آيات الولاية في القرآن

آية الله مكارم الشيرازي

آيات الولاية في القرآن

المؤلف:

آية الله مكارم الشيرازي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مدرسة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام
المطبعة: سليمان‌زاده
الطبعة: ١
ISBN: 964-8139-32-6
الصفحات: ٣٧٦

تتعلّق بواقعة الغدير وأنها نزلت في شأن خلافة أمير المؤمنين الإمام عليّ عليه‌السلام.

سؤال : إنّ بداية الآية الثالثة من سورة المائدة تتحدّث عن اللحوم المحرمة (١) ، وفي آخرها تتحدّث عن الاضطرار والضرورة وأحكامها (٢) ، وفيما بينهما تتحدّث الآية عن ولاية وإمامة أمير المؤمنين ، فأيّ تناسب وانسجام بين مسألة الولاية والإمامة وخلافة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله مع مسألة اللحوم المحرمة وحكم الاضطرار والضرورة؟ ألا يكون هذا شاهداً على أن العبارة مورد البحث في هذه الآية لا يرتبط بمسألة الولاية بل يشير إلى مطلب آخر؟

الجواب : إنّ آيات القرآن الكريم لم ترد بصورة كتاب منظم كما هو الحال في الكتب المتعارفة الكلاسيكية بل نزلت متفرقة وعلى فترات مختلفة وقد تكون آيات سورة واحدة قد نزلت في أوقات متباينة وكان النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله يوصي بكتابة كلّ آية في سورة معيّنة ، وعلى هذا الأساس فيمكن أن يكون صدر الآية مورد البحث الذي يتحدّث عن الأسئلة التي كان المسلمون يسألون النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله عنها وعن اللحوم المحرمة قد نزل قبل واقعة الغدير ، وبعد مدّة حدثت واقعة الغدير ونزلت الآية محل البحث وذكرها كتّاب الوحي بعد آية تحريم اللحوم ، ثمّ حدثت مسألة الاضطرار أو حدث مصداق من مصاديقها وحكم هذا الاضطرار ، لذلك نجد أن ذيل الآية الشريفة يتضمن هذا الحكم الشرعي وقد كتبه كتّاب الوحي بعد الحديث عن واقعة الغدير المذكور في وسط الآية ، وبملاحظة النكتة أعلاه فليس بالضرورة أن يكون هناك انسجاماً معيناً في سياق الآية الشريفة.

ومع الالتفات إلى هذه الملاحظة سوف تنحل كثير من الشبهات والإشكالات المتعلّقة بآيات القرآن الكريم.

سؤال آخر : رأينا فيما سبق أن الآية الثالثة من سورة المائدة هي آخر الآيات التي نزلت على النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ومع نزول هذه الآية يكون الدين قد كمل وتكون الشريعة

__________________

(١) والآية المذكورة هي : «حرّمت عليكم الميتة والدَّم ولحم الخنزير وما اهلَّ لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردِّية والنَّطيحة وما أكل السَّبع إلّا ما ذكَّيتم وما ذبح على النُّصب وأن تستقسموا بالأزلَام ذلكم فسق».

(٢) يتحدث في نهاية الآية محل البحث من قوله تعالى : «فمن اضطرَّ في مخمصة غير متجانف لإثم فإنّ الله غفور رحيم».

٤١

الإسلامية بمجموع مقرراتها وقوانينها قد نزلت بصورة كاملة على النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فإذا كان كذلك إذن فلما ذا ورد بعد هذه الآية مورد البحث وفي ذيلها حكم الاضطرار والضرورة؟ أي إذا كانت آية إكمال الدين هي آخر آية وتخبرنا عن إكمال الدين والشريعة ، إذن فما ذا يعني هذا القانون الجديد الذي نزل بعدها؟

الجواب : يمكن الإجابة عن هذا الإشكال بصورتين :

الجواب الأوّل : إنّ مسألة الاضطرار في زمان القحط والذي ورد في هذه الآية الشريفة لا يورد حكماً جديداً بل هو حكم تأكيدي لما سبق من الأحكام الشرعية ، لأنّ هذا الحكم قد ورد قبل ذلك في ثلاث آيات من القرآن الكريم :

الف) نقرأ في آية ١٤٥ من سورة الأنعام وهي سورة مكية قوله تعالى :

(قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)

فكما تلاحظون أنّ هذه الآية الشريفة قد نزلت في مكّة قبل هجرة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله إلى المدينة وتبين حكم الاضطرار أيضاً.

ب) نقرأ في الآية ١١٥ من سورة النحل التي نزل قسم منها في مكّة المكرّمة وقسم منها في المدينة قوله تعالى :

(إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)

ففي هذه الآية الشريفة التي نزلت قبل الآية مورد البحث قد ذكر فيها حكم الاضطرار.

ج) ونقرأ في الآية ١٧٣ من سورة البقرة والتي نزلت في أوائل هجرة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله إلى المدينة الحكم الشرعي للاضطرار أيضاً وهي تشبه إلى حدّ كبير الآية التي ذكرناها آنفاً مع تفاوت يسير ولذلك فلا نكررها.

النتيجة : هي أن الحكم الشرعي للاضطرار قد ورد في القرآن الكريم قبل هذه الآية

٤٢

مورد البحث في ثلاث موارد اخرى (١) ، وعليه فإنّ الحكم الشرعي في الآية المذكورة لا يعدّ حكماً جديداً ولا يتنافى مع آية إكمال الدين حيث لم ينزل أيّ قانون جديد بعد هذه الآية على النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله.

الجواب الثاني : إن آيات القرآن الكريم لم تجمع على حسب ترتيب نزولها بل طبقاً للأمر النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله وعلى سبيل المثال فالآية ٦٧ من سورة المائدة تقول : (يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ...) ومن المعلوم أن هذه الآية نزلت قبل الآية مورد البحث «الآية الثالثة من سورة المائدة».

ولكنّها عند تدوينها قد كتبت بعد تلك الآية ، وعليه فلا مانع أن يكون حكم الاضطرار قد نزل قبل آية إكمال الدين ولكن في حال تدوينها قد كتبت بعد الآية الشريفة.

الطريق الثاني : تفسير الآية في ضوء الروايات الشريفة

إن الأحاديث والروايات الشريفة الواردة في شأن نزول هذه الآية الشريفة كثيرة ، وقد ذكر العلّامة الأميني في كتابه القيّم «الغدير» (٢) هذه الروايات مع الأبحاث المتعلّقة بها بصورة واسعة ، فقد أورد حديث الغدير في هذا الكتاب من مائة وعشرة راوٍ من أصحاب النبي مضافاً إلى ذلك فقد نقله من ثمانين شخصاً من التابعين (٣) ، وقد ذكر العلّامة الخبير الأحاديث

__________________

(١) إن مضمون الآيات الكريمة الأربع في بيان حكم الاضطرار هو أن الإنسان يمكنه أن يتناول من هذه اللحوم المحرّمة عند الضرورة بمقدار رفع الحاجة والاضطرار ، وطبعاً فهذا الحكم قليل المصاديق في العصر الحاضر ، ولكن بالنسبة إلى السفر إلى البلاد الأجنبية حيث لا يوجد هناك لحم مذبوح بالطريقة الشرعية ، يواجه بعض الأشخاص حرجاً فيما لو انقطعوا عن تناول اللحوم وتكون صحتهم البدنية مهددة. فهنا يجوز لهم تناول مقدار من هذه اللحوم من باب الاضطرار ، ولكن بمقدار رفع هذا الاضطرار فقط لا أكثر.

(٢) بالرغم من وجود كتب ومصادر غير الغدير تذكر هذه الواقعة مثل : عبقات الأنوار ، المراجعات ، إحقاق الحقّ وغيرها ، إلّا أنها لا تصل إلى مستوى كتاب الغدير لأن العلّامة الأميني أكثر دقّة وأجود تنظيماً.

(٣) الفرق بين «الصحابة» و «التابعين» أن الصحابة رأوا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وكانوا يعيشون في زمانه ، وأما التابعين فانهم لم يشاهدوا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ولم يعيشوا في زمانه بل عاشوا في زمن الصحابة.

٤٣

المتعلّقة بهذه الحادثة التاريخية من ثلاث مائة وستين من المصادر الروائية والتاريخية لدى المسلمين وبعضها من مصادر أهل السنّة والبعض الآخر من مصادر الشيعة ، ولكنّ الملاحظة المهمة هنا هي أنّ جميع هذه الروايات التي تتحدّث عن واقعة الغدير العظيمة لا ترتبط ببحثنا هذا بل الروايات التي تتحدّث عن نزول هذه الآية الشريفة هي التي ترتبط ببحثنا ، ولحسن الحظّ أنّ عدد هذه الروايات ليس بالقليل فقد ذكر المحقّق العلّامة الأميني في كتابه المذكور ستة عشر رواية في هذا المجال (١) ، ونحن نشير إلى بعضها فيما يلي :

١ ـ ما أورده السيوطي وهو من علماء أهل السنّة وكان يعيش في مصر ويعدّ من كبار علماء أهل السنّة ، فقد ذكر هذه الرواية في كتابه :

«يقول أبو سعيد الخدري :

لَمَّا نَصَبَ رَسُولُ اللهِ صلى‌الله‌عليه‌وآله عَلِيّاً عليه‌السلام يَوْمَ غَديرِ خُمٍّ فَنادَى لَهُ بِالولايَةِ ، هَبَطَ جَبْرَئيلُ بِهذِهِ الآيَةِ : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ...)(٢)».

وطبقاً لهذه الرواية الواردة في كتب أهل السنّة يكون المراد من كلمة «اليوم» في الآية الشريفة هو يوم الغدير ، والآية مورد البحث تتحدّث عن ولاية وخلافة أمير المؤمنين عليه‌السلام.

٢ ـ وقد أورد هذا العالم السنّي رواية اخرى عن أبي هريرة الراوي المقبول لدى أهل السنّة. «يقول أبو هريرة :

لَمّا كان يَوْمَ غَديرِ خُمٍّ وَهُوَ يَوْمُ ثَماني عَشَرَ مِنْ ذِي الْحَجَّةِ ، قَالَ النَّبِيُّ صلى‌الله‌عليه‌وآله : مَنْ كُنْتُ مَوْلاهُ فَهَذا عَلِيٌّ مَوْلاهُ ، فَأَنْزَلَ اللهُ : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ...)(٣)».

وهذه الرواية أيضاً تدلّ بوضوح على المطلوب.

٣ ـ وروى الخطيب البغدادي وهو أحد علماء أهل السنّة في القرن الخامس (٤) الهجري في

__________________

(١) الغدير في الكتاب والسنّة : ج ١ ، ص ٢٣٠.

(٢) الدرّ المنثور : ج ٢ ص ٢٥٩.

(٣) نفس المصدر السابق.

(٤) بُذلت عناية خاصة بأحاديث الغدير في القرن الخامس الهجري ، ولهذا تمّ تأليف كتب متعددة في هذا القرن تختص بهذه الواقعة.

٤٤

كتابه المعروف «تاريخ بغداد» نقلاً عن أبي هريرة حيث قال :

قَالَ رَسُولُ الله صلى‌الله‌عليه‌وآله «مَنْ صامَ يَوْمَ ثَمانَ عَشَرَةَ مِنْ ذِي الْحَجَّةِ كُتِبَ لَهُ صِيامُ سِتّينَ شَهْراً» (١) وَهُوَ يَوْمُ غَديرِ خُمٍّ لَمّا أَخَذَ النَّبِيُّ صلى‌الله‌عليه‌وآله بِيَدِ عَلِيِّ بْنِ أبي طالِب فَقَالَ : «أَلَسْتُ وَلِيَ الْمُؤْمِنِينَ» قَالُوا : بَلى يا رَسُولَ اللهِ ، قَالَ صلى‌الله‌عليه‌وآله : «مَنْ كُنْتُ مَولاهُ ، فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ» فَقَالَ عُمَرُ بْنُ خَطّاب (٢) : بَخٍّ بَخٍّ لَكَ يَا بْنَ أَبي طالِبٍ أَصْبَحْتَ مَوْلايَ وَمَوْلاى كُلِّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ ، فَأنْزَلَ اللهُ (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ...)(٣)

٤ ـ وذكر الحاكم الحسكاني وهو من علماء القرن الخامس ومن علماء أهل السنّة روايات صريحة في هذا المجال في كتابه ، ولكننا نصرف النظر عن ذكرها هنا طلباً للاختصار (٤).

٥ ـ وذكر أبو حافظ النعيم الاصفهاني في كتابه «ما نزل من القرآن في عليّ» عن الصحابي المعروف أبي سعيد الخدري أنّ النبي الأكرم نصب في يوم غدير خم علي بن أبي طالب وصياً وخليفة له وقبل أن يتفرّق الناس في غدير خم نزلت الآية الشريفة (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ...) وهنا قال :

اللهُ أَكْبَرُ عَلى اكْمالِ الدّينِ واتْمامِ النّعْمَةِ وَرِضَى الرَّبِّ بِرِسالَتي وَبِالْوِلايَةِ لِعَلِيٍّ عليه‌السلام مِنْ بَعْدي ، ثُمَّ قال : مَنْ كُنْتُ مَوْلاهُ فَعِليٌّ مَوْلاهُ ، اللهُمَّ والِ مَنْ والاهُ وَعادِ مَنْ عادَاهُ وانْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ وَاخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ (٥).

__________________

(١) من الواضح أن السبب في فضيلة الصيام في هذا اليوم وهو اليوم الثامن عشر من ذي الحجة إنما هو من أجل الشكر على هذه النعمة العظيمة ، وهذا يعني وقوع حادثة عظيمة في هذا اليوم ، وإلّا فمن البعيد أن يترتب كلّ هذا الثواب العظيم على صوم هذا اليوم.

(٢) من العجيب جدّاً أن عمر بن الخطاب الذي أسس الانحراف عن خط الولاية فهم من كلمة الولي في خطبة الغدير معنى الرئاسة والزعامة لأنه قال : «أصبحت مولاي ومولى كلّ مؤمن ...» فالصداقة والمحبة لم تكن بالشيء الجديد بين علي وعمر وباقي المسلمين ، ولكن اتباع عمر الذين هم أعلم من عمر قطعاً تأوّلوا هذه الكلمة بمعنى آخر تعصباً وعناداً.

(٣) تاريخ بغداد : ج ٨ ، ص ٢٩٠.

(٤) شواهد التنزيل : ج ١ ، ص ١٥٧.

(٥) التفسير الأمثل : ذيل الآية الشريفة.

٤٥

والنتيجة هي أن الروايات التي وردت في هذا المجال توحي بصورة جليّة أنّ آية إكمال الدين نزلت في واقعة الغدير وتدلّ بوضوح على إمامة وخلافة الإمام عليّ عليه‌السلام.

كلام الآلوسي العجيب

وعلى رغم القرائن والشواهد البيّنة في هذه الآية الشريفة «والتي سبق ذكرها» والروايات المتعددة الواردة في مصادر الشيعة والسنّة فإنّ بعض المحدّثين وبسبب التعصّب والعناد قد فسّروا الآية الشريفة وفقاً لميولهم النفسانية وخرجوا عن منهج البحث المنطقي ، ومن هؤلاء «الآلوسي» المفسّر السنّي المعروف وكاتب تفسير «روح المعاني» الكبير فقد ذكر في تفسير الآية ٦٧ من سورة المائدة عن واقعة الغدير وقال :

«فقد اعتنى بحديث الغدير أبو جعفر بن جرير الطبري فجمع فيه مجلدين أورد فيهما سائر طرقه وألفاظه وصاغ الغث والسمين والصحيح والسقيم على ما جرت به عادة الكثير من المحدّثين ، فإنهم يوردون ما وقع لهم في الباب من غير تمييز بين الصحيح والضعيف ، وكذلك الحافظ أبو القاسم ابن عساكر أورد أحاديث كثيرة في هذه الخطبة (ولكننا نقبل من الأحاديث التي ذكرها إلّا ما كان لا يتحدث عن خلافة علي)» (١).

وهذا الكلام يثير العجب والحيرة لدى كلّ إنسان منصف.

فهل يمكننا الإعراض عن كتاب بأجمعه بسبب وجود بعض الأحاديث الضعيفة وغير معتبرة فيه؟

ألا توجد روايات ضعيفة وأحاديث غير معتبرة في المصادر الحديثية لأهل السنّة؟

هل يصحّ أن ترفض جميع هذه المصادر بهذه الذريعة الواهية؟

الإنصاف أن هذا الكلام هو كلام مضحك ولكن ما هو أسوأ منه هو كلامه عن روايات ابن عساكر الذي يحكي عن منتهى العناد والتعصّب والعداوة مع الحقّ والحقيقة وأهل البيت عليهم‌السلام ، ففي أيّ مكان من العالم يقول أحد الأشخاص : إنني أقبل فقط كلّ ما يتفق مع ميولي وهوى نفسي ولا أقبل ما يخالف ذلك؟

__________________

(١) روح المعاني : ج ٦ ، ص ١٩٥.

٤٦

هل يقبل هذا الكلام من الإنسان العادي فكيف يقبل من عالم كبير مثل الآلوسي؟

ولعلّ القارئ العزيز يتعجب كثيراً ويتساءل أن شخصاً كالآلوسي كيف يتحدّث بمثل هذا الحديث الضعيف والكلام الواهي؟ ولكن في مقام الجواب نقول إن كلّ إنسان يقف في مقام القضاء ولا يتجنب المسبوقات الفكرية والرسوبات الذهنية فإنّه قد يقع بمثل هذا المصير.

توصية الآية الشريفة

١ ـ الولاية تبعث على يأس الأعداء

إذا أردنا أن يعيش الأعداء اليأس فعلينا بالتمسّك بالولاية وإحياءها لأنّ الولاية كما أدّت في ذلك اليوم إلى بث اليأس في صفوف الأعداء فإنّها في هذا اليوم أيضاً ومن خلال التمسّك بها وإحياءها ستبعث على نفوذ اليأس في قلوب المنافقين وأعداء الإسلام.

ينبغي علينا في هذا اليوم أن نقصر أنظارنا على الإمام الغائب عن الأنظار والحاضر في القلوب ، وهو الإمام الحجّة بن الحسن العسكري (عجل الله تعالى فرجه الشريف) وندور حول هذا المحور الإلهي لأن ولاية هذا الإمام العظيم تعد أفضل حلقة وصل لجميع الشيعة في العالم على اختلاف أذواقهم وسلائقهم ، وعلى هذا الأساس فإنّ إحياء هذه الولاية سوف يشرق الأمل بوحدة واتحاد المؤمنين ويكون ذلك أساساً لسعادتهم وباعثاً على غرس الأمل في قلوبهم ، كما أنّ اختلافهم وتفرقهم يؤدي إلى تعاستهم وانحطاطهم.

إذا تمسّك المسلمون في بلدان العالم الإسلامي بهذا الأصل الأساسي وعملوا به والتفوا حوله فإنّ حادثة مثل حادثة فلسطين المؤسفة سوف لا تتكرر بعد ذلك ولا يقع المسلمون في دائرة المظلومية أمام أنظار العالم ، وعليه فإن يأس الكفّار لا يتحقّق إلّا من خلال التمسّك بالولاية.

٢ ـ إتمام الدين وإكمال النعمة في ظلّ الولاية

ويستفاد من الآية الشريفة أنّ إكمال النعمة وإتمام الدين في ذلك اليوم قد تحقق في ظلّ

٤٧

الولاية ، وفي هذا اليوم أيضاً فإنّ إتمام النعمة سواءً النعمة المادية أو المعنوية وكذلك إكمال الدين في جميع أبعاده وفروعاته يتحقّق بظلّ الولاية أيضاً وبدونها حتّى لو عمل الإنسان بأوامر الشريعة وتعاليم الدين ظاهراً إلّا أنها بلا شك سوف لا تكون مقبولة لدى الحقّ جلّ وعلا ، وعلى هذا الأساس فإن إتمام النعمة وإكمال الدين يتحقّق في كلّ عصر وزمان في ظلّ التمسّك العملي بالولاية.

مباحث تكميلية

١ ـ الولاية مسألة أساسية في الإسلام

بالنسبة إلى أهمية الولاية فقد وردت روايات كثيرة تتحدّث عن هذا الموضوع وكمثال ونموذج لهذه الروايات نذكر الرواية الواردة عن الإمام محمّد الباقر عليه‌السلام حيث يقول زرارة نقلاً عن الإمام الباقر أنّه قال :

بُنِيَ الإسْلامُ عَلى خَمْسَةِ أَشْياءَ ؛ عَلَى الصَّلاةِ وَالزَّكاةِ والصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَالْولايةِ. قَالَ زُرارَةُ : فَقُلْتُ : وَأيُّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَفْضَلُ؟ قَالَ عليه‌السلام : الْوِلايَةُ افْضَلُ لِانَّها مِفْتاحُهُنَّ وَالْوَالي هُوَ الدَّلِيلُ عَلَيْهِنَّ ... (١)

وهنا بالإمكان استيحاء نقطتين من هذه الرواية :

ألف) إنّ هذه القضايا الخمسة التي وردت فيها هذه الرواية ترتبط فيما بينها برابطة معيّنة ، فالصلاة تمثّل رابطة الإنسان مع الله بل إنّ أفضل وقت لتحقيق الارتباط مع الله تعالى هو وقت الصلاة.

«الزكاة» بدورها تمثل العلاقة بين الإنسان والآخرين من الأفراد والمجتمع من المحتاجين والمساكين حيث يحققون لهم حياة معقولة وطبيعية بإجراء قانون الزكاة وبذلك يتمكنون من التغلب على مشكلاتهم الاقتصادية التي يفرضها الواقع الصعب.

«الصوم» يمثّل علاقة الإنسان مع نفسه ، ومع تقوية هذه العلاقة بالصوم فإنّ الإنسان

__________________

(١) اصول الكافي : ج ٣ ، ص ٣٠ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب دعائم الإسلام ، حديث ٥.

٤٨

سيوفق في مجال مجاهدة النفس والانتصار على نوازعه الماديّة والدنيوية بل إنّ الصوم هو رمز لمجاهدة النفس وقوّة الإرادة.

«الحجّ» يمثّل الرابطة التي تربط جميع المسلمين فيما بينهم حيث يجتمعون في كلّ عام لمبادلة الأفكار والرؤى وتبادل وجهات النظر واستعراض المشاكل والتحديات المصيرية التي يواجهها العالم الإسلامي والتفكير الجاد في حلّها.

«الولاية» هي الضامن الحقيقي والصحيح لتنفيذ وتبيين أحكام هذه المسائل.

وعلى هذا الأساس فإنّ الاصول الخمسة المذكورة أعلاه لم تجتمع في هذا الحديث الشريف اعتباطاً بل تربطها رابطة منطقية ومعقولة.

ب : لما ذا كانت الولاية أفضل من الاصول الأربعة الاخرى؟

إن الرواية الشريفة نفسها تصرّح بأن عنصر الولاية هو الذي يحقّق محتوى الصلاة والصوم والحجّ والزكاة ، أي أنه بدون أمر الولاية والحكومة الإسلامية ستكون هذه الدستورات والتعليمات بمثابة الكتابة على الماء وليس لها رصيد على مستوى الممارسة والعمل كما هو الحال في نسخة الطبيب التي لا تشافي من المرض بدون العمل بها.

الولاية تعني تنفيذ قوانين الإسلام بتوسط الأئمّة المعصومين عليهم‌السلام وخلفائهم ، وعلى هذا الأساس فإنّ الولاية هي أفضل وأسمى من الصلاة والصوم والحجّ والزكاة ، الولاية هنا تعني الحكومة الإسلامية والولاية التي انبثقت من غدير خم في عملية نصب الإمام علي عليه‌السلام والياً على المسلمين.

٢ ـ الولاية ذات جهتين

وطبقاً للتفسير المذكور آنفاً فإنّ الولاية لها جهتان :

فمن جهة يتكفّل الولي والإمام والقائد للُامّة الإسلامية هداية المسلمين ويجيب على أسئلتهم الدينية ويقوم بتحصين الامّة من الأخطار والمؤامرات التي يحيكها الأعداء ويتحرّك على مستوى إقرار النظم والانضباط في المجتمع الإسلامي ويعيد حقوق المستضعفين والمظلومين ويجري الحدود الإلهية ويقيم فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

٤٩

ومن جهة اخرى فإنّ الواجب على الناس هو السعي على مستوى الممارسة والنشاطات الفردية والاجتماعية لتجسيد أقوال وسلوكيات وأفكار ذلك الإمام والقائد ويتحركون في خطاهم بموازاة خطوات الإمام وإلّا فلا يمكن ادعاء الولاية للأئمّة المعصومين بمجرد الكلام في حين أن الإنسان يرتكب أنواع الذنوب والخطايا.

والملفت للنظر أن رئيس جهاز الساواك في حكومة الشاه قال لي يوماً حين التحقيق معي : «انني أعشق الإمام علي عليه‌السلام وأصرّح بحبّه وولايته ولكن إذا رأيت بعض الأشخاص الذين يخالفون الشاه فإني مستعد أن أقتل مليون شخص من هؤلاء». فهل أنّ مثل هذه السلوكيات والأفكار تتناغم وتنسجم مع ولاية أمير المؤمنين أو أنّها ولاية كاذبة وزائفة؟

أجل! فإنّ الولاية الحقيقية هي التي تعني انطباق جميع الأعمال والأقوال والأفكار على أعمال وأقوال وأفكار المعصومين عليهم‌السلام.

٥٠

آية الولاية ٣

(إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ (٥٥)) «سورة المائدة / الآية ٥٥»

أبعاد البحث

إنّ سورة المائدة تشتمل على قسم مهم من آيات الولاية لأنّ هذه السورة كما رأينا نزلت في أواخر عمر الرسول الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ومن جهة اخرى فإنّ مسألة الوصي والخليفة تطرح بشكل طبيعي في أواخر عمر القائد ، ولهذا فإنّ هذه السورة تتضمن آيات متعددة من آيات الولاية ، وعلى أية حال فإنّ الآية الشريفة أعلاه نموذج آخر من الآيات التي تدلّ بوضوح على ولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه‌السلام.

الشرح والتفسير :

علائم الولي

(إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا)

نحن نعلم أنّ كلمة «إنّما» تدلّ على الحصر ، وعليه فإنّ وليكم أيّها المؤمنون هم الثلاثة المذكورون في هذه الآية الشريفة لا غير ، وهؤلاء الثلاثة عبارة عن :

١ ـ الله عزوجل.

٥١

٢ ـ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله.

٣ ـ الذين آمنوا.

وبالطبع ليس المراد جميع المؤمنين بل بعضهم الذي يتمتع بالشروط المذكورة في نفس الآية.

(الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ)

فالطائفة الثالثة من أولياء الله المؤمنين ليس هم جميع المؤمنين بل المؤمنين الذين يقيمون الصلاة أوّلاً ، ويؤتون الزكاة ثانياً ، وأن يكون إيتاء الزكاة في حال الركوع ثالثاً.

والنتيجة ، هي أنّ ولي المؤمنين هم هؤلاء الثلاثة فقط :

١ ـ الله عزوجل ٢ ـ النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله ٣ ـ المؤمنون الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون.

سؤال : ما هو المراد من «الذين آمنوا» في هذه الآية؟ وما معنى الولي هنا؟

إن الآية الشريفة أعلاه تتضمن نقطتين مبهمتين : الاولى : ما هو المراد من كلمة «الولي» في هذه الآية؟ حيث نعلم لكلمة الولي معانٍ مختلفة ولهذا يجب السعي لتشخيص المعنى المراد من هذه الكلمة في هذه الآية.

والآخر هو : ما المراد بعبارة (الَّذِينَ آمَنُوا) والذين تتوفر فيهم الشروط الثلاثة المذكورة آنفاً؟ هل المراد بهؤلاء شخص معين ، أو أيّ شخص تتوفر فيه هذه الصفات الثلاث؟

الجواب : هنا بالإمكان أن نسلك طريقين للجواب عن هذا السؤال كما تقدّم فيما سبق ، ثمّ نجيب على بعض الأسئلة الاخرى الذي يطرحها بعض الأشخاص المتعصبين الذين أسدل حجاب التعصّب ستاراً على عقولهم ومنعهم من فهم العقائد الجلية.

الطريق الأوّل : تفسير الآية مع غض النظر عن الروايات الشريفة

في البداية نأتي لكلمة «ولي» ونبين المراد منها لأنه لو اتضح معنى هذه الكلمة فإن الكثير من المسائل والتعقيدات في هذه المسألة سوف تجد لها طريقاً إلى الحلّ ، فبعض

٥٢

المفسّرين من أهل السنّة وبهدف إبعاد أذهان مخاطبيهم عن المعنى الواضح للآية الشريفة فإنّهم ذكروا معانٍ كثيرةٍ لهذه الكلمة وصلت إلى سبعة وعشرين معنى (١) لكي يقول أن هذه الكلمة هي لفظ مشترك بين معان مختلفة ولا نعلم مراد الله عزوجل منها وأن أيّ معنى من هذه المعاني هو المقصود في الآية الشريفة ، إذن فإنّ هذه الآية مبهمة ولا تدلّ على شيء ، ولكن عند ما نراجع كتب اللغة وكلمات ونظريات اللغويين نرى أنهم لم يذكروا لمعنى الولي سوى اثنين أو ثلاث معان ، وعليه فإن سائر المعاني المذكورة لهذه الكلمة تعود إلى هذه المعاني الثلاثة وهي :

١ ـ «ولي» بمعنى ناصر والولاية بمعنى النصرة.

٢ ـ «الولي» بمعنى القيّم وصاحب الاختيار.

٣ ـ أنها تأتي بمعنى الصديق والرفيق حتّى لو لم يؤد هذا الإنسان حقّ النصرة لرفيقه ولكن بما أنّ الصديق في دائرة الرفاقة والصداقة ينهض لنصرة صديقه غالباً فإن المعنى الثالث يعود للمعنى الأوّل أيضاً ، وعليه فإنّ كلمة «ولي» في نظر أرباب اللغة تطلق على معنيين ، وسائر المعاني المذكورة لها تعود إلى هذين المعنيين.

«ولي» في استعمالات القرآن

والآن نعود إلى القرآن الكريم لنرى موارد استعمال هذه الكلمة في الكتاب الكريم.

إنّ كلمة «ولي» و «أولياء» جاءت في سبعين مورداً في القرآن الكريم وبمعان مختلفة :

١ ـ نقرأ في بعض الآيات الشريفة أن كلمة «ولي» جاءت بمعنى الناصر والمعين كما في الآية ١٠٧ من سورة البقرة حيث يقول تعالى :

(وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ)

٢ ـ وجاءت هذه الكلمة في آيات اخرى بمعنى المعبود كما في الآية ٢٥٧ من سورة البقرة :

(اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا ... وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ)

__________________

(١) وقد ذكر العلّامة الأميني في كتابه القيّم «الغدير» : ج ١ ، ص ٣٦٢ جميع هذه المعاني السبعة والعشرين.

٥٣

فكلمة الولي في هذه الآية جاءت بمعنى المعبود ، فالمعبود للمؤمنين هو الله عزوجل ، ومعبود الكفّار هم الطواغيت والشياطين والأهواء النفسانية.

٣ ـ وجاءت هذه الكلمة في القرآن الكريم بمعنى الهادي والمرشد أيضاً كما نقرأ في آية ١٧ من سورة الكهف :

(وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً)

فنرى في هذه الآية الشريفة أنّ كلمة «ولي» جاءت بمعنى الهادي والمرشد.

٤ ـ وقد وردت هذه الكلمة في كثير من الآيات الشريفة بمعنى القيّم وصاحب الاختيار كما في الآيات التالية :

ألف) نقرأ في الآية الشريفة ٢٨ من سورة الشورى قوله تعالى :

(وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ)

ب) ونقرأ الآية ٣٣ من سورة الإسراء في حديثها عن الولاية التشريعية :

(وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً)

فالولي في هذه الآية جاء بمعنى القيّم وصاحب الاختيار لأن حقّ القصاص لم يرد في الشريعة لصديق المقتول بل لوارثه ووليه.

ج) ونقرأ في أطول آية من آيات القرآن الكريم وهي الآية ٢٨٢ من سورة البقرة وهي تتحدث عن كتابة وثيقة الدين والقرض (١) وتقول :

(فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ)

أي أن من كان الحقّ في ذمته ولا يستطيع أن يملل على الكاتب فيجب أن يملل وليه نيابة عنه مع رعاية العدالة ، ففي هذه الآية الشريفة وردت هذه الكلمة بمعنى القيّم وصاحب الاختيار.

د) ونقرأ في الآية ٣٤ من سورة الأنفال قوله تعالى :

__________________

(١) بالرغم من أن أطول آية في القرآن تتحدّث عن كتابة وثيقة الدين والقرض ولكن المؤسف أن هذا الحكم الإسلامي قد أصبح مهجوراً بين المسلمين وكانت النتيجة هي تورطهم بمشكلات كثيرة وبلايا جمّة بسبب تركهم لهذا الحكم الشرعي.

٥٤

(وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ)

فالولي هنا بمعنى القيّم والمسئول وصاحب الاختيار وإلّا فمن الواضح أنّ الكفّار والمشركين ليست لديهم أدنى علاقة وصداقة مع هذا المكان المقدّس.

ه : ونقرأ في الآية ٦ و ٥ من سورة مريم :

(فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا* يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ)

ومن الواضح أنّ الورثة يرثون المال بعد موت الولي فلا تأتي هنا بمعنى الصديق والناصر.

والنتيجة هي أن كلمة «الولي» استعملت في الآيات الشريفة بمعان مختلفة ولكنّها وردت في أكثر هذه الموارد بمعنى القيّم وصاحب الاختيار.

المراد من الولي في الآية محل البحث

ونظراً لما تقدّم آنفاً فما هو المراد من كلمة «ولي» في آية الولاية؟ هل أنّ المراد منها هو الصديق والناصر؟

إنّ هذا المعنى يخالف أكثر موارد استعمال هذه الكلمة في جميع الآيات القرآنية. إذن فالإنصاف يدعونا إلى فهم الولي في هذه الآية بمعنى القيّم وصاحب اختيار لا بمعنى الصديق والناصر لأنّه :

أوّلاً : كلمة «إنّما» الواردة في صدر الآية تدلّ على الحصر ، أي حصر الولي للمؤمنين بهؤلاء الثلاثة لا غير ، في حين أنّه لو كان المراد من كلمة الولي بمعنى الصديق فلا معنى للحصر حينئذٍ ، لأنّ من الواضح وجود طوائف اخرى غير هذه الطوائف الثلاثة المذكورة في الآية يمكن أن يكونوا من أصدقاء وأنصار المؤمنين ، مضافاً إلى أنه لو كان كلمة «الولي» بمعنى الصديق أو الناصر فلا معنى لورود كل هذه القيود لكلمة «الّذين آمنوا» بأن يشترط فيهم دفع الزكاة في حال الركوع لأن جميع المؤمنين بل وغير المؤمنين من الذين لا يصلّون يمكنهم أن يكونوا من أصدقاء المسلمين ، وعلى هذا الأساس فيستفاد من كلمة «إنّما» التي تدلّ على الحصر وكذلك القيود العديدة لكلمة «الذين آمنوا» أنّ الولاية في الآية الشريفة لم تستعمل بمعنى الصديق والناصر بل بمعنى القيّم والقائد وصاحب الاختيار ، لذلك يكون

٥٥

مراد الآية أن الله تعالى والنبي والمؤمنين الذين تتوفر فيهم الشروط المذكورة في الآية هم أوليائكم والقيمين على اموركم.

ثانياً : أن الآية ٥٦ من سورة المائدة التي وردت بعد الآية محل البحث أفضل قرينة وشاهد على المدّعى فإنّ الله تعالى ذكر في هذه الآية الشريفة :

(وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغالِبُونَ)

الحزب هنا بمعنى جمع من الناس ، ونصرة الحزب بمعنى تفوّقه ونجاحه في حركته السياسية والاجتماعية ، وعلى هذا الأساس فإنّ هذه الآية الشريفة ترتبط بالآية التي قبلها وهي الآية محل البحث ، والظاهر أنّهما نزلتا سوية فيستفاد منها أنّ الولاية المذكورة فيها هي الولاية السياسية فيكون معنى الآية هو :

إنّ الأشخاص الذين يقبلون بحكومة الله والنبيّ وحكومة الذين آمنوا فإنّ هؤلاء الأشخاص والطوائف هم الغالبون.

والنتيجة هي أننا لو تدبرنا وتعمقنا في كلّ كلمة من كلمات هذه الآية الشريفة مع غض النظر عن الروايات الكثيرة الواردة في تفسيرها يتّضح جيداً أنّ الولي في هذه الآية جاء بمعنى الإمام والقائد والقيّم ، وكلّ من يقبل حكومة الله والرسول والذين آمنوا ، الذين تتوفر فيهم الشرائط المذكورة في الآية الشريفة هم الغالبون والمنتصرون.

مصداق «الّذين آمنوا» في الآية الشريفة

لقد اتّضح فيما سبق معنى كلمة «إنّما» و «ولي» ولكن ما زال الإبهام يحيط بمعنى وتفسير الآية الشريفة لأنه لم يتضح لحد الآن المراد من عبارة «والذين آمنوا» في هذه الآية.

وللإجابة على هذا السؤال يجب القول بأنه ليس بين الرواة والمفسّرين وعلماء الإسلام من الشيعة وأهل السنّة إلا ويرى «الإمام عليّ» هو المصداق لهذه الآية الشريفة ، وعلى هذا الأساس فهذه الآية تدلّ بالإجماع واتفاق جميع علماء الإسلام على أنّ الإمام علي عليه‌السلام هو المصداق لهذه الآية الشريفة ، ومن جهة اخرى فإنّ جملة «والذين آمنوا» لا تتحمّل سوى مصداق واحد وليس هذا المصداق سوى عليّ بن أبي طالب.

٥٦

والنتيجة ممّا تقدّم آنفاً هو أنه يستفاد من الآية الشريفة ثلاثة امور «بغضّ النظر عن الآيات وروايات المفسّرين».

١ ـ إن كلمة «إنّما» تدلّ على الحصر والولاية هنا منحصرة في ثلاث طوائف.

٢ ـ إن هذه الولاية في الآيات الشريفة وردت بمعنى القائد والقيّم وصاحب الاختيار كما في أكثر موارد استعمالها في القرآن الكريم.

٣ ـ إن مصداق «الّذين آمنوا» في هذه الآية هو الإمام عليّ عليه‌السلام بلا شك.

الطريق الثاني : تفسير الآية بلحاظ الروايات الشريفة

ينقل المحدّث البحراني في «غاية المرام» أربع وعشرين حديثاً من منابع أهل السنّة ، وتسعة عشر حديثاً من منابع الشيعة فتشكل بمجموعها ثلاثة وأربعين حديثاً ، وعليه فإنّ الروايات الواردة في شأن هذه الآية متواترة (١) ، ومضافاً إلى ذلك فإنّ العلّامة الأميني أورد في كتابه القيّم «الغدير» روايات من عشرين مصدراً من المصادر الروائية المعروفة لدى أهل السنّة تتحدّث في شأن الآية الشريفة محل البحث من قبيل تفسير الطبري ، تفسير أسباب النزول ، تفسير الفخر الرازي ، التذكرة لسبط ابن الجوزي ، الصواعق لابن حجر ، نور الأبصار للشبلنجي ، وكذلك تفسير ابن كثير وغيرها من المصادر المعتبرة لدى أهل السنّة ، وأما رواة هذه الأحاديث فهم عشرة أشخاص من الصحابة المعروفين.

١ ـ ابن عباس ، ٢ ـ عمّار بن ياسر ، ٣ ـ جابر بن عبد الله الأنصاري ، ٤ ـ أبو ذرّ الغفاري «الذي نقل أدقّ وأطول رواية في هذا المجال» ، ٥ ـ أنس بن مالك ، ٦ ـ عبد الله ابن سلام ، ٧ ـ سلمة بن كهيل ، ٨ ـ عبد الله بن غالب ، ٩ ـ عقبة بن حكيم ، ١٠ ـ عبد الله ابن أُبي.

ومضافاً إلى ذلك فإنّه قد وردت روايات من الإمام علي عليه‌السلام أيضاً في شأن نزول هذه الآية الشريفة وقد استدلّ بها الإمام عليّ كراراً.

__________________

(١) عند ما تكون الروايات في مورد معيّن من الكثرة بحيث يحصل للشخص اليقين بمضمونها فمثل هذه الروايات تسمى «متواترة» ولا حاجة حينئذٍ للتحقيق في سندها.

٥٧

وأما مضمون الروايات أعلاه فهو أنه : كان الإمام علي عليه‌السلام يوماً يصلي في مسجد النبي ، فدخل سائل إلى المسجد وطلب حاجته من المسلمين فلم يعطه أحد شيئاً (١) ، وكان الإمام في حال الركوع فأشار للسائل إلى خاتمه فجاء وانتزع الخاتم من إصبع الإمام وخرج من المسجد ، فنزلت حينئذٍ الآية الشريفة.

وهذا المضمون للروايات الشريفة ورد في أكثر من أربعين رواية من الروايات التي وردت في شأن نزول الآية محل البحث ، ونحن نقتصر هنا على استعراض ثلاث روايات منها ، وهي ما أورده الفخر الرازي في تفسيره :

١ ـ رَوى عَطاء عن ابْنِ عَبّاس أَنها نَزَلَتْ فِي عَلِيٍّ بْنِ أَبي طالِب (٢).

٢ ـ روي أن عبد الله بن سلام قال : لَمّا نَزَلَتْ هذِهِ الآيَةُ ، قُلْتُ : يا رَسُولَ اللهِ أَنَا رَأَيْتُ عَلِيّاً تَصَدَّقَ بِخاتَمِهِ عَلى مُحْتاجٍ وَهُوَ راكِعٌ فَنَحْنُ نَتَوَلّاهُ (٣).

٣ ـ وهي الرواية الأهم من بين الروايات في هذا الباب وهي نقلاً عن أبي ذرّ الغفاري وهذه الرواية أوردها الفخر الرازي عن أبي ذرّ أنه قال :

قالَ : صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى‌الله‌عليه‌وآله يَوْماً صَلاةَ الظُّهْرِ ، فَسَأَلَ سائِلٌ فِي الْمَسْجِدِ فَلَمْ يُعْطِهِ أَحَدٌ فَرَفَعَ السّائِلُ يَدَهُ إلَى السَّماءِ وَقَالَ : «اللهُمَّ اشْهَدْ انِّي سَأَلْتُ فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ فَما أَعْطانِي أَحَدٌ شَيْئاً!» وَعَلِيٌّ كَانَ راكِعاً ، فَأَوْمَأ إلَيْهِ بِخِنْصِرِهِ الْيُمْنى وَكَانَ فِيها خَاتَمٌ فَأَقْبَلَ السّائِلُ حَتّى أَخَذَ الْخاتَمَ بِمَرْأى النَّبِيُّ صلى‌الله‌عليه‌وآله فَقالَ صلى‌الله‌عليه‌وآله : اللهُمَّ انَّ أَخِي مُوسى سأَلَكَ فَقالَ : (رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي* وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي* وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي* يَفْقَهُوا قَوْلِي* وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي* هارُونَ أَخِي* اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي* وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي)(٤) فَأَنْزَلْتَ قُرْآناً ناطِقاً : (سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً)(٥) اللهُمَّ وَأَنَا مُحَمَّدٌ نَبِيُّكَ وَصَفِيُّكَ فَاشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي ، عَلِيّاً ، اشْدُدْ

__________________

(١) حيث كان الوضع المادي والاقتصادي للمسلمين في ذلك الوقت عسيراً وكانوا يعيشون في ضائقة شديدة حتّى في ضروريات الحياة.

(٢) التفسير الكبير : ج ١٢ ، ص ٢٦.

(٣) التفسير الكبير : ج ١٢ ، ص ٢٦.

(٤) سورة طه : الآيات ٢٥ ـ ٣٢

(٥) سورة القصص : الآية ٣٥.

٥٨

بِهِ ظَهْرِي. قَالَ أَبُو ذَر : فَوَ اللهِ مَا أَتَمَّ رَسُولُ اللهِ صلى‌الله‌عليه‌وآله هذِه الْكَلِمَةِ حَتَّى نَزَلَ جَبْرَئيلُ ، فَقالَ : يا مُحَمَّدُ : اقْرَأ (إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ ...)(١)

وبعد أن ينقل الفخر الرازي هذه الروايات الثلاثة يقول : إنّ جميع الروايات الواردة في هذه المسألة هي هذه الروايات الثلاثة فقط.

ملاحظتان

١ ـ إن رواية أبي ذرّ تشير إلى أنّ صدقة الإمام علي عليه‌السلام في حال الصلاة لم تكن صدقة عاديّة لمسكين من الناس بل أدّت إلى حفظ وجاهة وقدسيّة مسجد النبيّ الذي يعد مركز الإسلام والصحابة والمسلمين لأنّ المسكين عند ما خرج من مسجد النبي لم يجد من يمدّ له يد العون ، ولهذا اشتكى إلى الله من ذلك ، فعليه فإنّ صدقة الإمام في حالة الركوع مضافاً إلى أنها رفعت حاجة السائل فإنّها أدّت إلى حفظ اعتبار مسجد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وقداسته وحرمة أصحاب النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله أيضاً.

٢ ـ إنّ ادعاء الفخر الرازي المبني على أنّ مجموع الروايات الواردة في هذا الباب ليس بأكثر من ثلاث روايات هو كلام بلا أساس لأنّه كما تقدّم آنفاً أن الوارد من الروايات في هذا الباب أكثر من أربعين رواية ، والملفت للنظر أنّ أكثر هذه الروايات وردت في كتب ومصادر أهل السنّة ولكنّ التعصّب والعناد إذا أخذ بناصية الإنسان أدّى إلى أن ينطق بكلمات غير مسئولة وغير متوقعة رغم كونه علّامة كبير مثل الفخر الرازي ، مضافاً إلى أنه يمكننا أن ندّعي أنّه إذا قد وصلت لنا أكثر من أربعين رواية في شأن نزول الآية محل البحث فإنّ هناك عدد أكثر من هذا قد اختفى في طيّات التاريخ ولم يصل إلينا وخاصّة في فترة الحكم الاموي الذي كان بنو أُمية يتحركون بصراحة وشدّة في حذف فضائل ومناقب أهل البيت عليهم‌السلام وطمس معالمها فلم يتجرأ أحد على بيان هذه الفضائل ونشرها.

وكم من الأشخاص الذين لم يكونوا يمتلكون الجرأة على بيان فضائل ومناقب أمير المؤمنين عليه‌السلام وذهبت تلك الفضائل معهم إلى القبر!! إنّ أجواء الإرهاب كانت إلى

__________________

(١) التفسير الكبير : ج ١٢ ، ص ٢٦.

٥٩

درجة من الشدّة بحيث إن من يذكر فضيلة واحدة لأهل البيت كان يتعرض للعقاب الشديد بل لو أنّ أحداً سمّى ابنه عليّاً كان يتعرض للعقاب أيضاً.

ومع هذه الظروف الصعبة فعند ما تصل إلينا أربعين رواية فيمكن أن نحدس أنّ أضعاف هذا المقدار قد تلف في طيّات التاريخ.

والنتيجة هي أنه مع الأخذ بنظر الاعتبار كثرة الروايات التي تصل إلى حدّ التواتر وقد أوردنا بعضها بالتفصيل فلا يبقى شكّ أن الآية الشريفة (إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ) نزلت في شأن أمير المؤمنين وأنه عليه‌السلام هو الولي بعد الله ورسوله.

شبهات واشكالات

وعلى الرغم من وضوح دلالة الآية الشريفة على ولاية أمير المؤمنين فإنّ بعض العلماء قد ذكر بعض الشبهات والإشكالات حول دلالة هذه الآية ، وفي الواقع فإنّ الكثير من هذه الإشكالات ليست سوى ذرائع وحجج واهية (١).

وعلى سبيل المثال :

الإشكال الأوّل : كلمة إنّما لا تدلّ على الحصر

رأينا في عملية الاستدلال بالآية أعلاه أنها تقوم على ثلاث دعائم : أحدها أن كلمة «إنّما» في الآية الشريفة تدلّ على الحصر وأنّها تحصر الولاية بثلاث موارد ، وعليه فإنّ الولاية مورد البحث لا تثبت لغيرهم.

__________________

(١) طبعاً لا شك في أن السؤال نافذة للعلم ومفتاح حلّ المشكلات والمجهولات ، ولذا ورد الحث عليه في القرآن الكريم بصورة مطلقة ، حيث يقول تعالى في الآية ٤٣ من سورة النحل ، وكذلك في الآية ٧ من سورة الأنبياء : «فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون»

هذه الآية الشريفة مطلقة من كلّ جهة ، فكلّ من لديه سؤال يمكنه أن يسأل أهل العلم والخبرة ، وقد ورد في هذا المورد روايات عديدة ، ولكن المهم هو أن يكون السؤال بقصد التوصل إلى الحقيقة لا بدافع من العناد والتعصّب كما في الكثير من أسئلة علماء أهل السنّة حول آية الولاية.

٦٠