وطمئنة للأقلية ، ووفقاً لثانيهما تكون الآية تهديداً لأعداء الاسلام ومشركي مكة.

الشرح والتفسير

تذيّلت هذه الآيات بأبحاث مختلفة في الروايات والتفاسير ، نأتي بملخّصها هنا ، لكن قبل شرح الآيات نوضّح مفردة (قرية) و (أصحاب القرية).

القرية لغة تعني جمع الناس أو المصر الجامع ، ولهذا أطلق القرآن هذه المفردة على مكة (١) رغم كونها مدينة كبيرة آنذاك ، كما استخدمت هذه المفردة في مصر (٢) (البلد العربي المعروف) ، والقرية تُطلق على كل تجمّع للناس سواء كان ذلك في ريف أو مدينة ، وسواء في المدينة الكبيرة أو الصغيرة أو بلد ، فهي تصدق على كل تجمُّع سكاني انساني ، لكن المعنى المراد في الآية هو الاول ، أي تجمُّع الناس.

والمراد من أصحاب القرية هو أهالي انطاكية ، وهي مدينة تقع في جنوب شرقي تركيا على ضفاف البحر الأبيض المتوسط ، وقد كانت جزءً من الشامات في السابق ، أي جزءً من الروم الشرقية ، ووقعت بأيدي الفرنسيين في الحرب العالمية الاولى ، وقد أراد الفرنسيون إرجاعها إلى المسلمين آنذاك ؛ لكنهم وجدوا أغلب أهاليها من المسيحين واحتملوا إيذاءهم من قبل المسيحيين فأعطوها لتركيا.

كانت انطاكية قبل ظهور المسيح بلداً عامراً ومركزاً لتجمُّع المشركين وعبدة الأوثان ، وبعد بعثته أرسل إليها اثنين من حوارييه يُدعيان بولص وبرنابا (٣).

__________________

(١) النحل : ١١٢.

(٢) يوسف : ٨٢.

(٣) بولص اسم أحد الأناجيل الرائجة بين المسيحيين ، وبرنابا اسم انجيل آخر أقل رواجاً من سابقه ، لكن فيه مطالب

٤١٠

التقى المبعوثان قرب انطاكية راعياً كبير السنّ يُدعى (حبيب النجار) ، فحصل حوار بينهم ، سألهما حبيب النجار : من أنتما ومن أين جئتما؟ فقالا : نحن مبعوثا السيد المسيح رسول الله عيسى ، بُعث مؤخراً ، جئنا انطاكية لدعوة أهلها إلى عبادة الله ودين عيسى عليه‌السلام.

قال الشيخ : هذا إدعاء كبير ، ويمكن لكلِّ أحد أن يدعيه ، فهل لكما دليل ومعجزة لاثبات كلامكما؟

قالا : نعم ، نشفي الذين استعصت أمراضهم.

قال الشيخ : لي مريض قعيد المنزل منذ سنوات ، فإذا عالجتموه كنت أول من آمن بكم.

قصد المبعوثان المريض وعالجاه ، وبذلك آمن حبيب النجار بالدين الجديد. ثمّ دخلا المدينة ودعيا الناس إلى الدين الجديد ، فآمن المشركون بعد ما رأوا معاجز منهما. وانتشر خبرهما وشاع في انطاكية كلها ، فكان الناس يقصدونها أفواجاً أفواجاً ويؤمنون بهما.

غضب من هذا التحوّل أولئك الذين كانوا يرون مصالحهم في الاستمرار على عبادة الأصنام ، فهاجموا المبعوثين وانهالوا عليهما بالضرب الشديد.

أحاط الخطر ببولص وبرنابا ، فقصدا ملك أنطاكية يشتكيان عنده حالهما ، لكن هؤلاء منعوهما من لقائه. وبعد التفكير في الموضوع قرّرا الانتظار جنب جدار القصر ويلفتا نظر الملك بالتكبير (الله أكبر) عند ما يخرج ، باعتبار كون التكبير عبارة جديدة ، وعندها يلتقيان به ويطرحان شكواهما عنده.

بعد مدَّة خرج الملك من قصره ، فكبَّرا ، فسمع تكبيرهما وانتبه لهما ، فسأل حواشيه : مَن هما؟ فأجابوه : إنَّهما انتفضا على أصنامنا وأهانوها ، فأمر بسجنهما دون أن يسمع كلامهما.

بلغ عيسى عليه‌السلام خبر اعتقالهما ، لكن هذا الخبر لم يثنه عن عزمه ولم يثبط عزيمته في الدعوة إلى التوحيد ، فكان يعلم بأن التبليغ لا يتمُّ إلَّا بمبالغ طائلة وثمن غالٍ وبشهداء ومعوّقين واسرى ، وينبغي تحمُّل هذه كلها لأجل القيام بهذه المهمَّة ، فأمر شخصاً آخر لاستمرار عملية التبليغ ، وهو (شمعون الصفا) رئيس الحواريين.

__________________

صريحة من نبوّة محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ويبدو لأجل ذلك حاولوا دون انتشاره بين المسيحيين.

٤١١

بعد دخول شمعون المدينة أدرك ما كان قد أوجده الدين الجديد من ضجيج وصدى ، فما رأى المصلحة في التبليغ له بنحو مباشر بل في التقرُّب إلى الملك مستهدفاً النقطة الأساسية للخطر. ولأجل ذلك أوجد تدريجياً علاقة صداقة مع بعض شخصيات البلاط ، وباعتبار حسن بيانه وفكره وأخلاقه كسب ثقة البلاط بسرعة ، فعرّفوه إلى الملك ، وبعد فترة قصيرة استطاع زرع محبته في قلب الملك وازداد شأنه عند الملك شيئاً فشيئاً.

مضت أيام وهو يترصد اليوم والفرصة المناسبة لإنقاذ زملائه وللقيام بعملية تبليغ الدين الجديد. وفي يوم انفتح الكلام عن سجينين يدعيان بولص وبرنابا ، فسأل شمعون الملك : ما ذنبهما؟ فحكى الملك قصتهما بالتفصيل ، فسأله شمعون : وهل حقَّقت في ذنبهما أم لم تحقق؟ فأجاب الملك : عند ما شاهدنا نشاطهما غضبنا عليهما وأودعناهما السجن دون أن نحقِّق في أمرهما.

قال شمعون : كان من الأفضل أن تحقِّق في أمرهما ، واسمح لهما حالياً أن يأتيا ليتم التحقيق. فوافق الملك على ذلك وجيء بهما إلى هناك.

لم يعرّف شمعون نفسه ، وباشرهما بالسؤال : لماذا سجنوكما؟ وما جنايتكما؟

قالا : نحن مبعوثا الرسول عيسى عليه‌السلام امرنا أن ندعو الناس إلى التوحيد.

قال شمعون : وما دليلكما على ما تقولانه؟ وهل لكما معجزة تثبت ذلك؟

قالا : نعم ، نعالج المرضى المستصعب علاجهم بإذن الله.

أمر الملك للاتيان بمريض استحال علاجه فعالجاه ، ممَّا آثار تعجّب الملك وحواشيه.

فسألهما شمعون : وهل لكما معجزة اخرَى؟

قالا : نحيي الموتى بإذن الله ، ففعلا ذلك أمام الملك.

عندئذٍ حذّر شمعون الملك من فقدانه التاج والعرش إذا لم يستسلم لمبعوثي عيسى عليه‌السلام ؛ لأن آياتهما صحيحة وتثبت كونهما من مبعوثي رسولٍ بعثه الله.

وبهذه الخطة الدقيقة التي رسمها شمعون أسلم الملك بعد ما اتّضحت له الحقيقة ، وبعد ما بلغ الناس اعتناق الملك الدين الجديد قدموا أفواجاً أفواجاً معلنين اعتناقهم الدين الجديد.

اعتنقت انطاكية جميعها هذا الدين الجديد إثر مساعي هؤلاء المبلغين الثلاثة ، وإثر تحمّلهم

٤١٢

المشاق والمتاعب والسجن والتخطيط الصحيح وتغيير اسلوب الدعوة في الوقت المناسب.

وفقاً لهذا التفسير ، فإنَّ الآيات الثمان عشرة لهذا المثل عبارة عن طمئنة وتبشير للأقلية المسلمة المتواجدة في مكة ، فهي تخاطبهم : أيها المسلمون الذين تعيشون تحت وطأة الضغط والتعذيب ، لا تخافوا قلَّة عددكم ، فإنكم ستنتصرون على الأعداء الأكثرية في مكة إذا استقمتم وتحملتم المصاعب وواجهتهم المشاكل والمصائب وخططتم تخطيطاً صحيحاً واستخدمتم الاسلوب الأنجع في الإعلام والتبليغ ، رغم كثرة أعدائكم وتفوّقهم عليكم بالكمية.

وفقاً لنقلٍ وحكايةٍ اخرَى لهذه القصة ، شهدت عليه بعض الآيات حسب الظاهر ، فإنَّ رسل عيسى عليه‌السلام قتلوا بعد ما بتّوا بالتبليغ هناك ولم يؤمن الملك ولا الناس بهذا الدين الجديد إلَّا البعض ، فابتلوا بعذاب الله ، وكان من نوع الصاعقة السماوية ، أشارت لها الآية ٢٩ من سورة يس : (إنْ كانَتْ إلَّاصَيْحَةً واحِدَةً فَإذَا هُمْ خامِدُونَ)

وفقاً لهذا التفسير ، فإن الآيات المتقدِّمة تهديداً للأكثرية المشركة في مكة ، وتخاطبهم : لا تغتروا بكثرتكم ، فلا حاجة للكثرة والعدد الكبير لتدميركم ، ويكفيكم صيحة الله لتوجد زلزال تحترقون به جميعكم.

إذن ، للآيات المزبورة تفسيران ، أحدهما : كونها طمئنة للمؤمنين ، وثانيهما : كونها تهديداً للمشركين.

خطابات الآيات

للآيات المزبورة خطابات كثيرة نقتنع بثلاثة منها :

١ ـ لا تخافوا قلَّة عددكم

لا ينبغي للمؤمنين أن يخافوا الأعداء لقلَّة عددهم ، وفي هذا المضمار يقول الامام علي عليه‌السلام : «لا تستوحشوا في طريق الحق لقلّة أهله» (١) ، فإن القلَّة عند الله كثرة ، كما جاء في الآية الكريمة :

__________________

(١) نهج البلاغة ، الخطبة ٢٠١.

٤١٣

(كَمْ من فِئةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَت فِئَةً كَثِيرَةً بإذْنِ الله) (١).

على الشباب الذين يهاجرون للدول الغربية لغرض الدراسة أن لا يخافوا عند ما يجدون أنفسهم وحيدين في عبادة الله وطاعته بين مجموعة كبيرة من عبدة الأهواء ، ولا ينبغي لهم أن ييأسوا من هذا الوضع وينجرفوا مع الكثرة.

أيها الموظف المتدين في الدائرة ، الذي تجد نفسك الوحيد الذي لا تسمح لنفسك أخذ الرشوة ، عليك أن لا تخاف من انفرادك ، واسعَ لأن تنهى زملائك عن المنكر وتأمرهم بالمعروف ، وإذا صبرت واستقمت في هذا الطريق فسيلتحق بك الآخرون.

٢ ـ الاتحاد سرّ الانتصار

خطاب الآية الآخر هو الاتحاد والوفاق ، فقد انتصر الحواريون عند ما تكاتفوا ، والتكاتف هو سر انتصارهم وكل انتصار يحصل في مكان أو زمان ما ، وهو أمر نحتاجه في هذا الوقت أكثر من أي وقت آخر ، وكل ما يدعو للتفرقة هو من الشيطان ؛ لأن الفرقة منه.

٣ ـ التخطيط في التبليغ

ينبغي بالاعلام والتبليغ أن يتم وفق خطة ومنهج مُعد ، فعلى حواريي عيسى الأولين أن يدعوا الناس إلى التوحيد علناً ، وعند ما ابتلوا بالسجن كان على شمعون أن يسلك المنهج غير المباشر في التبليغ لكي تحصل النتيجة المطلوبة.

هذا هو شأننا كذلك ، فلا يمكننا النجاح في العمل مع وجود عدوٍّ مكّار ومحتال إلَّا أن نسير وفق منهج وخطة مرسومة ، وهل يمكن مواجهة عدوٍّ خطط للاستعمار خلال عشرات السنين المقبلة دون أن يكون لنا خطط وبرمجة مناسبة؟

__________________

(١) البقرة : ٢٤٩.

٤١٤

المثل الرابع والأربعون :

الشرك والتوحيد

يقول الله تعالى في الآية ٢٩ من سورة الزمر :

(ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتشَاكِسونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَستَوِيانِ مَثَلاً الحَمْدُ للهِ بَلْ أكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ)

تصوير البحث

هذا المثل ككثير من أمثال القرآن يدور حول محور الشرك والتوحيد. شبِّه المشرك هنا بالعبد الذي يملكه أرباب متعددون ومختلفون فيما بينهم كثيراً ، كلٌّ منهم يأمر العبد بأمرٍ مختلف ، ممَّا يسبب حيرة العبد ، كما شبِّه الموحِّد بالعبد الذي له مولى واحد ، وكل اموره تجري وفق برنامج ومنهج محدد.

التوحيد أساس الاصول والفروع

الكثير من المسلمين يتصوَّر أن التوحيد أحد اصول الدين فحسب ، وأنَّه بمثابة باقي الاصول الخمسة من العدالة والنبوة والامامة والمعاد ، كما أن فروع الدين عشر ، مع أنَّ التوحيد يُعدُّ الأساس لُاصول الدين وفروعه ، وليس أصلاً في طول باقي الاصول ، والاسلام طرح أصل التوحيد في مجالات مختلفة ، نشير إلى بعض النماذج.

٤١٥

الاول : نعتقد أن خالق الكون واحد ، (اللهُ لا إلهَ إلَّاهُوَ الحَيُّ القيُّومُ) (١).

الثاني : الاسلام يقول بنوع خاص من التوحيد في حق الرسل والأنبياء ، ولا يفرّق بينهم ويكنُّ الاحترام لجميعهم ، (لا نُفرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ من رُسُلِه) (٢) ، والفرق في رسالاتهم ودينهم ، فلكلٍّ دين خاص بزمانه وظروفه المكانية والزمانية ، ويُعدُّ حقاً في ذلك الزمان والمكان ، فدين موسى كان دين الحق في زمانه ، ودين عيسى كان دين الحق في زمانه وعصره ، وهي من قبيل مراحل التعليم التي تبدأ بالابتدائية وتنتهي بالجامعة وتمر بالمتوسطة والاعدادية ، أمَّا الاسلام فهو دين إلى آخر الزمان وقيام القيامة ، ويمكن تنفيذه والعمل به في كل عصر ؛ لأن الرسول محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله خاتم الرسل والانبياء.

إذن يعتقد المسلمون ـ وفقاً للآية المتقدمة ـ بنوع خاص من التوحيد في حق الرسل والأنبياء.

الثالث : يمكن تصوّر التوحيد في المعاد كذلك ، بمعنى أنَّ الناس جميعاً منذ بداية خلق الانسان وحتى آخر انسان سيجتمعون في يوم القيامة للحساب ، وقد أشارت الآية الكريمة ٤٩ ـ ٥٠ من سورة الواقعة إلى هذا المطلب ، حيث قالت : (قُلْ إنَّ الأوَّلين والآخرِين لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَومٍ مَعْلُومٍ)

إذن ، هناك نوع توحيد يمكن مشاهدته في يوم القيامة.

الرابع : الناس والبشر مشمولون بنوع خاص من التوحيد ؛ لأنهم جميعاً من أب واحد وامّ واحدة ، وكلهم سواسية عند الله تعالى ولا رجحان لأحدهم على الآخر إلَّا بالتقوى. وقد أشار القرآن إلى هذا الصنف من التوحيد في الآية ١٣ من سورة الحجرات : (يَا أيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وانثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وقَبَائِلَ لَتَعارَفُوا إنَّ أكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أتْقَاكُم إنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)

كما قال الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله : «المؤمنون تتكافئ دماؤهُم» (٣) ، ولهذا تتساوى دية المسلمين سواء

__________________

(١) البقرة : ٢٥٥.

(٢) البقرة : ٢٨٥.

(٣) ميزان الحكمة ، الباب ٢٩ ، الحديث ١٤٠٥.

٤١٦

الصغير الذي لم يمضِ من عمره إلَّا عاماً منهم والكبير الذي أتمَّ مراحل دراسية عُليا.

الخامس : القانون والدين الإلهي واحد ، ولا يُقبل من الانسان إلَّا ديناً واحداً ، وهو الاسلام : (إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإسلامُ) (١).

السادس : يتَّحد المسلمون في القبلة التي يتجهون نحوها في الصلاة.

السابع : كتاب المسلمين السماوي واحد ، وهم جميعاً تبع لكتاب واحد ، هو القرآن.

الثامن : على المجتمع الاسلامي أن يكون متحداً ليشكِّل امَّة واحدة.

يوجد حالياً أكثر من خمسين دولة اسلامية تفرِّقها الحدود السياسية والجغرافية ، ومن وجهه نظر اسلامية لا اعتبار بهذه الحدود ، والمسلمون جميعهم إخوة وسواسية ، وفي هذا المضمار وردت الرواية التالية : «المؤمن أخو المؤمن» (٢).

ومخلص الكلام أنَّ الدعوة للتوحيد والوحدة نعثر عليها في كل مكان ، ولهذا لا يُعدُّ التوحيد أصلاً من اصول الدين فحسب بل أساساً لُاصول الدين وفروعه. وهذا هو سبب تعدّد وكثرة الأمثال القرآنية التي تعرَّضت لهذا الموضوع.

الشرح والتفسير

(ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشَاكِسُونَ)

مثَّل الله المشرك بالعبد الذي يملكه عدَّة أرباب متشاكسين وغير متفقين.

مادة (شَكَس) تعني الاختلاف والنزاع وسوء الخلق وسوء التعامل والمشاجرة ، وأرباب هذا العبد متشاكسون ومختلفون دائماً ، ويأمر كلٌّ منهم العبد بأمر يناسبه ، فيتحيَّر العبد ؛ لأن أحدهم يقول : إذهب إلى المكان الفلاني والآخر يقول له : لا تذهب ، أو أحدهم يقول : استرح اليوم ، والآخر يقول : عليك العمل اليوم وبذل جهد أكثر ، أو أحدهم يقول : سافر اليوم ، والآخر يقول : لا تسافر ، وهكذا ...

__________________

(١) آل عمران : ١٩.

(٢) ميزان الحكمة ، الباب ٢٩١ ، الحديث ١٤١٣.

٤١٧

هذا من جانب ، ومن جانب فإنَّه في حيرة من حيث مؤونته الشخصية واليومية ؛ لأن كلاً من الأرباب يلقي مسؤولية تأمين احتياجاته على الآخر. وبذلك تختل حياته ويظل في حيرة من أمره.

مثل المشركين كمثل هذا العبد ؛ لأنهم جعلوا حياتهم رهن هذه الأصنام فأصبحوا جاهلين بأهدافهم ، وفي حيرة من أمرهم ولا يعلمون بأيٍّ يتعلّقون ، فتتعلق قلوبهم بشيءٍ يوماً ما وفي يوم آخر تتعلق قلوبهم بشيء آخر.

شأنهم شأن غير الموفقين والفاشلين الذين يبرمون عقدة الصداقة مع أحدٍ في يوم ويفتحونها في يوم آخر ليبرموها مع آخر ، ويستمرون بنهجهم هذا. أو من قبيل اولئك الذين يميلون مع الريح اين ما مالت وينضمّون إلى راية في يوم ويلجئون إلى اخرَى في يوم آخر ، فاليوم تهوى قلوبهم إلى الجاه والمقام ، وغداً إلى الثروة وبعد غد إلى الشهرة ، ولا ينتبهون إلى ما هم عليه إلَّا وقد انتهت أيام عمرهم.

(رَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ)

أمَّا مثل الموحد فمثل العبد الذي له أرباب واحد ، أمره واضح ، وهو غير متحيّر ، ومطيع لسيده ومسلّم أمره إليه ، ولا مشكلة له من حيث تأمين احتياجاته.

نعم ، قلوب الموحّدين تعلّقت بمعبود واحد ، فهو ملجأهم وناصرهم ومعينهم ومرادهم وملبيّ حاجاتهم ، ولا يرجون أحداً غيره ، ولا إبهام في وظائفهم وما ينبغي عليهم فعله ، فلا يعيشون حيرة ابداً.

أيها الناس ، كونوا في ظل معبود كهذا ، ونالوا من نوره الرباني ، وأنيروا طريقكم به ، فإن العزّة له والقدرة لديه والذلة بيده ، ولو أرادت الدنيا بأكملها شيئاً وهو أراد شيئاً آخر فلا تتحقق إلَّا إرادته.

كان فرعون قد قرَّر قتل موسى وهو في بطن امِّه ، ووظّف لأجل ذلك جميع امكانياته ، فبقر بطون الكثير من الحوامل ، وقتل الكثير من الأطفال ، وارتكب جرائم كثيرة ، لكنه ما توفّق لتحقيق رغبته وإرادته ؛ لأن الله كان قد أراد شيئاً آخر ، فتربَّى موسى عليه‌السلام في حضن فرعون نفسه ، إذن علينا التعلق بربٍّ كهذا.

(الحَمْدُ للهِ)

٤١٨

الحمد خاص له تعالى ومنحصر به ؛ لأنّه خالق ورازق وحافظ وهادي ، وما من شيء إلَّا منه عزوجل.

(بَلْ أكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ)

المشركون لا يعلمون شيئاً ؛ لأن الطغيان والشهوات حالت دون إدراك الحقائق.

خطابات الآية

١ ـ وحدة مصدر القرارات

أول خطاب للآية هو أن يكون مصدر صناعة القرارات عند المشاكل الاجتماعية واحداً ، فلو تعددت مصادر صناعة القرار في المجتمع ولم تتَّحد أو تتمركز أصبح المجتمع بمثابة العبد الذي تعددت أربابه وظلَّ متحيّراً ، وبذلك يفقد المجتمع قواه ، وسوف تستهلك طاقاته في النزاعات التي تحصل بين التكتلات ، وبعد فترة ينسى المجتمع قضاياه الأساسية.

٢ ـ علي عليه‌السلام مصداق كامل لآية المثل

المصداق الكامل والأتم لهذه الآية التي وردت في العبد ، الذي لا مولى له إلا واحد ، ولا يتّبع أحداً سواه ويتوكل عليه ، هو مولى الموحدين وأمير المؤمنين عليه‌السلام.

في هذا المضمار ننقل روايتين ، احدهما وردت عن طريق أهل السنة ، والثانية وردت في مصادر الشيعة :

١ ـ ينقل أبو القاسم الحسكاني في (شواهد التنزيل) ، الذي يجمع شأن نزول الآيات ، حديثاً عن الامام علي عليه‌السلام في ذيل آية المثل يقول فيه : «أنا ذاك الرجل السلم لرسول الله».

نعم ، الامام علي عليه‌السلام سلَّم أمره إلى رسول الله واجتنب عن اتخاذ موالي متعددين ، وهذا ليس ادعاءً ، بل التاريخ يشهد له بذلك ، فقد كان عاشقاً للرسول ومطيعاً له وذاباً عنه في أخطر اللحظات.

٢ ـ يقول المفسّر الشيعي الكبير العياشي في تفسيره وفي ذيل الآية المزبورة : «الرجل السلم حقاً عليٌّ وشيعته».

٤١٩

كان قلب علي مفعماً بحب الرسول ، وقلوب الشيعة مفعمة بحب علي ، كانت حياة علي إلهاماً من حياة الرسول ، وحياة الشيعة إلهاماً من حياة علي ، وعلي ضحَّى بنفسه في سبيل الرسول ، والشيعة يضحّون بأنفسهم في سبيل علي المرتضى.

تكميلاً للبحث نذكر نموذجين من تضيحات الامام علي عليه‌السلام في سبيل الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله.

الف : جاء في الآية ٢٠٧ من سورة البقرة :

(وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ واللهُ رَؤوفٌ بالعِبَادِ)

العلَّامة الأميني رحمه‌الله من عشاق أمير المؤمنين ومن شيعته ينقل في الجزء الثاني من كتابه القيِّم (الغدير) تذييلاً للآية عشر مصادر معروفة لأهل السنة يعترفُون فيها بنزول الآية في شأن علي عليه‌السلام ، ويدَّعي التواتر في الروايات المنقولة هنا.

جاء في روايات هذا الباب : «كمن المتآمرون حول بيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله محدقين به من كلِّ جانب ، ومكثوا يرقبون ريثما يغلب عليه النوم لينهالوا عليه بضرباتهم ، لكنَّ الحق تعالى أطلع رسوله على مكرهم ، ونزل جبرئيل بقوله عزوجل :

(وَإذْ يَمكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أْوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمكُرُون وَيَمكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيرُ المَاكِرِينَ) (١).

وأتاه الأمر بأن ينام أمير المؤمنين عليه‌السلام في فراشه وأن يغادر مكة فأخبر علياً عليه‌السلام أن المشركين آتون في طلبه الليلة ، وأنه أمر بالرحيل عن مكة إلى غار ثور ، وأمر بأن يخلّفه في فراشه ، كي لا يعلم المشركون برحيله ، فسأله عليه‌السلام : وهل ستكتب لك السلامة؟ قال : أجل ، قال : حبّاً وكرامة ، ثم سجد لله شاكراً ، وكانت تلك أول سجدة شكر في هذه الامة ، ثمّ رفع رأسه وقال : اذهب أينما أمرت روحي لك الفداء ، ثمّ احتضنه صلى‌الله‌عليه‌وآله وبكى ، ثمّ استودعه الله ، وأخذ جبرئيل بيده وخرج به من البيت وهو يقرأ :

(وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأغْشَينَاهُمْ فَهُمْ لَايُبْصِرُونَ) (٢).

__________________

(١) الأنفال : ٣٠.

(٢) يس : ٩.

٤٢٠