آيات الولاية في القرآن

آية الله مكارم الشيرازي

آيات الولاية في القرآن

المؤلف:

آية الله مكارم الشيرازي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مدرسة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام
المطبعة: سليمان‌زاده
الطبعة: ١
ISBN: 964-8139-32-6
الصفحات: ٣٧٦

عند ما يقرأ هذا الحديث الطويل والجذّاب ويتفكر قليلاً في مضامينه السامية ومعانيه الراقية يمتلكه العجب والحيرة من تلكم التفاسير الجوفاء والبعيدة عن روح الآية الشريفة وأجواءها.

وهنا ننقل ما أورده الفخر الرازي في تفسيره من الحديث النبوي حيث يقول :

«نَقَلَ صاحِبُ الكَشّافِ (١) عَنِ النَّبِيِّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله قوله (ثمّ يورد اثني عشر فقرة جذّابة وعميقة المضامين في هذا الحديث الشريف).

١ ـ مَنْ ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ ماتَ شَهيداً.

فهل أن مثل هذه المحبّة هي محبّة عادية وطبيعية وفارغة من الولاية والإمامة؟

إذا كانت كذلك فهل يعقل أن يكون هذا المحبّ في صفوف الشهداء؟

أو أن المراد من هذه المحبّة هي الحالة التي تدفع الإنسان في مدارج الكمال والمعنويات إلى أن يصل إلى مرتبة الشهداء ، وهي المحبّة المشروطة بالولاية والإمامة؟

٢ ـ وَمَنْ ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ ماتَ مَغْفُوراً لَهُ.

ما هي هذه المحبّة التي تعمل على تطهير الإنسان من الذنوب والآثام بحيث أنه عند ما يحين أجله فإنه سيموت طاهراً من كلِّ ذنب وستغفر له جميع الذنوب والمعاصي؟ هل أن مثل هذه المحبّة والمودّة هي محبّة اعتيادية؟

٣ ـ ومَنْ ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمّدٍ ماتَ تائِباً.

أي أن هذه المحبّة تقع بديلاً للتوبة ، فلو أن الإنسان لم يوفق للتوبة من الذنوب في هذه الدنيا وكان محبّاً لأهل البيت فإنه يموت كما يموت التائب من الذنوب ، فما هي حقيقة هذه المحبّة؟

٤ ـ وَمَنْ ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ ماتَ مُؤْمِناً مُسْتَكْمِلَ الْإيمانِ

فهل يعقل أن يرتبط الإنسان بأهل البيت عليهم‌السلام برابطة اعتيادية وطبيعية ثمّ يفضي ذلك إلى كمال الإيمان؟

من المسلّم وجود مضمون عميق في هذه الكلمات بحيث يؤدي بالإنسان إلى الترقّي

__________________

(١) جاءت هذه الرواية في تفسير الكشّاف : ج ٤ ، ص ٢٢٠ و ٢٢١.

١٤١

والسير في خطّ الإيمان والتقوى ليصل بالتالي إلى أعلى مرتبة منه.

٥ ـ وَمَنْ ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمّدٍ بَشَّرَهُ مَلَكُ الْمَوْتِ بِالْجَنَّةِ ثُمَّ مُنْكِرٌ وَنَكيرٌ

ونتساءل : ما هذه المحبّة والمودّة التي تسبب في أن ينال الإنسان البشارة بالجنّة عند موته؟

٦ ـ وَمَنْ ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمّدٍ يُزفُّ إلَى الْجَنَّةِ كَما تُزفُّ الْعَرُوسُ إلى بَيْتِ زَوْجِها

أي سوف يقاد إلى الجنّة باحترام فائق وتقدير كبير ، أجل فإنّ إكسير محبّة آل محمّد عليهم‌السلام له مثل هذه الآثار والمعطيات العجيبة.

٧ ـ وَمَنْ ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ فُتِحَ لَهُ فِي قَبْرِهِ بابانِ إلَى الْجَنَّةِ

سؤال : لما ذا يفتح له بابان إلى الجنّة؟

الجواب : لعلّ إحداهما ببركة النبوّة والاخرى ببركة الولاية والإمامة.

٨ ـ وَمَنْ ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمّدٍ جَعَلَ اللهُ قَبْرَهُ مَزارَ مَلائِكَةِ الرَّحْمَةِ

هل يعقل أن تكون المحبّة العادية سبباً في تحويل قبر المؤمن إلى مزار للملائكة؟

٩ ـ وَمَنْ ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمّدٍ مات عَلَى السُّنَّةِ وَالْجَماعَةِ

في هذه العبارات المذكورة أعلاه ، نرى بوضوح آثار المحبّة والمودّة لأهل البيت ، ثمّ إن الحديث الشريف يذكر ثلاث عبارات اخرى تتحدّث عن العاقبة السيئة لبغض وعداوة أهل البيت عليهم‌السلام.

١٠ ـ وَمَنْ ماتَ عَلى بُغْضِ آلِ مُحَمَّدٍ جاءَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ

إنّ من يعيش البغض لآل محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله من شأنه أن يهوي إلى أسفل درجات الشقاء بحيث يكون آيس من رحمة الله.

١١ ـ وَمَنْ ماتَ عَلى بُغْضِ آلِ مُحَمَّدٍ ماتَ كافِراً

هذا الأثر السيئ لبغض آل محمّد هو أسوأ مما قبله.

١٢ ـ وَمَنْ ماتَ عَلى بُغْضِ آلِ مُحَمَّدٍ لَمْ يَشُمَّ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ

١٤٢

والجدير بالذكر أن رائحة الجنّة كما ورد في بعض الروايات تصل إلى مسافة ألف عام (١).

وطبقاً لهذه الرواية الشريفة فإنّ معنى العبارة أعلاه أن الشخص الذي يعيش حالة البغض لآل محمّد ليس فقط أنه يكون محروماً من دخول الجنّة ، بل سوف يبتعد عنها بمسافة ٥٠٠ عام بحيث لا يتمكن من شم رائحتها ، والخلاصة أن مثل هذا الشخص بعيد عن الجنّة جداً.

كيف يستطيع الإنسان أن يصدّق بأن عالماً كبيراً مثل الفخر الرازي يروي هذه الرواية الجميلة والعميقة المضمون والمحتوى وبكلّ هذه المعطيات المهمة والآثار الجليلة ثمّ يفسّر المحبّة والمودّة ومن دون التدبّر في هذه المضامين بالمحبّة الظاهرية والعاطفة الطبيعية؟ والأعجب من ذلك أنه بعد أن نقل الرواية المذكورة آنفاً شرع بتوضيح المراد من آل محمّد عليهم‌السلام الذين هم محور هذه الرواية فقال :

«هذا هو الذي رواه صاحب الكشاف وأنا أقول : آل محمّد صلى‌الله‌عليه‌وسلم هم الذين يؤول أمرهم إليه ، فكلّ من كان أمرهم إليه أشدّ وأكمل كانوا هم الآل ، ولا شك أن فاطمة وعلياً والحسن والحسين كان التعلق بينهم وبين رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أشدّ التعلقات وهذا كالمعلوم بالنقل المتواتر» (٢).

من الملفت للنظر هو أن هذه العبارات ذكرها عالم سنّي متعصب ، والمفهوم من هذه الكلمات هو أقرب ما يكون إلى ما يقوله الشيعة بحيث إنني عند ما كنت أقرأ هذه الكلمات شككت في لحظة أن هذا الكتاب الذي أقرأه هل هو من تفاسير السنّة أو الشيعة؟ فلعلني أقرأ تفسيراً لأحد علماء الشيعة ، ولكن عند ما نظرت إلى الغلاف انتبهت إلى أنني أقرأ تفسير الفخر الرازي.

سؤال : نظراً لما ورد في متن آية المودّة وكذلك ما ورد في الآيات الاخرى المرتبطة بها

__________________

(١) ميزان الحكمة : الباب ٥٥٣ ، ح ٢٥٨٥. يقول الرسول الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله في هذا لرواية : «أخبرني جبرئيل أن ريح الجنّة توجد من مسيرة ألف عام ، ما يجدها عاق ، ولا قاطع رحم ، ولا شيخ زانٍ ...».

(٢) تفسير الفخر الرازي : ج ٢٧ ، ص ١٦٥ و ١٦٦. وأصل الرواية في تفسير القرطبي : ج ٨ ، ص ٥٨٤٣ وكذلك نقلت في تفسير الثعلبي ، ذيل الآية محل البحث.

١٤٣

وبالتأمل والدقّة في الرواية الشريفة المذكورة آنفاً ، هل يعقل أن تكون المحبّة والمودّة التي هي محور البحث في الآية الكريمة والرواية الشريفة يراد منها المحبّة العادية بدون الولاية والإمامة؟

ألا يمكن أن نقطع ونتيقن بأن المراد من المودّة هنا هو الولاية والإمامة التي هي استمرار للرسالة وعدل النبوّة؟

لو لم يكن كذلك فما هو التفسير المناسب الذي يمكن بواسطته تفسير الآيات والروايات المذكورة في محل البحث؟

علينا أن نشكر الله تعالى على ما وفقنا لمحبّة وولاية أهل البيت عليهم‌السلام وكذلك نشكر والدينا اللذين غرسا في قلوبنا ولاية آل محمّد عليهم‌السلام.

تفسير المودّة في كلمات الإمام الصادق عليه‌السلام

ورد عن الإمام الصادق عليه‌السلام قوله :

«ما أَحَبَّ اللهَ مَنْ عَصَاهُ» (١).

وعلى هذا الأساس فإنّ الإنسان الذي يتحرّك في سلوكه الفردي والاجتماعي من موقع المخالفة للإمام علي عليه‌السلام فإنه لا يحبّه قطعاً ، ولهذا فإنّ المحبّة الحقيقية هي التي تقود الإنسان في خط الطاعة والعبودية لله تعالى ، ولهذا السبب نقول أن المحبّة والمودّة بدون الإتباع العملي والطاعة والعبودية هي أساساً ليست بمحبّة حقيقية ومودّة واقعية.

وهنا نلفت النظر إلى هذه القصة :

كان «حاجب» أحد الشعراء الماهرين ويتمتع بقريحة جيدة وصفاء قلب ، وأحياناً كان يقوم بنظم بعض الأبيات الشعرية على مذاق العوام ، وفي أحد الأيّام أنشد قصيدة في وصف التعلّق بأمير المؤمنين علي عليه‌السلام وقال :

__________________

(١) روضة المتّقين : ج ١٣ ، ص ١٥٦.

١٤٤

ياحاجب إذا كانتالمعاملة في الحشرمع علي

فأذنب ما شئت فإني ضامن

أي أن حبّ عليّ عليه‌السلام كافل للنجاة يوم القيامة حتّى لو غرق الإنسان في بحر الذنوب ، وبهذا تكون المحبّة للإمام عليّ عليه‌السلام كما وردت في الشعر أعلاه بمثابة ضوء أخضر للمذنبين ليرتكبوا ما يشاءون من الذنوب والمعاصي.

وفي نفس الليلة رأى هذا الشاعر الإمام علي عليه‌السلام في عالم الرؤيا فقال له الإمام عليه‌السلام :

ـ يا حاجب ما هذا الشعر الذي قلته؟

فقال حاجب : وكيف أقول؟

فأصلح له الإمام هذا البيت من الشعر وقال :

ياحاجب إذا كانتالمعاملة في المحشر مع عليّ

فأخجل من علي وقلل من الذنب

وعليه فإنّ المحبّة والمودّة هنا بمعنى التحرّك في خطّ الطاعة والرسالة والتقوى والابتعاد عن الذنوب.

تفسير آية المودّة من خلال الروايات

لقد وردت في شرح وتفسير هذه الآية الشريفة روايات مختلفة من طرق الشيعة والسنّة ، وفيما يلي نماذج من هذه الروايات :

١ ـ نقل «أحمد» من كبار علماء أهل السنّة في كتابه «فضائل الصحابة» عن سعيد ابن جبير عن عامر هذه الرواية :

لَمَّا نَزَلَتْ (قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى) قالُوا : يا رَسُولَ اللهِ؟ مَنْ قَرابَتُكَ؟ مَنْ هَؤُلاءُ الَّذِينَ وَجَبَتْ عَلَيْنا مَوَدَّتُهُمْ؟ قالَ : عَلِيٌّ وَفاطِمَةُ وَابْناهُما ، وقالَهَا ثَلاثاً. (١)

__________________

(١) احقاق الحقّ : ج ٣ ، ص ٢. وذكرت هذه الرواية أيضاً في الدرّ المنثور : ج ٦ ، ص ٧.

١٤٥

ونستوحي من هذه الرواية الشريفة عدّة امور :

الأوّل : إنّ الرواية أعلاه تصرّح بأن المراد من القربى في هذه الآية هم أهل بيت النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله لا النبي نفسه ولا أقرباء المسلمين ولا مطلق الأعمال الصالحة والخيّرة.

مضافاً إلى أن كلمة القربى هنا لا تستوعب جميع أقرباء النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، بل تتحدّد بأشخاص معدودين ذكرت أسماءهم في هذه الرواية.

الثاني : ونستوحي أيضاً أن هذا السؤال والاستفهام عن القربى كان يدور في أذهان الصحابة أيضاً ولذلك لم يتوجّهوا صوب الاحتمالات الواهية التي ذكرها بعض علماء أهل السنّة بل فهموا بصورة مباشرة من المودّة هنا هي مودّة أهل بيت النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكذلك أدركوا أن الآية لا تقصد بالقربى جميع أقرباء النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ولذلك طلبوا من النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله أن يحدّد لهم هؤلاء الذين وجبت مودّتهم.

الثالث : أن أصحاب النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله فهموا من هذه الآية وجوب المودّة والمحبّة للقربى كما ذهب إليه جميع علماء الشيعة وكذلك أهل السنّة أيضاً ، ومع غض النظر عن التفاسير الواردة في كلمة «القربى» فإنّهم يرون وجوب مودّة أهل البيت عليهم‌السلام ومحبتهم ، ولكن نكرر السؤال هنا وهو : لما ذا وجبت محبّة أهل بيت النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله؟

هل أن هذه المسألة حال بعض الأحكام الشرعية التي لا ندرك مغزها وفلسفتها ، أي من قبيل الامور التعبدية؟ أو ليست كذلك بل الغرض منها واضح وهو أن هذه المحبّة تقع مقدمة لسلوك الإنسان في خط الإطاعة لهؤلاء العظماء واتباعهم؟

إذا أردنا أن يكون لدينا تفسير صحيح لآية المودّة وسائر الآيات المرتبطة بها بالاستعانة بالرواية المطوّلة التي ذكرها الفخر الرازي والرواية المذكورة آنفاً والروايات التي ستأتي لاحقاً ، لوجد القوم بأن الحكمة في هذه المحبّة والمودّة هي ما يقود الإنسان نحو الولاية والحكومة والخلافة ، الولاية التي تقع رديفاً للرسالة وعدلاً للنبوّة ، فكما أن الرسالة هي عماد الإسلام فكذلك الولاية هي أساس قوامها واستمرارها.

ولا سيّما إذا التفتنا إلى هذه الحقيقة ، وهي أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بالرغم من وجود أقرباء وأرحام مثل العبّاس وأولاده وكذلك أولاد أبي طالب وسائر أبناء عبد المطلب وأحفاده

١٤٦

فإنه أشار بالتحديد إلى عليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهم‌السلام ، فهذا يمكنه أن يكون قرينة قويّة على أن المراد بالمودّة هنا هي الولاية والإمامة ، حيث إنّ المحبّة العادية تشمل جميع أقوام النبي ويجب على الإنسان مودّتهم أجمع.

٢ ـ أورد المرحوم الطبرسي في «مجمع البيان» عن الحاكم الحسكاني في «شواهد التنزيل» نقلاً عن أبي امامة الباهلي الرواية التالية عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ونقرأها أيضاً في مضمونه في دعاء الندبة حيث يقول :

«إنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَ الانْبياءَ مِنْ أَشْجارٍ شَتّى وَخَلَقَ أَنَا وَعَلِيّاً مِنْ شَجَرَةٍ واحِدَةٍ فَأَنَا أَصْلُها وَعَلِيٌّ فَرْعُها وَفاطِمَةُ لِقاحُها وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ ثِمارُها وَأَشْياعُنا أَوْراقُها ، فَمَنْ تَعَلَّقَ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصانِها نَجا وَمَنْ زاغَ عَنها هَوى وَلَوْ أَنَّ عبداً عَبَدَ اللهَ بَيْنَ الصَّفا وَالْمَرْوَةِ الْفَ عامٍ ثُمَّ الْفَ عامٍ ثُمَّ الْفَ عامٍ حَتَّى يَصيرَ كَالشَّنِّ الْبالي (١) ثُمَّ لَمْ يُدْرِكَ مَحَبَّتَنا كَبَّهُ اللهُ عَلى مِنْخَرَيْهِ فِي النّارِ ثُمَّ تَلا : «قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى». (٢)

في هذه الرواية الشريفة نلاحظ عدّة نقاط :

الأوّل : إنّ هذه الرواية أيضاً تصرّح بأن «المودّة بالقربى» هي مودّة أهل البيت الطاهرين عليهم‌السلام ، وتدلُّ بصورة جليّة وبتعبيرات مثيرة جدّاً على أن هذه المحبّة والمودّة ليست اعتيادية بل هي المحبّة التي تفضي إلى الولاية والخلافة.

الثاني : إنّ الرواية المذكورة آنفاً ترسم في الحقيقة معالم «الشجرة الطيبة» (٣) الواردة في القرآن الكريم ، وأحد تفاسير الشجرة الطيبة يماثل في مضمونه ما ورد في هذه الرواية.

الثالث : إنّ أوراق الأشجار تقوم بحفظ وحراسة الثمار ، فلو لم تكن للشجرة أوراق فإنّ الثمار ستتعرض للذبول في مقابل أشعة الشمس وسائر الآفات المحتملة.

__________________

(١) «شنّ» تعني القربة البالية ، والعرب يطلقون على جميع الآنية والظروف المصنوعة من الجلد (شن) ، ولكن تطلق هذه الكلمة على (القِربة العتيقة) خاصة ، والبالي يعني العتيق ، وعليه فالمراد من هذه العبارة أن الشخص قد يصير بسبب كثرة العبادة وطول العمر والعجز الشديد كالقِربة البالية الفارغة من الماء.

(٢) مجمع البيان : ج ٩ ، ص ٢٨.

(٣) سورة إبراهيم : الآية ٢٤.

١٤٧

إنّ وظيفة الشيعة وفقاً لهذه الرواية الذين يمثّلون أوراق هذه الشجرة الطيبة هي حفظ وحراسة الثمار الطيبة لهذه الشجرة ، أي الإمامة والولاية والزعامة.

الرابع : ويستفاد من هذه الرواية أيضاً أن العبادة بين الصفا والمروة لها شأن خاص لا يوجد في سائر أماكن المسجد الحرام ، ولكن حتّى هذه العبادة في هذا المكان المقدّس لا تساوي شيئاً بدون الولاية.

الخامس : نكرر أيضاً أنه لو كان المراد من المحبّة في هذه الرواية وسائر الروايات المشابهة هي المحبّة العادية فإنّ هالة من الإبهام والغموض ستحيط بجميع هذه الأحاديث والروايات ، ولكن إذا فسّرنا المودّة هنا بالولاية والإمامة فسيرتفع ذلك الغموض ويتّضح المعنى بصورة جليّة.

٣ ـ يروي السيوطي في «الدرّ المنثور» رواية معروفة عن الإمام زين العابدين حيث يقول : «عند ما أنزلوا اسارى كربلاء في مكان من المسجد الجامع جاء شيخ ودنا من نساء الحسين وعياله فقال : الحمد لله الذي قتلكم وأهلككم وأراح البلاد من رجالكم وأمكن أمير المؤمنين (يزيد) منكم. فقال له علي بن الحسين عليهما‌السلام :

ـ يا شيخ هل قرأت القرآن؟

قال : نعم.

قال : فهل عرفت هذه الآية (قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى)

قال : نعم.

قال علي : فنحن أهل القربى يا شيخ.

قال : فبكى الشيخ ساكتاً نادماً على ما تكلم به وقال : بالله إنكم هم؟ فقال عليّ ابن الحسين : تالله إنا لنحن من غير شك وحقّ جدّنا رسول الله ...» (١).

إنّ مجموع هذه القرائن والشواهد تدلُّ على أن المودّة المذكورة في الآية الشريفة والروايات المتعلّقة بها لا يمكن أن تكون مودّة عادية ومحبّة بمعنى التعلّق العاطفي فقط.

__________________

(١) الدرّ المنثور : ج ٦ ، ص ٧ ؛ اللهوف : ص ١٧٦.

١٤٨

ملاحظات مهمة

١ ـ وفقاً لبعض آيات القرآن الكريم فإنّ المحبّة يجب أن تقود الإنسان للطاعة والعبودية ، حيث يقول تبارك وتعالى في الآية ٣١ من سورة آل عمران :

(قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)

وعلى هذا الأساس فإنّ الإنسان إذا أحبّ شخصاً وجب عليه إطاعته ، ونحن عند ما ندّعي محبّة أهل البيت عليهم‌السلام يجب علينا اتباعهم واطاعتهم وإلّا فإنّ ادّعاءنا المحبّة والمودّة لا يكون صادقاً ، وسنتطرق لاحقاً إلى شرح أكثر حول معطيات هذه الآية الشريفة.

٢ ـ تقدّم أن آية المودّة تدلُّ مع قطع النظر عن جميع الروايات والآيات الاخرى على ولاية وإمامة أمير المؤمنين والأئمّة المعصومين عليهم‌السلام ومع الأخذ بنظر الاعتبار الروايات الواردة في شأن نزولها فإنّ دلالتها ستكون أوضح بكثير ، وإذا وضعنا هذه الآية إلى جانب الآيات الاخرى المتعلّقة بالولاية مثل آية إكمال الدين ، آية التبليغ ، آية الصادقين وآيات مماثلة اخرى فإنّ دلالتها ستكون واضحة جدّاً.

٣ ـ أما الآلوسي المفسّر المعروف من أهل السنّة فقد ذكر إشكالين في تفسيره «روح المعاني» وقد اتّضح جوابهما من خلال الأبحاث السابقة ، ولذلك سنكتفي هنا بذكر هذين الإشكالين فحسب :

الف : كيف طلب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله من المسلمين محبّة ومودّة ذوي القربى بعنوانها أجر الرسالة في حين لم يطلب سائر الأنبياء مثل هذا الأجر من أقوامهم؟

والجواب على هذا السؤال كما تقدّم هو أن هذا الأجر يعود بالفائدة على جميع أفراد المجتمع الإسلامي لا على الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله نفسه.

ب : لو سلّمنا بأن المراد من القربى هنا هم أهل بيت النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله والمفروض محبّتهم ومودّتهم ، ولكن ما العلاقة بين هذه المودّة من جهة وبين الإمامة والخلافة من جهة اخرى كما يدّعي الشيعة؟

والجواب على هذا السؤال أيضاً واضح ، حيث إنّ أجر الشيء لا بدّ وأن يماثله في القيمة

١٤٩

ويتطابق معه في الاعتبار ، والمحبّة التي تفضي إلى الولاية والإمامة هي التي تنسجم وتتناسب مع الرسالة ، وأما المحبّة العادية والفارغة من الولاية فلا شكّ أنها بعيدة عن مضمون الرسالة ، وبما أننا نعتقد بأن الله تعالى حكيم ويجازي الأعمال بمثلها وبما يناسبها من الجزاء ، وكذلك النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله حكيم أيضاً ولا يطلب إلّا الأجر المناسب أيضاً ، يكون المراد بلا شكّ من المحبّة مورد البحث هو الإمامة والولاية.

معطيات آية المودّة

ما ذا تعني المودّة المذكورة في الآية الشريفة بعنوان أجر الرسالة؟

وما ذا يفهم من حبُّ علي عليه‌السلام وذريته الطاهرين عليهم‌السلام؟

وفي مقام الجواب ينبغي القول أن المحبّة والمودّة على نحوين :

١ ـ المحبّة الكاذبة والزائفة.

٢ ـ المحبّة الحقيقية والواقعية.

ومن أجل توضيح المطلب بصورة جليّة ينبغي التوغل إلى أعماق النفس ونرى الدافع لمثل هذه المحبّة والمودّة.

فلما ذا نحبّ الإمام علي؟ هل لأجل أمواله ، أو لأجل كمالاته الإنسانية والمعنوية ، أو لأجل علمه ، أو لشجاعته ، أو لكرمه وتقواه ، أو لإيثاره وتضحيته ، أو لجهاده وحمايته النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله ، أو لأجل امور اخرى؟

إذا كنّا نحبّ الإمام علي لأجل القيم الأخلاقية والمثل الإنسانية التي كان يعتقد بها ، فهل نشعر في أنفسنا باشعاعة من تلك القيم الرفيعة؟ فإن لم نشعر بذلك فمثل هذه المحبّة والمودّة كاذبة وزائفة ، وإن كانت فينا بارقة من هذه القيم والمُثل الإنسانية فإنّ المودّة هنا تكون حقيقية وواقعية.

ينبغي أن نمتحن أنفسنا بهذا المعيار والملاك ونتحرك نحو تشخيص نوع المحبّة والمودّة فينا نحو الإمام علي بهذا المقياس لكي لا نعيش التوهم الزائف وندّعي كذباً حبُّ علي بن أبي طالب ، ولو كنّا نعيش مثل هذه المحبّة الزائفة فعلينا تغييرها والسعي نحو التحلّي بالمحبّة من

١٥٠

النوع الثاني ونتحرك في سبيل تقويتها وترشيدها.

إنّ أحد القيم التي كان أمير المؤمنين عليه‌السلام ملتزماً بها بشدّة هي تقديم الضابطة على الرابطة ، والمثال على ذلك هو قصّة الحديدة المحماة التي سمعتموها مراراً ، ولكن لا بأس باستعراضها مرّة اخرى :

عند ما وصلت الخلافة إلى الإمام علي عليه‌السلام بعد سنوات من السكوت والمظلومية والجلوس في البيت جاء إليه أخوه عقيل ، وكان فقيراً ومعيلاً ، من المدينة إلى الكوفة لعلّه يحصل على نصيب أوفر من بيت المال ، وكان الإمام حينذاك يتناول عشاءه على سطح البيت لشدّة حرارة الجوّ في مدينة الكوفة ولكنّ عشاءه لم يكن شبيهاً بعشاء السلاطين والامراء ولذلك لم يشاركه عقيل في تناول العشاء وقال لأخيه :

أعطني ما أقضي ديني وعجّل سراحي حتّى أرحل عنك ، قال : فكم دينك يا أبا يزيد؟ قال : مائة ألف درهم ، قال : لا والله ما هي عندي ولا أملكها ولكن اصبر حتّى يخرج عطائي فأواسيكه ولو لا أنّه لا بدّ للعيال من شيء لأعطيتك كلّه ، فقال عقيل : بيت المال في يدك وأنت تسوّفني إلى عطائك؟ وكم عطاؤك؟ وما عساه يكون ولو أعطيتنيه كلّه؟ فقال : ما أنا وأنت فيه إلّا بمنزلة رجل من المسلمين. وكانا يتكلمان فوق قصر الأمارة مشرفين على صناديق أهل السوق فقال له علي : إن أبيت يا أبا يزيد ما أقول فأنزل إلى بعض هذه الصناديق فاكسر أقفاله وخذ ما فيه ، فقال : وما في هذه الصناديق؟ قال : فيها أموال التجار ، قال أتأمرني أن أكسر صناديق قوم قد توكّلوا على الله وجعلوا فيها أموالهم؟ فقال أمير المؤمنين عليه‌السلام : أتأمرني أن أفتح بيت مال المسلمين فأعطيك أموالهم وقد توكّلوا على الله وأقفلوا عليها؟ وإن شئت أخذت سيفك وأخذت سيفي وخرجنا جميعاً إلى الحيرة فإنّ بها تجاراً مياسير فدخلنا على بعضهم فأخذنا ماله ، فقال : أوسارقاً جئت؟ قال : تسرق من واحدٍ خير من أن تسرق من المسلمين جميعاً (١).

ثمّ إنّ الإمام علي عليه‌السلام أحمى حديدة وقرّبها من يد أخيه عقيل فلمّا رأى عقيل أن أخاه

__________________

(١) بحار الأنوار : ج ٤١ ، ص ١١٣.

١٥١

غير مستعد لخروج عن خطّ العدالة ولو للحظة واحدة نهض قائماً وغادر المكان.

أين نجد في تاريخ البشرية أن سلطاناً مقتدراً وبيده اختيار الخزانة يتصرف مثل هذا التصرف مع أخيه من أجل حفظ العدالة؟

إلهنا ، وفّق المسئولين في حكوماتنا الإسلامية ليكونوا مثل أمير الأحرار ويتحركوا في أداء مسئولياتهم من موقع تقديم «الضوابط» على «الروابط».

مراتب المحبّة

إنّ للمحبّة كما في سائر الامور مراتب متعدّدة ومراحل مختلفة ، ومحبّة الناس لأمير المؤمنين عليه‌السلام ليست بمرتبة واحدة ، فبعضهم يعيش المحبّة الكاذبة فهي مجرد لقلقة لسان ولا تمتد بجذورها إلى القلب ، والبعض الآخر تمتد محبّتهم إلى قلوبهم ولكنّها ليست عميقة الجذور بل سطحية ، والطائفة الثالثة تمتد محبّتهم إلى أعماق قلوبهم بحيث تستوعب جميع وجودهم ونفوسهم وترسم معالم شخصيتهم بلون المحبوب ، فسلوك مثل هؤلاء الأشخاص هو سلوك علوي ، وكلامهم كلام علوي ، وأخلاقهم أخلاق علوية ، والخلاصة أن كلَّ وجودهم وأفعالهم وسلوكياتهم تفوح برائحة الإمام علي ، وهذه أعلى مراتب المحبّة ، المرحلة التي يجد الإنسان نفسه غير مستعد لأن يبادل هذه المحبّة بأيِّ شيء آخر بل يجد نفسه مستعداً للتضحية بنفسه من أجل هذه المحبّة والمودّة.

وكمثال على هذه المحبّة الخالصة نذكر هذا النموذج :

ميثم التمّار ، العاشق الخالص

في أحد الأيّام قال الإمام علي عليه‌السلام لأحد عشاقه الذي كان يعيش الولاء المطلق له :

ـ سوف تُصلب في المستقبل القريب بسبب دفاعك عني وحبّك لي فكيف يكون حالك حينئذٍ؟

ولكنّ هذا العاشق لم يتردد لحظة ولم يشعر بشيءٍ من الخوف ولم يتهرب من المسئولية والولاية بل أظهر السرور البالغ وقال : سيّدي أين المكان الذي سوف اصلبُ فيه؟

١٥٢

فأشار الإمام علي عليه‌السلام إلى نخلة من نخيل الكوفة وقال : سوف تُصلب على جذع هذه النخلة.

هذا العاشق الخالص لم يبتعد عن الإمام ولم يهرب من تلك المدينة ويترك أهله ودياره بل أزداد حبّاً وعشقاً للإمام علي.

كان في كلّ يوم يتوجّه إلى تلك النخلة ويهتم بعنايتها وسقيها ويصلّي ركعتين عندها ويتحدّث معها حديث العاشق لمعشوقه :

ـ أيتها النخلة لقد خُلقت لي وخلقت لك وسوف يصلب بدني على جذعك بسبب حبّي للإمام علي عليه‌السلام ... (١) أين نحصل على مثل هذا الإنسان العاشق في تاريخ البشرية؟

وحان اليوم الموعود وتمّ صلب هذا العاشق على ذلك الجذع ولكنّ عشقه لمحبوبه لم يخفّ لحظة بل أزداد توهجاً واشتعالاً وشرع بذكر فضائل ومناقب الإمام علي عليه‌السلام حتّى أن الأعداء لم يتحملوا منه ذلك وأمروا بقطع لسانه وهكذا ضحّى بنفسه في سبيل مراده.

سؤال : أليست التقية واجبة في نظر الإسلام؟ إذن فلما ذا لم يستخدم هؤلاء الأشخاص عنصر التقية للمحافظة على أنفسهم واجتناب إلقاء أنفسهم في التهلكة؟

الجواب : إنّ التقية كما هي واجبة في بعض الموارد فكذلك تكون حراماً في موارد اخرى ، فعند ما يتعرض أساس الدين والمذهب للخطر وتسود الظلمة والانحراف جميع أرجاء المجتمع الإسلامي ويتعرض الأحرار للسجن والقتل فحين ذاك يجب على من يتمكن من إيصال صوته إلى الناس أن يفضح قوى الانحراف هذه ويتصدى بكلّ وسيلة لجهاز الحكم ، وفي هذه الصورة فإنّ التقية ليست فقط غير واجبة بل إذا تستر الإنسان المسلم بالتقية فإنه يكون قد ارتكب معصية كبيرة.

__________________

(١) تختلف طريقة الاعدام في السابق عن هذا الزمان ، ففي هذا الزمان يتم اعدام الشخص بأن يوضع حبل حول عنقه ويعلق على خشبة الاعدام أو يُسحب الكرسي من تحت قدميه فيموت في أقرب مدّة ، ولكن الاعدام في السابق كان على شكل صلب بأن يشدّ الحبل على يديه وعلى قدميه ويربط على خشبة أو جذع ويبقى هكذا تحت الشمس لعدّة أيّام إلى أن يموت من الحر أو البرد ومن الجوع والعطش وحتّى أنه تبقى جثته مدّة بعد موته ليكون عبرة للآخرين إلى أن يتحول إلى عظام فحسب.

١٥٣
١٥٤

آية المباهلة ٨

(فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكاذِبِينَ (٦١))

«سورة آل عمران / الآية ٦١»

أبعاد البحث

إنّ آية المباهلة هي إحدى الآيات الاخرى المتعلّقة بولاية أمير المؤمنين عليه‌السلام والحسن والحسين عليهما‌السلام ، في هذه الآية الشريفة التي تتحدّث عن موضوع المباهلة بين المسلمين ونصارى نجران تثبت من جهة حقّانيّة الإسلام ورسوله الكريم صلى‌الله‌عليه‌وآله ومن جهة اخرى تبين سمو مقام أهل بيت النبي عليهم‌السلام وعلو درجتهم ، ومن جهة ثالثة بالإمكان إثبات ولاية وخلافة أمير المؤمنين عليه‌السلام بواسطتها.

مقدّمة

قبل الشروع بتفسير آية المباهلة الشريفة نرى من اللازم التنبيه على نقطتين :

١ ـ المباهلة آخر الدواء

إنّ الآيات ٣٥ إلى ٦٠ من سورة آل عمران تتحدّث عن النبي عيسى عليه‌السلام وتذكر في

١٥٥

طياتها قصة ولادة هذا النبي الكريم ومقاماته المعنوية وشخصية امّه وفضائلها الكريمة وحديثه مع الملائكة والمائدة السماوية ومسائل اخرى ، وبعد كلّ هذه الأبحاث المطوّلة عن النبي عيسى عليه‌السلام يوصي الله تبارك وتعالى نبي الإسلام ويقول بأن النصارى بعد بيان كلّ هذه الامور بشكل منطقي ومستدل لو لم يقبلوا الإسلام واختاروا طريقاً آخر وأصرّوا على عنادهم فعليك بمباهلتهم ليتّضح الحقّ.

٢ ـ ما ذا تعني المباهلة؟

«المباهلة» من مادة «بَهْل» ويعني في لغة العرب ترك الشيء ، والعرب عند ما تلد الناقة يشدون على ثدييها لئلّا يشرب طفلها جميع اللبن في ضرعها ولكن أحياناً يفتحون الضرع ليشرب طفل الناقة ما يشاء من اللبن ، فيقال حينئذٍ لهذه الناقة التي انفتح ضرعها «ابل باهل».

وأما في الاصطلاح فلها معنى آخر فهو : عند ما يتقدم شخصان للحوار فيما بينهما بأدلة عقلية ومنطقية ولا يستطيع أحدهما إقناع الآخر برأيه وعقيدته فهنا يحقّ لكلِّ واحد منهما أن يباهل الآخر ويقول : «إذا كنت أنا على الحقّ وأنت على الباطل فعليك غضب الله» ، ويكرر الآخر هذه العبارة ، فيقال لهذا العمل مع توفر شرائطه «مباهلة».

ومن الواضح أن هذا المعنى الاصطلاحي يرتبط بالمعنى اللغوي لأن الشخص الذي يدّعي أنه على حقّ يقول : إنني أترك الطرف الآخر لقضاء الله واحيله إلى قدرة الله.

الشرح والتفسير :

الدعوة إلى المباهلة

(فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ) أي : أيّها النبي بعد البحث والمناقشة مع هؤلاء النصارى عن عيسى ابن مريم عليهما‌السلام وبعد تقديم الأدلّة المتقنة والبراهين الساطعة حول تفاصيل حياة عيسى ابن مريم فإنهم إذا أصرّوا مع ذلك على عنادهم ولجاجتهم ولم يبصروا الحقّ والحقيقة فهناك طريق آخر لاستمرار الدعوة الإلهية وهو اختيار المباهلة معهم.

١٥٦

(فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ)

في هذا المقطع من الآية الشريفة يعيّن القرآن الأشخاص الذين سيشتركون في مراسم المباهلة ، وعليه يوجّه الخطاب إلى النبي الأكرم ويقول : أيّها النبي قل لهؤلاء تعالوا لنتباهل وليأتي كلُّ طرف منا بأربع فئات من جماعته وأهل ملّته ليشتركوا في هذه المراسم :

١ ـ رئيس المسلمين ، أي النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله من جهة ورئيس نصارى نجران من جهة اخرى.

٢ ـ أبناءنا وأبناءكم.

٣ ـ نساءنا ونساءكم.

٤ ـ أنفسنا وأنفسكم.

وسيأتي في الأبحاث اللاحقة الكلام عن المراد من «أبنائنا» و «نسائنا» و «أنفسنا» بشكل مفصل.

(ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكاذِبِينَ) فبعد أن ذكرت الآية الشريفة الطوائف الأربع المفروض اشتراكهم في مراسم المباهلة ، ذكرت كيفية إجراء هذه المراسم بأن تتم بهذه الصورة : إن كلُّ شخص كاذب ويدّعي أنه على الحقّ كذباً وزوراً فإن عليه لعنة الله وعذابه ، ليتّضح الحقّ للناس وتتجلّى معالم الحقيقة للجميع.

هل تحققت المباهلة؟

وهنا يثار سؤال : هل تحققت مراسم المباهلة وفقاً للشروط التي ذكرها القرآن الكريم؟

وفي صورة تحقّقها فما ذا كانت النتيجة؟

الجواب : إنّ القرآن الكريم لم يذكر شيئاً عن وقوع المباهلة في الواقع الخارجي ولا يمكننا استيحاء وقوعها من سياق الآيات الكريمة ، ولكنّ هذه الواقعة معروفة ومشهورة في تاريخ الإسلام.

فطبقاً لما ذكرته كتب المؤرخين أن النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله طرح موضوع المباهلة وكيفيتها مع نصارى نجران وعيّن اليوم الخاصّ لإجراء المباهلة ، ولكنّ الاسقف الأعظم للنصارى الذي يعدّ أعلى مقام ديني لدى النصارى قال لهم :

١٥٧

«انظروا محمّداً في غدٍ ، فإن غدا بولده وأهله فاحذروا مباهلته. وإن غدا بأصحابه فباهلوه فإنه على غير شيء».

وعلى أيّة حال فقد حل اليوم الموعود وشاهد النصارى النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله قادماً ومعه طفلين هما الحسن والحسين عليهما‌السلام وكذلك علي وفاطمة عليهم‌السلام ، فقال الأسقف الأعظم عند ما رأى هذا المنظر :

«إني أرى وجوهاً لو دعوا الله لاستجاب لهم وفي ذلك هلاككم» (١).

وهكذا امتنع من المباهلة ووافق النبي الأكرم على انسحابهم وتراجعهم.

لقد ذكرت كتب التواريخ قصة المباهلة بشكل مختصر كما مرّ آنفاً ، يقول أبو بكر الجصّاص من علماء القرن الرابع الهجري في كتابيه «أحكام القرآن» و «معرفة علوم الحديث» عبارتين جميلتين في هذا الصدد :

١ ـ قال في كتاب «أحكام القرآن» :

إنّ رواة السّير ونقلة الأثر لم يختلفوا في أنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله أخذ بيد الحسن والحسين وعلي وفاطمة ودعا النصارى الذين حاجّوه إلى المباهلة (٢).

٢ ـ ويقول أيضاً في كتاب «معرفة علوم الحديث» :

قد تواترت الأخبار في التفاسير عن عبد الله بن عبّاس وغيره أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أخذ يوم المباهلة بيد علي والحسن والحسين وجعلوا فاطمة ورائهم ثمّ قال : هؤلاء أبناؤنا وأنفسنا ونساؤنا (٣).

وعلى هذا الأساس هناك روايات وأحاديث كثيرة جدّاً في شأن نزول وتفسير آية المباهلة حيث نكتفي هنا بذكر رواية واحدة منها :

__________________

(١) لا بدّ من توفّر شرطين لمن يريد الاشتراك في المباهلة :

الأوّل : أن يكون مؤمناً بما يدعي ، لأن الشخص الانتهازي والكذاب لا يجرأ على المباهلة.

الثاني : أن تكون له رابطة قوية مع الله تعالى بحيث إنه إذا رفع يديه للدعاء ودعا على أحد الأشخاص فإن الله يستجيب دعاءه ، وقد لاحظ علماء نجران (٣ أو ١٠ أشخاص) توفّر هذين الشرطين في سيماء النبي ومرافقيه فأحجموا عن المباهلة.

(٢) أحكام القرآن : ج ٢ ، ص ١٦ (نقلاً عن احقاق الحقّ : ج ٣ ، ص ٤٨).

(٣) معرفة علوم الحديث : ص ٥٠ طبع مصر. (نقلاً عن احقاق الحقّ : ج ٣ ص ٤٨).

١٥٨

جاء في كتاب صحيح مسلم في باب «فضائل الصحابة» رواية مثيرة وجذّابة رواها سعد بن أبي وقاص : أن معاوية قال لسعد : «ما منعك أن تسبّ أبا تراب (١)؟ قال : أما ما ذكرت ثلاثاً قالهن رسول الله فلن أسبّه لئن تكون لي واحدة منها أحبّ إليّ من حمر النعم ، ثمّ ذكر قصة تبوك عند ما استخلف النبي علياً على المدينة ، فلما قال الإمام علي : أتخلّفني على النساء والأطفال؟ قال له رسول الله : «ألا ترضى أن تكون مني كهارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي ، والثانية في معركة خيبر عند ما أرسل رسول الله الأوّل والثاني لفتح خيبر فرجعا آيسين فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : «لأعطينّ الراية غداً لرجل لا يملّ من الحرب ولا يدير ظهره للعدو». فتطاولت الأعناق لذلك ، فنظر رسول الله فيهم فلم ير علياً ، فسأل عنه فقيل : هو أرمد ، فقال : عليّ به ، فجاء الإمام علي فتفل رسول الله في عينه فشفي من ساعته فدفع إليه الراية وكان الفتح على يده. وأما «الثالثة» فهي لما نزلت هذه الآية «قل تعالوا ندع ابناءنا وابناءكم ...» حيث دعا رسول الله علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً فقال : اللهم هؤلاء أهلي ...

وقال سعد بعد ذلك لمعاوية : هل يحقّ لي بعد هذا أن أسبّ علياً؟ فسكت معاوية وندم على مقولته» (٢).

من هم أبناءنا ، نساءنا ، أنفسنا؟

لا خلاف ظاهراً بيننا وبين إخوتنا من أهل السنّة في أن المراد من «نساءنا» هو فاطمة الزهراء بنت رسول الله عليها‌السلام وكذلك اتّفق علماء الشيعة وأهل السنّة أن المراد من «أبناءنا» الحسن والحسين عليهما‌السلام.

وعلى هذا الأساس فإن المحور الأصلي في هذا البحث يدور حول تفسير كلمة «أنفسنا»

__________________

(١) هذا الكلام يعكس غاية ما فيه الإمام علي من المظلومية وذروة الحقد الدفين في قلوب بني امية عليه بحيث اشاعوا سبّه ولعنه بين المسلمين بحيث لو امتنع أحد من سبّه لتعرض للعقاب الشديد ، والعجيب من بعض أهل السنّة الذين يدافعون عن بني امية ومعاوية مع كلّ هذه الجرائم الفضيعة ويعبّرون عن «مصدر الخبائث» ب «سيّدنا معاوية»!!

(٢) صحيح مسلم : ج ٤ ، ص ١٨٧ ، ح ٣٢.

١٥٩

ولذلك نرى من الضروري تفصيل البحث حول هذه العبارة.

يقول القاضي نور الله الشوشتري في كتابه القيّم «احقاق الحقّ» :

أجمع المفسّرون على أن «أبناءنا» إشارة إلى الحسن والحسين عليهما‌السلام و «نساءنا» إشارة إلى فاطمة عليها‌السلام و «أنفسنا» اشارة إلى علي عليه‌السلام.

وذكر آية الله العظمى المرعشي في حاشيته على هذا الكتاب نقلاً عن ستين كتاباً «من كتب أهل السنّة» ما يؤيد هذا المطلب (١) ، والمفهوم من هذا الكلام واضح جدّاً بحيث ذكره أهل السنّة قاطبة في كتبهم.

ولكن مع الأسف نجد أن بعض مفسّري أهل السنّة وعلى الرغم جميع هذه الروايات تورطوا بشراك التعصّب والتفسير بالرأي فذكروا تفسيرات مدهشة لهذه الآية الشريفة ، ونكتفي هنا بذكر نموذجين منها :

١ ـ يقول الآلوسي في «روح المعاني» بعد اعترافه بعدم وجود شخص آخر مع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله في المباهلة غير علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم‌السلام ومع تأكيده بأنه لا ينبغي لكلّ إنسان مؤمن الشك في هذه المسألة يستعرض دليل علماء الشيعة ويدّعي أن المراد من «أنفسنا» هو النبي نفسه ، وأما الإمام علي فيندرج في كلمة «أبناءنا» لأن العرب تطلق على الصهر كلمة الابن أيضاً (٢).

وجواب هذا الكلام واضح جدّاً ، لأنه طبقاً لهذه الآية الشريفة فإنّ النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله قد دعى : أبناءنا وأنفسنا ونساءنا ، فلو كان المراد من «أنفسنا» هو النبي نفسه فما ذا يعني أن يدعو الإنسان نفسه إلى المباهلة؟

ونظراً إلى أن القرآن الكريم هو أفصح بيان في اللغة العربية فمن المسلّم أنه لا يذكر كلاماً غير فصيح مثل هذا الكلام ولا يأمر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله بأن يدعو نفسه ، إذن فالمراد من «أنفسنا» لا يمكن أن يكون هو النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله نفسه قطعاً ، مضافاً إلى أننا لم نقرأ في كلام العرب أنهم يطلقون

__________________

(١) احقاق الحقّ : ج ٣ ، ص ٤٦.

(٢) روح المعاني : ج ٣ ، ص ١٨٩.

١٦٠