آيات الولاية في القرآن

آية الله مكارم الشيرازي

آيات الولاية في القرآن

المؤلف:

آية الله مكارم الشيرازي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مدرسة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام
المطبعة: سليمان‌زاده
الطبعة: ١
ISBN: 964-8139-32-6
الصفحات: ٣٧٦

٢ ـ (وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) الخصوصية الثانية للأشخاص الذين هم «خير البريّة» هو أنهم يتحرّكون في واقعهم الاجتماعي من موقع العمل الصالح الذي يستوحي مقوّماته من الإيمان والاعتقاد في عالم القلب والروح.

«العمل الصالح» (١) يتضمن معنىً عاماً وشاملاً ، وقد ورد في الروايات الشريفة أن أدنى مرتبة له هو «اماطَةُ الْأذى عَن الطَّريقِ» وأعلى مرتبة له هو اعتناق دين الحقّ والشهادة بالتوحيد «وأعْلاهَا شَهادَةُ انْ لا الهِ إلّا الله» (٢).

والخلاصة أن الصفة الثانية لهؤلاء هي أنهم يعملون الأعمال الصالحة.

٣ ـ (ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ) الخصوصية الثالثة لهؤلاء الأشخاص هي أنهم يتمتعون بمقام «الخشية» من الله تعالى ، فمضافاً للإيمان والعمل الصالح فإنهم يعيشون حالة الخشية والخضوع والإذعان للحقّ تعالى والتسليم لأوامره وتعليماته.

سؤال : هل أن «الخشية» هي شيء آخر غير الإيمان والعمل الصالح؟

الجواب : نعم ، إنّ الخشية مرتبة أعلى من الإيمان والعمل الصالح ، والظاهر أنها تعني الإحساس بالمسئولية ، فتارةً يعيش الإنسان الإيمان والعمل الصالح ولكن ذلك لا يعني أنه يتحلّى بعنصر الإحساس بالمسئولية ولا يكون إيمانه وعمله الصالح مسترفداً من إحساسه بالمسئولية بل بسبب العادة والتربية وأجواء الاسرة والمحيط الاجتماعي ، وتارةً اخرى يتحرّك الإنسان في إيمانه وعمله الصالح على أساس من إحساسه بالمسئولية ، فمثل هذا الإنسان يتعامل مع الأحداث والأشخاص والمواقف المختلفة من منطلق إحساسه بالمسئولية ويكون سلوكه وممارساته في حركة الحياة الفردية والاجتماعية قائمة على هذا الدافع النفساني والوجداني.

والنتيجة هي أن «خير البريّة» هم الذين يتمتعون بثلاث صفات : الإيمان ، العمل الصالح ، الإحساس بالمسئولية.

__________________

(١) لبيان أهمية العمل الصالح يكفي أن نعلم أن هذه العبارة وردت في القرآن الكريم سبعين مرّة تقريباً.

(٢) عوالي اللئالي : ج ١ ، ص ٤٣١ ، والرواية أعلاه وردت في صحيح مسلم ، كتاب الإيمان ، الباب ١٢ ، ح ٥٨ ، مسند أحمد : ج ٢ ، ص ٣٧٩.

٣٤١

وبعد ان تنتهي الآية الشريفة من تعريف «خير البريّة» وتبيين صفاتهم وخصائصهم تتعرض كذلك لبيان أجرهم وثوابهم عند الله وتقول :

(جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ)

إنّ ثواب «خير البريّة» في الدار الآخرة يتضمن الثواب المادي والمعنوي على السواء ، لأن الإنسان مركّب من جسم وروح ، فجسمه يطلب الثواب المادي ، وروحه تشتاق إلى الثواب المعنوي.

أما الثواب المادي لهؤلاء الصالحين فهو عبارة عن الجنّة الخالدة والبساتين اليانعة التي تجري من تحت أشجارها الأنهار (١) والمياه العذبة بصورة دائمة.

البساتين على نحوين :

١ ـ البساتين التي تردُّ إليها المياه من خارجها ويتمُّ سقي أشجارها بالماء بين كلِّ حين وآخر وعلى فواصل زمنيّة معيّنة ، فالمياه لا تجري دائماً في جداولها وسواقيها.

٢ ـ البساتين التي تتوفر فيها المياه بصورة دائمة وتجري في سواقيها وبين أشجارها ، وبلا شك أن مثل هذه البساتين تنعم أشجارها بطراوة خاصّة ومشهد جذّاب ولا يخشى عليها الجفاف والذبول ، فبساتين الجنّة التي تقدّم وصفها في الآية الشريفة هي من النوع الثاني ، فهي خضراء يانعة دائماً.

(خالِدِينَ فِيها أَبَداً) فكما أن الكفّار والمشركين وأهل الكتاب الذين وقفوا من الرسالة الإلهية موقف المعاند والعدو مخلدون في نار جهنم ، وكذلك المؤمنون الذين يعيشون الإحساس بالمسئولية ويترجمون إيمانهم وإحساسهم هذا على مستوى الممارسة والأعمال الصالحة هم مخلدون في الجنّة أيضاً.

(رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) وتشير هذه الجملة إلى الثواب المعنوي لهؤلاء المؤمنين ، وهو أن الله تعالى ينعم عليهم بالمواهب الاخروية العظيمة إلى درجة أنهم يعيشون الرضا والسرور الفائق ، ومن جهة اخرى فإنّ لطف الله تعالى ورحمته بهؤلاء يبلغ إلى الحدّ الذي يرضى الله عزوجل عنهم.

__________________

(١) صفة «الخلود» يمكن استفادتها من كلمة «عدن» بمعنى الخالدة ، ويقال «معدن» للأشياء المعدنية الثابتة والمستقرة في ذلك المكان بصورة دائمية.

٣٤٢

فما أعظم هذا المقام الشامخ ، وما أعظم هذه المرتبة السامية التي لا تتصور فوقها مرتبة في عالم الكمال والنعمة والسعادة.

والنتيجة التي نستخلصها من هذه الآيات الشريفة الثلاث أنها ذكرت خصوصيّات «شرُّ البريّة» وعقوباتهم في الدار الآخرة ، وكذلك صفات وخصوصيّات «خير البريّة» وأجرهم وثوابهم عند الله في يوم القيامة.

خير البريّة في الروايات

سؤال : هل أن المفهوم من هذه الآية الشريفة عام أو خاصّ؟

وبعبارة اخرى : هل أنّ «خير البريّة» يشمل جميع المؤمنين الذين يعملون الصالحات ، أو يتحدد بفئة خاصّة منهم؟

الجواب : ومن أجل التوصل إلى جواب هذا السؤال نرى من اللازم الرجوع إلى الروايات الواردة في شأن نزول هذه الآيات الكريمة :

طبقاً للروايات الكثيرة الواردة في مصادر وكتب الشيعة وأهل السنّة أن النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله ذكر في تفسير «خير البريّة» أنهم : عليّ وشيعته ، وقد وردت هذه الروايات في كتب مختلفة ، منها :

١ ـ «شواهد التنزيل» لمؤلفه الحاكم الحسكاني (١).

٢ ـ «الصواعق المحرقة» تأليف ابن حجر الهيثمي (٢)

٣ ـ «الدرّ المنثور» للسيوطي (٣).

٤ ـ «نور الأبصار» لمحمّد الشبلنجي (٤).

__________________

(١) الحاكم الحسكاني النيشابوري من علماء أهل السنّة في نيشابور ، و «حسكان» قرية من قرى نيشابور ، ويعتبر من العلماء المعتدلين والبعيدين عن التعصّب ، وقد سعى لجمع جميع الروايات الواردة في شأن نزول آيات القرآن الكريم في كتابه.

(٢) الصواعق المحرقة : ص ٩٦ نقلاً عن نفحات القرآن : ج ٩ ، ص ٢٦١.

(٣) الدرّ المنثور : ج ٦ ، ص ٣٧٩ نقلاً عن نفحات القرآن : ج ٩ ، ص ٢٦٠.

(٤) نور الأبصار : ص ٧٠ و ١١٠ نقلاً عن نفحات القرآن : ج ٩ ، ص ٢٦١.

٣٤٣

٥ ـ «تفسير الطبري» (١).

٦ ـ «روح المعاني» للآلوسي (٢).

٧ ـ «المناقب» للخوارزمي (٣).

٨ ـ «فتح الغدير» للعلّامة الشوكاني (٤).

وقد أورد صاحب كتاب «شواهد التنزيل» في كتابه هذا أكثر من عشرين رواية في ذيل آية خير البريّة ، وقد اخترنا منها ثلاث روايات كنموذج لتقرير المطلوب ، وهي كالتالي :

الف) يقول جابر بن عبد الله الأنصاري الصحابي المعروف : كنت جالساً مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وجماعة من أصحابه عند الكعبة ، وإذا بعليّ قد ظهر لنا من بعيد ، فلمّا رآه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قال لأصحابه :

«قَدْ أَتاكُمْ أَخي ، ثُمَّ الْتَفَتَ إلَى الْكَعْبَةِ ، فَقالَ وَرَبِّ هذِهِ الْبُنْيَةِ! إنَّ هذا وَشِيعَتَهُ هُمُ الفائزونَ يَوْمَ الْقيامَةِ ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنا بِوَجْهِهِ ، فَقَالَ : أَما وَاللهِ إنّهُ أَوَّلُكُمْ إيماناً باللهِ ، وَاقْوَمُكُمْ بأمر اللهِ وَأَوفاكُم بِعَهْدِ اللهِ وَأَقْضاكُمْ بِحُكْمِ اللهِ وَأَقْسَمُكُمْ بِالسَّوِيَّةِ وَأَعْدَلُكُمْ فِي الرَّعيَّةِ وَأَعْظَمُكُمْ عِنْدَ اللهِ مَزِيَّةً. قالَ جابِرُ فَأَنْزَلَ الله : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) ... (خَيْرُ الْبَرِيَّةِ) فَكانَ عَلِيٌّ إذا أَقْبَلَ قالَ أَصْحابُ مُحَمّدٍ : قَدْ أَتاكُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ بَعْدَ رَسُول اللهِ» (٥).

ويستفاد من العبارة الواردة في ذيل هذه الرواية الشريفة أنها كانت مشهورة بين المسلمين في صدر الإسلام ، وعليه فإنّ الرواة لها لا يقتصرون على ابن عبّاس وجابر بن عبد الله وأبو برزة.

ب) ويقول جابر في رواية اخرى : أنه عند ما نزلت آية خير البريّة ، التفت النبي

__________________

(١) تفسير الطبري : ج ٣٠ ، ص ١٧١.

(٢) روح المعاني : ج ٣٠ ، ص ٢٠٧.

(٣) المناقب الخوارزمية : ص ٤٢١ ، طبعة طهران نقلاً عن احقاق الحقّ : ج ٣ ، ص ٢٨٩.

(٤) فتح الغدير : ج ٥ ، ص ٤٦٤ ، طبعة مصر نقلاً عن احقاق الحقّ : ج ٣ ، ص ٢٩١.

(٥) شواهد التنزيل : ج ٢ ، ص ٣٦٢.

٣٤٤

الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله إلى علي بن أبي طالب عليه‌السلام وقال :

«هُمْ أَنْتَ وَشِيعَتُك ، تَرِدُ عَلَيَّ وَشِيعَتُكَ رَاضِينَ مَرْضِيِّيْنَ» (١).

ج) يقول أبو برزة الأسلمي : عند ما نزلت آية خير البريّة قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لعلي بن أبي طالب :

«هُمْ أَنْتَ وَشِيعَتُكَ يا عَلِيّ ، وَميعادُ ما بَيْني وَبَينكَ الْحَوْضُ» (٢).

د) ويروي ابن عساكر في شرح هذه الآية الشريفة «آية خير البريّة» عن عائشة رواية طريفة ، (ورغم أن عائشة لم تكن على علاقة جيّدة مع علي بن أبي طالب وقد قامت بوجهه في حرب الجمل) قال :

«وفي رواية لعائشة عن عطاء قال سألت عائشة عن علي فقالت : ذاك خير البشر لا يشك فيه إلّا كافر» (٣).

والنتيجة أنه طبقاً للروايات الكثيرة الواردة في تفسير آية خير البريّة أن المراد من «خير البريّة» هو علي بن أبي طالب عليه‌السلام.

سؤال : ويطرح الآلوسي في روح المعاني سؤالاً بهذه الصورة :

إذا كان المراد من خير البريّة هو علي بن أبي طالب عليه‌السلام فهل أنه أعلى مقاماً من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله؟ لأنّ كلمة «خير البريّة» في الآية الشريفة وردت بشكل مطلق ، ومفهومها أن المصداق لها هو أفضل من جميع الناس.

الجواب : لو تدبرنا في مضمون الآية الشريفة لاتّضح الجواب عن هذا السؤال ، لأنه كما تقدّم أن أحد الشروط التي لا بدّ أن تتوفر في «خير البريّة» هو الإيمان ، أي الإيمان بالله والرسول وسائر مبادئ وأحكام الإسلام ، وعليه فإنّ الإمام علي من جهة اعتقاده وإيمانه العميق بالله تعالى ورسوله الكريم هو خير البريّة ، فكيف يمكن أن يكون الإمام علي وبسبب اعتقاده وإيمانه برسول الله هو خير البريّة وفي نفس الوقت يكون أعلى مرتبة من

__________________

(١) شواهد التنزيل : ج ٢ ، ص ٣٦٠.

(٢) شواهد التنزيل : ج ٢ ، ص ٣٥٩.

(٣) احقاق الحقّ : ج ٢ ، ص ٢٨٨.

٣٤٥

رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله نفسه؟ ولهذا السبب ورد في رواية جابر بن عبد الله الأنصاري المذكورة في منابع أهل السنّة أنّ عليّ بن أبي طالب خير البريّة بعد رسول الله.

سؤال آخر : ما هي العلاقة بين الآية الشريفة وبين مسألة الإمامة والخلافة لأمير المؤمنين عليه‌السلام؟ وعلى فرض أن يقبل أهل السنّة بأن علي بن أبي طالب هو خير البريّة كما ورد في رواياتهم ، ولكن كيف يمكن الاستدلال بهذه الآية على إمامته وخلافته بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله؟

الجواب : بالنسبة إلى طريقة تعيين الخليفة بعد النبي هناك اختلاف بين الشيعة وأهل السنّة ، فالشيعة يرون أن الخليفة والإمام بعد رسول الله يجب أن يكون منصوباً ومعيّناً من قبل الله تعالى (١) ، إذن فتعيين الخليفة في نظر الشيعة هو أمر انتصابي لا انتخابي ، ولكنّ أهل السنّة يرون أن تعيين الخليفة بعد النبي هو أمر انتخابي ويجب أن يختاره الناس إماماً وزعيماً لهم ، فإذا حظى بموافقة الناس وانتخابهم له صار خليفة لرسول الله.

وطبعاً إنّ هذا الاختلاف في مفهوم وطريقة تعيين الخليفة لا يؤثر في المفهوم من الآية الشريفة لأنه لو كانت الخلافة انتخابية أو انتصابية فإنّ الإمام علي هو الوحيد اللائق لهذا المقام ، لأنه لو كانت انتصابية كما يعتقد الشيعة فمع وجود الإمام علي الذي هو خير البريّة وأفضل مخلوقات عالم الوجود فإنّ الله الحكيم لا يختار شخصاً آخر غيره لهذا المقام وإلّا لكان منافياً لمقتضيات الحكمة الإلهية ، ولو كانت المسألة انتخابية فهل يعقل مع وجود أفضل الناس وأعلمهم أن يختار العقلاء شخصاً آخر لهذا المقام؟

من الواضح أن ما يعتذر به البعض من أنّ المسلمين في ذلك الزمان لم يكونوا يعرفون الأفضل والأعلم هو عذر غير مقبول مع وجود كل هذه الروايات الكثيرة التي مرّت سابقاً ومع اشتهار مقام الإمام علي عليه‌السلام ومناقبه وفضائله بعنوان إنه «خير البريّة».

ومع الالتفات إلى ما تقدّم يتّضح جيّداً ارتباط الآية الشريفة مع مسألة الولاية والإمامة.

__________________

(١) لأنّه كما تقدّم سابقاً لا بدّ أن يكون خليفة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله معصوماً ، وملكة العصمة لا يدركها سوى الله تعالى ، إذن فيجب أن يكون تعيين الخليفة المعصوم من قبل الله تعالى.

٣٤٦

السؤال الثالث : إنّ الأفضل عادةً يكون شخصاً واحداً لا أكثر ، وعليه كيف يكون الإمام علي وشيعته هم الأفضل؟

الجواب : إنّ مقام أفضل الخلق له مراتب ، فيمكن أن يكون أحد الأشخاص على رأس الهرم في سلسلة الأفاضل ، وهناك أشخاص آخرون يقعون في المراتب التي تلي هذه المرتبة ، وهناك طائفة ثالثة أدنى منها وهكذا ، وعليه فإنّ الإمام علي يقف على رأس الهرم في الأفضلية ويأتي شيعته في المراحل الدانية.

والنتيجة لجميع هذه الأبحاث أن «خير البريّة» ومن يحوي الصفات الثلاثة : الإيمان ، العمل الصالح والإحساس بالمسئولية ، هم علي وشيعته.

توصيات آية خير البريّة

إنّ هذه الآية الشريفة والروايات الواردة في تفسيرها تتضمن توصيات مختلفة ، منها :

١ ـ نظام القيم في الإسلام

إنّ قيمة كلُّ دين أو مذهب تكمن في منظومة القيم لذلك الدين أو المذهب ، وببيان أوضح : إنّ كلُّ دين أو مدرسة فكرية وفلسفية تدور حول محور أساسي ، وذلك المحور يكون بمثابة النظام القيمي والمعيار الذي ترسل فيه معالم ذلك الدين والمدرسة الفكرية ، وكمثال على ذلك :

الف : ذكرت الآيات الكريمة في حديثها عن منظومة القيم الأخلاقية للمجتمع الفرعوني الطاغوتي كما ورد ذلك في الآية ٥١ من سورة الزخرف على لسان فرعون :

(وَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ)

هنا نرى أن فرعون يفتخر بتسلطه على مصر واستلامه زمام الامور في حكومة مصر ، تلك الحكومة المستبدة والديكتاتورية ، وهذا السياق القرآني يعبّر في الحقيقة عن نظام القيم في حكومة فرعون ، وعلى هذا الأساس فالإنسان الجيّد في نظر فرعون والفراعنة هو الحاكم

٣٤٧

والمتسلط على الناس حتّى لو كان متوغلاً في الفساد والجريمة والظلم ، أما الإنسان السافل والساقط فهو من يعيش بعيداً عن أجواء السلطة والحكومة حتّى ولو كان من الناحية الأخلاقية يتّصف بأفضل الصفات والفضائل الأخلاقية ، ولهذا اعترض فرعون على موسى ودعواه النبوّة والرسالة من الله تعالى وقال :

(فَلَوْ لا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ)(١) (ليؤيدوا كلامه من كونه مرسل من الله تعالى).

أي أن موسى عليه‌السلام وطبقاً لرؤية الفراعنة ونظامهم الأخلاقي كان يعيش بعيداً عن أجواء القدرة والثروة والحكومة إذن فلا يستحق مقام النبوّة والرسالة.

والنتيجة هي أن المعيار الأخلاقي في النظام الفرعوني هو القدرة والثروة والزينة.

ب : وهناك بعض الأنظمة الأخلاقية في بعض المجتمعات والمذاهب الاخرى تعتبر أن كثرة الأموال والأولاد والثروة هي المعيار ، كما ورد في الآية الشريفة ٣٥ من سورة سبأ :

(وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالاً وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ)

فهؤلاء يعيشون بنظام من القيم الأخلاقية التي تدور حول محور القوى الإنسانية والاقتصادية ، وطبقاً لهذه العقيدة وهذه الرؤية فإنّ الإنسان الجيّد والمحترم هو من يتمتع بأموال كثيرة وثروة طائلة وأبناء كثيرين وخاصّة إذا كان هؤلاء الأبناء ذكور كما هو حال العرب في زمن الجاهلية حيث كانت العائلة السعيدة هي التي يتوفر فيها كثرة في الأولاد الذكور ، لأن ذلك يمنحهم القدرة على القتال والغارة وعمليّات السلب والنهب أو ينتفع الأب من معونتهم في أعماله الشخصية والاجتماعية.

والخلاصة أن مثل هذا النظام الأخلاقي يعتمد بالدرجة الاولى على مبدأ القوّة البشرية والكثرة في الأموال والأولاد.

وأمّا بالنسبة إلى الرؤية الإسلامية ومنظومة القيم في دائرة المفاهيم القرآنية فإنها تختلف عمّا تقدّم من النظم والمعايير الثقافية ، فكلُّ ذلك لا يعدّ في نظر الإسلام معياراً وقيمةً ذات

__________________

(١) سورة الزخرف : الآية ٥٣.

٣٤٨

أهميّة على مستوى حياة الإنسان الأخلاقية والمعنوية رغم أنها قد تنفع أحياناً في كونها وسيلة وأداة للتوصل بها إلى الأهداف المقدسة والغايات الدينية فتكون مطلوبة وإيجابية حينئذٍ.

القرآن الكريم يردُّ على ما ذكرناه آنفاً من النظام القيمي للطائفة الأخيرة ويقول :

(وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ)(١)

فهذه الآية الشريفة وضمن رفضها للنظام الأخلاقي الذي يستوحي مقوماته من القوّة البشرية والاقتصادية تطرح النظام الأخلاقي والمعيار القيمي في دائرة المفاهيم الإسلامية وتذكر «الإيمان» و «العمل الصالح» كمفردات معيارية للنظام الأخلاقي في الإسلام ، لأن هذه الامور هي التي توصل الإنسان إلى معراج الكمال المعنوي وتقوده في حركته الصاعدة نحو الله تعالى لا المال والأولاد والامور الدنيوية الاخرى.

ويقول تبارك وتعالى في الآية ١٣ من سورة الحجرات ضمن اعتبار التقوى محور آخر من محاور النظام الأخلاقي في الإسلام ويخاطب الناس كافة :

(يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)

عند ما جاء الإسلام بنظام أخلاقي جديد يقوم على الإيمان والعمل الصالح والتقوى فإنه استبدل القيم الجاهلية القديمة بهذه القيم السماوية والإنسانية وخلق بذلك تحولاً عظيماً في هيكلية المجتمع البشري وقدّم إلى البشرية أشخاصاً مثل «أبي ذرّ» و «سلمان» و «ميثم التمّار» بدلاً من «أبي جهل» و «أبي لهب» و «أبي سفيان».

إنّ آية «خير البريّة» تقرر إنّ منظومة القيم في الإسلام تقوم على أساس «الإيمان» و «العمل الصالح» و «الإحساس بالمسئولية» وتقرر بأن أفضل الناس هم الذين يتميّزون بهذه السمات الأخلاقية والدينية الثلاث ، ولكننا نرى مع الأسف في عالمنا المعاصر أن قيم

__________________

(١) سورة سبأ : الآية ٣٧.

٣٤٩

الجاهلية عادت لتحكم من جديد فالإنسان الأفضل هو الذي يمتلك دولارات أكثر أو يتمتع بقدرة اقتصادية أعظم أو يمتلك قوّة عسكرية أكبر ، ولكن كلّ هذه الامور لا تعدّ معياراً أساسياً في منظومة القيم والمفاهيم الإنسانية.

٢ ـ تاريخ ظهور الشيعة

يتصور البعض أو يلقّن نفسه بهذا المفهوم الزائف عن الشيعة ، وهو أن الشيعة ظهرت إلى الوجود كمذهب وتيار إسلامي منذ زمن الصفويين أو بعد ذلك وليس لهم امتداد تاريخي في القرون السابقة.

ولكن يتضح بطلان هذا التصور بمجرّد إلقاء نظرة عابرة على ما ورد في الروايات الإسلامية وكتابات المؤرّخين ومن ذلك ما ورد في الروايات الشريفة في ذيل آية «خير البريّة» والتي تقدّم ذكرها وأن كلمة «الشيعة» ذكرت لأوّل مرّة على لسان الرسول الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله وأراد منها أتباع علي بن أبي طالب عليه‌السلام ، وعلى هذا الأساس فإنّ تاريخ ظهور الشيعة يتزامن مع تاريخ ظهور الإسلام وقد سبق ظهور هذا المذهب جميع المذاهب الإسلامية الاخرى.

ومع الأخذ بنظر الاعتبار هذا الأمر يتّضح جيّداً أن بعض الأشخاص الذين يتحركون من موقع الغفلة أو التغافل أو العناد على مستوى اتهام الشيعة والتعريض بهم بما تقدّم ، هم بعيدون عن الحقّ والصواب ومشمولون لقول الشاعر :

وَإن كُنْتَ لا تَدْري فَتِلْكَ مُصِيبَةٌ

وَإنْ كُنْتَ تَدْري فَالْمُصيبَةُ أَعْظَمُ

أي أن بعض العلماء من الفرق الإسلامية إذا لم يكونوا يعلمون بهذه الأحاديث والروايات وغير مطّلعين عليها فهذه مصيبة (بحيث إنّ الإنسان الذي يدّعي العلم يجهل هذه الروايات).

وإذا كانوا مطّلعين عليها ولكنهم ينكرونها ويتغافلون عنها من موقع العناد والتعصّب فمصيبتهم أعظم وأكبر.

إلهنا احفظنا من التورط في منزلقات التعصّب الأعمى وأبعدنا عن آثاره المشئومة وعواقبه الوخيمة.

٣٥٠

٣ ـ ما ذا تعني كلمة الشيعة؟

سؤال : إنّ الروايات الواردة في هذا البحث تصف شيعة الإمام علي عليه‌السلام كأنهم أفضل من خلق الله تعالى ، ومع الالتفات إلى هذا المقام السامي للشيعة ، نريد أن نعرف من هم هؤلاء الشيعة؟

الجواب : وفي المقام الجواب على هذا السؤال لا بدّ من استعراض معنى كلمة «الشيعة» والبحث فيها من ثلاث جهات :

ففي البداية نبحث المعنى اللغوي لهذه الكلمة ، ثمّ موارد استعمالها في القرآن الكريم ، في الثالثة نستعرض بعض الروايات التي تتعرض لوصف الشيعة الحقيقيين.

الف : الشيعة في اللغة : إنّ هذه الكلمة «الشيعة» تعني في اللغة «الانتشار مع القدرة» ، فالشيء الذي يمتد وينتشر في مناطق مختلفة مع القدرة والقوّة يطلق عليه «شيعة» والنتيجة أن الشيعة في اللغة تطلق على الفئة والجماعة المنتشرة والقوية في نفس الوقت.

ب : الشيعة في القرآن : وردت هذه الكلمة في القرآن الكريم في أربعة موارد ، إحداها ما ورد في شأن النبي إبراهيم عليه‌السلام في سورة الصافات ، الآية ٨٣ و ٨٤ :

(وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ* إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)

هذه الآية الشريفة وصفت إبراهيم بأنه من شيعة النبي نوح عليه‌السلام ، أي أنه استمرار لخطّ النبي نوح عليه‌السلام ، والآية الثانية ترسم معالم التوفيق الذي ناله إبراهيم في هذا المجال حيث توجه إلى خالقه وربّه بقلب سليم (١) من أدران الشرك وتلوثات الخطايا.

والآية الاخرى التي وردت فيها كلمة الشيعة هي الآية ١٥ من سورة القصص حيث

__________________

(١) ورد في تعريف القلب السليم في الروايات أنه القلب الذي لا يوجد فيه غير الله ، أي حتّى الامور التي يريدها الإنسان من المقام والثروة والمرأة والأطفال والصحّة والأمان فإنما يريدها للتقرب إلى الله تعالى ، ولو أرادها الإنسان بصورة مستقلة ووقعت في قلبه من دون غاية التقرب إلى الله فإن مثل هذا القلب لا يكون سليماً ، وقد وردت عبارة «القلب السليم» في القرآن مرتين ، إحداهما في سورة الشعراء : الآية ٨٩ ، والاخرى في سورة الصافات : الآية ٨٤. (وللمزيد من التفاصيل في معنى القلب السليم يراجع التفسير الامثل ، ذيل تفسير هاتين الآيتين).

٣٥١

تتعرض هذه الآية إلى قصة موسى عليه‌السلام وتقول :

(وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ ...)

كلمة «شيعة» في هذه الآية الشريفة اطلقت على أتباع النبي موسى عليه‌السلام ويمكننا أن نستوحي من هذا التعبير أن النبي موسى كان قد شكّل جماعة له قبل النبوّة وربّاهم على طريق الحقّ والإيمان.

والنتيجة هي أن كلمة شيعة في الآيات أعلاه وردت في حقِّ بعض الأنبياء وأتباعهم.

ج : الشيعة في الروايات : لقد وردت كلمة «شيعة» في الروايات الشريفة بشكل واسع ومستفيض ، ونكتفي هنا بذكر ثلاث نماذج منها :

١ ـ ما ورد في خطاب الإمام علي لأحد أصحابه ويدعى «نوف البكالي» قال :

«أَتَدْري يا نَوْفُ مَنْ شيعَتِي؟»

فقال نوف : لا وَالله.

فشرع الإمام يبين له أوصاف الشيعة الحقيقيين ومن ذلك أنه قال : «رُهْبانٌ بِاللَّيْلِ وَاسْدٌ بِالنَّهار» (١) فيعيشون في الليل الشوق والمناجاة والتبتل إلى الله تعالى ، وفي النهار يتحركون في دفاعهم عن الإسلام وخدمة المسلمين من موقع الإخلاص والشجاعة الفائقة ولا تأخذهم في ذلك لومة لائم.

٢ ـ وورد في رواية اخرى في أوصاف الشيعة :

«إنَّما شَيعَتُنا أَصْحابُ الْارْبَعَةِ الأعْيُنِ ؛ عَيْنانِ فِي الرَّأْسِ وَعَينانِ فِي الْقَلْبِ» (٢)

أي أن الشيعي ينبغي أن يكون شخصاً قوياً ، شجاعاً ، واعياً ، يقظاً ، فاهماً وعالماً لا أن يكون ساذجاً وسطحياً ويتعامل مع الأحداث من موقع الهويمات والأوهام الهشة والمطلقات الخاوية.

٣ ـ وقال شخص للإمام الباقر عليه‌السلام : «الحمد لله على كثرة شيعتكم».

__________________

(١) بحار الأنوار : ج ٧٥ ، ص ٢٨.

(٢) الكافي : ج ٨ ، ص ٢١٥.

٣٥٢

فنظر إليه الإمام نظرة ذات مغزى وقال له : إنما تقوله عن شيعتنا :

هَلْ يَعْطِفُ الْغَنيُّ عَلَى الْفَقيرِ؟ وَيَتَجاوَزُ الْمُحْسِنُ عَنِ الْمُسِيءِ وَيَتَواسَوْنَ؟

قُلتُ : لا.

قالَ : لَيْسَ هؤُلاءِ الشِّيعَةُ ، الشِّيعَةُ مَنْ يَفْعَلُ هَكَذا (١).

أجل ، فإنَّ الشخص الشيعي يجب أن يكون قائم الليل يقظ وعامل في النهار ويتعامل مع الواقع والأحداث بمنطق العقل والفهم السليم ويساعد الفقراء والمساكين ويعفو عن المسيئين ويشارك الناس في همومهم ويواسيهم في غمومهم.

__________________

(١) بحار الأنوار : ج ٧١ ، ص ٣١٣.

٣٥٣
٣٥٤

آية الحكمة ١٥

(يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ (٢٦٩))

«سورة البقرة / الآية ٢٦٩»

أبعاد البحث

بلا شك إنّ الإسلام له دور هام وأساسي في ترويج العلم وتشويق الناس إلى سلوك طريق المعرفة أكثر من جميع الأديان الإلهية والشرائع السماوية ، ولذلك فلو قيل عن الإسلام بأنه دين العلم والمعرفة فلا يعدُّ هذا الكلام جزافاً ، والآية مورد البحث من جملة الآيات التي عبّرت عن «الحكمة والمعرفة» بأنها «خير كثير» ، أما ما هي علاقة الآية الشريفة بفضائل أمير المؤمنين عليه‌السلام؟ فسيأتي في الأبحاث اللاحقة ونسأل الله تعالى أن يجعلنا من جملة هؤلاء الأشخاص الذين رزقوا الحكمة وأدركوا حقائق الامور ، آمين يا ربّ العالمين.

الشرح والتفسير :

الحكمة هي الخير الكثير!

(يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ) ذكروا للحكمة معاني كثيرة من قبيل : «أن الحكمة عبارة عن معرفة أسرار عالم الوجود» و «العلم بحقائق القرآن» و «الوصول إلى الحقّ على مستوى القول

٣٥٥

والعمل» وأخيراً «الحكمة هي معرفة الله» (١) ويمكن جمع هذه المعاني كلّها بمعنى ومفهوم واسع.

وبما أن القرآن الكريم تحدّث في الآية السابقة (الآية ٢٦٨ من سورة البقرة) أن الله تعالى وعد أن يبارك على الإنفاق وأن يغفر لمن ينفق في سبيل الله وحذّره من وسوسة الشيطان وتخويفه من الفقر ، ففي هذه الآية الشريفة أشار إلى هذه الحقيقة القرآنية وهي أن «الحكمة» هي الأداة والوسيلة للتمييز بين «الإلهي» و «الشيطاني» وبذلك يستطيع الإنسان أن يتخلص من وساوس الشيطان ويبعد نفسه عن الوقوع في مصائده وفخاخه.

وأما في عبارة «من يشاء» فلا تتضمن أن الله تعالى يرزق الحكمة والمعرفة بدون مبرر وبطريقة عشوائية بل إنّ مشيئة الله وإرادته مقرونة دائماً مع الحكمة ، أي أنه لا يعطي الحكمة لمن لا يستحق ولا يليق بها ، بل يؤتي الحكمة ويروي عطش الإنسان لها فيما لو كان الإنسان قابلاً لها ومستعداً لتقبلها.

(وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً)

وبالرغم من أن الله تعالى هو الذي يؤتي الحكمة لعباده إلّا أن هذه الآية لم تذكر الفاعل لهذا العطاء ، بل اقتصرت على القول «ومن يؤتَ الحكمة» وهذا التعبير يشير إلى أن الحكمة والمعرفة بذاتها حسنة وجيّدة من أي مكان حصل عليها الإنسان فلا يختلف حالها في الحسن باختلاف مصدرها ، والملفت للنظر أن الآية الشريفة تقرر هذه الحقيقة ، وهي أن كلّ من رزق العلم والمعرفة والحكمة فقد رزق الخير الكثير لا «الخير المطلق» لأنّ الخير المطلق أو السعادة المطلقة لا تكمن في العلم والحكمة فقط بل إنّ العلم والحكمة هي أحد أدوات الخير والسعادة.

(وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ) «تذّكر» يعني حفظ العلوم والمعارف في واقع النفس والروح و «الألباب» جمع «لُبّ» وبما أن لُبّ الشيء هو أهم جزء من أجزائه وأفضل أقسامه ولذلك اطلق على العقل كلمة «لُبّ» لأنه أفضل أجزاء الإنسان ، فالآية الشريفة تقول : إنّ أصحاب العقل والمعرفة هم فقط الذين يدركون هذه الحقائق ، ويتذكرونها وينتفعون منها ،

__________________

(١) وردت الاحتمالات الأربعة مع ستة احتمالات اخرى في «مجمع البيان» : ج ٢ ، ص ٣٨٢.

٣٥٦

ورغم أن جميع الناس يتمتعون بالعقل «سوى المجانين» ولكنّ اولو الألباب لا يقال لجميع العقلاء بل المراد الأشخاص الذين يستخدمون عقولهم ويتحركون في سلوكهم العملي من موقع الاستفادة من نور العقل وضياء الحكمة ويتدبّرون في امورهم.

الإمام علي عليه‌السلام صاحب الحكمة

إنّ آية الحكمة هذه تدلُّ على أن «كلُّ من رُزق الحكمة فقد رُزق الخير العميم والكثير» ولكنها ساكتة عن مصداق هذا المفهوم العام ولا تقرر من هو هذا الشخص في الواقع الخارجي ، ولكن الروايات العديدة المذكورة في طرق الشيعة وأهل السنّة ذكرت بأن الإمام علي بن أبي طالب عليه‌السلام هو المصداق لها وهو الذي يتمتع بالحكمة الإلهية ، وهنا نستعرض بعض هذه الروايات :

١ ـ ذكر «الحاكم الحسكاني» العالم السنّي المعروف نقلاً عن «ربيع بن خيثم» أنه ذكر علي عليه‌السلام عنده فقال :

لَمْ ارَهُمْ يَجِدُونَ عَلَيْهِ فِي حُكْمِهِ وَاللهُ تَعالى يَقُولُ : «وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ اوتِيَ خَيْراً كَثيراً» (١).

٢ ـ ويقول ابن عبّاس : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله :

مَنْ أَرادَ أَنْ يَنْظُرَ إلى إبْراهِيمَ فِي حِلْمِهِ وَإلَى نُوحٍ فِي حِكْمَتِهِ وَالى يُوسُفَ فِي اجْتماعِهِ فَلْيَنْظُرْ إلى عَلِيِّ بْن ابي طالِبٍ (٢).

ونفس هذه الرواية وردت بشكل آخر عن «ابن الحمراء» حيث يقول : كنّا عند رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فجاء علي بن أبي طالب عليه‌السلام فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله :

مَنْ سَرَّهُ انْ يَنْظُرَ إلى آدَمَ فِي عِلْمِهِ وَنُوحٍ فِي فَهْمِهِ وَإبْراهيمَ فِي خُلَّتِهِ فَلْيَنْظُرْ إلى عَلِيِّ بْنِ أبي طالِبٍ (٣).

٣ ـ وفي رواية اخرى عن ابن عبّاس يقول :

__________________

(١) شواهد التنزيل : ج ١ ، ص ١٠٧ ، ح ١٥٠.

(٢) شواهد التنزيل : ج ١ ، ص ١٠٦ ، ح ١٤٧.

(٣) شواهد التنزيل : ج ١ ، ص ٧٩ ، ح ١١٦.

٣٥٧

«كنت عند رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فسئل عن علي ، فقال :

قُسِّمَتِ الْحِكْمَةُ عَشْرَةَ أَجْزَاءَ ، فَأُعْطِيَ عَليٌّ تِسْعَةَ أَجْزاء وَاعْطِيَ النّاسُ جُزْءاً وَاحِداً» (١).

هذه المضامين الواردة في الروايات الشريفة توضح بصورة جيّدة أن الشخص الذي رُزق الحكمة والمعرفة في الامّة الإسلامية بعد رسول الله هو علي بن أبي طالب عليه‌السلام وأنه لا يصل إليه أحد من الصحابة في العلم والمعرفة ، وبما أن أهم ركن من أركان الإمامة هو العلم والحكمة والمعرفة فإنّ أجدر الناس لهذا المقام بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله هو علي بن أبي طالب عليه‌السلام.

سعة علم الإمام علي عليه‌السلام وحكمته

إنّ دائرة علم علي بن أبي طالب عليه‌السلام وحكمته واسعة إلى درجة أن شعاع نور علمه بلغ مبلغ اعترف به حتّى مخالفيه ولم يقدروا على إنكاره بل كانوا يرجعون إليه في قضاياهم وما تشتبك عليهم من الامور ، فكان مرجعاً علمياً لهم حيث كان الخلفاء الثلاثة الذين سبقوه يرجعون إليه في كثير من التعقيدات العلميّة والمشاكل الفقهيّة أيّام المحنة والسكوت الطويل ، والأمثلة على ذلك كثيرة في تاريخ صدر الإسلام ونكتفي هنا بذكر نماذج منها :

١ ـ المرجعية العلمية للإمام علي عليه‌السلام

يقول أنس ابن مالك خادم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّ رسول الله قال لعلي بن أبي طالب عليه‌السلام :

«انْتَ تُبيّنُ لِأُمَّتِي ما اخْتَلَفُوا فِيهِ بَعْدِي» (٢).

وأحد وظائف الإمامة والولاية المهمة هي حفظ حريم القرآن وخزانة العلوم النبوية ونقلها بصورة صحيحة إلى العلماء والفقهاء وشرح ما أشكل عليهم من مفاهيم وأحكام إلهية ، وتتّضح أهمية هذا الدور والوظيفة للإمامة فيما لو علمنا أن الكثير من الامم والبلدان التي حققت انتصارات على امم اخرى كبيرة ولكنها عجزت في نفس الوقت عن التصدّي

__________________

(١) شواهد التنزيل : ج ١ ، ص ١٠٥ ، ح ١٤٦.

(٢) مستدرك الصحيحين : ج ٣ ، ص ١٢٢ ، وكنز العمّال : ج ٦ ، ص ١٥٦ ، والمرحوم التستري في إحقاق الحقّ : ج ٦ ، ص ٥٢ و ٥٣ ، إضافة إلى المصدرين المذكورين وردت هذه الرواية في أربعة كتب اخرى أيضاً.

٣٥٨

للثقافة الأجنبية وبالتالي لم تستطع حفظ ثقافتها ودينها وغلبت أخيراً على أمرها كما هو الحال في هجوم المغول على البلاد الإسلامية وانتصارهم في ميادين القتال والحرب على المسلمين إلّا أنهم سرعان ما غُلبوا في مقابل القرآن والإسلام واعتنقوا بذلك الإسلام بل أصبحوا من المدافعين عنه والمروّجين له.

الإمام علي عليه‌السلام اهتم بعد رحيل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بهذا الأمر المهم جدّاً «الثقافة الإسلامية» وشرع بجمع القرآن وأقسم على أن لا يرتدي رداءه ويخرج من البيت قبل إتمام هذه المهمة إلّا أن يكون خروجه للصلاة (١) ، ثمّ شرع بتعليم وتفسير القرآن الكريم في ناسخه ومنسوخه ، ومحكمه ومتشابهه ، وظاهره وباطنه ، إلى أولاده وتلاميذه كالإمام الحسن والحسين عليهما‌السلام وابن عبّاس وابن مسعود وأمثالهم كما تعلّمها من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وليكون ذلك حصناً ثقافياً للُامّة الإسلامية أمام الغزو الثقافي والعقائدي الذي قد يتعرض له علماء الإسلام في ظلّ الفتوحات الكثيرة واختلاط الحضارات والثقافات السائدة بين الأقوام البشرية حينذاك وليأمن حاجة المسلمين الفقهية والحقوقية من هذه المعارف الإلهية ويبيّن الاصول العقائدية والأحكام الفقهية وغيرها من المسائل الثقافية بأفضل وجه وأحسن صورة للمسلمين.

٢ ـ الإمام علي عليه‌السلام باب مدينة العلم

وقد ورد في صحيح الترمذي أن النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله قال :

«انَا دارُ الْحِكْمَةِ وَعَلِيٌّ بابُها» (٢).

ومن المسلّم أن كلُّ من أراد الدخول في الدار فعليه أن يردها من بابها كما ورد في الآية الشريفة ١٨٩ من سورة البقرة (وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها) وعليه فكلُّ من أراد العلم والمعرفة والوصول إلى خزائن الحكمة لدى النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله فعليه أن يبدأ مساره من الإمام علي عليه‌السلام فهو مفتاح هذه الخزائن ويطلب منه العلم والمعرفة.

__________________

(١) الاستيعاب : ص ١١٠٩ والاحتجاج للطبرسي : ص ٢٣٩.

(٢) صحيح الترمذي : ج ٥ ، ص ٦٣٧ (نقلاً عن نفحات القرآن : ج ٩) وهناك روايات كثيرة بهذا المضمون ، ولكن بما أن الرواية أعلاه ذكرت كلمة (الحكمة) فقد أوردناها خاصة ، والروايات الاخرى من قبيل «أنا مدينة العلم وعلي بابها» مستفيضة وقد أورد منها في البحار : ج ٤٠ ، ١٢ رواية في هذا المعنى.

٣٥٩

٣ ـ الإمام علي عليه‌السلام وتفسير القرآن

مع مراجعة سريعة إلى تفاسير القرآن الكريم يتّضح جيّداً أن الإمام علي عليه‌السلام كان على قائمة المفسّرين وأئمّة التفسير كما ذكر ذلك السيوطي حيث قال : «إنّ أكثر ما ورد في التفسير من الخلفاء هو من علي بن أبي طالب» (١).

ويعدّ ابن عبّاس على رأس المفسّرين في صدر الإسلام وكان في ذلك تلميذاً للإمام علي عليه‌السلام وعند ما قيل له : ما علمك إلى علم ابن عمّك؟ قال : كالقطرة بالنسبة إلى البحر (٢). وهكذا نقرأ في كتب التاريخ أن تلامذة الإمام علي عليه‌السلام في مكّة والمدينة والكوفة كان لكلٍّ منهم مدرسة للتفسير.

٤ ـ الإمام علي عليه‌السلام واضع علم النحو

لقد أمر الإمام علي عليه‌السلام لغرض صيانة القرآن من التحريف اللغوي والأدبي أبا الأسود الدؤلي أن يكتب قواعد علم النحو كما علّمه اصوله ومبادئه ، ثمّ إنّ أبا الأسود الدؤلي وبالاستفادة من علم النحو هذا عمل على إعراب القرآن الكريم (٣).

٥ ـ الإمام علي عليه‌السلام وعلم الكلام

يقول ابن أبي الحديد في مقدمة شرح نهج البلاغة : إنّ علم الكلام هو أشرف العلوم وقد اقتبسه العلماء من الإمام علي عليه‌السلام (٤).

ويقول الإربلي في كشف الغمّة إنّ أئمّة الكلام يعني الأشاعرة ، المعتزلة ، الشيعة والخوارج ، كلُّهم ينتسبون إلى ذلك الإمام (٥).

__________________

(١) الاتقان : نوع ٨٠ ، طبقات المفسّرين.

(٢) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج ١ ، ص ١٨ و ١٩.

(٣) طبقات النحويين : ج ٧ ، ص ١٤.

(٤) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج ١ ، ص ١٧.

(٥) كشف الغمّة : ج ١ ، ص ٢١.

٣٦٠