🚘

نهاية الحكمة - ج ١

السيد محمد حسين الطباطبائي

نهاية الحكمة - ج ١

المؤلف:

السيد محمد حسين الطباطبائي


المحقق: الشيخ عبّاس علي الزارعي السبزواري
الموضوع : الفلسفة والمنطق
الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي
المطبعة: مؤسسة النشر الإسلامي
ISBN: 978-964-470-623-3
🚘 نسخة غير مصححة

الثاني : أنّه مركّب كما في القول الأوّل ، غير أنّ الأجزاء غير متناهية ، ونسب إلى النظّام (١).

الثالث : أنّه مركّب من أجزاء بالفعل متناهية صغار صلبة لا تقبل القسمة الخارجيّة لصغرها وصلابتها ، ولكن تقبل القسمة الوهميّة والعقليّة ، ونسب إلى ذيمقراطيس (٢).

الرابع : أنّه متّصل واحد كما في الحسّ ، ويقبل القسمة إلى أجزاء متناهية ، ونسب إلى الشهرستانيّ (٣).

الخامس : أنّه جوهر بسيط ، هو الاتّصال والامتداد الجوهريّ الّذي يقبل القسمة خارجا ووهما وعقلا ، ونسب إلى أفلاطون الإلهيّ (٤).

__________________

ـ والأربعين ٢ : ٣ ، وشرح المنظومة : ٢٠٩. وذهب إليه أيضا ابن ميثم البحرانيّ في قواعد المرام : ٥١ ـ ٥٦.

(١) نسب إليه في مقالات الإسلاميّين ٢ : ١٦ ، والتبصير في الدين : ٧١ ، ومذاهب الإسلاميّين ١ : ٢٢٣ ، والانتصار : ٣٣ ، وشرح المنظومة : ٢٠٩. ونسب إليه وإلى القدماء من متكلّمي المعتزلة في شرح حكمة العين : ٢١٥. وقال العلّامة في إيضاح المقاصد : ٢٤٩ : «هو مذهب المتكلّمين ومذهب جماعة من الأوائل». وقال الرازيّ في المباحث المشرقيّة ٢ : ٩ : «فهو مذهب النّظام ومن الأوائل انكسافراطيس».

(٢) نسب إليه في الأسفار ٥ : ١٧ ، والمباحث المشرقيّة ٢ : ١٠ ، وشرح المقاصد ١ : ٢٩٢ ، وشرح المنظومة : ٢٠٩. ونسب إليه وإلى أصحابه في شرح حكمة العين : ٢١٥ ، وإيضاح المقاصد : ٢٤٦.

(٣) نسب إليه في إيضاح المقاصد : ٢٤٩ ، والأسفار ٥ : ١٧ ، وشرح المنظومة : ٢٠٩ ، وشرح التجريد للقوشجيّ : ١٤٣. ونسب إليه وإلى فخر الدين الرازيّ في شرح حكمة العين : ٢١٥.

(٤) قال صدر المتألّهين في الأسفار ٥ : ١٧ : «وهو رأي أفلاطون الإلهيّ ومذهب شيعته المشهورين بالرواقيّين ومن يحذو حذوهم وسلك منهاجهم ، كالشيخ الشهيد والحكيم السعيد شهاب الدين يحيى السهرورديّ في كتاب حكمة الإشراق». وذهب إليه الشيخ الإشراقيّ في حكمة الإشراق : ٨٠ و ٨٨. ونسبه أيضا إلى أفلاطون والشيخ الإشراقيّ الحكيم المؤسّس آقا علي المدرّس فيما علّقه على شرح الهداية الأثيريّة لصدر المتألّهين : ٢٤. وذهب إليه أيضا المحقّق الطوسىّ على ما في كشف المراد : ١٥٠ ، وأبو البركات البغداديّ في المعتبر ٣ : ١٩٥.

١٦١

السادس : أنّه مركّب من جوهر وعرض ، وهما : الجوهر (١) والجسميّة التعليميّة الّتي هي امتداد كمّيّ في الجهات الثلاث ، ونسب إلى شيخ الإشراق (٢).

السابع : أنّه جوهر مركّب من جوهرين : (أحدهما) المادّة الّتي هي قوّة كلّ فعليّة. و (الثاني) الاتّصال الجوهريّ الّذي هو صورتها. والصورة اتّصال وامتداد جوهريّ يقبل القسمة إلى أجزاء غير متناهية ، بمعنى لا يقف ، فإنّ اختلاف العرضين يقسّمه ، وكذا الآلة القطّاعة تقسّمه بالقطع ، حتّى إذا أعيت لصغر الجزء أو صلابته أخذ الوهم في التقسيم ، حتّى إذا عجز عنه لنهاية صغر الجزء أخذ العقل في تقسيمه على نحو كلّيّ بأنّه كلّما قسّم إلى أجزاء كان الجزء الجديد ذا حجم ، له جانب غير جانب يقبل القسمة من غير أن يقف ، فورود القسمة لا يعدم الجسم.

__________________

(١) والمراد من «الجوهر» في المقام هو المادّة ، كما سيصرّح بذلك عند بيان وجه ضعف هذا القول.

(٢) قال في الأسفار ٥ : ١٧ : «وهو ما ذهب إليه الشيخ الإلهيّ في كتاب التلويحات اللوحيّة والعرشيّة» انتهى. وراجع التلويحات : ١٤.

لا يقال : الظاهر أنّ بين كلاميه تناقضا ، حيث حكم ببساطة الجسم وجوهريّة المقدار في حكمة الإشراق : ٨٠ و ٨٨ وحكم بتركّب الجسم وعرضيّة المقدار في التلويحات : ١٤.

لأنّه يقال : قال صدر المتألّهين في الأسفار ٥ : ١٧ ـ ١٨ : «لكنّ الشارحين لكلامه مثل محمّد الشهرزوريّ صاحب تاريخ الحكماء وابن كمّونة شارحي التلويحات ، والعلّامة الشيرازيّ شارح حكمة الإشراق كلّهم اتّفقوا على عدم المنافاة بين ما في الكتابين في المقصود ، قائلين : إنّ الفرق يرجع إلى تفاوت اصطلاحيه فيهما ، ويتحقّق ذلك بأنّ في الشمعة حين تبدّل أشكاله مقدارين : ثابت وهو جوهر لا يزيد ولا ينقص بتوارد الأشكال عليه ومتغيّر هو ذهاب المقادير في الجوانب وهو عرض في المقدار الّذي هو جوهر ، ومجموعهما هو الجسم ، والجوهر منهما هو الهيولى على مصطلح التلويحات ، وذلك الأمتداد الجوهريّ هو الجسم على مصطلح حكمة الإشراق ، وهو الّذي يسمّى ـ بالنسبة إلى الهيئات والأنواع المحصّلة ـ الهيولى. فلا مناقضة بين حكمه ببساطة الجسم وجوهريّة المقدار في أحد الكتابين وحكمه بتركّب الجسم وعرضيّة المقدار في الآخر ، فإنّ ذلك الجسم والامتداد غير هذا الجسم والامتداد ، فتوهّم المناقضة إنّما طرأ من اشتراك اللفظ» انتهى كلامه. وراجع أيضا شرح حكمة الإشراق : ٢٢٠.

١٦٢

وهو قول أرسطو والأساطين من حكماء الإسلام (١).

هذا ما بلغنا من أقوالهم في ماهيّة الجوهر المسمّى بالجسم (٢). وفي كلّ منها وجه أو وجوه من الضعف نشير إليها بما تيسّر.

أمّا القول الأوّل ـ المنسوب إلى المتكلّمين ـ وهو : أنّ الجسم مركّب من أجزاء لا تتجزّى أصلا ، تمرّ الآلة القطّاعة على فواصل الأجزاء ، وهي متناهية تقبل الإشارة الحسّيّة.

ففيه : أنّ الجزء المفروض إن كان ذا حجم كان له جانب غير جانب بالضرورة فيجري فيه الانقسام العقليّ وإن لم يمكن تقسيمه خارجا ولا وهما لنهاية صغره ، وإن لم يكن له حجم امتنع أن يحصل من اجتماعه مع غيره جسم ذو حجم.

وأيضا ، لنفرض جزءا لا يتجزّى بين جزئين كذلك فإن كان يحجز عن مماسّة الطرفين انقسم فإنّ كلّا من الطرفين يلقى منه غير ما يلقاه الآخر ، وإن لم يحجز عن مماسّتهما استوى وجود الوسط وعدمه. ومثله كلّ وسط مفروض ، فلم يحجب شيء شيئا ، وهو ضروريّ البطلان.

وأيضا لنفرض جزءا لا يتجزّى فوق جزئين كذلك وعلى ملتقاهما ، فإن لقي بكلّه أو ببعضه كلّ كليهما تجزّى ، وإن لقي بكلّه كلّ أحدهما فقط فليس على الملتقى وقد فرض عليه ، وإن لقي بكلّه أو ببعضه من كلّ منهما شيئا انقسم وانقسما جميعا.

وقد أوردوا في بطلان الجزء الّذي لا يتجزّى وجوها من البراهين ، وهي

__________________

(١) وهم أصحاب المعلّم الأوّل ومن يحذو حذوهم من حكماء الإسلام ، كالشيخين : أبي نصر الفارابيّ وأبي علي ابن سينا. راجع الأسفار ٥ : ١٧ ، وشوارق الإلهام : ٢٨٦.

(٢) وفي المقام قول آخر ، هو : أنّ الجسم مؤلّف من محض الأعراض من الألوان والطعوم والروائح وغير ذلك ، وهذا منسوب إلى الحسين النجّار وضرار بن عمرو من المعتزلة. راجع الفرق بين الفرق : ١٥٦ و ١٦٠ ، ومقالات الإسلاميّين ٢ : ٦ ـ ٧ و ١٥ ـ ١٦ ، وتلخيص المحصّل : ١٨٩ ، والتبصير في الدين : ١٠١ و ١٠٥. وتعرّض له في الأسفار ٥ : ٦٧.

١٦٣

كثيرة مذكورة في كتبهم (١).

وأمّا القول الثاني ـ المنسوب إلى النظّام ـ وهو أنّ الجسم مركّب من أجزاء لا تتجزّى غير متناهية.

فيرد عليه ما يرد على القول الأوّل ، مضافا إلى أنّ عدم تناهي الأجزاء على تقدير كونها ذوات حجم يوجب كون الجسم المتكوّن من اجتماعها غير متناهي الحجم بالضرورة ، والضرورة تدفعه.

وأمّا القول الثالث ـ المنسوب إلى ذيمقراطيس ـ وهو أنّ الجسم مركّب من أجزاء صغار صلبة لا تتجزّى خارجا وإن جاز أن تتجزّى وهما وعقلا.

ففيه : أنّ هذه الأجزاء لا محالة جواهر ذوات حجم ، فتكون أجساما ذوات اتّصال جوهريّ ، تتألّف منها الأجسام المحسوسة ، فالّذي يثبته هذا القول أنّ هاهنا أجساما أوّليّة هي مبادئ هذه الأجسام المحسوسة ، على أنّ هذا القول لا يتبيّن به نفي الهيولى وإبطال تركّب الجسم منها ومن الصورة الجسميّة ، وسيأتي إثباتها في الفصل التالي ، فيؤول إلى إثبات الصورة الجسميّة للأجسام الأوّليّة الّتي هي مبادئ هذه الأجسام المحسوسة ، وإليها تنتهي بالتجزئة.

وأمّا القول الرابع ـ المنسوب إلى الشهرستانيّ ـ وهو كون الجسم متّصلا واحدا كما في الحسّ يقبل القسمة إلى أجزاء متناهية.

ففيه : أنّ لازمه وقوف القسمة العقليّة ، وهو ضروريّ البطلان.

__________________

(١) راجع شرح حكمة الإشراق : ٢٣٨ ـ ٢٤٢ ، والفصل الثالث والرابع والخامس والسادس من المقالة الثالثة من الفنّ الأوّل من طبيعيات الشفاء ، والتحصيل : ٣٢٢ ـ ٣٣١ ، والمباحث المشرقيّة ٢ : ١١ ـ ٢٣ ، والمطالب العالية ٦ : ١٩ ـ ١٦٦ ، وشرح الهداية الأثيريّة لصدر المتألّهين : ١٢ ـ ٢٤ ، والأسفار ٥ : ٢٩ ـ ٥٦ ، وشرح المقاصد ١ : ٢٩٣ ـ ٣٠٤ ، وشرح المواقف : ٣٥٧ ـ ٣٦٦ ، وإيضاح المقاصد : ٢٤٩ ـ ٢٥٦ ، وشرح عيون الحكمة ٢ : ١٠١ ـ ١١٨ ، وشرح المنظومة : ٢٢٢ ـ ٢٢٧ ، وأنوار الملكوت في شرح الياقوت : ١٩ ، وكشف المراد : ١٤٣ ـ ١٤٩ ، وشرح الإشارات ٢ : ١٩ ـ ٣٢. وذهب إلى إثباته بعض من المتكلّمين ، فراجع نهاية الأقدام : ٥٠٥ ـ ٥٠٧ ، وقواعد المرام : ٥٢ ـ ٥٥ ، والأربعين ٢ : ٤ ـ ١٧.

١٦٤

وأمّا القول الخامس ـ المنسوب إلى أفلاطون ـ وهو كون الجسم جوهرا بسيطا ، وهو الاتّصال الجوهريّ القابل للقسمة إلى غير النهاية.

ففيه : منع كون الجسم بسيطا ، لما سيوافيك من إثبات الهيولى للجسم (١). على أنّ في كون الاتّصال الجوهريّ الّذي للجسم هو ما يناله الحسّ من الأجسام المحسوسة كلاما سيأتي إن شاء الله (٢).

وأمّا القول السادس ـ المنسوب إلى شيخ الإشراق ـ وهو كون الجسم مركّبا من جوهر وعرض ، وهما : المادّة ، والجسم التعليميّ الّذي هو من أنواع الكمّ المتّصل.

ففيه أوّلا : أن لا معنى لتقويم العرض للجوهر ، مع ما فيه من تألّف ماهيّة حقيقيّة من مقولتين ، وهما الجوهر والكمّ ، والمقولات متباينة بتمام الذات.

وثانيا : أنّ الكمّ عرض محتاج إلى الموضوع حيثما كان ، فهذا الامتداد المقداريّ الّذي يتعيّن به طول الجسم وعرضه وعمقه كمّ محتاج إلى موضوع يحلّ فيه ، ولو لا أنّ في موضوعه اتّصالا مّا يقبل أن يوصف بالتعيّن لم يعرضه ولم يحلّ فيه ، فلو أخذنا مقدارا من شمعة وسوّيناها كرة ثمّ اسطوانيّا ثمّ مخروطا ثمّ مكعّبا وهكذا وجدنا الأشكال متغيّرة متبدّلة ، وللشمعة اتّصال باق محفوظ في الأشكال المختلفة المتبدّلة. فهناك اتّصالان : اتّصال مبهم غير متعيّن في نفسه لو لاه لم يكن شمعة ، واتّصال وامتداد متعيّن لو بطل لم يبطل به جسم الشمعة. والأوّل هو صورة الجسم ، والثاني عرض يعرض الجسم ، والانقسام يعرض الجسم من حيث عرضه هذا ، وأمّا من حيث اتّصاله الذاتيّ المبهم فله إمكان أن يفرض فيه أبعاد ثلاثة.

قال الشيخ في الشفاء : «فالجسميّة بالحقيقة صورة الاتّصال القابل لما قلناه من فرض الأبعاد الثلاثة ، وهذا المعنى غير المقدار وغير الجسميّة التعليميّة ، فإنّ هذا الجسم من حيث له هذه الصورة لا يخالف جسما آخر بأنّه أكبر أو أصغر ،

__________________

(١) في الفصل التالي.

(٢) في آخر هذا الفصل ، حيث قال : «لا حجّة تدلّ على كون الجسم في اتّصاله كما هو عليه عند الحسّ ، فخطأ الحسّ غير مأمون».

١٦٥

ولا يناسبه بأنّه مساو أو معدود به أو عادّ له أو مشارك أو مباين ، وإنّما ذلك له من حيث هو مقدّر ، ومن حيث جزء منه يعدّه ، وهذا الاعتبار غير اعتبار الجسميّة الّتي ذكرناها» (١) انتهى.

وبالجملة : فأخذ الامتداد الكمّيّ العرضيّ في ماهيّة الجوهر (٢) ـ على ما فيه من الفساد ـ خلط بين الاتّصال الجوهريّ والامتداد العرضيّ الّذي هو الجسم التعليميّ.

وأمّا القول السابع ـ المنسوب إلى أرسطو ـ وهو تركّب الجسم من الهيولى والصورة الجسميّة ، وهي الاتّصال الجوهريّ على ما عند الحسّ ، وهو كون الشيء بحيث يمكن أن يفرض فيه امتدادات ثلاثة متقاطعة على قوائم يقبل القسمة إلى أجزاء غير متناهية. أمّا الهيولى فسيجيء إثباتها (٣) ، وأمّا الصورة الجسميّة الّتي هي الاتّصال فقد تقدّم توضيحه.

ففيه : أنّ كون الجسم مركّبا من مادّة واتّصال جوهريّ يقبل القسمة إلى غير النهاية ، لا غبار عليه ، لكن لا حجّة تدلّ على كون الجسم في اتّصاله كما هو عليه عند الحسّ ، فخطأ الحسّ غير مأمون.

وقد اكتشف علماء الطبيعة أخيرا ـ بعد تجارب دقيقة فنّيّة ـ أنّ الأجسام مؤلّفة من أجزاء ذرّيّة لا تخلو من جرم ، بينها من الفواصل أضعاف ما لأجرامها من الامتداد ، فلينطبق هذا القول على ما اكتشفوه من الأجسام الذرّيّة الّتي هي مبادئ تكوّن الأجسام المحسوسة ، وليكن وجود الجسم بهذا المعنى أصلا موضوعا لنا.

نعم ، لو سلّم ما يقال : «إنّ المادّة ـ يعنون بها الأجسام الذرّيّة الاول ـ قابلة التبدّل إلى الطاقة وإنّها مجموعة من ذرّات الطاقة المتراكمة» كان من الواجب في البحث الحكميّ أخذ الطاقة نوعا عاليا مترتّبا على الجوهر قبل الجسم ثمّ ترتيب الأبحاث المتفرّقة على ما يناسب هذا الوضع ، فليتأمّل.

__________________

(١) راجع الفصل الثاني من المقالة الثانية من إلهيّات الشفاء. وتعرّض له صدر المتألّهين في الأسفار ٥ : ٢١.

(٢) الّذي هو الجسم.

(٣) في الفصل التالي.

١٦٦

الفصل الخامس

في ماهيّة المادّة وإثبات وجودها (١)

لا ريب أنّ الجسم في أنّه جوهر يمكن أن يفرض فيه الامتدادات الثلاثة (٢) أمر بالفعل ؛ وفي أنّه يمكن أن يوجد فيه كمالات اخر أوّليّة مسمّاة بالصور النوعيّة الّتي تكمّل جوهره ، وكمالات ثانية من الأعراض الخارجة عن جوهره ، أمر بالقوّة. وحيثيّة الفعل غير حيثيّة القوّة ، لما أنّ الفعل لا يتمّ إلّا بالوجدان ، والقوّة تلازم الفقدان. فالّذي يقبل من ذاته هذه الكمالات الاولى والثانية الممكنة فيه ويتّحد بها ، أمر غير صورته الاتّصاليّة الّتي هو بها بالفعل ، فإنّ الاتّصال الجوهريّ

__________________

(١) قال الحكيم السبزواريّ : «إنّ الهيولى العمّ أعني ما حمل ، قوّة شيىء أثبتت كلّ الملل. ومعناه أنّ الهيولى ـ بمعنى حامل القوّة والجوهر الّذي تطرأ عليه الانفعالات ـ اتّفاقيّة. وكذا معلومة الإنّيّة بحسب هذا المفهوم ؛ فإنّه إذا قيل : صارت النطفة حيوانا ، والبيضة فرخا ، والبذر نباتا ، وغير ذلك ، فإمّا أن يراد النطفة مثلا باقية نطفة ومع هذا حيوان فيكون في حالة واحدة نطفة وحيوانا ، وإمّا أن يراد أنّ النطفة بطلت بكلّيّتها ثمّ حدث حيوان فحينئذ ما صارت النطفة حيوانا بل تلك بطل بكلّيتها ، وهذا شيء جديد حصل من كتم العدم بتمام أجزائه. وهذان باطلان. فبقي أن يكون الجوهر الّذي كان متلبّسا بالصورة النطفيّة خلعت عنه هذه واكتسى الصورة الحيوانيّة. وهذا مصحّح أن يقول الإنسان : هذا الزرع من بذره ، وهذا الفرخ من بيضته ، وهذا الولد من نطفته ، ونحو ذلك. فظهر أنّ الهيولى بحسب هذا المفهوم معلوم الإنّيّة حتّى عند العامّة. إنّما النزاع في ماهيّتها ، هل هي نفس الجوهر المتّصل؟ أو جوهر أبسط منه يقال له : مادّة الموادّ؟ أو جواهر فرده؟ أو أجرام صغار صلبة؟». شرح المنظومة (قسم الحكمة) : ٢١٣.

(٢) أي : الامتدادات الثلاثة المتقاطعة على زوايا قوائم.

١٦٧

ـ من حيث هو ـ اتّصال جوهريّ لا غير ، وأمّا حيثيّة قوّة الكمالات اللاحقة وإمكانها فأمر خارج عن الاتّصال المذكور ، مغاير له ، فللجسم وراء اتّصاله الجوهريّ جزء آخر حيثيّة ذاته حيثيّة قبول الصور والأعراض اللاحقة ، وهو الجزء المسمّى ب «الهيولى والمادّة» (١).

فتبيّن أنّ الجسم جوهر مركّب من جزئين جوهريّين : المادّة الّتي إنّيّتها (٢) قبول الصور المتعلّقة نوع تعلقّ بالجسم والأعراض المتعلّقة بها ، والصورة الجسميّة. وأنّ المادّة جوهر قابل للصور والأعراض الجسمانيّة. وأنّ الامتداد الجوهريّ صورة لها.

لا يقال (٣) : لا ريب أنّ الصور والأعراض الحادثة اللاحقة بالأجسام يسبقها إمكان في المحلّ واستعداد وتهيّؤ فيه لها ، وكلّما قرب الممكن (٤) من الوقوع زاد الاستعداد اختصاصا واشتدّ ، حتّى إذا صار استعدادا تامّا وجد الممكن بإفاضة من الفاعل. فما المانع من إسناد القبول إلى الجسم ـ أعني الاتّصال الجوهريّ ـ بواسطة قيام الاستعداد به عروضا من غير حاجة إلى استعداد وقبول جوهريّ نثبتهما (٥)

__________________

(١) قال صدر المتألّهين فيما علّقه على حكمة الإشراق وشرحه : «وهذه الحجّة ممّا ذكره المصنّف رحمه‌الله ـ أي الشيخ الإشراقيّ ـ في المطارحات» ، فراجع شرح حكمة الإشراق : ٢١٨.

ولكن لم أجدها في المطارحات. ونسبها الرازيّ إلى الشيخ الرئيس في المطالب العالية ٦ : ٢٠٢.

(٢) أي : حيثيّة وجودها.

(٣) وهذا الاعتراض مستفاد من كلام الرازيّ في شرح عيون الحكمة ٣ : ٢٣ ، حيث قال : «والثاني أنّ الهيولى ...». ويستفاد أيضا ممّا نقله صدر المتألّهين عن بعض المحقّقين ، فراجع الأسفار ٥ : ١٦٠.

(٤) وفي المراد من «الممكن» وجهان :

الأوّل : أن يكون المراد منه المستعدّ ، ومعناه : أنّ كلّما قرب الممكن المستعدّ من الوقوع والفعليّة زاد الاستعداد اختصاصا.

الثاني : أن يكون المراد منه المستعدّ له ، ومعناه : أنّ كلّما قرب المستعدّ إلى الممكن المستعدّ له من الفعليّة زاد الاستعداد اختصاصا. وهذا أولى.

(٥) وفي النسخ : «نثبته». والصحيح ما أثبتناه.

١٦٨

جزءا للجسم؟ على أنّ القبول أو الاستعداد (١) مفهوم عرضيّ قائم بالغير ، فلا يصلح أن يكون حقيقة جوهريّة (٢). على أنّ من الضروريّ أنّ الاستعداد يبطل مع تحقّق المستعدّ له ، فلو كان هناك هيولى ـ هي استعداد وقبول جوهريّ وجزء للجسم ـ لبطلت بتحقّق الممكن المستعدّ له ، وبطل الجسم ببطلان جزئه ، وانعدم بانعدامه ، وهو خلاف الضرورة (٣).

فإنّه يقال : مغايرة الجسم ـ بما أنّه اتّصال جوهريّ لا غير ـ مع كلّ من الصور النوعيّة تأبى أن يكون موضوعا للقبول والاستعداد لها ، بل يحتاج إلى أمر آخر لا يأبى أن يتّحد مع كلّ من الصور اللاحقة ، فيكون في ذاته قابلا لكلّ منها ، وتكون الاستعدادات الخاصّة الّتي تتوسّط بينه وبين الصور الممكنة أنحاء تعيّنات القبول الّذي له في ذاته ، فنسبة الاستعدادات المتفرّقة المتعيّنة إلى الاستعداد المبهم الّذي للمادّة في ذاتها نسبة الأجسام التعليميّة والامتدادات المقداريّة ـ الّتي هي تعيّنات للامتداد والاتّصال الجوهريّ ـ إلى الاتّصال الجوهريّ. ولو كان الجسم ـ بما أنّه اتّصال جوهريّ ـ هو الموضوع للاستعداد والجسم من الحوادث الّتي يسبقها إمكان لكان حاملا لإمكان نفسه ، فكان متقدّما على نفسه بالزمان.

وأمّا ما قيل (٤) : «إنّ المفهوم من القبول معنى عرضيّ قائم بالغير ، فلا معنى للقول بكون المادّة قبولا بذاته ، وهو كون القبول جوهرا».

فيدفعه : أنّ البحث حقيقيّ ، والمتّبع في الأبحاث الحقيقيّة البرهان ، دون الألفاظ بمفاهيمها اللغويّة ومعانيها العرفيّة.

وأمّا حديث بطلان الاستعداد بفعليّة تحقّق المستعدّ له المقويّ عليه فلا ضير فيه ، فإنّ المادّة هي في ذاتها قوّة كلّ شيء من غير تعيّن شيء منها ، وتعيّن هذه

__________________

(١) وفي النسخ : «والاستعداد». والأولى ما أثبتناه.

(٢) تعرّض له صدر المتألّهين في الأسفار ٥ : ٧١ نقلا عن الشيخ الإشراقيّ في أوائل طبيعيّات كتابه.

(٣) وتعرّض له أيضا صدر المتألّهين في الأسفار ٥ : ٧٤ نقلا عن الشيخ الإشراقيّ.

(٤) والقائل الشيخ الإشراقيّ على ما نقل عنه في الأسفار ٥ : ٧١.

١٦٩

القوّة ـ المستتبع لتعيّن المقويّ عليه ـ عرض موضوعه المادّة ، وبفعليّة الممكن المقويّ عليه (١) تبطل القوّة المتعيّنة والاستعداد الخاصّ ، والمادّة على ما هي عليه من كونها قوّة على الصور الممكنة.

وبالجملة : إن كان مراد المستشكل بقوله : «إنّ الاستعداد يبطل بفعليّة الممكن المستعدّ له» هو مطلق الاستعداد الّذي للمادّة فممنوع ، وإن كان مراده هو الاستعداد الخاصّ الّذي هو عرض قائم بالمادّة فمسلّم ، لكن بطلانه لا يوجب بطلان المادّة.

لا يقال (٢) : الحجّة ـ أعني السلوك إلى إثبات المادّة بمغايرة القوّة والفعل ـ منقوضة بالنفس الإنسانيّة ، فإنّها بسيطة مجرّدة من المادّة ولها آثار بالقوّة ، كسنوح الإرادات (٣) والتصوّرات وغير ذلك ، فهي أمر بالفعل في ذاتها المجرّدة وبالقوّة من حيث كمالاتها الثانية. فإذا جاز كونها على بساطتها بالفعل وبالقوّة معا فليجز في الجسم أن يكون متّصفا بالفعليّة والقوّة من غير أن يكون مركّبا من المادّة والصورة.

فإنّه يقال (٤) : النفس ليست مجرّدة تامّة ذاتا وفعلا ، بل هي متعلّقة بالمادّة فعلا ، فلها الفعليّة من حيث تجرّدها والقوّة من حيث تعلّقها بالمادّة.

لا يقال (٥) : الحجّة منقوضة بالنفس الإنسانيّة من جهة اخرى ، وهو أنّهم ذكروا (٦) ـ وهو الحقّ ـ أنّ النفس الإنسانيّة العقليّة مادّة للمعقولات المجرّدة ، وهي

__________________

(١) أي : المستعدّ له.

(٢) كما قال بعض شيعة الأقدمين ، كما في شرح الهداية الأثيريّة لصدر المتألّهين : ٤٦ ، والأسفار ٥ : ١١٤. وتعرّض له أيضا فيما علّق على شرح حكمة الإشراق : ٢١٨ ولم ينسب إليه. وهذا النقض يظهر من كلام الشيخ الإشراقيّ في المطارحات : ٤٩٦ ـ ٤٩٧.

(٣) أي : خطورها.

(٤) هكذا أجاب عنه صدر المتألّهين في كتبه ، فراجع الأسفار ٥ : ١١٥ ، وشرحه للهداية الأثيريّة : ٤٦ ، وتعليقاته على شرح حكمة الإشراق : ٢١٨.

(٥) هذا الاعتراض ممّا خطر ببال المصنّف رحمه‌الله ، ثمّ أجاب عنه بقوله : «فإنّا نقول ...».

(٦) وهو المنسوب إلى جمهور المشّائين من أصحاب المعلّم الأوّل. راجع شرح الإشارات ٣ : ٢٩٣.

١٧٠

مجردّة كلّما تعقّلت معقولا صارت هي هو.

فإنّا نقول : خروج النفس المجرّدة من القوّة إلى الفعل باتّحادها بعقل بعد عقل ليس من باب الحركة المعروفة الّتي هي كمال أوّل لما بالقوّة من حيث إنّه بالقوّة ، وإلّا استلزم قوّة واستعدادا وتغيّرا وزمانا ، وكلّ ذلك ينافي التجرّد الّذي هو الفعليّة التامّة العارية من القوّة.

بل المراد بكون النفس مادّة للصور المعقولة اشتداد وجودها المجرّد من غير تغيّر وزمان ، باتّحادها بالمرتبة العقليّة الّتي فوق مرتبة وجودها بإفاضة المرتبة (١) العالية ، وهي الشرط في إفاضة المرتبة الّتي هي فوق ما فوقها (٢).

وبالجملة : مادّيّة النفس للصور المجرّدة المعقولة غير المادّيّة بالمعنى الّذي في عالم الأجسام نوعا ، وناهيك في ذلك عدم وجود خواصّ المادّة الجسمانيّة هناك.

لا يقال (٣) : الحجّة منقوضة بنفس المادّة ، فإنّها في نفسها جوهر موجود بالفعل ولها قوّة قبول الأشياء ، فيلزم تركّبها من صورة تكون بها بالفعل ومادّة تكون بها بالقوّة ، وننقل الكلام إلى مادّة المادّة ، وهلمّ جرّا ، فيتسلسل. وبذلك يتبيّن أنّ الاشتمال على القوّة والفعل لا يستلزم تركّبا في الجسم.

لأنّه يقال ـ كما أجاب عنه الشيخ (٤) ـ : إنّ المادّة متضمّنة للقوّة والفعل ،

__________________

(١) وفي النسخ : «بإضافة المرتبة العالية». والصحيح ما أثبتناه.

(٢) ولا يخفى عليك : أنّ اشتداد وجود النفس المجرّدة عبارة اخرى عن ثبوت الحركة الجوهريّة فيها ، فكيف ينكر كونه من باب الحركة المعروفة؟! مع أنّه صرّح في الفصل الثاني من المرحلة التاسعة بأنّ كلّ ما لوجوده قوّة ، فوجوده سيّال تدريجيّ ، وصرّح في الفصل الحادي عشر من المرحلة الثامنة بأنّ جوهر النفس متحرّكة بحركة جوهريّة.

(٣) وهذا الاعتراض أيضا ممّا نقله صدر المتألّهين عن لسان بعض شيعة الأقدمين في شرحه للهداية الأثيريّة : ٤٦. وتعرّض له أيضا في الأسفار ٥ : ١١٦ ، وتعليقاته على شرح حكمة الإشراق : ٢١٨. وكذا تعرّض له الشيخ الرئيس في الفصل الثاني من المقالة الثانية من إلهيّات الشفاء ، والفخر الرازيّ في المباحث المشرقيّة ٢ : ٤٤.

(٤) راجع الفصل الثاني من المقالة الثانية من إلهيات الشفاء ، حيث قال : «فنقول : ـ

١٧١

لكنّ قوّتها عين فعليّتها وفعليّتها عين قوّتها ، فهي في ذاتها محض قوّة الأشياء ، لا فعليّة لها إلّا فعليّة أنّها قوّة الأشياء.

لا يقال (١) : الحجّة منقوضة بالعقل ، فإنّه مؤثّر فيما دونه ، متأثّر عمّا فوقه ، ففيه جهتا فعل وانفعال ، فيلزم على قولكم تركّبه من مادّة وصورة حتّى يفعل بالصورة وينفعل بالمادّة.

فإنّه يقال (٢) : إنّ الانفعال والقبول هناك غير الانفعال والقبول المبحوث عنه في الأجسام ، فانفعال العقل وقبوله الوجود ممّا فوقه ليس إلّا مجرّد وجوده الفائض عليه ، من غير سبق قوّة واستعداد يقرّب موضوعه من الفعليّة ، وإنّما العقل يفرض للعقل ماهيّة يعتبرها قابلة للوجود والعدم ، فيعتبر تلبّسها بالوجود قبولا وانفعالا ، فالقبول كالانفعال مشترك بين المعنيين ، والّذي يستلزم التركّب هو القبول بمعنى الاستعداد والقوّة السابقة ، دون القبول بمعنى فيضان الوجود ، فالعقل يفعل بعين ما يقبل وينفعل به.

__________________

ـ إنّ جوهر الهيولى وكونها بالفعل هيولى ليس شيئا آخر ، إلّا أنّه جوهر مستعدّ لكذا ...». وراجع الأسفار ٥ : ١١٦ ، وشرح الهداية الأثيريّة لصدر المتألّهين : ٤٧ ، وتعليقاته على شرح حكمة الإشراق : ٢١٨.

(١) وتعرّض لهذا الاعتراض صدر المتألّهين في الأسفار ٥ : ١١٦ ، وفي تعليقاته على شرح حكمة الإشراق : ٢١٨. والظاهر أنّه أورده الشيخ الإشراقيّ في المطارحات : ٤٩٧.

(٢) هكذا أجاب عنه صدر المتألّهين في الأسفار ٥ : ١١٦.

١٧٢

الفصل السادس

في أنّ المادّة لا تفارق الجسميّة ، والجسميّة لا تفارق المادّة ،

أي أنّ كلّ واحدة منهما لا تفارق صاحبتها

أمّا أنّ المادّة لا تتعرّى عن الصورة فلأنّها في ذاتها وجوهرها قوّة الأشياء ، لا نصيب لها من الفعليّة إلّا فعليّة أنّها لا فعليّة لها ، ومن الضروريّ أنّ الوجود يلازم الفعليّة المقابلة للقوّة (١). فهي ـ أعني المادّة ـ في وجودها مفتقرة إلى موجود فعليّ محصّل الوجود ، تتّحد به ، فتحصّل بتحصّله (٢) ، وهو المسمّى «صورة».

وأيضا لو وجدت المادّة مجرّدة عن الصورة لكانت لها فعليّة في وجودها ، وهي قوّة الأشياء محضا (٣) ، وفيه اجتماع المتنافيين في ذات واحدة ، وهو محال.

ثمّ إنّ المادّة لمّا كانت متقوّمة الوجود بوجود الصورة فللصورة جهة الفاعليّة (٤) بالنسبة إليها ، غير أنّها ليست تامّة الفاعليّة لتبدّل الصور عليها ،

__________________

(١) الّتي ملازمة للفقدان. فالتقابل بينهما تقابل السلب والإيجاب.

(٢) أي : تتحصّل المادّة بتحصّل ذلك الموجود المحصّل الوجود.

(٣) أي : لا فعليّة لها إلّا فعليّة أنّها قوّة الأشياء.

(٤) لم يقل : «فللصورة فاعليّة بالنسبة إليها» لأنّه لم تكن الصورة علّة حقيقيّة بالنسبة إليها ، بل إنّما هي شرط لوجود المادّة ، كما صرّح بذلك في بداية الحكمة وقال : «وليست الصورة علّة تامّة ولا علّة فاعليّة لها». ثمّ قال : «فالصورة جزء للعلّة التامّة وشريكة العلّة للمادّة وشرط لفعليّة وجودها» بداية الحكمة : ٩٦.

١٧٣

والمعلول الواحد لا يكون له إلّا علّة واحدة ، فللمادّة فاعل أعلى وجودا من المادّة ، والمادّيّات يفعل المادّة (١) ويحفظ وجودها باتّحاد صورة عليها بعد صورة ؛ فالصورة شريكة العلّة للمادّة.

لا يقال (٢) : المادّة ـ على ما قالوا ـ واحدة بالعدد (٣) ، وصورة مّا واحدة بالعموم ، والواحد بالعدد أقوى وجودا من الواحد بالعموم ، فلازم علّيّة صورة مّا للمادّة كون ما هو أقوى وجودا (٤) معلولا للأضعف وجودا (٥) ، وهو محال.

__________________

(١) أي : يؤثّر هذا الفاعل في المادّة.

قال المحقّق الآمليّ : «وأمّا الهيولى فهي وجودها محتاجة إلى طبيعة الصورة ، لا بمعنى انّ طبيعة الصورة فاعل الهيولى ومعطي وجودها ، بل بمعنى كون الوجود مفيضا عليها من علّتها الّتي هي العقل المفارق والمعقب القدسيّ من ممرّ الصورة ، فتكون الصورة شريكة لعلّتها ، أي الوجود يمرّ عليها ويفاض على الهيولى». درر الفوائد ٢ : ١٧٠.

(٢) تعرّض لهذا الإشكال الشيخ الرئيس في الفصل الرابع من المقالة الثانية من إلهيّات الشفاء. وأشار إليه أيضا في الإشارات حيث قال : «وهاهنا سرّ آخر». فراجع شرح الإشارات ٢ : ١٢٥ ـ ١٢٦.

(٣) إنّ الواحد العدديّ يطلق على معان :

الأوّل : الواحد بالوحدة الشخصيّة. ويقابله الواحد بالعموم كالواحد النوعيّ والجنسيّ وغيرهما.

الثاني : الواحد بشرط لا الّذي هو في عرض مراتب الأعداد كالاثنين والثلاثة والأربعة ونحوها ، ويقابله الواحد بالوحدة الحقّة.

الثالث : الواحد بالوحدة اللا بشرط الّذي هو مقوّم الأعداد في طول المراتب لا في عرضها. وهو آية التوحيد الخاصّيّ في الوجودات ، أي الوحدة الحقّة الحقيقيّة الوجوبيّة.

وبه يفسّر قوله عليه‌السلام : «يا إلهي لك وحدانيّة العدد». وقوله عليه‌السلام : «الواحد بلا تأويل عدد».

والمراد من الواحد العدديّ في المقام هو الأوّل. قال الحكيم السبزواريّ في تعليقته على الأسفار ٢ : ٣٢٨ : «وأمّا الوحدة العدديّة المصطلحة للحكماء فيطلق على وحدته البتّة ، فإنّهم يسمّون الوحدة الشخصيّة وحدة عدديّة ، والشخص واحدا بالعدد».

(٤) وهو المادّة الّتي هي ذات شخصيّة.

(٥) وهو الصورة المبهمة الكلّيّة. والوجه في أضعفيّتها وجودا أنّ المراد بالصورة هو الكلّيّ الطبيعيّ الّذي إنّما يوجد بوجود شخصه ، وهو المادّة.

١٧٤

فإنّه يقال (١) : إنّ المادّة وإن كانت واحدة بالعدد لكن وحدتها مبهمة ضعيفة ، لإبهام وجودها وكونها محض القوّة ، ووحدة الصورة ـ وهي شريكة العلّة الّتي هي المفارق ـ مستظهرة بوحدة المفارق. فمثل إبقاء المفارق وحفظه المادّة بصورة مّا مثل السقف يحفظ من الانهدام بنصب دعامة بعد دعامة.

وسيأتي في مباحث الحركة الجوهريّة إن شاء الله (٢) ما ينكشف به حقيقة

__________________

(١) كما قال به الشيخ الرئيس في الفصل الرابع من المقالة الثانية من إلهيّات الشفاء ، وتعرّض له المحقّق الطوسيّ في شرح الإشارات ٢ : ١٢٥ ـ ١٢٦.

وحاصل الجواب : أنّ المادّة وإن كانت واحدة بالعدد لكنّها ضعيفة في الوجود ، فإنّ حظّها من الوجود ليس إلّا كونها قوّة للوجود ، فوحدتها الشخصيّة مبهمة ضعيفة. وأمّا وحدة الصورة وإن كانت بالعموم إلّا أنّها مستظهرة بوحدة المفارق الفائض ، أي أنّها مستعانة بالوحدة العدديّة الّتي هي وحدة العقل المفارق الفائض الدائم ، فإنّ فيض الفيّاض يفاض على الصورة أوّلا وعلى الهيولى ثانيا ، فالصورة متقدّمة على المادّة وجودا وإن كانت المادّة متقدّمة عليها زمانا. وبه يصحّح كونها شريكة العلّة للمادّة.

وفيه : أنّه يوافق مذهبه من تقدّم المادّة على الصورة زمانا وتقدّم الصورة على المادّة وجودا.

ولكنّ الحقّ أن لا معنى لتقدّم المادّة على الصورة زمانا ، بل المادّة والصورة كلتاهما مستندة إلى العقل المفارق ، وهو يوجدهما معا في زمان واحد ، ويحفظ المادّة بتلاحق الصور.

نعم ، الهيولى في وجودها محتاجة إلى الصورة كما أنّ الصورة لا تتعرّى عن المادّة وتتوقّف عليها. وبعبارة اخرى : أنّ وجود الصورة شرط فيضان الوجود على المادّة من العلّة الفاعليّة كما أنّ المادّة شرط وجود الصورة ، فهما متلازمان وجودا ومعلولان لعلّة ثالثة هي العقل المفارق.

وأجاب الحكيم السبزواريّ عن الإشكال في شرح المنظومة (قسم الحكمة) : ٢٣٤ بما حاصله : أنّ طبيعة الصورة من حيث التحقّق تكون علّة للهيولى ، وهي بتلك الحيثيّة ليست أضعف وجودا من الواحد بالعدد ، لأنّها تتحقّق بعين تحقّق الفرد ، فيكون كالواحد بالعدد.

وفيه : أنّ اللازم في علّيّة الشيء كونه أقوى وجودا من المعلول ، لا عدم كونه أضعف وجودا منه ، وإلّا يلزم أن يكون الشيء المساوي وجودا علّة لمساويه ، وهو محال.

فالأولى في الجواب أن يقال : إنّ الصورة ليست علّة فاعليّة للهيولى حتّى يلزم أن يكون أقوى وجودا من الهيولى ، بل هي شرط فيضان الوجود عليها من العلّة الفاعليّة الّتي هي العقل المفارق الدائم الوجود كما أنّ المادّة شرط فيضان الوجود على الصورة كذلك.

(٢) في الفصل الثامن من المرحلة التاسعة.

١٧٥

الحال في كثرة هذه الصور المتعاقبة على المادّة.

وقد تبيّن بما تقدّم أنّ كلّ فعليّة وتحصّل تعرض المادة فإنّما هي بفعليّة الصورة ، لما أنّ تحصّلها بتحصّل الصورة. وأنّ الصورة شريكة العلّة للمادّة. وأنّ الصورة متقدّمة على المادّة وجودا وإن كانت المادّة متقدّمة عليها زمانا (١).

وأمّا أنّ الصورة الجسميّة لا تتعرّى عن المادّة فلأنّ الجسم أيّا مّا كان لا يخلو عن عوارض مفارقة تتوارد عليه من أقسام الحركات والكمّ والكيف والأين والوضع وغيرها ، وكذلك (٢) الصور النوعيّة المتعاقبة عليه ، وهي جميعا تتوقّف على إمكان واستعداد سابق لا حامل له إلّا المادّة ، فلا جسم إلّا في مادّة.

وأيضا الجسم ـ بما أنّه جوهر قابل للأبعاد الثلاثة ـ طبيعة نوعيّة تامّة واحدة وإن كانت تحته أنواع ، وليس كمفهوم الجوهر الّذي ليس له إلّا أن يكون ماهيّة جنسيّة ، لا حكم له إلّا حكم أنواعه المندرجة تحته. فإذا كان طبيعة نوعيّة فهو بطبيعته وفي ذاته إمّا أن يكون غنيّا عن المادّة غير مفتقر إليها ، أو مفتقرا إليها. فإن كان غنيّا بذاته استحال أن يحلّ المادّة ، لأنّ الحلول عين الافتقار ، لكنّا نجد بعض الأجسام حالّا في المادّة ، فليس بغنيّ عنها. وإن كان مفتقرا إليها بذاته ثبت الافتقار ـ وهو الحلول ـ في كلّ جسم.

لا يقال (٣) : لم لا يجوز أن يكون غنيّا عنها بحسب ذاته وتعرضه المقارنة في بعض الأفراد لسبب خارج عن الذات كعرض الأعراض المفارقة للطبائع النوعيّة؟.

__________________

(١) وفيه : ما مرّ من أنّه لا معنى لتقدّم المادّة على الصورة زمانا ، كما لا معنى تقدّم الصورة على المادّة وجودا ، بل العقل المفارق الفائض يوجدهما معا يحفظ المادّة بتوارد الصور.

(٢) أي : وكذلك لا يخلو عن الصور النوعيّة.

(٣) هذا دخل مقدّر يستفاد ممّا ذكره بهمنيار في التحصيل : ٣٤٧ ، حيث قال : «ولا تصحّ أن تكون حاجة الصورة إلى مثل هذا الموضوع أو المحلّ بسبب من خارج ...». أشار إليه أيضا الشيخ الرئيس في الفصل الثاني من المقالة الثانية من إلهيات الشفاء ، حيث قال : «واللواحق الخارجية لا تغنيها عن الحاجة إلى المادّة بوجه من الوجوه».

١٧٦

لأنّه يقال (١) : مقارنة الجسم للمادّة ـ كما اشير إليه (٢) ـ بحلوله فيها. وبعبارة اخرى : بصيرورة وجوده للمادّة ناعتا لها (٣) ، فمعنى عرض الافتقار له بسبب خارج بعد غناء عنها في ذاته صيرورة وجوده لغيره بعد ما كان لنفسه ، وهو محال بالضرورة.

واعلم أنّ المسألة وإن عقدت في تجرّد الصورة الجسميّة لكنّ الدليل يجري في كلّ صورة في إمكانها أن تلحقها كمالات طارئة.

وسيأتي في بحث الحركة الجوهريّة (٤) أنّ الجوهر المادّيّ متحرّك في صورها حتّى يتخلّص إلى فعليّة محضة لا قوّة معها ، وذلك باللبس بعد اللبس ، لا بالخلع واللبس ، فبناء عليه تكون استحالة تجرّد الصورة المادّيّة عن المادّة مقيّدة بالحركة دون ما إذا تمّت الحركة وبلغت الغاية.

ويتأيّد ذلك بما ذكره الشيخ (٥) وصدر المتألّهين (٦) [من] أنّ المادّة غير داخلة في حدّ الجسم دخول الأجناس في حدود أنواعها. فماهيّة الجسم ـ وهي الجوهر القابل للأبعاد الثلاثة ـ لا خبر فيها عن المادّة الّتي هي الجوهر الّذي فيه قوّة الأشياء ، لكنّ الجسم مثلا مأخوذ في حدّ الجسم النامي ، والجسم النامي مأخوذ في حدّ الحيوان ، والحيوان مأخوذ في حدّ الإنسان.

وقد بيّنه صدر المتألّهين (٧) بأنّها لو كانت داخلة في ماهيّة الجسم لكانت بيّنة

__________________

(١) هكذا أجاب عنه بهمنيار في التحصيل : ٣٤٧ ، حيث قال : «فإنّ الغنيّ بذاته عن المادّة لا يدخل عليه ما يحوجه إلى المادّة إلّا بانقلاب عينه ، وهو محال».

(٢) حيث قال : «لكنّا نجد بعض الأجسام حالّا في المادّة».

(٣) قال قطب الدين الرازيّ في تعليقته على شرح الإشارات ٢ : ١٠٣ : «ولا معنى للحلول إلّا الاختصاص الناعت».

(٤) في الفصل الثامن من المرحلة التاسعة.

(٥) في الفصل الثاني من المقالة الثانية من إلهيات الشفاء ، حيث قال : «وأمّا الجسميّة الّتي نتكلّم فيها ...».

(٦) في الأسفار ٥ : ١٣٦.

(٧) راجع الأسفار ٥ : ١٣٦.

١٧٧

الثبوت له على ما هو خاصّة الذاتيّ (١) ، لكنّا نشكّ في ثبوتها للجسم في بادئ النظر ، ثمّ نثبتها له بالبرهان ، ولا برهان على ذاتيّ.

ولا منافاة بين القول بخروجها عن ماهيّة الجسم والقول باتّحادها مع الصورة الجسميّة على ما هو لازم اجتماع ما بالقوّة مع ما بالفعل ، لأنّ الاتّحاد المدّعى إنّما هو في الوجود لا في الماهيّة.

ولازم ذلك أن لو تجرّد بعض الأنواع المادّيّة عن المادّة لم يلزم انقلاب بتغيّر الحدّ ، وأنّ المادّة من لوازم وجوده لا جزء ماهيّته.

__________________

(١) وفيه : ما مرّ منّا في تعليقتنا على الفصل الرابع من المرحلة الخامسة الرقم ٤ من الصفحة : ١٣١ ، فراجع.

١٧٨

الفصل السابع

في إثبات الصور النوعيّة (١)

وهي الصور الجوهريّة المنوّعة لجوهر الجسم المطلق

إنّا نجد في الأجسام اختلافا من حيث صدق مفاهيم عليها ، هي بيّنة الثبوت لها ، ممتنعة الانفكاك عنها ، فإنّا لا نقدر أن نتصوّر جسما دون أن نتصوّره مثلا عنصرا أو مركّبا معدنيّا أو شجرا أو حيوانا وهكذا ، وتلبّس الجسم بهذه المفاهيم على هذا النحو أمارة كونها من مقوّماته ، ولمّا كان كلّ منها أخصّ من الجسم وهي مقوّمة لجوهر ذاته فيحصل بانضمام كلّ منها إليه نوع منه ، ولا يقوّم الجوهر إلّا جوهر ، فهي صور جوهريّة منوّعة (٢).

__________________

(١) هذا مذهب الحكماء المشّائين على ما نقل عنهم في الأسفار ٥ : ١٥٧. وخالفهم الشيخ الإشراقيّ تبعا للأقدمين ، حيث قال في المطارحات : ٢٨٤ : «وأمّا الصورة فالقدماء يرون أنّ كلّ ما ينطبع في شيء هو عرض ، ويتأبّون عن تسمية المنطبع في المحلّ جوهرا». وقال في حكمة الإشراق : ٨٨ : «والحقّ مع الأقدمين في هذه المسألة».

وقال صدر المتألّهين في شرحه للهداية الأثيريّة : ٦٥ ـ بعد تحرير محلّ النزاع ـ : «فيه خلاف بين أتباع المعلّم الأوّل من المشّائين ومنهم الشيخ الرئيس ومن في طبقته وبين الأقدمين من اليونانيّين كهرمس وفيثاغورس وأفلاطون وحكماء الفرس والرواقيّين ومن تابعهم كصاحب حكمة الإشراق».

(٢) هذه ثانية الحجج المنقولة في الأسفار ٥ : ١٦٦.

١٧٩

لا يقال (١) : لا نسلّم أنّ الجوهر لا يقوّمه إلّا جوهر ، فكثيرا مّا يوجد الشيء ويقال عليه (٢) الجوهر (٣) في جواب «ما هو؟» ثمّ ينضمّ إليه شيء من الأعراض ويتغيّر به جواب السؤال عنه ب «ما هو؟» كالحديد الّذي هو جوهر ، فإذا صنع منه السيف بضمّ هيئات عرضيّة إليه ، وسئل عنه ب «ما هو؟» كان الجواب عنه غير الجواب عنه (٤) وهو حديد ، وكالطين والحجر ، وهما جوهران ، فإذا بني منهما بناء وقع في جواب السؤال عنهما (٥) ب «ما هو؟» البيت ، ولم ينضمّ إليهما (٦) إلّا هيئات عرضيّة.

فإنّه يقال (٧) : فيه خلط بين الأنواع الحقيقيّة ـ الّتي هي مركّبات حقيقيّة تحصل من تركّبها هويّة واحدة وراء الأجزاء ، لها آثار وراء آثار الأجزاء كالعناصر (٨) والمواليد (٩) ـ وبين المركّبات الاعتباريّة الّتي لا يحصل من تركّب أجزائها أمر وراء الأجزاء ، ولا أثر وراء آثارها ، كالسيف والبيت من الامور الصناعيّة وغيرها.

وبالجملة : المركّبات الاعتباريّة لا يحصل منها أمر وراء نفس الأجزاء. والمركّب من جوهر وعرض لا جوهر ولا عرض ، فلا ماهيّة له حتّى يقع

__________________

(١) هذا الإشكال أورده الشيخ الإشراقيّ على حجّة اخرى قريبة المأخذ من هذه الحجّة ، وهي : أنّ في الماء والنار والأرض والهواء ونحوها امورا تغيّر جواب «ما هو؟» فيكون صورا. فراجع المطارحات : ٢٨٨ ، وشرح حكمة الإشراق : ٢٣١. وتعرّض لها صدر المتألّهين في الأسفار ٥ : ١٧١ ، وشرحه للهداية الأثيريّة : ٧٠.

(٢) أي : يحمل عليه.

(٣) أي : ما هو الجوهر كالحديد.

(٤) كان الجواب عنه «السيف» ، وهو غير ما يقع في جواب السؤال عن الحديد ب «ما هو؟» وهو الحديد.

(٥) وفي النسخ : «السؤال عنه». وما أثبتناه هو الصحيح.

(٦) في النسخ : «إليها». وما أثبتناه هو الصحيح.

(٧) هكذا أجاب عنه صدر المتألّهين في الأسفار ٥ : ١٧٥ ـ ١٧٩ ، وشرحه للهداية الأثيريّة : ص ٧٠ ، وتعليقاته على شرح حكمة الإشراق : ٢٣١.

(٨) وهي عند الطبيعيّين أجسام بسيطة. والمعروف عند قدماء الفلاسفة أنّها أربعة : النار ، والماء ، والهواء ، والأرض. وأمّا عند المتألّهين فهي مركّبة من المادّة والصورة الجسميّة والصورة النوعيّة.

(٩) وهي المركّبات العنصريّة المسمّاة ب «المواليد الثلاثة». وهي : المعدن والنبات والحيوان.

١٨٠