🚘

نهاية الحكمة - ج ١

السيد محمد حسين الطباطبائي

نهاية الحكمة - ج ١

المؤلف:

السيد محمد حسين الطباطبائي


المحقق: الشيخ عبّاس علي الزارعي السبزواري
الموضوع : الفلسفة والمنطق
الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي
المطبعة: مؤسسة النشر الإسلامي
ISBN: 978-964-470-623-3
🚘 نسخة غير مصححة

الفصل السابع عشر

في الأين (١)

وفيه أبحاث :

البحث الأوّل : [في تعريف الأين]

الأين : هيئة حاصلة للجسم من نسبته إلى المكان (٢).

والمكان بما له من الصفات المعروفة عندنا بديهيّ الثبوت ، فهو الّذي يصحّ أن ينتقل الجسم عنه وإليه ، وأن يسكن فيه ، وأن يكون ذا وضع ـ أي مشارا إليه بأنّه هنا أو هناك ـ ، وأن يكون مقدّرا له نصف وثلث وربع ، وأن يكون بحيث يمتنع حصول جسمين في واحد منه. قال صدر المتألّهين قدس‌سره : «هذه أربع أمارات تصالح عليها المتنازعون لئلّا يكون النزاع لفظيّا» (٣).

__________________

(١) قال في الفصل السابع من المرحلة التاسعة : «لكن كون الأين مقولة مستقلّة في نفسها لا يخلو من شكّ».

وقال في بداية الحكمة : ١٥٨ : «لكن في كون الأين مقولة برأسها كلام ، وإن كان مشهورا بينهم ، بل الأين ضرب من الوضع».

(٢) اعلم أنّ عباراتهم في تعريف الأين مختلفة. فراجع الفصل الخامس من المقالة السادسة من الفنّ الثاني من منطق الشفاء ، وشرح عيون الحكمة ١ : ١١١ ، وشرح المنظومة : ١٤٣ ، وكشف المراد : ٢٦١ ، والبصائر النصيريّة : ٣٣.

(٣) راجع الأسفار ٤ : ٣٩.

٢٢١

وقد اختلفوا في حقيقته على أقوال خمسة : (أحدها) أنّه هيولى الجسم (١). و (الثاني) أنّه الصورة (٢). و (الثالث) أنّه سطح من جسم يلاقي المتمكّن ، سواء كان حاويا أو محويّا له (٣). و (الرابع) أنّه السطح الباطن من الحاوي المماسّ للسطح الظاهر من المحويّ ، وهو قول المعلّم الأوّل (٤) ، وتبعه الشيخان الفارابيّ (٥) وابن سينا (٦). و (الخامس) أنّه بعد يساوي أقطار الجسم المتمكّن ، فيكون بعدا جوهريّا مجرّدا عن المادّة ، وهو قول أفلاطون (٧) والرواقيّين (٨) ، واختاره المحقّق الطوسيّ (٩) قدس‌سره وصدر المتألّهين (١٠). فهذه أقوال خمسة. (سادسها) قول بعضهم بإنكار المكان (١١).

__________________

(١ و ٢) تعرّض لهما الشيخ الرئيس في الفصل السادس والسابع من المقالة الثانية من الفنّ الأوّل من طبيعيّات الشفاء ، ولم يشر إلى قائلهما. ونسبهما اللاهيجيّ إلى جماعة من الأوائل في شوارق الإلهام : ٣٠٠.

وقال صاحب المواقف ـ بعد التعرّض للقول الأوّل ـ : «وهذا المذهب ينسب إلى أفلاطون. ولعلّه أطلق الهيولى عليه باشتراك اللفظ». راجع كلام الماتن في شرح المواقف : ٢٢٠.

وقال شارح المواقف ـ بعد التعرّض للقول الثاني ـ : «وهذا المذهب أيضا ينسب إلى أفلاطون. قالوا : لمّا ذهب إلى أنّ المكان هو الفضاء والبعد المجرّد سمّاه تارة بالهيولى لما سبق من المناسبة ، واخرى بالصورة لأنّ الجواهر الجسمانيّة قابلة له بنفوذه فيها دون الجواهر المجرّدة». راجع شرح المواقف : ٢٢١.

(٣) تعرّض له أرسطو في كتابه «الطبيعيّات» ، راجع كتاب «طبيعيّات أرسطو» بالفارسيّة : ١٢٧.

(٤) راجع كتاب «طبيعيّات أرسطو» : ١٣٩. ونسب إليه أيضا في شرح الهداية الأثيريّة لصدر المتألّهين : ٧٧ ، والأسفار ٤ : ٤٣.

(٥) نسب إليه في الأسفار ٤ : ٤٣.

(٦) راجع الفصل السادس والتاسع من المقالة الثانية من الفن الأوّل من طبيعيّات الشفاء.

(٧) نسب إليه في شرح المواقف : ٢٢٤. وقال السيّد الداماد : «إنّ البعد المفطور المكانيّ المجرّد قد أبطله أفلاطون بالبراهين ، والشيخ الرئيس نقل ذلك عنه في الشفاء ، وشارحا الإشارات إمام المتشكّكين وخاتم المحقّقين نقلا عنه. ثمّ ينسب فريق من هؤلاء المختلفين إثباته إليه». راجع القبسات : ١٦٤.

(٨) نسب إليهم في الأسفار ٤ : ٤٣ ، وبدائع الحكمة : ١١.

(٩) راجع كلام الماتن في كشف المراد : ١٥٢ ، وشرح التجريد للقوشجيّ : ١٥٦ ، وشوارق الإلهام : ٣٠١.

(١٠) راجع الأسفار ٤ : ٤٣.

(١١) هذا مذهب المتكلّمين. قال الميبديّ في شرح الهداية الأثيريّة : ٦١ : «مذهب الإشراقيّين ـ

٢٢٢

وإذ كانت الأمارات الأربع المذكورة آنفا بديهيّة لا يرتاب فيها فعلى المنكرين أن يرجعوه إلى مقولة الوضع ، فغيرها من الجوهر وسائر الأعراض لا ينطبق عليه البتّة. لكن يرد عليه : أنّ الجسم ربّما ينتقل من مكان إلى مكان مع عدم التغيّر في جوهره وسائر أعراضه غير الأين ، وربّما يعرضه التغيّر فيه مع عدم الانتقال ، فالمكان غير الجميع حتّى الوضع.

والقول بأنّه الهيولى أو الصورة لا تنطبق عليه الأمارات السابقة ، فإنّ المكان يطلب بالحركة ويترك بالحركة ، والهيولى وكذا الصورة لا تطلبان بالحركة ولا تتركان بالحركة. وأيضا المركّب ينسب إلى الهيولى فيقال : «باب خشبيّ» أو «من حديد» ولا ينسب إلى المكان.

فالمعتمد هو القول بالسطح أو البعد الجوهريّ المجرّد عن المادّة. وللفريقين احتجاجات ومشاجرات طويلة مذكورة في المطوّلات (١).

ومن أقوى ما يورد على القول بالسطح (٢) أنّ لازمه كون الشيء ساكنا ومتحرّكا في زمان واحد ، فالطير الواقف في الهواء والسمك الواقف في الماء عند ما يجري الهواء والماء عليهما يجب أن يكونا متحرّكين لتبدّل السطح المحيط بهما من الهواء والماء وهما ساكنان بالضرورة. وأيضا المكان متّصف بالفراغ والامتلاء ، وذلك نعت البعد لا نعت السطح.

__________________

ـ أنّ المكان موجود في الخارج. ومذهب المتكلّمين أنّه لا شيء ، بمعنى أنّه معدوم في الخارج». وتعرّض له الخفريّ أيضا في تعليقاته عليه : ٦٣. وذكر الشيخ الرئيس حججهم ، ثمّ أجاب عنها في الفصل الخامس من المقالة الثانية من الفنّ الأوّل من طبيعيّات الشفاء.

(١) راجع الفصل السادس والسابع والثامن والتاسع من المقالة الثانية من الفنّ الأوّل من طبيعيّات الشفاء ، والمباحث المشرقيّة ١ : ٢٢٣ ـ ٢٢٨ ، والأسفار ٤ : ٤٢ ـ ٤٨ ، وشوارق الإلهام : ٣٠١ ـ ٣١٠ ، وشرح التجريد للقوشجيّ : ١٥٦ ـ ١٦٠.

(٢) هذا الإيراد تعرّض له الشيخ الرئيس في الفصل السادس من المقالة الثانية من الفنّ الأوّل من طبيعيّات الشفاء ، ثمّ أجاب عنه في الفصل التاسع.

٢٢٣

ومن أقوى ما يورد على القول بالبعد الجوهريّ المجرّد (١) أنّ لازمه تداخل المقدارين ، وهو محال ، فإنّ فيه حلول الجسم بمقداره الشخصيّ الذاهب في الأقطار الثلاثة في المكان الّذي هو مقدار شخصيّ يساويه ، ورجوعهما مقدارا شخصيّا واحدا ولا ريب في امتناعه. اللهمّ إلّا أن يمنع ذلك بأنّ من الجائز أن يكون المانع هو الهيولى مع المقدار أو الصورة مع المقدار أو هما معه.

البحث الثاني : [في محلّ الكلام]

قد عرفت أنّ الأين هيئة حاصلة للشيء من نسبته إلى المكان. والكلام في كونه هيئة حاصلة من النسبة لا نفس وجود النسبة ، نظير ما تقدّم في الإضافة.

البحث الثالث : [في أقسام الأين]

قد يقسّم الأين إلى أوّل حقيقيّ وثان غير حقيقيّ. فالأوّل كون الشيء في مكانه الخاصّ به الّذي لا يسعه مع غيره (٢) ككون الماء في الكوز. والثاني نظير قولنا : «فلان في البيت» فليس البيت مشغولا به وحده ، بل يسعه وغيره ، وأبعد منه كونه في الدار ثمّ في البلد ، وهكذا. والتقسيم غير حقيقيّ ، والمقسم هو الأين بحسب توسّع العرف العامّ.

ويقرب منه تقسيمه إلى : أين جنسيّ وهو الكون في المكان ، وأين نوعيّ كالكون في الهواء ، وأين شخصيّ ككون هذا الشخص في هذا الوقت في مكانه الحقيقيّ.

__________________

(١) هذا الإيراد أورده الشيخ الرئيس على أصحاب البعد في الفصل السابع من المقالة الثانية من الفنّ الأوّل من طبيعيّات الشفاء.

(٢) وفي النسخ : «لا يسعه فيه غيره معه». والصحيح ما أثبتناه. وترجمته بالفارسيّة : «مكانى كه گنجايش آن شىء به همراه غيرش را ندارد».

٢٢٤

الفصل الثامن عشر

في المتى

وهو الهيئة الحاصلة للشيء من نسبته إلى الزمان.

سيأتي إن شاء الله (١) أنّ لكلّ حركة ـ بما لها من الوجود السيّال التدريجيّ ـ مقدارا غير قارّ يخصّها ويغاير ما لغيرها من الامتداد غير القارّ ، فلكلّ حركة خاصّة واحدة بالعدد زمان خاصّ واحد بالعدد ، غير أنّ بعض هذه الأزمنة يقبل الانطباق على بعض. والزمان العامّ المستمرّ الّذي نقدّر به الحركات زمان الحركة اليوميّة المأخوذ مقياسا ، نقيس به الأزمنة والحركات ، فيتعيّن به نسب بعضها إلى بعض بالتقدّم والتأخّر ، والطول والقصر. وللحوادث بحسب ما لها من النسبة إلى الزمان هيئة حاصلة لها هي المتى.

ويقرب الكلام في المتى من الكلام في الأين ، فهناك متى يخصّ الحركة لا يسع معها غيرها ، وهو المتى الأوّل الحقيقيّ ، ومنه ما يعمّها وغيرها ، ككون هذه الحركة الواقعة في ساعة كذا ، أو في يوم كذا ، أو في شهر كذا ، أو في سنة كذا ، أو في قرن كذا ، وهكذا.

والفرق بين الأين والمتى في هذا الباب أنّ الزّمان الخاصّ الواحد يشترك فيه

__________________

(١) في الفصل الحادي عشر من المرحلة التاسعة.

٢٢٥

كثيرون بانطباقها عليه ، بخلاف الأين الخاصّ الواحد فلا يسع إلّا جسما واحدا (١).

وينقسم المتى نوع انقسام بانقسام الحوادث الزمانيّة ، فمنها ما هو تدريجيّ الوجود ينطبق على الزمان نفسه ، ومنها ما هو آنيّ الوجود ينتسب إلى طرف الزمان كالوصولات والمماسّات والانفصالات.

وينقسم أيضا ـ كما قيل (٢) ـ إلى ما بالذات وما بالعرض ، فما بالذات متى الحركات المنطبقة على الزمان بذاتها ، وما بالعرض متى المتحرّكات المنطبقة عليه بواسطة حركاتها ، وأمّا بحسب جوهر ذاتها فلا متى لها. وهذا مبنيّ على منع الحركة الجوهريّه ، وأمّا على القول به ـ كما سيأتي إن شاء الله (٣) ـ فلا فرق بين الحركة والمتحرّك في ذلك.

وينقسم أيضا بانقسام المقولات الواقعة فيها الحركات (٤).

__________________

(١) وتعرّض للفرق المذكور صدر المتألّهين في الأسفار ٤ : ٢١٩ ثمّ قال : «هكذا قيل». أقول : والقائل بالفرق الشيخ الرئيس في الفصل الخامس من المقالة السادسة من الفنّ الثاني من منطق الشفاء. وتبعه الفخر الرازيّ في المباحث المشرقيّة ١ : ٤٥٤ ـ ٤٥٥ ، والعلّامة الحلّيّ في كشف المراد : ٢٥٧ ، والتفتازانيّ في شرح المقاصد ١ : ٢٨٤ ، وابن سهلان الساوجيّ في البصائر النصيريّة : ٣٤. وخالفهم صدر المتألّهين في الأسفار ٤ : ٢١٩ ، وشرحه للهداية الأثيريّة : ٢٧١.

(٢) والقائل هم المشّاؤون المنكرون للحركة الجوهريّة.

(٣) في الفصل الثامن من المرحلة التاسعة.

(٤) المشهور بين القدماء من الحكماء أنّ المقولات الّتي تقع فيها الحركة أربع : الكيف والكمّ والأين والوضع. سيأتي توضيحه في الفصل السابع من المرحلة التاسعة.

٢٢٦

الفصل التاسع عشر

في الوضع

الوضع : هو الهيئة الحاصلة للشيء من نسبة أجزائه بعضها إلى بعض (١) والمجموع إلى الخارج (٢) ، كهيئة القيام والقعود والاستلقاء والانبطاح.

وينقسم الوضع إلى ما بالطبع ، وما لا بالطبع. أمّا الّذي بالطبع فكاستقرار الشجرة على أصلها وساقها ، والّذي لا بالطبع فكحال ساكن البيت من البيت.

وينقسم إلى ما بالفعل ، وما بالقوّة (٣).

قيل (٤) : الوضع ممّا يقع فيه التضادّ والشدّة والضعف. أمّا التضادّ فمثل كون

__________________

(١) وفي النسخ : «من نسبته بعض أجزائه إلى بعض». والصحيح ما أثبتناه.

(٢) هكذا عرّفه الشيخ الرئيس في الفصل السادس من المقالة السادسة من الفنّ الثاني من منطق الشفاء ، والتعليقات : ٤٣. وقال الفخر الرازيّ في شرح عيون الحكمة ١ : ١١٣ : «لفظ الشيخ في تعريف مقولة الوضع مضطرب في جميع كتبه».

(٣) أمّا ما بالفعل قد يكون بالطبع كوضع الأرض من الفلك ، وقد يكون لا بالطبع كحال ساكن البيت من البيت ، وأمّا ما بالقوّه كما يتوهّم قرب دائرة الرحى إلى قطبها ونسبته إلى دائرة القطب ليست بالفعل إذ لا دائرة بالفعل ، فلا وضع إلّا بالتوهّم أو بالقوّة. راجع الأسفار ٤ : ٢٢٢ ، والتحصيل : ٤١٥ ، والمقاومات : ١٤٥ ، والمطارحات : ٢٧٦.

(٤) والقائل كثير من الحكماء والمتكلّمين ، كفخر الدين الرازيّ في المباحث المشرقيّة ١ : ٤٥٥ ، وصدر المتألّهين في الأسفار ٤ : ٢٢٢ ـ ٢٢٣ ، وبهمنيار في التحصيل : ٤١٥ ، والتفتازانيّ في شرح المقاصد ١ : ٢٨٤ ـ ٢٨٥.

٢٢٧

الإنسان رأسه إلى السماء ورجلاه إلى الأرض مضادّا لوضعه إذا كان معكوسا ، والوضعان معنيان وجوديّان متعاقبان على موضوع واحد من غير أن يجتمعا فيه وبينهما غاية الخلاف ؛ وكذا الحال في الاستلقاء والانبطاح. وأمّا الشدّة فكالأشدّ انتصابا أو الأكثر انحناءا.

وفي تصوير غاية الخلاف في الوضع خفاء ، فليتأمّل.

تنبيه :

للوضع معنيان آخران غير المعنى المقوليّ.

أحدهما : كون الشيء قابلا للإشارة الحسّيّة. والإشارة ـ كما نقل عن الشفاء ـ تعيين الجهة الّتي تخصّ الشيء من جهات هذا العالم. وعليه فكلّ جسم وجسمانيّ يقبل الوضع بهذا المعنى ، فالنقطة ذات وضع ، بخلاف الوحدة.

وثانيهما : معنى أخصّ من الأوّل ، وهو كون الكمّ قابلا للإشارة الحسّيّة بحيث يقال : أين هو من الجهات؟ وأين بعض أجزائه المتّصلة به من بعض؟.

لكن نوقش فيه (١) بأنّ الخطّ والسطح بل الجسم التعليميّ لا أين لها لو لا تعلّقها بالمادّة الجسمانيّة ، فلا يكفي مجرّد الاتّصال الكمّيّ في إيجاب قبول الإشارة الحسّيّة حتّى يقارن المادّة. نعم للصورة الخياليّة المجرّدة من الكمّ إشارة خياليّة ، وكذا للصورة العقليّة إشارة تسانخها.

__________________

(١) هكذا ناقش فيه صدر المتألّهين في الأسفار ٤ : ٢٢١ ـ ٢٢٢.

٢٢٨

الفصل العشرون

في الجدة

وتسمّى أيضا «الملك» وهي : الهيئة الحاصلة من إحاطة شيء بشيء بحيث ينتقل المحيط بانتقال المحاط. والموضوع هو المحاط. فالإحاطة التامّة كإحاطة إهاب الحيوان به ، والإحاطة الناقصة كما في التقمّص والتنعّل والتختّم ونحو ذلك.

وتنقسم إلى جدّة طبيعيّة كما في المثال الأوّل ، وغير طبيعيّة كما في غيره من الأمثلة.

قال في الأسفار : «وقد يعبّر عن الملك بمقولة (له). فمنه طبيعيّ ككون القوى للنفس ، ومنه اعتبار خارجيّ ككون الفرس لزيد. ففي الحقيقة الملك يخالف هذا الاصطلاح ، فإنّ هذا من مقولة المضاف لا غير» (١) انتهى.

__________________

(١) راجع الأسفار ٤ : ٢٢٣. وقال الشيخ الرئيس في الفصل الثالث من المقالة الثانية من الفنّ الأوّل من طبيعيّات الشفاء : «وأمّا مقولة الجدة فإنّي إلى هذه الغاية لم أتحقّقها». وقال أيضا في الفصل السادس من المقالة السادسة من الفنّ الثاني من منطق الشفاء : «وأمّا مقولة الجدة فلم يتّفق لي إلى هذه الغاية فهمها ، ولا أحد الامور الّتي تجعل كالأنواع لها أنواعا لها بل يقال عليها باشتراك من الاسم أو تشابه ... ويشبه أن يكون غيري يعلم ذلك ، فليتأمّل هنالك من كتبهم». وقال بهمنيار في التحصيل : ٤١٦ : «أمّا مقولة الجدة فقد امتنع من أن يعدّ في جملة المقولات».

٢٢٩

والحقّ أنّ الملك الحقيقيّ (١) الّذي في مثل كون القوى للنفس حيثيّة وجوديّة هي قيام وجود شيء بشيء ، بحيث يختصّ به ، فيتصرّف فيه كيف شاء ، فليس معنى مقوليّا. والملك الاعتباريّ الّذي في مثل كون الفرس لزيد اعتبار للملك الحقيقيّ ، دون مقولة الإضافة. وسنشير إن شاء الله إلى هذا البحث في مرحلة العاقل والمعقول (٢).

__________________

(١) وهو ما عبّر عنه صدر المتألّهين بالطبيعيّ.

(٢) في الفصل العاشر من المرحلة الحادية عشرة.

٢٣٠

الفصل الحادي والعشرون

في مقولتي أن يفعل وأن ينفعل

أمّا الأوّل فهو هيئة غير قارّة حاصلة في الشيء المؤثّر من تأثيره ما دام يؤثّر ، كتسخين المسخّن ما دام يسخّن وتبريد المبرّد ما دام يبرّد.

وأمّا الثاني فهو هيئة غير قارّة حاصلة في المتأثّر ما دام يتأثّر ، كتسخّن المتسخّن ما دام يتسخّن وتبرّد المتبرّد ما دام يتبرّد.

ومن خاصّة هاتين المقولتين : (أوّلا) كما يظهر من الأمثلة أنّهما تعرضان غيرهما من المقولات ، كالكيف والكمّ والوضع وغيرها. و (ثانيا) أنّ معروضهما ـ من حيث هو معروض ـ لا يخلو عن حركة ، ولذا عبّر عنهما بلفظ «أن يفعل» و «أن ينفعل» الظاهرين في الحركة والتدرّج ، دون الفعل والانفعال اللذين ربّما يستعملان في التأثير والتأثّر الدفعيّ غير التدريجيّ (١). وبالجملة : المقولتان هيئتان عارضتان لمعروضهما من جهة ما له من الحركة.

قال في الأسفار : «واعلم أنّ وجود كلّ منهما في الخارج ليس عبارة عن نفس السلوك إلى مرتبة ، فإنّه بعينه معنى الحركة ، ولا أيضا وجود كلّ منهما وجود

__________________

(١) كذا قال الشيخ الرئيس في الفصل السادس من المقالة السادسة من الفنّ الثاني من منطق الشفاء. وذكروا للفرق بين الفعل والانفعال وبين أن يفعل وأن ينفعل وجهين. راجع ما مرّ من تعليقاتنا على مدخل الكتاب الرقم ٢.

٢٣١

المقولات الّتي يقع بها التحريك والتحرّك ، كالكيف مثل السواد ، والكمّ مثل مقدار الجسم النامي ، أو الوضع كالجلوس والانتصاب ، ولا غير ذلك. بل وجودهما عبارة عن وجود شيء من هذه المقولات ما دام يؤثّر أو يتأثّر ، فوجود السواد أو السخونة مثلا من حيث إنّه سواد من باب مقولة الكيف ووجود كلّ منهما من حيث كونه تدريجيّا يحصل منه تدريجيّ آخر أو يحصل من تدريجيّ آخر هو من مقولة أن يفعل أو أن ينفعل.

وأمّا نفس سلوكه التدريجيّ ـ أي خروجه من القوّة إلى الفعل ـ سواء كان في جانب الفاعل أو في جانب المنفعل فهو عين الحركة لا غير ، فقد ثبت نحو وجودهما في الخارج وعرضيّتهما» (١) انتهى.

وأمّا الإشكال (٢) في وجود المقولتين بأنّ تأثير المؤثّر يمتنع أن يكون وصفا ثبوتيّا زائدا على ذات المؤثّر ، وإلّا افتقر إلى تأثير آخر في ذلك التأثير ، وننقل الكلام إليه ، فيتسلسل ذاهبا إلى غير النهاية ، وهو محصور بين حاصرين : المؤثّر والمتأثّر.

ويجري نظير الإشكال (٣) في زيادة تأثّر المتأثّر على ذات المتأثّر ، فلو كان قبول الأثر زائدا على ذات القابل احتاج إلى قبول آخر ، وننقل الكلام إليه ، فيتسلسل ، وهو محصور بين حاصرين ، فالتأثير والتأثّر ـ سواء كانا دفعيّين أو تدريجيّين ـ وصفان عدميّان غير موجودين في الخارج.

فيدفعه (٤) : أنّه إنّما يتمّ فيما كان الأثر الثبوتيّ المفروض موجودا بوجود

__________________

(١) راجع الأسفار ٤ : ٢٢٥.

(٢) والمستشكل فخر الدين الرازيّ في المباحث المشرقيّة ١ : ٤٥٦ ـ ٤٥٧. وتعرّض له التفتازانيّ في شرح المقاصد ١ : ٢٨٥ ، وصدر المتألّهين في الأسفار ٤ : ٢٢٥ ـ ٢٢٦ ، وشرحه للهداية الأثيريّة : ٢٧٥.

(٣) والمستشكل أيضا فخر الدين الرازيّ في المباحث المشرقيّة ١ : ٢٥٧.

(٤) كما دفعه صدر المتألّهين في الأسفار ٤ : ٢٢٨. ودفعه أيضا التفتازانيّ في شرح المقاصد ـ

٢٣٢

منحاز ، يحتاج إلى تأثير منحاز جديد يخصّه. وأمّا لو كان ثابتا بثبوت أمر آخر فهو مجعول بعين الجعل المتعلّق بمتبوعه. والتأثير والتأثّر التدريجيّان موجودان بعين إيجاد الكيف ، كالسواد في المسوّد والمتسوّد ؛ ولا دليل على وجود الشيء أقوى من صدق مفهومه على عين خارجيّ في قضيّة خارجيّة.

__________________

ـ ١ : ٢٨٥ ، ولكن أورد عليه صدر المتألّهين في شرحه للهداية الأثيريّة : ٢٧٥ ، ثمّ دفعه بوجه آخر.

٢٣٣
٢٣٤

المرحلة السابعة

في الواحد والكثير

وفيها تسعة فصول [خاتمة]

٢٣٥
٢٣٦

الفصل الأوّل

في أنّ مفهوم الوحدة والكثرة

بديهيّ غنيّ عن التعريف

ينقسم الموجود إلى الواحد والكثير ، فكلّ موجود إمّا واحد وإمّا كثير.

والحقّ أنّ الوحدة والكثرة من المفاهيم العامّة الضروريّة التصوّر المستغنية عن التعريف كالوجوب والإمكان (١) ، ولذا كان ما عرّفوهما به من التعريف (٢) لا يخلو من دور ، وتعريف الشيء بنفسه كتعريف الواحد ب «أنّه الّذي لا ينقسم من الجهة الّتي يقال إنّه واحد». ففيه أخذ الانقسام الّذي هو الكثرة في تعريف الواحد (٣) ، مضافا إلى كونه تعريفا للواحد بالواحد (٤). ثمّ تعريف الكثير ب «أنّه المجتمع من الوحدات». وفيه أخذ الوحدة في تعريف الكثير وقد كانت

__________________

(١) صرّح بذلك كثير من الحكماء والمتكلّمين. فراجع المباحث المشرقيّة ١ : ٨٣ ، والأسفار ٢ : ٨٢ ـ ٨٣ ، وكشف المراد : ١٠٠ ، والمطارحات : ٣٠٨ ، وشرح المقاصد ١ : ١٣٦ ، وإيضاح المقاصد : ٥٤.

(٢) كقول القائل : «الواحد هو مبدأ العدد». راجع المطارحات : ٢٤٦. وقد يقال : «الوحدة عدم الانقسام إلى امور متشابهة ، والكثرة هي الانقسام إليها». راجع شرح المقاصد ١ : ١٣٦.

(٣) فالتعريف دوريّ.

(٤) فهو من تعريف الشيء بنفسه ، ونفس الشيء لا يكون معرّفا له ، لأنّه مساو للشيء في الخفاء ، ولا يعرّف الشيء إلّا بما يكون أجلى منه ، وإلّا لزم أن يكون كلّ شيء معرّفا لكلّ شيء ، وهو كما ترى.

٢٣٧

الكثرة مأخوذة في حدّ الواحد ، وهو الدور. مضافا إلى كونه تعريفا للكثير بالمجتمع ، وهو الكثير بعينه (١).

فالحقّ أنّ تعريفهما بما عرّفا به تعريف لفظيّ ، يراد به التنبيه على معناهما وتمييزه من بين المعاني المخزونة عند النفس (٢). فالواحد هو : «الّذي لا ينقسم من حيث إنّه لا ينقسم» ؛ والتقييد بالحيثيّة ليندرج فيه الواحد غير الحقيقيّ (٣) الّذي ينقسم من بعض الوجوه (٤). والكثير هو : «الّذي ينقسم من حيث إنّه ينقسم».

فقد تحصّل أنّ الموجود ينقسم إلى الواحد والكثير ، وهما معنيان متباينان تباين أحد القسمين للآخر.

تنبيه :

قالوا : «إنّ الوحدة تساوق الوجود» (٥) ، فكلّ موجود فهو واحد من جهة

__________________

(١) وهو أيضا من تعريف الشيء بنفسه.

(٢) قال الشيخ الرئيس في الفصل الثالث من المقالة الثالثة من إلهيّات الشفاء : «ثمّ يكون تعريفنا الكثرة بالوحدة تعريفا عقليّا ، وهنالك نأخذ الوحدة متصوّرة بذاتها ومن أوائل التصوّر ، ويكون تعريفنا الوحدة بالكثرة تنبيها». وتبعه في ذلك الفخر الرازيّ في المباحث المشرقيّة ١ : ٨٤ ، وصدر المتألّهين في الأسفار ٢ : ٨٣.

(٣) فإنّ الواحد غير الحقيقيّ وإن كان في نفسه منقسما لكن له حيثيّة غير قابلة للقسمة ، فيتّصف باعتبار تلك الحيثيّة بما لا ينقسم.

(٤) ولمزيد التوضيح راجع كلام صدر المتألّهين في الأسفار ٢ : ٨٣ ـ ٨٤ ، وشرحه للهداية الأثيريّة : ٢٢٥.

(٥) راجع النجاة : ١٩٨ ، وكشف المراد : ٩٩ ، وشوارق الإلهام : ١٦٩ ، وشرح المواقف : ١٥١.

وأقول : بل الوحدة تساوق الوجود وما يساوقه من الوجوب والشيئيّة ، ضرورة أنّ مساوق الشيء مساوق لما يساوقه. فكلّ واجب واحد من جهة أنّه واجب ، وكلّ شيء واحد من جهة أنّه شيء.

والمراد من المساوقة هو الاتّحاد مصداقا. قال صدر المتألّهين : «اعلم أنّ الوحدة رفيق الوجود ، يدور معه حيثما دار ، إذ هما متساويان في الصدق على الأشياء ، فكلّ ما يقال عليه أنّه موجود يقال عليه أنّه واحد». الأسفار ٢ : ٨٢.

٢٣٨

أنّه موجود ، حتّى أنّ الكثرة الموجودة ـ من حيث هي موجودة ـ كثرة واحدة ، كما يشهد بذلك عرض العدد لها (١) ، والعدد مؤلّف من آحاد ، يقال : كثرة واحدة وكثرتان وكثرات ثلاث ، وعشرة واحدة وعشرتان وعشرات ثلاث ، وهكذا.

وربّما يتوهّم أنّ انقسام الموجود إلى الواحد والكثير ينافي كون الواحد مساوقا للموجود ، وذلك أنّ الكثير ـ من حيث هو كثير ـ موجود لمكان الانقسام المذكور ، والكثير ـ من حيث هو كثير ـ ليس بواحد ، ينتج أنّ بعض الموجود ليس بواحد (٢) ، وهو يناقض قولهم : «كلّ موجود فهو واحد».

ويدفعه (٣) : أنّ للواحد اعتبارين : اعتباره في نفسه من غير قياس

__________________

(١) وفي النسخ : «عروض العدد لها». والصحيح ما أثبتناه ، فإنّ كلمة «عروض» ممّا لا يساعد عليه اللغة.

(٢) وحاصل التوهّم قياس على نحو الشكل الثالث ، فيقال : الكثير من حيث هو كثير موجود ، ولا شيء من الكثير من حيث هو كثير واحدا ، فبعض الموجود ليس بواحد. وهذه النتيجة يناقض قولهم : «كلّ موجود فهو واحد».

(٣) كذا دفعه المصنّف رحمه‌الله في تعليقته على الأسفار ٢ : ٩٠. ثمّ قال في آخر كلامه : «وإلى هذا يرجع آخر كلام المصنّف». ودفعه صدر المتألّهين بوجه آخر في الأسفار ٢ : ٩١ ، وتعليقاته على شرح حكمة الإشراق : ١٩٣.

وحاصل ما ذكره المصنّف رحمه‌الله : أنّ التوهّم يدفع إمّا بمنع التهافت بين نتيجة القياس المذكور وبين القضيّة المذكورة ، وإمّا بمنع الكبرى في القياس المذكور.

بيان ذلك : أنّ الوحدة الّتي يتّصف بها الموجود على وجهين :

الأوّل : الوحدة الّتي يتّصف بها الموجود في نفسه ومن حيث إنّه موجود ، من دون قياسه إلى الغير. وهذه هي الّتي يتّصف بها كلّ موجود ، سواء كان واحدا أو كثيرا. وهي المراد من الوحدة في قولهم : «والوحدة تساوق الوجود ، فكلّ موجود واحد».

الثاني : الوحدة الّتي يتّصف بها الموجود إذا قيس إلى موجود آخر يكون كثيرا بالقياس إليه. وهذه هي الوحدة الإضافيّة الّتي تقابل الكثرة ، ولا يتّصف بها الكثير.

إذا عرفت هذا فنقول :

إن كان المراد من الوحدة في كبرى القياس المذكور «ولا شيء من الكثير من حيث هو كثير واحدا» هو الوحدة الإضافيّة فهي وإن كانت صادقة وينتج «فبعض الموجود ليس ـ

٢٣٩

بعض مصاديقه إلى بعض ، فيساوق الموجود ويعمّ مصاديقه من واحد وكثير ، واعتباره بقياس بعض مصاديقه إلى بعض ، فهناك مصاديق لا يوجد فيها من معنى عدم الانقسام ما يوجد في مصاديق اخر ، كالعشرة الّتي لا يوجد فيها من معنى عدم الانقسام ما يوجد في الواحد وإن كان فيها ذلك إذا قيس إلى العشرات. فالكثير الّذي ليس بالواحد هو المقيس من حيث هو مقيس ، والّذي يقابله هو الواحد بالاعتبار الثاني ، وأمّا الواحد بالاعتبار الأوّل فهو يعمّ الواحد والكثير القسيمين جميعا.

ونظير ذلك انقسام مطلق الموجود إلى ما بالقوّة ، وما بالفعل مع مساوقة ما بالفعل لمطلق الموجود ، وانقسام الوجود إلى ذهنيّ وخارجيّ تترتّب عليه الآثار ، مع مساوقة الخارجيّ المترتّب عليه الآثار لمطلق الوجود. فكلّ ذلك من الاختلافات التشكيكيّة الّتي لحقيقة الوجود المشكّكة.

ونظير هذا التوهّم ما ربّما يتوهّم (١) أنّ الوحدة من المعاني الانتزاعيّة العقليّة ، ولو كانت حقيقة خارجيّة لكانت لها وحدة ، ولوحدتها وحدة ، وهلمّ جرّا ، فيتسلسل.

ويدفعه (٢) : أنّ وحدتها عين ذاتها ، فهي واحدة بذاتها ؛ نظير ما تقدّم في الوجود (٣) أنّه موجود بذاته من غير حاجة إلى وجود زائد على ذاته.

__________________

ـ بواحد» لكن لا تهافت بين هذه النتيجة وبين قضيّة «كلّ موجود فهو واحد» فإنّ المسلوب في النتيجة هو الواحد بالاعتبار الثاني ، بينما أنّ المراد من الواحد في القضيّة هو الواحد بالاعتبار الأوّل.

وإن كان المراد من الوحدة في الكبرى هو الوحدة بالاعتبار الأوّل فكانت الكبرى كاذبة ممنوعة ، لما مرّ من أنّ كلّ موجود من حيث وجوده واحد ، حتّى الكثير ، فلم ينتج النتيجة المذكورة ، حتّى يناقض قولهم : «كلّ موجود فهو واحد».

(١) كما توهّمه الشيخ الإشراقيّ في المطارحات : ٣٨٥ ، وحكمة الإشراق : ٦٨. وتبعه المحقّق الطوسيّ في تجريد الاعتقاد على ما في شوارق الإلهام : ١٨٣ ، وكشف المراد : ١٠٠ ـ ١٠١. وتعرّض له الفخر الرازيّ في المباحث المشرقيّة ١ : ٨٥.

(٢) كذا دفعه الفخر الرازيّ في المباحث المشرقيّة ١ : ٨٦. وتبعه صدر المتألّهين في الأسفار ٢ : ٨٩.

(٣) راجع الفصل الثاني من المرحلة الاولى.

٢٤٠