🚘

نهاية الحكمة - ج ١

السيد محمد حسين الطباطبائي

نهاية الحكمة - ج ١

المؤلف:

السيد محمد حسين الطباطبائي


المحقق: الشيخ عبّاس علي الزارعي السبزواري
الموضوع : الفلسفة والمنطق
الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي
المطبعة: مؤسسة النشر الإسلامي
ISBN: 978-964-470-623-3
🚘 نسخة غير مصححة

موضوعه المادّة الموجودة ويبطل منها بوجود المستعدّ له (١) ، بخلاف الإمكان الخاصّ الّذي هو معنى عقليّ لا يتّصف بشدّة وضعف ولا قرب وبعد ، وموضوعه الماهيّة من حيث هي ، لا يفارق الماهيّة موجودة كانت أو معدومة.

وربما اطلق الإمكان واريد به كون الشيء بحيث لا يلزم من فرض وقوعه محال (٢) ، ويسمّى : «الإمكان الوقوعيّ».

وربما اطلق الإمكان واريد به ما للوجود المعلوليّ من التعلّق والتقوّم بالوجود العلّيّ ، وخاصّة الفقر الذاتيّ للوجود الإمكانيّ بالنسبة إلى الوجود الواجبيّ جلّ وعلا ويسمّى : «الإمكان الفقريّ» و «الوجوديّ» قبال الإمكان الماهويّ.

تنبيه آخر :

الجهات الثلاث المذكورة لا تختصّ بالقضايا الّتي محمولها الوجود ، بل تتخلّل واحدة منها بين أيّ محمول مفروض نسب إلى أيّ موضوع مفروض ، غير أنّ الفلسفة لا تتعرّض منها إلّا لما يتخلّل بين الوجود وعوارضه الذاتيّة ، لكون موضوعها الموجود بما هو موجود.

__________________

(١) فالنطفة مادّة موجودة تستعدّ لصيرورتها جنينا ، واستعدادها بعد نموّها أشهرا أقرب إلى الإنسانيّة من استعدادها في بدء تكوّنها.

(٢) أي : ليس ممتنعا بالذات أو بالغير ، كالإنسان.

٨١

الفصل الثاني

في انقسام كلّ من الموادّ الثلاث إلى

ما بالذات وما بالغير وما بالقياس إلى الغير ، إلّا الإمكان

ينقسم كلّ من هذه الموادّ الثلاث إلى ما بالذات وما بالغير وما بالقياس إلى الغير ، إلّا الإمكان ، فلا إمكان بالغير (١).

والمراد ب «ما بالذات» أن يكون وضع الذات ـ مع قطع النظر عن جميع ما عداها ـ كافيا في اتّصافها ، وب «ما بالغير» أن لا يكفي فيه وضعها كذلك ، بل يتوقّف على إعطاء الغير واقتضائه ، وب «ما بالقياس إلى الغير» أن يكون الاتّصاف بالنظر إلى الغير على سبيل استدعائه الأعمّ من الاقتضاء.

فالوجوب بالذات كضرورة الوجود لذات الواجب تعالى لذاته بذاته ؛ والوجوب بالغير كضرورة وجود الممكن الّتي تلحقه من ناحية علّته التامّة والامتناع بالذات كضرورة العدم للمحالات الذاتيّة الّتي لا تقبل الوجود لذاتها

__________________

(١) ولا يخفى أنّ الإمكان بالغير غير الإمكان الغيريّ ، فإنّ المراد من الإمكان في الإمكان بالغير هو الإمكان العرضيّ ، وفي الإمكان الغيريّ هو الإمكان الذاتيّ. بيان ذلك : أنّ الإمكان على قسمين : (أحدهما) الإمكان بالعرض ، بمعنى أن يكون الشيء غير ممكن ثمّ يصير ممكنا بسبب الغير ، وهذا هو الممكن بالغير الّذي ثبتت استحالته. و (ثانيهما) الإمكان بالذات ، وهو أن يكون الشيء ممكنا في حدّ ذاته ، وهذا هو الممكن الغيريّ الّذي اتّصفت به الممكنات.

٨٢

المفروضة كاجتماع النقيضين وارتفاعهما وسلب الشيء عن نفسه ، والامتناع بالغير كضرورة عدم الممكن الّتي تلحقه من ناحية عدم علّته ، والإمكان بالذات كون الشيء في حدّ ذاته ـ مع قطع النظر عن جميع ما عداه ـ مسلوبة عنه ضرورة الوجود وضرورة العدم.

وأمّا الإمكان بالغير فممتنع ـ كما تقدّمت الإشارة إليه (١) ـ ؛ وذلك لأنّه لو لحق الشيء إمكان بالغير من علّة مقتضية من خارج لكان الشيء في حدّ نفسه ـ مع قطع النظر عمّا عداه ـ إمّا واجبا بالذات أو ممتنعا بالذات أو ممكنا بالذات ، لما تقدّم (٢) أنّ القسمة إلى الثلاثة حاصرة. وعلى الأوّلين يلزم الانقلاب بلحوق الإمكان له من خارج (٣). وعلى الثالث ـ أعني كونه ممكنا بالذات ـ فإمّا أن يكون بحيث لو فرضنا ارتفاع العلّة الخارجة بقي الشيء على ما كان عليه من الإمكان فلا تأثير للغير فيه لاستواء وجوده وعدمه ، وقد فرض مؤثّرا ، هذا خلف وإن لم يبق على إمكانه لم يكن ممكنا بالذات ، وقد فرض كذلك ، هذا خلف.

هذا لو كان ما بالذات وما بالغير إمكانا واحدا هو بالذات وبالغير معا ، ولو فرض كونهما إمكانين اثنين بالذات وبالغير كان لشيء واحد من حيثيّة واحدة إمكانان لوجود واحد ، وهو واضح الفساد ، كتحقّق وجودين لشيء واحد.

وأيضا في فرض الإمكان بالغير فرض العلّة الخارجة الموجبة للإمكان ، وهو في معنى ارتفاع النقيضين ، لأنّ الغير الّذي يفيد الإمكان ـ الّذي هو لا ضرورة الوجود والعدم ـ لا يفيده إلّا برفع العلّة الموجبة للوجود ورفع العلّة

__________________

(١) قبل أسطر.

(٢) في الفصل الأوّل من هذه المرحلة.

(٣) ضرورة أنّ المفروض أنّ الشيء واجب بالذات أو ممتنع بالذات ، وما معناه إلّا كونه ضروريّ الوجود أو العدم بالذات ، فذات الشيء لا ينفكّ عن الوجود على الأوّل ، ولا ينفكّ عن العدم على الثاني ، والشيء لا يلحق له الإمكان من الخارج إلّا بسلب ضرورة الوجود والعدم عن ذاته ، وسلب ضرورة الوجود عن الذات ليس إلّا سلب الذات عن الذات في ما إذا فرض كونه واجبا بالذات ، كما أنّ سلب ضرورة العدم عن الذات ليس إلّا سلب الذات عن الذات في ما إذا فرض كونه ممتنعا بالذات ، فيلزم الانقلاب في الذات ، وهو محال.

٨٣

الموجبة للعدم الّتي هي عدم العلّة الموجبة للوجود ، فإفادته الإمكان لا تتمّ إلّا برفعه (١) وجود العلّة الموجبة للوجود وعدمها معا ، وفيه ارتفاع النقيضين.

والوجوب بالقياس إلى الغير كوجوب العلّة إذا قيست إلى معلولها باستدعاء منه ، فإنّه بوجوده يأبى إلّا أن تكون علّته موجودة ، وكوجوب المعلول إذا قيس إلى علّته التامّة باقتضاء منها ، فإنّها بوجودها تأبى إلّا أن يكون معلولها موجودا ، وكوجوب أحد المتضائفين إذا قيس إلى وجود الآخر. والضابط فيه أن تكون بين المقيس والمقيس إليه علّيّة ومعلوليّة أو يكونا معلولي علّة واحدة ، إذ لو لا رابطة العلّيّة بينهما لم يتوقّف أحدهما على الآخر ، فلم يجب عند ثبوت أحدهما ثبوت الآخر.

والامتناع بالقياس إلى الغير كامتناع وجود العلّة التامّة إذا قيس إلى عدم المعلول بالاستدعاء ، وكامتناع وجود المعلول إذا قيس إلى عدم العلّة بالاقتضاء ، وكامتناع وجود أحد المتضائفين إذا قيس إلى عدم الآخر ، وعدمه إذا قيس إلى وجود الآخر.

والإمكان بالقياس إلى الغير حال الشيء إذا قيس إلى ما لا يستدعي وجوده ولا عدمه. والضابط أن لا تكون بينهما علّية ومعلوليّة ، ولا معلوليّتهما لواحد ثالث.

ولا إمكان بالقياس بين موجودين ، لأنّ الشيء المقيس إمّا واجب بالذات مقيس إلى ممكن أو بالعكس وبينهما علّيّة ومعلوليّة ، وإمّا ممكن مقيس إلى ممكن آخر وهما ينتهيان إلى الواجب بالذات.

نعم ، للواجب بالذات إمكان بالقياس إذا قيس إلى واجب آخر مفروض أو إلى معلولاته من خلقه ، حيث ليست بينهما علّيّة ومعلوليّة ، ولا هما معلولان لواحد ثالث. ونظير الواجبين بالذات المفروضين الممتنعان بالذات إذا قيس أحدهما إلى الآخر أو إلى ما يستلزمه الآخر. وكذا الإمكان بالقياس بين الواجب بالذات والممكن المعدوم ، لعدم بعض شرائط وجوده ، فإنّه معلول انعدام علّته التّامة الّتي يصير الواجب بالذات على الفرض جزءا من أجزائها غير موجب للممكن المفروض ، فللواجب بالذات إمكان بالقياس إليه وبالعكس.

__________________

(١) وفي النسخ : «فإفادتها الإمكان لا تتمّ إلّا برفعها» ، والصحيح ما أثبتناه.

٨٤

وقد تبيّن بما مرّ :

أوّلا : أنّ الواجب بالذات لا يكون واجبا بالغير ولا ممتنعا بالغير ، وكذا الممتنع بالذات لا يكون ممتنعا بالغير ولا واجبا بالغير. ويتبيّن به أنّ كلّ واجب بالغير فهو ممكن ، وكذا كلّ ممتنع بالغير فهو ممكن.

وثانيا : أنّه لو فرض واجبان بالذات لم تكن بينهما علاقة لزوميّة ، وذلك لأنّها إنمّا تتحقّق بين شيئين أحدهما علّة للآخر أو هما معلولا علّة ثالثة (١) ، ولا سبيل للمعلوليّة إلى واجب بالذات.

__________________

(١) إعلم أنّ حصر العلاقة اللزوميّة في العلاقة العلّيّة من مذهب الشيخ الرئيس في الشفاء ، فراجع الفصل السادس من المقالة الاولى من إلهيّات الشفاء. ثمّ تبعه صدر المتألّهين في تعليقته عليه : ٣٢ ، وكذا المصنّف رحمه‌الله هاهنا.

٨٥

الفصل الثالث

في أنّ واجب الوجود بالذات ماهيّته إنّيّته

واجب الوجود بالذات ماهيّته (١) إنّيّته (٢) ، بمعنى أن لا ماهيّة له وراء وجوده الخاصّ به (٣).

والمسألة بيّنة بالعطف على ما تقدّم (٤) من أنّ الإمكان لازم الماهيّة ، فكلّ ماهيّة فهي ممكنة (٥) ، وينعكس إلى أنّ ما ليس بممكن فلا ماهيّة له ، فلا ماهيّة للواجب بالذات وراء وجوده الواجبيّ.

وقد أقاموا عليه مع ذلك (٦) حججا (٧).

__________________

(١) أي : حقيقته. فالمراد من الماهيّة هنا هو الماهيّة بالمعنى الأعمّ ، أي ما به الشيء هو هو.

(٢) أي : وجوده الخاصّ الّذي به موجوديّته.

(٣) أي : لا حقيقة له غير وجوده الخاصّ به. فالمراد من الماهيّة هنا أيضا هو الماهيّة بالمعنى الأعمّ.

وقد يقال : «إنّ معنى قولنا : (ماهيّته إنّيّته) أنّه لا ماهيّة له». والمراد من الماهيّة في «لا ماهيّة له» هو الماهيّة بالمعنى الأخصّ ، أي ما يقال في جواب ما هو؟ من الجنس والفصل.

(٤) في الأمر الأوّل من الامور المذكورة في الفصل الأوّل من المرحلة الرابعة.

(٥) والأولى أن يقال : «فكلّ ما له ماهيّة فهو ممكن» حتّى ينعكس بقوله : «ما ليس بممكن فلا ماهيّة له» كما قال في الفصل الثالث من المرحلة الثانية عشرة : «وتبيّن هناك أنّ كلّ ما له ماهيّة فهو ممكن ...».

(٦) أي : مع كون المسألة بيّنة.

(٧) راجع الفصل الرابع من المقالة الثامنة من إلهيّات الشفاء ، والتحصيل : ٥٧١ ، والتلويحات : ـ

٨٦

أمتنها : أنّه لو كان للواجب بالذات ماهيّة وراء وجوده الخاصّ به كان وجوده زائدا عليها عرضيّا لها ، وكلّ عرضيّ معلّل ، فكان وجوده معلولا إمّا لماهيّته أو لغيرها ، والثاني ـ وهو المعلوليّة للغير ـ ينافي وجوب الوجود بالذات ، والأوّل ـ وهو معلوليّته لماهيّته ـ يستوجب تقدّم ماهيّته على وجوده بالوجود ، لوجوب تقدّم العلّة على معلولها بالوجود بالضرورة ، فلو كان هذا الوجود المتقدّم عين الوجود المتأخّر لزم تقدّم الشيء على نفسه ، وهو محال ، ولو كان غيره لزم أن توجد ماهيّة واحدة بأكثر من وجود واحد ، وقد تقدّمت استحالته (١). على أنّا ننقل الكلام إلى الوجود المتقدّم فيتسلسل.

واعترض عليه (٢) بأنّه لم لا يجوز أن تكون ماهيّته علّة مقتضية لوجوده ، وهي متقدّمة عليه تقدّما بالماهيّة ، كما أنّ أجزاء الماهيّة علل قوامها ، وهي متقدّمة عليها تقدّما بالماهيّة (٣) لا بالوجود؟

ودفع (٤) : بأنّ الضرورة قائمة على توقّف المعلول في نحو وجوده على وجود

__________________

ـ ٣٤ ـ ٣٥ ، والمقاومات : ١٧٥ ، والمطارحات : ٣٩٨ ـ ٣٩٩ ، وشرح الإشارات ٣ : ٣٥ و ٣٩ و ٥٨ ، والمبدأ والمعاد لصدر المتألّهين : ٢٧ ـ ٢٩ ، والأسفار ١ : ٩٦ ـ ١١٣ ، و ٦ : ٤٨ ـ ٥٧ ، وشرح الهداية الأثيريّة لصدر المتألّهين : ٢٨٣ ـ ٢٨٨ ، وللميبديّ : ١٦٧ ، وشوارق الإلهام : ٩٩ ـ ١٠٨ ، وشرح التجريد للقوشجيّ : ٥٢ ، وشرح المنظومة : ٢١ ـ ٢٢ ، وقواعد المرام في علم الكلام : ٤٥ ـ ٤٦ ، ومصباح الانس : ٦٧ ـ ٦٩ ، والرسالة العرشيّة للشيخ الرئيس : ٤.

(١) في الفصل الخامس من المرحلة الاولى.

(٢) والمعترض فخر الدين الرازيّ في المباحث المشرقيّة ١ : ٣٧ ـ ٣٨ ، والمطالب العالية ١ : ٣٠٩ ، وشرحي الإشارات ١ : ٢٠٣.

(٣) ويسمّى أيضا : «التقدّم بالجوهر» أو «التقدّم بالتجوهر». وهو مبنيّ على أصالة الماهيّة.

قال الحكيم السبزواريّ في هامش شرح المنظومة : «فلو جاز تقرّر الماهيّات منفكّة عن كافّة الوجودات ـ كما زعمته المعتزلة ـ لكانت ماهيّة الجنس والفصل متقدّمتين على ماهيّة النوع بالتجوهر ؛ وكذا الماهيّة على لازمها ، ولا وجود فرضا حتّى يكون ملاك التقدّم والتأخّر». وقال تعليقا على الأسفار : «والقائل بتقدّم الماهيّة على الوجود المحقّق الدوانيّ والسيّد الداماد وتابعوه». شرح المنظومة (قسم الحكمة) : ٨٦ ، الأسفار ٣ : ٢٤٩.

(٤) هكذا دفعه المحقّق الطوسيّ في شرح الإشارات ٣ : ٣٨ ـ ٤٠ ، وشرحي الإشارات ١ : ٢٠٣.

٨٧

علّته ، فتقدّم العلّة في نحو ثبوت المعلول ، غير أنّه (١) أشدّ ، فإن كان ثبوت المعلول ثبوتا خارجيّا كان تقدّم العلّة عليه في الوجود الخارجيّ ، وإن كان ثبوتا ذهنيّا فكذلك.

وإذ كان وجود الواجب لذاته حقيقيّا خارجيّا وكانت له ماهيّة هي علّة موجبة لوجوده كان من الواجب أن تتقدّم ماهيّته عليه في الوجود الخارجيّ لا في الثبوت الماهويّ ، فالمحذور على حاله.

حجة اخرى (٢) : كلّ ماهيّة فإنّ العقل يجوّز بالنظر إلى ذاتها أن تتحقّق لها ـ وراء ما وجد لها من الأفراد ـ أفراد اخر إلى ما لا نهاية له. فما لم يتحقّق من فرد فلامتناعه بالغير ، إذ لو كان لامتناعه بذاته لم يتحقّق لها فرد أصلا.

فإذا فرض هذا الّذي له ماهيّة واجبا بالذات كانت ماهيّته كلّيّة ، لها وراء ما وجد من أفراده في الخارج أفراد معدومة جائزة الوجود بالنظر إلى نفس الماهيّة ، وإنّما امتنعت بالغير ، ومن المعلوم أنّ الامتناع بالغير لا يجامع الوجوب بالذات ، وقد تقدّم أنّ كل واجب بالغير وممتنع بالغير فهو ممكن (٣) ، فإذا الواجب بالذات لا ماهيّة له وراء وجوده الخاصّ.

واعترض عليه (٤) بأنّه لم لا يجوز أن يكون للواجب بالذات حقيقة وجوديّة غير زائدة على ذاته ، بل هي عين ذاته (٥) ، ثمّ العقل يحلّله إلى وجود ومعروض له جزئيّ شخصيّ غير كلّيّ ، هو ماهيّته؟

ودفع (٦) : بأنّه (٧) مبنيّ على ما هو الحقّ من أنّ التشخّص بالوجود (٨)

__________________

(١) أي : ثبوت العلّة.

(٢) وهذه ما أفاده شيخ الإشراق في التلويحات : ٣٤ ـ ٣٥. وتعرض لها أيضا صدر المتألّهين في الأسفار ١ : ١٠٣.

(٣) راجع الفصل السابق من هذه المرحلة.

(٤) هذا الاعتراض تعرّض له صدر المتألّهين في الأسفار ١ : ١٠٤ ، وشرح الهداية الأثيريّة : ٢٨٦.

(٥) وفي النسخ : «بل هو عين ذاته». والصحيح ما أثبتناه ، فإنّ الضمير يرجع إلى «حقيقة وجوديّة».

(٦) كذا دفعه صدر المتألّهين في الأسفار ١ : ١٠٤ ، وشرح الهداية الأثيريّة : ٢٨٦ ـ ٢٨٧.

(٧) أي : الدليل.

(٨) والماهيّة من حيث هي كلّيّة.

٨٨

لا غير (١) ، وسيأتي في مباحث الماهيّة (٢).

فقد تبيّن بما مرّ أنّ الواجب بالذات حقيقة وجوديّة لا ماهيّة لها تحدّها ، هي بذاتها واجبة الوجود ، من دون حاجة إلى انضمام حيثيّة تعليليّة أو تقييديّة (٣) ، وهي الضرورة الأزليّة. وقد تقدّم في المرحلة الاولى (٤) أنّ الوجود حقيقة عينيّة مشكّكة ذات مراتب مختلفة ، كلّ مرتبة من مراتبها تجد الكمال الوجوديّ الّذي لما دونها ، وتقوّمه وتتقوّم بما فوقها ، فاقدة بعض ما له (٥) من الكمال ، وهو (٦) النقص والحاجة ، إلّا المرتبة الّتي هي أعلى المراتب الّتي تجد كلّ كمال ، ولا تفقد شيئا منه ، وتقوّم بها كلّ مرتبة ، ولا تتقوّم بشيء وراء ذاتها (٧).

فتنطبق الحقيقة الواجبيّة على القول بالتشكيك على المرتبة الّتي هي أعلى المراتب ، الّتي ليست وراءها مرتبة تحدّها ، ولا في الوجود كمال تفقده ، ولا في ذاتها نقص أو عدم يشوبها ، ولا حاجة تقيّدها ؛ وما يلزمها من الصفات السلبيّة مرجعها إلى سلب السلب وانتفاء النقص والحاجة ، وهو الإيجاب (٨).

وبذلك (٩) يندفع وجوه من الاعتراض أوردوها (١٠) على القول بنفي الماهيّة

__________________

(١) كما صرّح به المعلّم الثاني ، كذا في شرح الهداية الأثيريّة لصدر المتألّهين : ٢٨٦.

(٢) في الفصل الثالث من المرحلة الخامسة.

(٣) مرّ منّا توضيح أقسام الحيثيّة في تعاليقنا على الفصل الثاني من المرحلة الاولى ، الرقم ٢٨.

وهذا بخلاف الماهيّات الممكنة ، فإنّها تحتاج في عروض الوجوب عليها إلى حيثيّة تقييديّة ، أي الواسطة في العروض ، لأنّ اتّصافها بالأوصاف الوجوديّة يكون بعرض الوجود.

وبخلاف الوجودات الخاصّة الإمكانيّة الّتي تحتاج في ثبوت الوجوب لها إلى حيثيّة تعليليّة ، أي الواسطة في الثبوت.

(٤) راجع الفصل الثالث من المرحلة الاولى.

(٥) أي : ما فوقها.

(٦) أي : فقدان بعض ما لما فوقها من الكمال.

(٧) وفي بعض النسخ : «لا تقوّم بشيء وراء ذاتها» والصحيح ما أثبتناه.

(٨) لأنّ نفي النفي إثبات. فقولنا : «الله تعالى ليس بجاهل» يرجع إلى أنّه عالم ؛ وقولنا : «إنّه ليس بعاجز» يرجع إلى أنّه قادر.

(٩) أي : بما ذكرنا من أنّ الوجود الواجبيّ أعلى مراتب الوجود المشكّكة.

(١٠) والمعترض فخر الدين الرازيّ ، فراجع المباحث المشرقيّة ١ : ٣١ ـ ٣٥. وقال في شرح ـ

٨٩

عن الواجب بالذات.

منها : أنّ حقيقة الواجب بالذات لا تساوي حقيقة شيء ممّا سواها ، لأنّ حقيقة غيره تقتضي الإمكان وحقيقته تنافيه (١) ، ووجوده يساوي وجود الممكن في أنّه وجود ، فحقيقته غير وجوده ، وإلّا كان وجود كلّ ممكن واجبا (٢).

ومنها : أنّه لو كان وجود الواجب بالذات مجرّدا عن الماهيّة فحصول هذا الوصف له إن كان لذاته كان وجود كلّ ممكن واجبا ، لاشتراك الوجود ، وهو محال ، وإن كان لغيره لزمت الحاجة إلى الغير ، ولازمه الإمكان ، وهو خلف.

ومنها : أنّ الواجب بالذات مبدأ للممكنات ، فعلى تجرّده عن الماهيّة : إن كانت مبدئيّته لذاته لزم أن يكون كلّ وجود كذلك (٣) ، ولازمه كون كلّ ممكن علّة لنفسه ولعلله ، وهو بيّن الاستحالة (٤). وإن كانت (٥) لوجوده مع قيد التجرّد لزم تركّب المبدأ الأوّل بل عدمه ، لكون أحد جزئيه ـ وهو التجرّد ـ عدميّا. وإن كانت (٦) بشرط التجرّد لزم جواز أن يكون كلّ وجود مبدأ لكلّ وجود ، إلّا أنّ الحكم تخلّف عنه لفقدان الشرط ، وهو التجرّد.

ومنها : أنّ الواجب بذاته إن كان نفس الكون في الأعيان ـ وهو الكون المطلق ـ ، لزم كون كلّ موجود واجبا. وإن كان هو الكون مع قيد «التجرّد عن الماهيّة»

__________________

ـ عيون الحكمة ٣ : ١١٧ : «لا يجوز أن تكون حقيقة واجب الوجود عين وجوده ، ويدلّ عليه وجوه ...». وتعرّض لها وللإجابة عليها في الأسفار ١ : ١٠٨ ـ ١١٢ ، وفي شرح المقاصد ١ : ٦٥.

(١) لأنّ حقيقته تقتضي الوجوب بالذات.

(٢) أو كان وجود الواجب ممكنا ، وهو خلف.

ولا يخفى أنّ قوله : «وإلّا كان وجود كلّ ممكن واجبا» اعتراض آخر ، وحاصله : أنّه لو كان حقيقة الواجب نفس وجوده كان وجود كلّ ممكن واجبا ، أو وجود الواجب ممكنا ، والتالي باطل ، فالمقدّم باطل.

(٣) لأنّ المفروض أنّ وجود الممكن يساوي وجود الواجب في أنّه وجود.

(٤) أمّا كونه علّة لنفسه فلأنّه تقدّم للشيء على نفسه ، وهو محال. وأمّا كونه علّة لعلله فلأنّه دور ، وهو محال.

(٥ و ٦) أي : مبدئيّته.

٩٠

لزم تركّب الواجب ، مع أنّه معنى عدميّ لا يصلح أن يكون جزءا للواجب. وإن كان هو الكون بشرط التجرّد لم يكن الواجب بالذات واجبا بذاته. وإن كان غير الكون في الأعيان ، فإن كان بدون الكون لزم أن لا يكون موجودا ، فلا يعقل وجود بدون الكون. وإن كان الكون داخلا فيه لزم التركّب (١). والتوالي المتقدّمة كلّها ظاهرة البطلان. وإن كان الكون خارجا عنه فوجوده خارج عن حقيقته ، وهو المطلوب ، إلى غير ذلك من الاعتراضات.

ووجه اندفاعها : أنّ المراد بالوجود المأخوذ فيها إمّا المفهوم العامّ البديهيّ وهو معنى عقليّ اعتباريّ غير الوجود الواجبيّ الّذي هو حقيقة عينيّة خاصّة بالواجب ، وإمّا طبيعة كلّيّة مشتركة متواطئة متساوية المصاديق. فالوجود العينيّ حقيقة مشكّكة مختلفة المراتب ، أعلى مراتبها الوجود الخاصّ بالواجب بالذات.

وأيضا التجرّد عن الماهيّة ليس وصفا عدميّا ، بل هو في معنى نفي الحدّ الّذي هو من سلب السلب الراجع إلى الإيجاب.

وقد تبيّن أيضا أنّ ضرورة الوجود للواجب بالذات ضرورة أزليّة ، لا ذاتيّة ولا وصفيّة ؛ فإنّ من الضرورة ما هو أزليّة ، وهي ضرورة ثبوت المحمول للموضوع بذاته ، من دون أيّ قيد وشرط ، كقولنا : «الواجب موجود بالضرورة». ومنها ضرورة ذاتيّة ، وهي ضرورة ثبوت المحمول لذات الموضوع مع الوجود لا بالوجود (٢) ، سواء كانت ذات الموضوع علّة للمحمول ، كقولنا : «كلّ مثلّث فإنّ زواياه الثلاث مساوية لقائمتين بالضرورة» فإنّ ماهيّة المثلّث علّة للمساواة إذا كانت موجودة ، أو لم تكن ذات الموضوع علّة لثبوت المحمول ، كقولنا : «كلّ إنسان إنسان بالضرورة أو حيوان أو ناطق بالضرورة» فإنّ ضرورة ثبوت الشيء لنفسه بمعنى عدم الانفكاك حال الوجود من دون أن تكون الذات علّة لنفسه.

__________________

(١) وفي النسخ : «إن كان الكون داخلا لزم التركّب». والصحيح ما أثبتناه.

(٢) راجع تعليقتنا على الفصل الأوّل من هذه المرحلة ، الرقم ٣٢.

٩١

ومنها ضرورة وصفيّة ، وهي ضرورة ثبوت المحمول للموضوع بوصفه مع الوجود ، لا بالوجود ، كقولنا : «كلّ كاتب (١) متحرّك الأصابع بالضرورة ما دام كاتبا» وقد تقدّمت إشارة إليها (٢).

__________________

(١) أي : كلّ ذات له الكتابة. والأولى أن يقال : «كلّ إنسان متحرّك الأصابع بالضرورة مادام كاتبا».

(٢) راجع الفصل الأوّل من المرحلة الرابعة.

٩٢

الفصل الرابع

في أنّ واجب الوجود بالذات

واجب الوجود من جميع الجهات

واجب الوجود بالذات واجب الوجود من جميع الجهات.

قال صدر المتألّهين رحمه‌الله : «المقصود من هذا أنّ الواجب الوجود ليس فيه جهة إمكانيّة (١) ، فإنّ كلّ ما يمكن له بالإمكان العامّ (٢) فهو واجب له. ومن فروع هذه الخاصّة أنّه ليست له حالة منتظرة ، فإنّ ذلك (٣) أصل يترتّب عليه هذا الحكم. وليس هذا عينه كما زعمه كثير من الناس (٤) ، فإنّ ذلك هو الّذي يعدّ من خواصّ

__________________

(١) قال الفخر الرازيّ : «معناه : أنّه ممتنع التغيّر في صفة من صفاته» ، شرح عيون الحكمة : ١١٥. والظاهر أنّ مرادهم من «الجهة» هي الصفة الكماليّة لا مطلق الصفات. ويشهد لذلك كلام صدر المتألّهين في السطور الآتية : «إذ لو كانت للمفارق حالة منتظرة كماليّة» ، وقوله ـ في الأسفار ١ : ١٢٣ ـ : «أنّ الواجب لو كان له بالقياس إلى صفة كماليّة جهة إمكانيّة ...».

ويشهد لذلك أيضا قول الحكيم السبزواريّ ـ في شرح المنظومة (قسم الحكمة) : ١٤٦ ـ ١٤٧ ـ : «وحاصله أنّه قيس عليه ـ أي على الوجود ـ الصفات الكماليّة». ويشهد لذلك أيضا قول المصنّف رحمه‌الله في هذا الفصل : «ولو كان للواجب بالذات المنزّه عن الماهيّة بالنسبة إلى صفة كماليّة من الكمالات الوجوديّة ...».

(٢) أي : كلّ صفة كماليّة ليس بممتنع له ؛ فإنّ الممكن بالإمكان العامّ ما فيه سلب الضرورة عن جانب العدم مع إثبات الضرورة في جانب الوجود.

(٣) أي : كون واجب الوجود بالذات واجبا من جميع الجهات.

(٤) منهم الفاضل الميبديّ في شرح الهداية الأثيريّة : ٧٢ ، حيث قال في بيان المراد من كون ـ

٩٣

الواجب بالذات ، دون هذا ، لاتّصاف المفارقات النوريّة به ، إذ لو كانت للمفارق حالة منتظرة كماليّة يمكن حصولها فيه لاستلزم تحقّق الإمكان الاستعداديّ فيه والانفعال عن عالم الحركة والأوضاع الجرمانيّة ، وذلك يوجب تجسّمه وتكدّره ، مع كونه مجرّدا نوريّا ، هذا خلف» (١) انتهى.

والحجّة فيه (٢) : أنّه لو كان للواجب بالذات المنزّه عن الماهيّة بالنسبة إلى صفة كماليّة من الكمالات الوجوديّة جهة إمكانيّة كانت ذاته في ذاته فاقدة لها ، مستقرّا فيها عدمها (٣) ، فكانت مركّبة من وجود وعدم ، ولازمه تركّب الذات (٤) ، ولازم التركّب الحاجة (٥) ، ولازم الحاجة الإمكان ، والمفروض وجوبه ، وهذا خلف.

حجّة اخرى (٦) : إنّ ذات الواجب بالذات لو لم تكن كافية في وجوب شيء من الصفات الكماليّة (٧) الّتي يمكن أن تتّصف بها كانت محتاجة فيه إلى الغير ، وحينئذ لو اعتبرنا الذات الواجبة بالذات في نفسها ـ مع قطع النظر عن ذلك الغير وجودا وعدما ـ فإن كانت واجبة مع وجود تلك الصفة لغت علّيّة ذلك الغير ، وقد فرض علّة ، هذا خلف ، وإن كانت واجبة مع عدم تلك الصفة لزم الخلف أيضا.

واورد عليها (٨) أنّ عدم اعتبار العلّة بحسب اعتبار العقل لا ينافي تحقّقها في نفس الأمر ، كما أنّ اعتبار الماهيّة من حيث هي هي وخلوّها ـ بحسب هذا

__________________

ـ الواجب واجبا من جميع الجهات : «أي ليست له حالة منتظرة غير حاصلة».

(١) راجع الأسفار ١ : ١٢٢.

(٢) أقامها صدر المتألّهين في الأسفار ١ : ١٢٣.

(٣) لا يخفى أنّ المراد أنّه ليس في ذاتها تلك الصفة. والتعبير باستقرار عدمها فيها إنّما هو من ضيق التعبير ، ضرورة أنّ استقرار شيء في شيء فرع ثبوت المستقرّ والمستقرّ فيه ، والعدم نقيض الوجود ولا ثبوت له أصلا.

(٤) والمراد تركّبها بحسب التحليل العقليّ ، لا التركّب الخارجيّ.

(٥) أي : الحاجة إلى العلّة.

(٦) احتجّ بها أثير الدين الأبهريّ في الهداية الأثيريّة ، فراجع شرح الهداية الأثيريّة لصدر المتألّهين : ٢٩٤. وتعرّض لها أيضا صدر المتألّهين في الأسفار ١ : ١٢٣.

(٧) ولا يخفى أنّه في الهداية والأسفار استدلّ بها على وجوب الصفات من دون أن تقيّد بالكماليّة.

(٨) تعرّض له صدر المتألّهين في الأسفار ١ : ١٢٤ ـ ١٢٥.

٩٤

الاعتبار ـ عن الوجود والعدم والعلّة الموجبة لهما لا ينافي اتّصافها في الخارج بأحدهما وحصول علّته.

وردّ (١) بأنّه قياس مع الفارق ، فإنّ حيثيّة الماهيّة من حيث هي غير حيثيّة الواقع ، فمن الجائز أن يعتبرها العقل ويقصر النظر إليها من حيث هي ، من دون ملاحظة غيرها من وجود وعدم وعلّتهما. وهذا بخلاف الوجود العينيّ ، فإنّ حيثيّة ذاته عين حيثيّة الواقع ومتن التحقّق ، فلا يمكن اعتباره بدون اعتبار جميع ما يرتبط به من علّة وشرط.

ويمكن تقرير الحجّة بوجه آخر وهو : أنّ عدم كفاية الذات في وجوب صفة من صفاته الكماليّة يستدعي حاجته في وجوبها إلى الغير ، فهو العلّة الموجبة ، ولازمه أن يتّصف الواجب بالذات بالوجوب الغيريّ (٢) ، وقد تقدّمت استحالته (٣).

واورد (٤) على أصل المسألة بأنّه منقوض بالنسب والإضافات اللاحقة للذات الواجبيّة من قبل أفعاله المتعلّقة بمعلولاته الممكنة الحادثة (٥) ، فإنّ النسب والإضافات قائمة بأطرافها (٦) ، تابعة لها في الإمكان ، كالخلق والرزق والإحياء والإماتة وغيرها.

__________________

(١) كذا ردّه صدر المتألّهين في الأسفار ١ : ١٢٥.

(٢) أورد عليه بعض الأساتيذ من تلامذة المصنّف رحمه‌الله بأنّ المتّصف بالوجوب بالغير في الواقع هو نفس الصفة الممكنة ، لا ذات الواجب ، فلا يلزم اجتماعهما في شيء واحد حقيقة. تعليقته على نهاية الحكمة : ٨٩.

ويندفع بأنّ ما ذكرتم صحيح لو كان الوصف زائدا على الموصوف. ومن المعلوم أنّ الحقّ في الصفات الكماليّة للواجب أنّها موجودة في الواجب تعالى بنحو أتمّ ، فهذه الصفات وإن تغاير الذات مفهوما ولكنّها عين ذاته وجودا ومصداقا. وحينئذ لو اتّصفت صفة من الصفات الكماليّة بالوجوب بالغير يلزم أن يتّصف الواجب بالذات بالوجوب الغيريّ ، لأنّها عين ذاته حقيقة.

(٣) في الفصل الثاني من هذه المرحلة.

(٤) والظاهر أنّ ممّن توهّم ورود هذا الإيراد هو الميبديّ في شرحه للهداية الأثيريّة : ١٧٢ ، فإنّه تعرّض للإيراد ونسبه إلى «قيل» ولم يدفعه ، فراجع وتأمّل.

(٥) ويقال لها : «الصفات الفعليّة».

(٦) والأولى أن يقال : «بطرفيها».

٩٥

ويندفع (١) بأنّ هذه النسب والإضافات والصفات المأخوذة منها ـ كما سيأتي بيانه (٢) ـ معان منتزعة من مقام الفعل ، لا من مقام الذات (٣).

نعم ، لوجود هذه النسب والإضافات إرتباط واقعيّ به تعالى ، والصفات المأخوذة منها للذّات واجبة بوجوبها. فكونه تعالى بحيث يخلق وكونه بحيث يرزق الى غير ذلك صفات واجبة ، ومرجعها إلى الإضافة الإشراقيّة (٤).

وسيأتي تفصيل القول فيه فيما سيأتي إن شاء الله تعالى (٥).

وقد تبيّن بما مرّ :

أوّلا : أنّ الوجود الواجبيّ وجود صرف ، لا ماهيّة له ، ولا عدم معه ، فله كلّ كمال في الوجود.

وثانيا : أنّه واحد وحدة الصرافة ، وهي المسمّاة ب «الوحدة الحقّة». بمعنى أنّ كلّ ما فرضته ثانيا له امتاز عنه بالضرورة بشيء من الكمال ليس فيه ، فتركّبت الذات من وجود وعدم ، وخرجت عن محوضة الوجود وصرافته ، وقد فرض صرفا ، هذا خلف ، فهو في ذاته البحتة بحيث كلّما فرضت له ثانيا عاد أوّلا.

__________________

(١) هكذا دفعه صدر المتألّهين في شرحه للهداية الأثيريّة : ٢٩٥ ـ ٢٩٦. ودفعه بوجه آخر في الأسفار ١ : ١٢٧ ـ ١٢٨.

(٢) في الفصلين التاسع والعاشر من المرحلة الثانية عشرة.

(٣) وبتعبير آخر : أنّ مورد قاعدة «واجب الوجود بالذات واجب من جميع الجهات» هو الصفات الكماليّة الّتي ينتزع من مقام الذات ، وأمّا الصفات الفعليّة فهي خارجة عنها تخصّصا ، لأنّها معان منتزعة من مقام الفعل.

(٤) وهي فيما إذا كان المضاف عين الربط بالمضاف إليه ، فخالقيّته تعالى للمخلوق ـ مثلا ـ إضافته الإشراقيّة الإيجاديّة ؛ فخلقه تعالى للمخلوق ليس إلّا إيجاده تعالى للمخلوق.

والإيجاد نفس وجود المخلوق حقيقة ، غاية الأمر أنّ وجود المخلوق بالنسبة إلى نفسه وبما هو مضاف إلى المخلوق وجود ، وبالنسبة إلى الواجب تعالى وبما هو مضاف إليه تعالى إيجاد ، فالاختلاف اعتباريّ.

(٥) في الفصلين التاسع والعاشر من المرحلة الثانية عشرة.

٩٦

وهذا هو المراد بقولهم : «إنّه واحد لا بالعدد» (١).

وثالثا : أنّه بسيط لا جزء له ، لا عقلا ولا خارجا ، وإلّا خرج عن صرافة الوجود ، وقد فرض صرفا ، هذا خلف.

ورابعا : أنّ ما انتزع عنه وجوبه هو بعينه ما انتزع عنه وجوده ، ولازمه أنّ كلّ صفة من صفاته ـ وهي جميعا واجبة ـ عين الصفة الاخرى ، وهي جميعا عين الذات المتعالية.

وخامسا : أنّ الوجوب من شؤون الوجود الواجبيّ ، كالوحدة ، غير خارج من ذاته ، وهو تأكّد الوجود الّذي مرجعه صراحة مناقضته لمطلق العدم وطرده له ، فيمتنع طروّ العدم عليه.

والوجود الإمكانيّ أيضا وإن كان مناقضا للعدم مطاردا له إلّا أنّه ـ لمّا كان رابطا بالنسبة إلى علّته الّتي هي الواجب بالذات بلا واسطة أو معها وهو قائم بها غير مستقلّ عنها بوجه ـ لم يكن محكوما بحكم في نفسه إلّا بانضمام علّته إليه ، فهو واجب بإيجاب علّته الّتي هي الواجب بالذات ، يأبى العدم ويطرده بانضمامها إليه (٢).

__________________

(١) راجع النجاة : ٢٣٤ ، والمبدأ والمعاد للشيخ الرئيس : ١٧ ، حيث قال الشيخ فيهما : «فإذا واجب الوجود واحد لا بالنوع فقط أو بالعدد ...».

(٢) كما ينعدم بعدم انضمام علّته إليه.

٩٧

الفصل الخامس

الشيء ما لم يجب لم يوجد (١)

وفيه بطلان القول بالأولويّة (٢)

قد تقدّم (٣) أنّ الماهيّة في مرتبة ذاتها ليست إلّا هي ، لا موجودة ولا معدومة ولا أيّ شيء آخر ، مسلوبة عنها ضرورة الوجود وضرورة العدم سلبا تحصيليّا ، وهو «الإمكان» فهي عند العقل متساوية النسبة إلى الوجود والعدم فلا يرتاب العقل في أنّ تلبّسها بواحد من الوجود والعدم لا يستند إليها ، لمكان استواء النسبة ،

__________________

(١) لا يخفى أنّ المراد بالشيء هو الممكن بالذات. والمراد من الوجوب هو الوجوب بالغير. فقولهم : «الشيء ما لم يجب لم يوجد» معناه أنّ الممكن بالذات ما لم يجب بالغير لم يوجد.

ولا يخفى أيضا أنّه لا وجه لتخصيص الوجود بالذكر ، لأنّه كما ليس ترجيح جانب الوجود بالعلّة إلّا بإيجاب الوجود كذلك ليس ترجيح جانب العدم بالعلّة إلّا إذا كانت العلّة بحيث تفيد امتناع معلولها ، كما صرّح بذلك المصنّف رحمه‌الله. فالأولى أن يقول في عنوان الفصل : «الشيء ما لم يجب لم يوجد وما لم يمتنع لم يعدم».

(٢) وظاهره أنّ بطلان القول بالأولويّة متفرّع على قاعدة «الشيء ما لم يجب لم يوجد».

ولكن التحقيق أنّهما متلازمان. ولعلّه قال المصنّف رحمه‌الله في بداية الحكمة : ٥٩ : «في أنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد ، وبطلان القول بالأولويّة». ويشهد له ما ذكره صدر المتألّهين في عنوان الفصل من قوله : «في إبطال كون الشيء أولى له الوجود أو العدم ، أولويّة غير بالغة حدّ الوجوب». الأسفار ١ : ١٩٩. والأولى أن يقول صدر المتألّهين : «... حدّ الوجوب أو الامتناع» ، إلّا أن يكون مراده من الوجوب مطلق الضرورة ، فإنّ الضرورة عامّ تشمل ضرورة الوجود وضرورة العدم.

(٣) في الفصل الثانى من المرحلة الاولى.

٩٨

ولا أنّه يحصل من غير سبب ، بل يتوقّف على أمر وراء الماهيّة يخرجها من حدّ الاستواء ويرجّح لها الوجود أو العدم ، وهو «العلّة». وليس ترجيح جانب الوجود بالعلّة إلّا بإيجاب الوجود ، إذ لو لا الإيجاب لم يتعيّن الوجود لها ، بل كانت جائزة الطرفين ، ولم ينقطع السؤال أنّها لم صارت موجودة مع جواز العدم لها؟ فلا يتمّ من العلّة إيجاد إلّا بإيجاب الوجود للمعلول قبل ذلك (١).

والقول في علّة العدم وإعطائها الامتناع للمعلول نظير القول في علّة الوجود وإعطائها الوجوب. فعلّة الوجود لا تتمّ علّة إلّا إذا صارت موجبة ، وعلّة العدم (٢) لا تتمّ علّة إلّا إذا كانت بحيث تفيد امتناع معلولها ، فالشيء ما لم يجب لم يوجد ، وما لم يمتنع لم يعدم.

وأمّا قول بعضهم (٣) : «إنّ وجوب وجود المعلول يستلزم كون العلّة على الإطلاق موجبة ـ بفتح الجيم ـ غير مختارة ، فيلزم كون الواجب تعالى موجبا في فعله غير مختار ، وهو محال».

فيدفعه : أنّ هذا الوجوب الّذي يتلبّس به المعلول وجوب غيريّ (٤). ووجوب المعلول منتزع من وجوده لا يتعدّاه ، ومن الممتنع أن يؤثّر وجوب المعلول (٥)

__________________

(١) أي : قبل الوجود.

(٢) وهي عدم العلّة.

(٣) أي : بعض المتكلّمين ، وهم المعتزلة.

(٤) أي : إنّ وجوب وجود المعلول إنّما يستلزم كون العلّة موجبة غير مختارة فيما إذا كان وجوب المعلول مستندا إلى ذات المعلول ، ولكن الحقّ أنّه كما كان وجود المعلول وجودا غيريّا ـ مستندا إلى العلّة ، وما لم يتعلّق إيجاد به من العلّة لم يوجد ـ كذلك كان وجوب المعلول وجوبا غيريّا ، وما لم يجب المعلول بإيجابه من العلّة ولم يخرج من حدّ الاستواء بأمر وراء ذاته لم يتلبّس بالوجوب. فالوجود والوجوب كلاهما مستند إلى العلّة ، فيكونان في اختيارها ، غاية الأمر اختيار الوجود من العلّة تتوقّف على اختيار الوجوب منها.

نعم ، لو كان وجوب المعلول مستندا إلى ذات المعلول وماهيّته يستلزم خروج المعلول عن اختيار العلّة ، بل يستلزم نفي معلوليّة المعلول وعلّيّة العلّة المفروضة له.

(٥) وفي النسخ : «أن يؤثّر المعلول» والصحيح ما أثبتناه.

٩٩

في وجود علّته (١). وهو مترتّب عليه ، متأخّر عنه ، قائم به (٢).

وقد ظهر بما تقدّم بطلان القول بالأولويّة على أقسامها. توضيحه : أنّ قوما من المتكلّمين (٣) ـ زعما منهم أنّ القول باتّصاف الممكن بالوجوب في ترجّح أحد جانبي الوجود والعدم له ، يستلزم كون الواجب في مبدئيّته للإيجاد فاعلا وموجبا (بفتح الجيم) تعالى عن ذلك وتقدّس ـ ذهبوا إلى أنّ ترجّح أحد الجانبين له بخروج الماهيّة من حدّ الاستواء إلى أحد الجانبين بكون الوجود أولى له أو العدم أولى له ، من دون أن يبلغ أحد الجانبين (٤) ، فيخرج به من حدّ الإمكان ، فقد ترجّح الموجود من الماهيّات بكون الوجود أولى له من غير وجوب ، والمعدوم منها بكون العدم أولى له من غير وجوب.

وقد قسّموا الأولويّة إلى : ذاتيّة تقتضيها الماهيّة بذاتها أو لا تنفكّ عنها ، وغير ذاتيّة تفيدها العلّة الخارجة. وكلّ من القسمين إمّا كافية في وقوع المعلول ، وإمّا غير كافية (٥).

__________________

(١) والأولى أن يقال : «في علّته» ، أي يمتنع أن يؤثّر وجوب المعلول ـ وهو مترتّب على العلّة ، ومتأخّر عنها ، وقائم بها ـ في علّة المعلول وجعلها موجبة.

(٢) الضمير في قوله : «عليه» و «عنه» و «به» ، راجع إلى وجود علّته ، فالتذكير باعتبار الوجود.

(٣) وهم المعتزلة. قال المحقّق الطوسيّ في شرح الإشارات ٣ : ١٣١ : «وهؤلاء يقولون بتخصّصه على سبيل الأولويّة ، لا الوجوب».

(٤) أي : من دون أن يبلغ وجوب أحد الجانبين.

(٥) راجع شرح المنظومة للحكيم السبزواريّ : ٧٠ ، حيث قال :

لا يوجد الشيء بأولويّة

غيريّة تكون أو ذاتيّة

كافية أو لا على الصواب

لا بدّ في الترجيح من إيجاب

وراجع تعليقاته على الأسفار ١ : ٢٠٠ الرقم ١.

وأقول : أمّا الأولويّة الذاتيّة الكافية فلا قائل بها ، لأنّها توجب انسداد باب إثبات الصانع ، هكذا قال الحكيم السبزواريّ في تعليقته على شرح المنظومة : ٧٥. وقال صدر المتألّهين في الأسفار ١ : ٢٠٠ ـ ٢٠١ : «فأمّا تجويز كون نفس الشيء مكوّن نفسه ومقرّر ذاته مع بطلانه الذاتيّ فلا يتصوّر من البشر تجشّم في ذلك ما لم يكن مريض النفس».

والوجه في ذلك أنّه يلزم أن لا تكون الأولويّة أولويّة بل تكون وجوبا ويلزم الانقلاب. ـ

١٠٠