أمثال القرآن

آية الله مكارم الشيرازي

أمثال القرآن

المؤلف:

آية الله مكارم الشيرازي


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مدرسة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام
المطبعة: معراج
الطبعة: ٢
ISBN: 964-6632-94-7
الصفحات: ٥٥٢

للعمل إذا لم ينشأ عن إيمان.

دال ـ جاء في الآية ٥٤ من سورة التوبة :

(وَمَا مَنَعَهُم أنْ تُقْبَلَ نَفَقَاتُهُمْ إلّا أنَّهُمْ كَفَرُوا باللهِ ورَسُولِهِ ولا يأتُونَ الصَّلاةَ إلّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إلّا وَهُمْ كَارِهُونَ)

إنَّ هذه الآية كذلك تعتبر الإيمان شرط قبول العمل. وعليه ، فإنّ الآية المذكورة وآيات وروايات كثيرة اخرى عدّت الإيمان شرطاً لصحة العمل وكماله ، كما أنَّ بعض الآيات والروايات اعتبرت الولاية بنفس المستوى ومنحت الاعتقاد بها نفس القيمة التي منحتها هذه الآيات لمبدأ الايمان بالله.

لماذا الإيمان والولاية شرطان لصحة العمل؟

بعبارة أُخرى : لماذا لم يفتح الله لاعمال الكفار الصالحة أو الطالحة حساباً مستقلاً ، بأن يحاسب الكافر على أعماله الطالحة بمعزلٍ عن حسابه لأعماله الصالحة؟

الجواب : لقد جاء جواب هذا السؤال في الآيات والروايات التي عدّت الولاية والإيمان شرطين لصحة الأعمال.

جاء في رواية تقدمت أنَّ الإمام عليه‌السلام يقول : «ولم يعرف ولاية وليّ الله فيواليه ويكون جميع أعماله بدلالته إليه» ، أي أنَّ للأعمال الصالحة شروطاً ومقدمات وملابسات يحدّدها الإمام المعصوم نفسه وإذا لم تتم بتنسيقٍ معه فانها قد تكون ناشئة عن هوى وهوس وتصبّ في غير مجالها.

إنّ غير المؤمنين عند ما يؤدون أعمالاً صالحة مثل المرضى الذين يداوون أنفسهم بعقاقير خاصة من دون مراجعة طبيب ، ومعالجة من هذا القبيل قد تلحق بالإنسان أضراراً كثيرة تصل إلى الموت أحياناً.

إنّ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله والأئمّة عليهم‌السلام هم أطباء روحيون ، ولأجل أن يداوي إنسان أوجاعه ، عليه بالعمل حسب وصفتهم لا وصفة غيرهم.

من هنا يقسم الإمام علي عليه‌السلام ـ في كلام جميل يخاطب به كميل بن زياد ـ الناس إلى ثلاثة أصناف :

٢٤١

١ ـ العلماء الربانيون الذين وجدوا وسلكوا طريق الهداية والصراط المستقيم.

٢ ـ المتعلّمون والذين هم في طريقهم إلى المعرفة ويفيدون من العلماء والاساتذة لبلوغ طريق الهداية والنجاة.

إنّ مثل هذين الاثنين كمثل الشمس والقمر حيث احدهما يعدّ مصدراً ومنبعاً للنور والإضاءة ، والآخر رغم أنَّه ليس مصدراً للنور إلّا أنه يلهم من نور الآخرين ليتنوّر ويكون مصباح هداية في الليالي الظلمانية.

٣ ـ الصنف الثالث هو أولئك الذين لا هم أساتذة وعلماء ولا هم متعلمون ولا هم في طريقهم إلى العلم ، فلا هم مصدر للنور ومنبع له ولا هم متنورون بنور الاخرين ، بل انّهم اناس غير هادفين ولا يعتمدون شيئاً في حياتهم إلّا الخواء ، وهم مثل البعوضة التي يهددها أبسط نسيم ويذهب بها إلى أي جهة شاء.

إنَّ الذين ينتشلون أنفسهم من خط المعصومين عليهم‌السلام ويرفضون الولاية ، رغم ذلك يؤدون أعمالاً صالحة ، هم من الصنف الثالث ، وحياتهم كلها اضطراب واعوجاج ، وشأنهم شأن الشجرة التي ترقص مع كل ريح.

وعلى هذا ، فإنَّ فلسفة اشتراط الايمان والولاية هو هداية الأعمال باتجاه الصراط المستقيم ، وشأن ذلك شأن المريض الذي يتداوى تحت رعاية الطبيب المختص.

٢ ـ الدوافع المعنوية لغير المؤمنين

ثاني خطاب للآية هو أنّ غير المؤمنين لا يملكون الدوافع المعنوية ، بل دوافعهم كثيراً ما تكون مادية ، كنموذج لذلك هو الخدمات الإنسانية التي يقوم بها ثلة من البشر ، في اطار المنظمات الإنسانية الدولية ، فهي من جهة خدمات إنسانية اخلاقية وتصل المحتاجين إليها من البشر ، لكنها في نفس الوقت كثيراً ما تكون غطاءً لممارسة التجسس لصالح الدول الكبرى.

قد يكون الهدف من هذه الاعانات هو الحفاظ على حياة هؤلاء المستضعفين لاجل استغلالهم أكثر فأكثر ، كما كان يفعل النخاسون وأصحاب العبيد حيث كانوا يطعمون عبيدهم المقدار الذي يحافظ على حياتهم وهو مقدار لا يشبعهم ، ولذلك نرى أنَّ بعض هذه الخدمات

٢٤٢

الإنسانية تستهدف اغراضاً مادية غير إنسانية.

وقد أشارت الآية ٥٤ من سورة التوبة ـ التى مضى شرحها ـ إلى هذا المطلب ، حيث قالت :

(وَمَا مَنَعَهُم أنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُم إلّا أنّهُمْ كَفَرُوا باللهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يُأتُونَ الصَّلَاةَ إلّا وَهُم كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إلّا وَهُم كَارِهُونَ)

من هنا خاطب الإمام علي عليه‌السلام مالك الاشتر في عهده له طالباً منه أن يختار لصلاته أفضل أوقاته ؛ (١) وذلك لأنك اذا أحكمت علاقتك بخالقك فالله سيحكم علاقتك بباقي المخلوقات.

على أساس الآية الكريمة ، أنّ انفاق المنافقين وغير المؤمنين وإعاناتهم المادية لم تنشأ عن نية خالصة بل نشأت عن كراهة وعدم رغبة.

لا قيمة لانفاقهم ولو بذلوا أفضل أموالهم وأكثرها ؛ وذلك لعدم ايمانهم بالله وبالولاية ، كما أنَّ عملهم لم يكن عن صدق نية. على سبيل المثال إذا أراد المؤمن بناء مدرسة اختار منطقة محرومة لرفع الحاجة عن تلك المنطقة كما أنّه سوف لا يبخل في احكام بناء المدرسة وصرف المبالغ في هذا السبيل ، أما الإنسان غير المؤمن أو المنافق بما أنَّ هدفه الرياء والتظاهر لذلك يختار مكاناً ذا طلعة وفي مرأى من الناس وفي منطقة قد تكون مستغنية عن المدرسة ، ولا يفكر في إحكام البناء ؛ وذلك لأنّ جمال البناء يحقق اهدافه.

إنَّ أعمال غير المؤمنين غالباً ما تكون عن هوى وهوس ، ولاجل كسب الشهرة والجاه والمورد ، ولا علاقة لهم بالنية الخالصة. اضافة إلى هذا ، نحن نعتقد أنَّ غير المؤمنين لا يمكنهم التحلّي بالاخلاق الحسنة.

الاحباط في القرآن

كما أنَّ الايمان والولاية شرطان في البداية ، ولا قيمة لعمل بدونهما ، كذلك ادامة واستمراراً ، فالمفروض أن يستمر هذان الشرطان حتى نهاية العمر والانتقال من هذا العالم إلى عالم الآخرة.

__________________

(١) نهج البلاغة ، الخطبة ٥٣.

٢٤٣

وعلى هذا ، لو أنّ شخصاً جاء بجميع الاعمال الحسنة ، لكنه في اللحظات الأخيرة من عمره رحل خلو الايمان ، فإنَّ أعماله التي انجزها في الدنيا سوف لا تفيده شيئاً في الاخرة أبداً.

هذه المسألة من مصاديق (الاحباط) الذي تعرّض له القرآن بشكل واسع. إنَّ ست عشر آية أشارت إلى قضية الاحباط في العمل ، نتعرض لاثنين منها.

١ ـ جاء في الآية ٨٨ من سورة الأنعام ما يلي : (وَلَو أشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُون) تعدّ هذه الآية الشرك أحد عوامل إحباط الأعمال الحسنة.

٢ ـ وجاء في الآية ٦٥ من سورة الزمر : (وَلَقَدْ أُوْحِىَ إِلَيْكَ وَإِلى الّذِيْنَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِيْنَ)

رغم أنَّ الآية تخاطب الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ، لكن من الواضح أنَّه هو مركز التوحيد والحنيفية ولا يتوقع منه أن يكون مشركاً يوماً ، لذلك نقول : إنّ الآية تحذير للآخرين لا له.

الحبط في عالم الطبيعة

هل من العدالة أن تحبط الأعمال الكثيرة بذنب ما؟ بعبارة اخرى : هل الأمر يتفق مع قوانين الطبيعة؟

الجواب : أنَّ الاحباط مشهود في عالم الطبيعة والتكوين وموجود كذلك في عالم التشريع والقوانين الدينية ، كما أنَّه موجود في أعمالنا الروتينية.

قد يعمل المزارع ليل نهار ويبذل قصارى جهده للحفاظ على البستان الكبير والمليء بالثمار المتنوعة ، إلّا أنَّه قد يوقد النار في جانب منه ويغفل لفترة ليرى أنَّ النار سرت إلى جميع البستان وأكلت كل جهوده التي بذلها لانضاج ثمار هذا البستان.

وقد يقوم الإنسان السليم خلال سنوات من العمر بكل ما تستدعيه اصول الصحة والرعاية الصحية ، لكنه لأسباب واخرى يتعاطى المخدرات ليصبح بعد عدة أيام إنساناً سقيماً لا حول له ولا قوة ولا صبر ولا صحة ولا طاقة ولا بهجة. وعلى هذا ، فانَّ النار احبطت ما زرع المزارع وما أنتج ، والمخدرات أحبطت سلامة الإنسان ودمرتها.

ويمكن الاتيان بمثال ثالث وهو : بناء سدّ ضخم يستدعي استخدام طاقة عمال ومهندسين لمدة سنوات متوالية ، وبعد ملئه بالماء واستخدامه في الاغراض الخاصة ، يأتي سيل عظيم يغفل

٢٤٤

المشرفون عليه عن فتح المنافذ والبوابات المخصصة لتقليل وطأة ضغط الماء على السدّ ، الأمر الذي يؤدي إلى كسر السدّ وإذهاب جهود سنوات من العمل سدى.

وعلى هذا ، فمسألة الحبط لا تختص بالقضايا الدينية والعقائدية ، بل إنَّها جارية في قضايا التكوين والممارسات اليومية والعادية للإنسان ، ولا يتنافى ذلك مع العدالة الإلهية. علماً أنَّ المسبب الأساسي لهذا الاحباط هو الإنسان نفسه ، فهو نفسه المسبب في اندلاع الحريق في البستان وتبدد طاقات جسم الإنسان المتعاطي للمخدرات وانكسار السد وتهديمه.

إذن ، على المسلمين أن لا يفكروا بالاتيان بالأعمال الحسنة فحسب ، بل عليهم التفكير في الحفاظ على هذه الأعمال. فإنَّ الحفاظ على الأعمال أصعب بمرات من الاتيان بها ، فقد يقدم الإنسان على إحراق بستان حياته بوسائل بسيطة جداً ، وكمثال على ذلك ما ورد في الآية ٢٦٤ من سورة البقرة ، التي اعتبرت أنّ المنّ والأذى عوامل لاحباط الانفاق والصدقات.

إذا تبنى شخص يتيماً وربّاه منذ صغره وأنفق عليه الكثير وأرسله إلى المدرسة الابتدائية ثم الاعدادية والجامعة ، ثم وفّر له فرصة الزواج وعمل على تزويجه ، وفي يوم من الأيام وفي مجلس عام أراد أن يتباهى هذا الشخص ويمنّ على اليتيم فقال له : (لم تكن إلّا طفلاً يتيماً فأعلتك وأنفقت عليك وأرسلتك إلى المدرسة والجامعة وأنا الذي منحتك هذا الشأن و...) ؛ فوفقاً لمفاد آيات القرآن ، هذا الشخص أحبط أعماله التي أنجزها طوال حياته.

وحسب المستفاد من بعض آيات القرآن ، انَّ المسلمين ما كان لهم الحقّ أن يسيئوا الادب للرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله أو يرفعوا أصواتهم عليه ، وإلّا فتحبط أعمالهم : (يَا أيُّهَا الّذينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أصْوَاتَكُم فَوْقَ صَوْتِ النّبيّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَولِ كَجَهْرِ بَعْضِكُم لِبَعْضٍ أنْ تَحْبَطَ أعْمَالُكُم وَأنْتُم لَا تَشْعُرُونَ) (١)

كما أنَّه عدّ مرض الحسد النفسي من عوامل الاحباط .. في بعض الروايات. يقول الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله : «إيّاكم والحسد فإنّه يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب». (٢)

في النهاية : انّ الايمان والولاية شرطان لصحة الأعمال ، وعدمهما يحبط العمل سواء كان في بداية العمر أو أثنائه.

__________________

(١) الحجرات : ٢.

(٢) ميزان الحكمة ، الباب ٨٥٠ ، الحديث ١٣٩٤ ، كما جاء نفس المضمون في الحديث ٣٩٣٨.

٢٤٥
٢٤٦

المثل الرابع والعشرون والخامس والعشرون :

الكلمة الطيبة والكلمة الخبيثة

جاء في الآيات ٢٤ و ٢٥ و ٢٦ من سورة إبراهيم ما يلي :

(أَلَم تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيّبَةً كَشَجَرةٍ طَيّبةٍ أصْلُها ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّماءِ تُؤْتِي أكُلَهَا كُلّ حِيْنٍ بِإذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللهُ الأمثَال للنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيْثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيْثَةٍ اجتُثَّتْ مِنْ فَوقِ الأرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ)

تصوير البحث

هذه الآيات من أجمل الآيات ومن أبلغ الأمثال القرآنية. إنّ في الآيات الثلاث تمثيلاً جميلاً وبليغاً للكلمة الطيبة من جانب ، وللكلمة الخبيثة من جانب آخر ، وفيها يعدّ الله الفوائد والآثار المترتبة على كل واحدة منهما.

ارتباط آيات المثل بسابقاتها

إنَّ ذكر هذين المثلين لا يخلو من ارتباط بما ورد في الآيات السابقة من نسبة الكلمة الطيبة إلى الله والخبيثة إلى الشيطان ، كما أنّها قد تضمّنت مضامين ومفاهيم رفيعة. وهنا نص الآية ٢٢ من سورة إبراهيم : (وَقَالَ الشّيْطَانُ لَمّا قُضِيَ الأمْرُ إنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إلّا أنْ دَعَوْتُكُم فاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُوْنِي وَلُوْمُوا أنْفُسَكُمْ مَا أنَا بِمصْرِخِكُمْ وَمَا أنْتُمْ بِمُصْرِخِىَّ إنّي كَفَرتُ بِمَا أشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبلُ إنَّ الظَالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيْمٌ)

٢٤٧

ينبغي الالتفات إلى أنّه نقل كلامان في الآية ، أحدهما لله ، وهو وعده الحقّ الذي أوفى به ، وهو مصداق للكلمة الطيبة. والثاني هو للشيطان الذي هو وعد باطل ولم يفِ به الشيطان ، كما أنّه مصداق للكلمة الخبيثة.

حسب ما ورد في الآية الشريفة ، فإنَّ استجابة دعوة الشيطان اختيارية غير جبرية ، وكل من تابع الشيطان فبارادته ، لذلك يلوم الشيطان الإنسان يوم القيامة ؛ لأنّ الإنسان يعلم بطبيعة الشيطان الخبيثة رغم ذلك يلتحق بركبه.

ألا يعلم الإنسان بمعاملة الشيطان لابيه آدم عليه‌السلام؟ إنّ مكره هو الذي أدى به إلى خروجه وانقطاع نسل الإنسان من الجنّة بالكامل. (١) ألم يسمع الإنسان بقسم الشيطان باتيان الإنسان من بين يديه ومن خلفه لاجل إغوائه وحرفه عن الصراط المستقيم؟ (٢) إذن لماذا الإنسان ، رغم علمه الوافر ، يغرّه الشيطان بوعوده الباطلة والكاذبة ويترك كلام الله الصادق؟!

الشرح والتفسير

(أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيّبَةً كَشَجرَةٍ)

إنَّ هذه الشجرة التي ضرب الله بها مثلاً ذات خمس خصائص :

١ ـ «طَيِّبَةً» أول خصائصها أنها طيّبة أي طاهرة وذات رائحة مطلوبة. إنَّ بعض الاشجار يستفاد من جميع أجزائها من الاوراق والاغصان والثمار والجذور وأصماغها ، كما أنّ منظرها جميل وعطرها مريح ، إلّا أنّ بعض الاشجار ذات منظر قبيح ورائحة كريهة وجذور نتنة وثمارها مُرّة.

إنَّ الشجرة التي ضرب الله بها مثلاً هي شجرة طاهرة وجميلة وبالجملة طيبة.

٢ ـ «أصْلُهَا ثَابِتٌ» الخاصية الاخرى لهذه الشجرة أن جذورها ثابتة ومحكمة في الأرض. من مظاهر قدرة الله تعالى أنه جعل تناسباً بين غصون الشجرة وجذورها فكلما كانت

__________________

(١) مضمون الآية ٣٦ من سورة البقرة.

(٢) كما هو مضمون الآيتين ١٦ و ١٧ من سورة الاعراف.

٢٤٨

الغصون أعظم وأكثر ، كانت الجذور عظيمة وكثيرة وعميقة بتلك النسبة التي للغصون ، وهي تحفظ الشجرة وغصونها من العواصف والفيضانات كما يفعل الحبل بما شدّ به.

٣ ـ «فَرْعُهَا فِي السَّماءِ» الخاصية الاخرى أنّ نموها صعودي وعمودي نحو السماء.

مما لا شك فيه أنّ دور الجذور هو تغذية الغصون والاوراق ، لكن ما دور الغصون المرتفعة جداً والمتجهة نحو السماء؟

للغصون المرتفعة فوائد وآثار مختلفة نشير إلى بعضٍ منها :

الف ـ الغصون المرتفعة تتنفس الهواء بشكل أفضل من غيرها من الغصون الاخرى. المعروف هو أنَّ أوراق الاشجار تتنفس ، والعجيب هنا هو أن مردود هذا التنفّس عكس مردود تنفس الإنسان ، فالأشجار تستنشق ثاني اوكسيد الكاربون وتطرح الاوكسيجين ، بينما الإنسان يستنشق الاوكسيجين ويطرح ثاني اوكسيد الكاربون.

إنَّ فلسفة المفارقة هذه هي أنَّ الأشجار لو كانت تتنفس نفس الغازات التي يتنفسها ويحتاجها الإنسان ، لأصبحت الأرض بعد فترة وجيزة من الزمن غير صالحة للعيش ؛ لأنّ الاوكسيجين سينفد تدريجياً ، ولا يبقى في الجو غير ثاني اوكسيد الكاربون ، وهو غاز قاتل بالنسبة للإنسان.

لذلك كان علينا أن نزرع في المدن وبخاصة المدن الكبرى أشجاراً لتصفية الهواء من الغازات السامة الناشئة عن استهلاك الوقود في السيارات والمعامل ، اضافة إلى أنَّ الأشجار توفر لنا غاز الأوكسيجين.

من فوائد الريح أنه يبدل الهواء الملوّث الخالي من الاوكسيجين بهواء نقي فيه مقدار كافٍ من الاوكسيجين.

إنّ رحمة الله تأتي بالهواء النقي وتذهب بهواء المدن الملوّث.

باء ـ تستفيد الاغصان المرتفعة من نور الشمس بشكل أفضل. إنَّ هذا النور يؤثر كثيراً على عملية جذب ثاني اوكسيد الكاربون وطرح الاوكسيجين ، ولذلك كانت الحدائق في النهار ذات جو وهواء أفضل من هوائها الليلي الخانق.

جيم ـ انَّ الاغصان المرتفعة في مأمن من الغبار والتلوّثات التي يوجدها الإنسان على

٢٤٩

سطح الأرض ، وقلما تطال هذه التلوثات الاغصان المرتفعة كثيراً.

نقطة مهمة في مجال المعرفة

من دروس المعرفة الإلهيّة التي ننتقيها هنا هي أنَّ الأرض تجذب المياه التي تعلو سطحها وتمتصها إلى أدنى مستوى ممكن أي نهاية القشرة ، وهذا قانون عام ، لكن المدهش هنا هو أنَّ الأشجار تجتذب الماء الذي في حواليها وتحول دون نفوذ المياه إلى الطبقات السفلى من قشرة الأرض ليتحول إلى مياه جوفية. فالاشجار بايصالها الماء إلى الغصون والاوراق مهما علت تعمل عكس تيار جاذبية الأرض ، وعملها يشبه مضخة الماء الضخمة التي قد تمد غابة كثيفة باطنان كثيرة من الماء لكن من دون صوت وعكس اتجاه الجاذبية الأرضية.

وهل غير الله القادر يستطيع أن يفعل هكذا؟!

في النهاية نقول : إنّ ثالث خاصية للشجرة الطيبة هو احتواؤها على أغصان مرتفعة جداً تفيد من الهواء النقي المرتفع عن سطح الأرض كما تفيد من نور الشمس بشكل أفضل ، وهي أخيراً في مأمن من تلوّثات الهواء في الطبقات الدنيا من جو الأرض.

٤ ـ «بإذْنِ رَبِّهَا» الخاصية الاخيرة لهذه الشجرة هي أنَّها رغم كون ثمارها تنضج في جميع الفصول ، إلّا أنَّها تنمو وتعمل حسب قوانين الطبيعة ولا تشذّ عنها ، وهي مطيعة لهذه السنن التي جعلها الله تعالى. إن هذا الأمر لم يختص بأمثال هذه الشجرة ، بل جميع ما في الطبيعة خاضع وخاشع له : (وَلَهُ أسْلَمَ من فِي السّمَاوَاتِ والأرْضِ) (١)

(وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيْثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيْثَةٍ) إنّ لهذه الشجرة الخبيثة خاصيتين :

١ ـ «اجتُثَّتْ مِنْ فَوقِ الأرْضِ» أي أنَّها عكس الطيبة ذات الجذور الثابتة والمحكمة في الأرض ، فجذور الخبيثة مقتلعة من الأرض ولا تستطيع هذه الجذور الحفاظ على الشجرة من الطوفان والسيول والاعصار ، فهي مجتثة الجذور.

٢ ـ «مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ» أي لاثبات لها ويطرأ عليها التزلزل لأدنى ريح عاصف.

__________________

(١) آل عمران : ٨٣.

٢٥٠

إنّ شجرة تخلو من الثمار والعطر ولا يمكنها ايجاد الظل المناسب لا تفيد إلّا للايقاد.

ما هي (الكلمة الطيبة)؟

هناك بحث بين المفسرين في تفسير معنى (الكلمة الطيبة) ، نشير إلى بعض النظريات في هذا المجال :

١ ـ يعتقد البعض أنَّ المراد من «الكلمة الطيبة» هي كلمة «لَا إله إلَّا الله» (١) فإنَّ هذه الكلمة كالشجرة الطيبة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء ، وهي في الحقيقة شجرة سعادة الإنسان. إنّ هذه الشجرة التي هي حقيقة التوحيد ، تحيي قلب الإنسان وتكسر كل ما فيه من أصنام ، بحيث تجعله لا يسجد أمام أصنام المال والرشوة والربا والسرقة والاعتداء. ولا يكذب الآف الكذبات لأجل الحفاظ على مقامه ، ولا يرتكب الجرائم لأجل الحفاظ على مال الدنيا ؛ وذلك لأنّ أعمالاً كهذه تعدّ شركاً ولذلك يُدعى المرائي في الاخرة منافقاً أو فاجراً. (٢)

إن التوحيد إذا حل وحيى في قلب الإنسان قضى على الهوى والهوس الذي هو السبب الرئيسي لجميع الانحرافات ودمّره.

من هنا جاءت رواية جميلة في هذا المجال : «أبغض إلهٍ عُبد على وجه الأرض الهوى». (٣)

إن شجرة التوحيد الطيبة إذا زرعت في قلب الإنسان طردت كل ما حولها من أصنام.

٢ ـ يعتقد بعض آخر من المفسرين أنَّ المراد من الكلمة الطيبة هو (المؤمن) ، فقد اطلق على الموجودات (كلمة الله) في القرآن المجيد ، والمؤمن كلام إلهي كذلك ، الشمس والقمر والنجوم والسماء والأرض كلها كلمات الله ، فهي في كتاب الله التكويني من كلمات هذا الكتاب ، كما أنَّ هذا المصطلح استخدم في حق السيد المسيح عليه‌السلام. (٤)

إنَّ شجرة وجود المؤمن هي من قبيل الشجرة الطيبة التي تثمر في جميع الفصول ، وثمارها

__________________

(١) مجمع البيان ٦ : ٣١٢.

(٢) ميزان الحكمة ، الباب ١٤٠٩ ، الحديث ٦٧٨٤.

(٣) المحجة البيضاء ٨ : ٤٤.

(٤) آل عمران : ٣٩.

٢٥١

السخاء والشجاعة والجود والرحمة والحب والاحسان والايمان وما شابه ذلك. (١)

٣ ـ وقد فسّر البعض الكلمة الطيبة بالأئمّة المعصومين عليهم‌السلام.

إنَّ هؤلاء بمثابة الشجرة الطيبة التي ملأت غصونها بالثمار ، وكل من طالع تاريخ حياتهم وسيرتهم أو اقترب لمزارهم وحرمهم أو أصغى أو طالع كلماتهم وخطبهم أو مدّ يد العون إليهم فسوف لا يبقى خلو اليدين. (٢)

٤ ـ إنَّ (العلماء) هو تفسير آخر للكلمة الطيبة ؛ وذلك لأنّ الناس يفيد من ثمار وجودهم.

٥ ـ (الفكر النزيه) هو خامس تفسير للكلمة الطيبة ، فإنَّ الافكار النزيهة والطاهرة هي بمثابة الشجرة الطيبة التي ثبتت على طول التاريخ.

٦ ـ (الحديث الحسن) هو تفسير سادس ذكر للكلمة الطيبة ، فإنَّ الحديث الحسن قد يخلد ويثبت ويفيد منه المجتمع. (٣)

وهناك رواية معروفة عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله مدوّنة في كتاب (إرشاد الديلمي) حيث يقول فيها :

«ما أهدى المرء المسلم عن أخيه المسلم هديّة أفضل من كلمةٍ حكمة يزيده الله بها هدى ويردّه عن ردىً». (٤)

لقد جاء في قصة النبيّ موسى عليه‌السلام والخضر عليه‌السلام انهما عند ما بلغا مدينة انطاكية واجهوا جفاءً من قبل ساكني المدينة ، خرجوا من المدينة ووجدوا هناك حائطاً خرباً ، أمر الخضر ببنائه ، فكان أمر الخضر لموسى مزعجاً فقال له الخضر آنذاك : إنَّ تحت الحائط كنزاً ليتيمين كان ابوهما امرئ جيداً ويؤمل أن يكونا كذلك.

لقد ورد في بعض الروايات أنَّ الكنز هناك لم يكن ذهباً وفضةً ، بل مجموعة من الحكم التي تركها أبوهما لهما ، (٥) كما هو الحال بالنسبة إلى الكلام الثمين لأمير المؤمنين عليه‌السلام ، فهو أغلى من أي

__________________

(١) انظر التبيان ٦ : ٢٩٢.

(٢) انظر تفسير الأمثل ٧ : ٤٤٠ ـ ٤٤٦.

(٣) وقد ذكرت تفاسير اخرى للكلمة الطيبة راجع الميزان وتفسير الامثل ، ذيل الآية.

(٤) ميزان الحكمة ، الباب ٤٠١١ ، الحديث ٢١٢٠٨.

(٥) مجمع البيان ، ٦ : ٤٨٨.

٢٥٢

كنز وهو يصلح لجميع العصور والأجيال.

كلمة طيّبة من الإمام الحسن المجتبى عليه‌السلام

إنّ جنادة بن أبي سفيان من أصحاب الإمام الحسين عليه‌السلام المخلصين ، طلب من الإمام أن يعظه في الساعات الاخيرة من عمره المبارك ، ورغم أنّ الإمام كان في وضع صحي غير مناسب ، إلّا أنه استطاع أن يزوّد هذا الإنسان المخلص ببعض النصائح الجميلة وذات المغزى العميق ، منها الجمل التالية :

«إن أردت عزاً بلا عشيرة وهيبة بلا سلطان فأخرج عن ذلِّ معصية الله إلى عزّ طاعة الله عزوجل». (١) نعم ، كلام حق ، فإنَّ العزة والاعتبار والسلطة في طاعة الله والعبودية له (فإنَ العِزَّة للهِ جَمِيْعاً) (٢)

__________________

(١) مسند الإمام الحسن المجتبى عليه‌السلام : ٥٥٦.

(٢) النساء : ١٣٩.

٢٥٣
٢٥٤

المثل السادس والعشرون :

لله المثل الأعلى

يقول الله تعالى في الآية الكريمة ٦٠ من سورة النحل :

(لِلّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السّوْءِ وَللهِ المَثَلُ الأعْلَى وَهُو العَزِيْزُ الحَكِيْم)

تصوير البحث

كما ذكرنا سابقاً ، فإنّ الهدف من أمثال القرآن هو بيان المسائل العقلية المعقدة في صيغة مسائل حسية قابلة للاستيعاب من قبل الجميع ؛ وذلك لأنَّ القرآن للجميع ، فكما أنّه يخاطب النوابغ من العلماء ، يخاطب ابسط الناس والاميين منهم كذلك.

هناك بحث بين المفسّرين في أنَّ هذه الآية تُعدُّ من أمثال القرآن أم لا؟

سبب الاختلاف هو وجود تفسرين للآية ، على أساس أحدهما تكون الآية مثلاً ، وعلى أساس الاخر تكون الآية ليست مثلاً ، ولأجل اتضاح الأمر ، نأتي بالتفسيرين هنا :

التفسير الأوّل

طبقاً للتفسير الأوّل ، انّ مفردة المثل جاءت بمعنى الصفة ، أي أنَّ الذين لا يؤمنون بالقيامة يحملون صفاتٍ قبيحة وغير مطلوبة. والحقيقة كذلك ، لأنَّ الذين يظلمون ويرتشون ويكذبون ويقتلون و.... لا بدّ أنهم لا يعتقدون بيوم القيامة ، وإلّا ما ارتكبوا هذه الذنوب.

يقول القرآن الكريم في الآية ٤ من سورة المطففين : (ألَا يَظُنُ أُولَئِكَ أنَّهُم مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيْمٍ)

٢٥٥

وحسب ما يستشفُّ من الآية ، فإنَّ سبب تطفيف المطففين هو عدم اعتقادهم وايمانهم بيوم القيامة.

نعم ، إنَّ غير المؤمنين بيوم القيامة يحملون صفات سيئة وقبيحة. من هنا كان على الإنسان أن يخطو جميع خطاه في ظلّ منهج يتحكّم بسلوكه ويضبطه ، وإلّا فكثير هم الذين يقترفون الذنب وإن عظم لأجل كسب المال والمنافع ، مهما كانت تافهة وحقيرة.

(وللهِ المَثَلُ الأعْلَى) لأنَّه قدير لا يمكن هزمه ، كما أنّه حكيم وذات منهج قويم.

إنّ ذوي السلطة الظاهرية هم كثيراً ما يكونون غير حكماء ، ولا يفيدون من سلطتهم بشكل مطلوب.

إنَّ للسلطة آفات كثيرة ، منها الغفلة عن البرمجة والنظام والحكمة ، لكن الله القادر ـ وله أرفع قدرة وسلطة ـ هو الحكيم المطلق.

وعلى أساس هذا التفسير ، فالآية الشريفة لا تُعدُّ مثلاً.

التفسير الثاني

طبقاً لهذا التفسير ، انَّ مفردة المثل حافظت هنا على معناها اللغوي. إنَّ الذين لا يؤمنون بيوم القيامة والمعاد لا في العمل ولا في العقيدة ، لهم مثل السوء كالامثال التي ذكرت لهم في القرآن المجيد.

إنَّ المثل الذي ذكر في الآية ١٧ من سورة البقرة ، والذي كان في حق المنافقين ، هو من جملة الأمثال السيئة التي تُضرب لغير المؤمنين بالمعاد. يقول الله هنا : (مَثَلُهُم كَمَثَلِ الّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلمّا أضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ) (١)

ومن الأمثال التي جاءت في هذا المجال هو المثل المذكور في الآية ١٧٦ من سورة الاعراف ، حيث شبّه الله المشركين هناك بالكلب المريض الذي يلهث والذي لا يحترم الصديق ولا العدو.

__________________

(١) لقد مرّ شرح وتفسير هذا المثل وما بعده في أوائل الكتاب.

٢٥٦

(وَللهِ المَثَلُ الأعْلَى وَهُو العَزِيزُ الحَكِيْم) أي أنَّ لله من الأمثال ما ليس لغيره ، فلله المثل الأعلى ، ويُعدُّ كل مثل في حقه ناقصاً مهما ارتفع شأنه ؛ وذلك لأن أمثلتنا من عالم الموجودات الممكنة ، وهي جميعاً ناقصة ومحدودة ، ولا يمكن تصوير اللامحدود بالمحدود.

والآية التالية : (فَلَا تَضْرِبُوا للهِ الأمْثَالَ) تشير إلى هذا المطلب.

رغم ذلك ، إذا أردنا بيان مثال لله تعالى فالآية ٣٥ من سورة النور هي أنسب ما يمكن الاتيان به ، فإنَّ الله هناك شُبِّه بالنور ؛ وذلك لأنّه لا موجود أكثر فائدة وبركة ولطافة وسرعة من النور ، فإنَّ لله الامثال العليا والرفيعة.

سؤال : قد يخطر في الذهن هذا السؤل : خلق الله كل شيء ، لكن مَن خلق الله؟

الجواب : نعم ، انَّ الله خلق كل شيء ، لكن لم يخلق أحدٌ الله ؛ وذلك لأنّ الله موجود أزلي وأبدي ، أي كان ويكون وسوف يكون. إنّه لم يُخلق أبداً لكي نبحث عن خالق له. لأجل اتضاح المطلب نسترعي انتباهكم إلى المثال التالي الذي فيه صياغة للامور المعقولة في قوالب محسوسة :

إنّ الفحم الحجري الذي هو نفايا الغابات في العصور الغابرة معلول للطاقة الشمسية. وحتى النفط الذي هو الآن أكبر مصدر للطاقة في العالم معلول للطاقة الشمسية ؛ وذلك لأنَّه يقال : إنَ النفط عبارة عن بقايا أو مستحاثات الحيوانات في العهود الماضية دُفنت لتتحول إلى هذه المادة بعد قرون. ومن الطبيعي أنَّ الحيوانات تتغذى من النباتات ، والاخيرة تفيد من نور الشمس ولو لم تكن الأخيرة لما كانت النباتات.

إنَّ المحركات الضخمة التي تُنصب على الشلالات لأجل توليد الطاقة تستمد طاقتها من الشمس بالشكل التالي : الشمس تسطع على البحار ، فتتبخّر مياه البحار ، فتتبدل المياه إلى سحب ، لتنزل على الأرض تارة اخرى بشكل مطر وغيث مبارك ، وهذه الامطار تتبدل إلى سيول تحرك المحركات لتوّلد الطاقة الكهربائية.

أما طاقة الشمس فذاتية ، أي لا تصلها من خارج الشمس ، بل في الشمس نفسها ما يمنحها الطاقة دون الحاجة إلى ما هو خارج عنها.

وعليه ، رغم أنَّ الشمس مخلوقة إلّا أنَّها لا تحتاج إلى من يولّد لها الطاقة. وهذا المثال يمكنه

٢٥٧

أن يوضح أزلية الله وأبديته وأنه غني عن الخالق ومن يمنحه الوجود أو السلطة.

في النتيجة : انَّ التفسير الثاني للآية الشريفة يجعل الآية من أمثال القرآن.

ارتباط آية المثل بسابقتها

تحدثت الآيات التي سبقت هذه الآية (أي الآيات ٥٧ و ٥٨ و ٥٩) عن العادات والعقائد القبيحة لعرب الجاهلية التي منها وأد البنات.

جاء في الآيتين ٥٨ و ٥٩ ما يلي : (وإذَا بُشِّرَ أحَدُهُم بالأنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيْمٌ يَتَوَارَى مِنَ القَوْمِ مِنْ سُوْءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أيُمْسِكُهُ عَلَى هَوْنٍ أمْ يَدُسُّهُ فِيِ التُّرابِ ألَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ)

المستفاد من الآيتين هو أنَّ العرب كانوا يغتمون إذا رزقوا بنتاً ، وهذا أمر يجعل الجميع يتساءل عن سبب ذلك.

لماذا كان عرب الجاهلية يئدون بناتهم؟

إنَّ الدراسات كشفت عن وجود علتين لهذه الظاهرة :

١ ـ كانوا يظنون أنَّ الذكور مولّدون للثروات والمال ، أما البنات فمستهلكات لهذه الثروة. ما كان للنساء آنذاك نشاط اقتصادي ، أما الذكور فكانوا ينتجون في قطاعات اقتصادية مختلفة أو في مجال السرقات وقطع الطريق وما شابه. لذلك كانوا يقولون : إن حقّ العيش خاص بالذكور ، أما الاناث فلا حقّ لهنَّ في الحياة الدنيا.

٢ ـ التعصّب الأعمى ، يقال : إنًّ حرباً حصلت بين قبيلتين من العرب ، وقد أسرت القبيلة المنتصرة رجال ونساء وبنات القبيلة الخاسرة. وفي فترة الأسر تزوجت نساء القبيلة الخاسرة من رجال القبيلة المنتصرة. وبعد زمن انتهى أمر القبيلتين إلى الصلح وتبادل القبيلتان أسراهم ، لكن النساء اللاتي تزوجن رفضن الرجوع إلى قبيلتهن ، الأمر الذي تبع ملامات وافرة ضد تلك النساء. ومن شخصيات القبيلة الخاسرة شخص أقسم أن يقتل البنت

٢٥٨

إذا ولدت له لكي لا يرى بعد ذلك عاراً كهذا. (١)

سرى هذا المرض تدريجياً إلى الآخرين ، ليتخذ هذا الذنب العظيم عنواناً مقدساً مثل (الدفاع عن العرض) أو (حفظ الغيرة والحميّة) وما شابه ذلك.

لقد أصبح متعارفاً في الوقت الراهن أن ترتكب الجرائم العظمى بعناوين مقدسة ، ومن جملة تلك العناوين هي عنوان (حقوق البشر) ، وبهذا الشعار يسلبون حقوق الكثير من الناس والشعوب. كما أنهم يأسرون الإنسان تحت عنوان (الحرية) أو يقترفون الذنوب والجرائم تحت عنوان (التحضّر) ، وهي جرائم لم يرتكبها الإنسان البدائي وغير المتحضّر.

على أي حال ، إنّ عرب الجاهلية كانوا ملوّثين بهذا الذنب العظيم ، إلّا أن مجيء الإسلام أغلق اضبارة هذه الجريمة العظمى ليتوج الإنسانية ويقدّم للنساء خدمة عظمى.

من جانب آخر ، هؤلاء العرب الذين كانوا يعتبرون البنات موجودات مشؤومة ، كانوا يعتقدون أنّ ملائكة الله بنات ، وكانوا يعبدونها ليكسبوا رضا الله.

ولذلك جاء في الآية ٥٧ من سورة النحل ما يلي : (وَيَجْعَلُونَ للهِ البَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ)

خاطب الله في الآية العرب وكلمهم بالمنطق الذي يعتقدون به ، وسألهم إذا كنتم تعدّون الملائكة بنات الله ، فلما ذا تئدون البنت عند ما يرزقكم الله إياها؟!

بالطبع ترسبات هذا الفكر الجاهلي لا زال موجوداً في أذهان البعض ، ولذلك عند ما يريدون رسم الملائكة يرسمونها على شكل بنات.

البنت كشدّة الورد

من المؤسف أنَّ هذا الفكر الجاهلي الخاطيء لا زال يشغل حيزاً في أدمغة بعض العوائل ولا يرون مساواة بين الذكر والانثى ، ويتأذون من سماع ولادة بنتٍ لهم.

هناك الكثير من الروايات في مصادرنا الإسلامية تبنّت الردّ على هذه الافكار ، نشير إلى

__________________

(١) انظر تفسير الأمثل ، ٨ : ١٩٧ ـ ٢٠٤.

٢٥٩

نموذجين منها ، نأمل أن نزيل بهما وبالروايات الاخرى هذه الافكار المشؤومة.

١ ـ بُشِّر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله بابنةٍ فنظر إلى وجوه أصحابه فرأى الكراهة فيهم ، فقال : «مالكم؟ ريحانة أشمّها ورزقها على الله عزوجل». (١)

كثير من الاولاد كانوا وبالاً على والديهم وسبباً لنكستهم ، وكثيراً من البنات كنّ سبباً لرفعة رأس والديهن. إن فاطمة الزهراء (عليها‌السلام) كانت فخراً لابيها ، ونسل الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله كله يرجع إلى هذه البنت.

٢ ـ جاء في ذيل الآية الشريفة : (وأمّا الغُلَامُ فَكَانَ أبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِيْنَا أنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً فأرَدْنَا أنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرَاً مِنْهُ زَكَوةً وَأقْرَبُ رُحْماً) (٢) إنَّ الله رزق هذين الأبوين بنتاً كانت كشدة الورد ، لا أنَّها لم تسبب نكسة للابوين فقط بل كانت سبباً لرفعة رأسهم ، وذلك لأنَّ سبعين نبيّاً كان من نسلها ، (٣) فهل هذه البنت شؤم والذكر جيد وحسن؟!

وفقاً لآية المثل ، إنَّ الكفار بالله وباليوم الآخر لهم أسوأ الامثال ، وكلامهم بذيء ، ويعتقدون أنّ لله بنات ، مع أنَّه ليس كذلك ، فهو لم يلد ولم يولد.

لحيثيتين يحتاج الإنسان إلى ولده :

الاولى : أنَّ عمر الإنسان محدود ، ويحتاج الإنسان إلى الاولاد لكي يحافظ على نسله.

الاخرى : لا يتمكن الإنسان الحفاظ على قواه حتى نهاية عمره ، بل يضعف الإنسان كثيراً ببداية الكهولة ، وحينئذٍ يحتاج إلى من يعتمد عليه ويعينه في تلك الأيام.

اما بالنسبة إلى الله ، فهو أزلي وأبدي ولا معنى للموت بالنسبة إلى ذاته المقدسة ، كما أنَّه قادر وقوي مطلقاً فلا يحتاج إلى الولد ذكراً أو أنثى.

اضافة إلى هذا ، امتلاك الولد يستلزم الجسمانية ، وبديهي أن ذات الحق ليست جسماً (تَعَالَى اللهُ عَنْ ذَلك عُلُوّاً كَبِيْرَاً)

__________________

(١) وسائل الشيعة ١٥ : ١٠٢.

(٢) سورة الكهف : ٨٠ ـ ٨١.

(٣) انظر نور الثقلين ٣ : ٢٨٦ ـ ٢٨٧ نقلاً عن تفسير الأمثل ٩ : ٢٩٥.

٢٦٠