🚖

جنّة الحوادث في شرح زيارة وارث

الملّا حبيب الله الشريف الكاشاني

جنّة الحوادث في شرح زيارة وارث

المؤلف:

الملّا حبيب الله الشريف الكاشاني


المحقق: نزار الحسن
الموضوع : العرفان والأدعية والزيارات
الناشر: دار جلال الدين
المطبعة: باقري
ISBN: 964-94216-1-0
🚖 نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

أحبّ لقاء الله أحبَّ الله لقاءه) (١) وقال : (لا يحبّ الله إلّا مَن أحبّه) (٢) ، وقال الله : (يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) (٣) ، وأوصى الله إلى داود : (يا داود أبلغ أهل أرضي أنّي حبيب لمن أحبّني ، وجليس لمَن جالسني ، ومؤنس لمَن أنس بذكري ، وصاحب لمن صاحبني ، ومختار لمن اختارني ، ومطيع لمَن أطاعني ، ما أحبّني عبدٌ أعلم ذلك يقيناً من علمه إلّا قبلته لنفسي ، وأحببته حبّاً لا يتقدّمه أحدٌ من خلقي ...) (٤) . وهذا المقام منتهى المقامات وفوق جميع الكمالات يندرج تحته الصفوة ، والخلّة وغيرها من الدرجات ، ولذا قال صلى‌الله‌عليه‌وآله : (آدم ومن دونه تحت لوائي) (٥) ، وقال : (أنا سيّد ولد آدم) (٦) .

فاقَ النبيِّينَ في خلق وفي خُلقٍ

ولم يدانوه في حلمٍ ولا كرمِ

________________________

١ ـ الكافي ج ٣ ص ١٣٤ باب ما يصاب المؤمن والكافر .

٢ ـ مستدرك الوسائل ج ١٢ ص ٢٢٠ .

٣ ـ المائدة : ٥٤ ، وإليك نص الآية : (... فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّـهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ...) وقال صاحب تأويل الآيات الظاهرة ص ١٥٤ : إنّ المعني بهذه الآية أمير المؤمنين عليه‌السلام ويؤيّد هذا قول النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله يوم خيبر : (لأعطين الراية غداً رجلاً يحبُّ الله ورسوله ، ويحبّه الله ورسوله كرّاراً غير فرّار ، لا يرجع حتّى يفتح الله على يديه) .

٤ ـ كلمة الله للسيّد حسن الشيرازي قدس‌سره ص ٥٩ ، ط بيروت .

٥ ـ بحار الأنوار ، ج ١٦ ص ٤٠٢ باب ١٢ .

٦ ـ روى البرسي في مشارقه ص ١٠٧ ، فصل (٥٠) ط الشريف الرضي عن سعيد بن جبير عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يوماً لعلي : يا علي أنت سيّد العرب ، فقلتُ : يارسول الله ألست سيّد العرب ؟ فقال : أنا سيّد ولد آدم وعليّ سيّد العرب ، فقلتُ : وما السيّد ؟ فقال : مَنْ فرضت طاعته كما فرضت طاعتي) .

٨١

وقد أحسن مَن قال : كان صلى‌الله‌عليه‌وآله أطيب الناس ريحاً ، وأحسنهم خُلقاً ، وأملحهم خَلقاً ، وأعذبهم قولاً ، وألطفهم كلاماً ، وأصدقهم فعلاً ، وأعدلهم مزاجاً ، وأحدّهم حسّاً ، وأدقّهم نظراً ، وأعلاهم درجةً ، وأكملهم عقلاً ، وأقواهم نفساً وأقربهم إلى الله ، وأجذبهم نوراً ، وأكثرهم صبوراً ، وكان آدم عليه‌السلام ظلّ ذاته ، ونوح حامل راياته ، وإبراهيم حاكي صفاته ، وموسى نائب آياته ، وعيسىٰ مبشِّر شرعه ، وإدريس منجم دينه ، وزكريا مؤذِّن مسجده ، ويونس ساقي قومه .

قال صلى‌الله‌عليه‌وآله : (أنا أملح ويوسف أحسن ، حمل النبوّة في الأزل ، وقبل الرسالة عند الأول) .

قمرٌ منيرٌ دائم الإشراقِ

قامتْ عليه قيامةُ العشّاقِ

بدرٌ تمنّىٰ الناظرون لوائه

ما بينهم يمشي على الأحداقِ

وبالجملة هذا المقام فوق الإدراك وكفاك شاهداً حديث : (لولاك لما خلقت الأفلاك) (١) وبيان حقيقة المحبّة وعلاماتها ، وسائر ما يتعلّق بها لا يسعه هذا المختصر ، ومَن أراد الإطّلاع على ذلك كلّه فليطالع كتاب إحياء العلوم للغزالي (٢)

________________________

١ ـ راجع عوالم العلوم ص ٢٦ عن مجمع النورين وملتقى البحرين ص ١٤ ، وفاطمة الزهراء بهجة قلب المصطفى ص ٩ ، وهذا نصّ الحديث القدسي : عن جابر بن عبدالله الأنصاري ، عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله عن الله تبارك وتعالى أنّه قال : (يا أحمد لولاك لما خلقتُ الأفلاك ، ولولا علي لما خلقتُكَ ، ولولا فاطمة لما خلقتكما) .

٢ ـ هو أبو حامد محمّد بن محمّد الغزالي ، ولد في طوس عام ٤٥٠ هـ ، وتوفي سنة ٥٠٥ هـ ، وله مؤلّفات عديدة ولكن أشهرها وأهمّها كتاب (إحياء العلوم) ، وهذا الكتاب ـ على ما قاله المصنّف في المقدّمة ـ مرتّب على أربعة أرباع وهي : ربع العبادات ، وربع العادات ، وربع المهلكات ، وربع المنجيات . وللاطّلاع راجع الجزء الثالث ، ص ٦٩ ط ، دار الجيل ، بيروت .

٨٢

فلنقصر في المقام على ما في كتاب مصباح الشريعة (١) . قال الصادق عليه‌السلام : (حبّ الله إذا أضاء على سرّ عبدٍ أخلاه عن كلّ شاغل وكلّ ذكرٍ سوى الله ، والمحبّ أخلص الناس سرّاً لله ، وأصدقهم قولاً ، وأوفاهم عهداً ، وأزكاهم عملاً ، وأصفاهم ذكراً ، وأعبدهم نفساً تتباهى الملائكة عند مناجاته ، وتفتخر برؤيته ، وبه يعمر الله بلاده ، وبكراماته يكرم عباده ، يعطيهم إذا سألوا بحقّه ، ويدفع عنهم البلايا برحمته ، فلو علم الخلق ما محلّه عند الله ومنزلته لديه ما تقرّبوا إلى الله إلّا بتراب قدميه) (٢) .

وقال أمير المؤمنين عليه‌السلام : «حبُّ الله نار (الله) (٣) ، لا تمرُّ على شيءٍ إلّا احترق (٤) ، ونور الله لا يطّلع على شيءٍ إلّا أضاء ، وسحاب (٥) الله ما ظهر من تحته شيءٍ إلّا غطّاه ، وريح الله ما تهب في شيء إلّا وحرّكته ، وماء الله يُحيي به كلّ شيء ، وأرض الله ينبت منها كلُّ شيءٍ ، فمن أحبّ الله أعطاه كلّ شيء من الملك والملكوت» (٦) .

وقال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله : (إذا أحبّ اللهُ عبداً من أُمّتي قذف في قلوب أصفيائه وأرواح ملائكته ، وسكّان عرشه محبّته ليحبّوه ، فذلك المحبّ حقّاً طوبى له وله

________________________

١ ـ كتاب مصباح الشريعة من الكتب الأخلاقية التي تتألّف من مئة باب في الأخلاق ، وينسب هذا الكتاب للإمام الصادق عليه‌السلام .

٢ ـ مصباح الشريعة ص ١٩٢ ، الباب الثاني والتسعون ، ط : الأعلمي بيروت .

٣ ـ بين القوسين في مصدر الرواية غير موجود .

٤ ـ في مصدر الرواية هكذا : (لا يمرُّ على شيءٍ إلّا احترقه) .

٥ ـ في المصدر بدل (سحاب) (سماء) .

٦ ـ مصباح الشريعة : ص ١٩٣ .

٨٣

عند الله شفاعة يوم القيامة) (١) .

وفيه أيضاً قال الصادق عليه‌السلام : (الحبّ في الله ، فحبٌّ لله ، والمحبوب في الله ، حبيب الله ، لأنّهما لا يتحابّان إلّا في الله) (٢) .

إلى أن قال (٣) : وقال أمير المؤمنين عليه‌السلام : (إنّ أطيب شيءٍ في الجنّة وألذّه حبّ الله ، والحبّ في الله ، والحمد لله ، قال الله (٤) : (وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّـهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (٥) ، وذلك أنّهم إذا عاينوا ما في الجنّة من النعيم ، ماجت المحبّة في قلوبهم فينادون عند ذلك الحمدُ لله ربّ العالمين) (٦) .

ولا بأس أيضاً بإيراد ما ذكره بعض العارفين في المقام وهو أنّ اسم المحبّة وإن كان واحداً عند الإطلاق فهو يختلف بتفاوت متعلقه ، فمحبّة الله لعبده تُغاير محبّة العبد لربّه وإيضاح ذلك : إنّ حقيقة محبّة الله لعبده إرادته لانعام مخصوص يفيضه إلى ذلك العبد من تقريبه وإزلافه من محال الطهارة والقدس وقطع شواغله ، وتطهير باطنه عن كدورات الدُّنيا ورفع الحجاب عن قلبه حتّى يشاهده كأنّه يراه ، فإرادته بأنْ يخص عبده بهذه الأحوال الشريفة هي محبّته له ، وأمّا محبّة العبد لله فهو ميله إلى نيل هذا الكمال وإرادته درك هذه الفضائل .

________________________

١ ـ نفس المصدر .

٢ ـ مصباح الشريعة ، الباب الثالث والتسعون ، ص ٦٩٤ .

٣ ـ أي الإمام الصادق عليه‌السلام .

٤ ـ في مصدر الرواية هكذا : (قال الله عزّوجل) .

٥ ـ يونس : ١٠ .

٦ ـ مصباح الشريعة : ص ١٩٥ .

٨٤

اَلسَّلَامُ عَلَيْكَ يَا وَارِثَ عَلِيٍّ * أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَلِىِّ اللهِ .

هو عليّ بن أبي طالب المخصوص بهذا اللقب (١) ، وفي بعض الأخبار هو اسمٌ سمّاه الله به لم يسمّ به أحدٌ قبله ، ولم يسم بعده (٢) ، وفي بعضها : (سلِّموا

________________________

* ـ في المصباح للكفعمي (علي) غير موجودة .

١ ـ قال الطبرسي في إعلام الورى ص ١٥٤ ، ط ١٩٧٠ م دار الكتب الإسلامية : (... ولقبه أمير المؤمنين ، خصّه النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله به لمّا قال : سلّموا علىٰ عليّ بإمرة المؤمنين ، ولم يجوّز أصحابنا أن يطلق هذا اللفظ لغيره من الأئمّة ، فقالوا : أنّه انفرد بهذا التلقيب فلا يجوز أن يشاركه في ذلك غيره) .

٢ ـ روى السيّد نعمة الله الجزائري رحمه‌الله في شرح الصحيفة السجّادية ص ٧ ط ، بيروت ١٤٢٠ عن العياشي في تفسيره حديثاً ، عن الإمام الصادق عليه‌السلام : (بأنّه لم يسم أحدٌ بهذا الاسم غير عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام إلّا مخنثاً) .

وعلّق السيّد الجزائري على هذا الحديث قائلاً : (وهو غير بعيد ، لقول جلال الدِّين السيوطي وهو من أكابر علمائهم ، في تعاليقه على القاموس ، عند تصحيح لغة الأبنة ، وكانت في جماعة في زمن الجاهلية أحدهم سيّدنا عمر . وقول ابن الأثير وهو من أعاظم فضلائهم : زعمت الروافض أنّ سيّدنا عمر كان مخنثاً ، كذبوا لعنهم الله ، ولكن كان به داءٌ دواؤه ماء الرجال) .

وروى الطبري من أعلام القرن السادس الهجري في بشارة المصطفى لشيعة المرتضى عليه‌السلام ص ٢٨٧ ، ج ٥ ، ح ٩ ، عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله :

(لما أُسري بي إلى السماء كنتُ من ربّي كقاب قوسين أو أدنى ، فأوحى إليّ ربّي ما أوحىٰ ، ثمّ قال : يا محمّد اقرأ إنّ عليّ بن أبي طالب أمير المؤمنين ، فما سمّيت بهذا الاسم أحداً قبله ولا أُسمّي بهذا أحداً بعده) .

٨٥

عليه بإمرة المؤمنين) (١) والإمرة بكسر الهمزة الولاية أي قولوا له : السلامُ عليك يا أمير المؤمنين .

وفي بعضها سمّي به لأنّه عليه‌السلام يميرهم العلم (٢) أي يحمل إليهم أقواتهم الروحانية من الميرة بالكسر ، وهو طعام يجلبه الإنسان من بلدٍ إلى آخر ، وأنت خبير أنّ الأمير من أمرَ يأمر ، ويمير من مارَ فليس من الاشتقاق المشهور ولكنّه من الاشتقاق الكبير .

________________________

١ ـ روى ابن شاذان المتوفّى سنة (٦٦٠) هـ في كتابه الروضة في فضائل أمير المؤمنين عليه‌السلام ص ١٢٢ ، حديث (١٠٥) ، ط ؛ مكتبة الأمين قم عن أبي ذر الغفاري قال : (أمرنا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أنْ نسلِّم علىٰ عليّ عليه‌السلام ، وقال : سلِّموا على أخي ، وخليفتي ، ووارثي في قومي ، ووليّ كلّ مؤمن ومؤمنة من بعدي . سلِّموا عليه بإمرة المؤمنين ، فإنّه وليّ كلّ مَن سكن الأرض إلى يوم العرض ، ولو قدّمتموه لأخرجت الأرض بركاتها ، فإنّه أكرم مَن عليها من كلّ أهلها .

قال أبو ذر : فرأيت عمر قد تغيّر لونه ، وقال : أحقّ من الله ؟ قال : نعم ، أمرني به ربّي . ثمّ تقدّم أبو بكر ، وقال : أحقّ من الله ؟ قال : نعم . أمرني به ربّي ، وذلك حقّ من الله أمرتكم به .

فقام وسلّم عليه بإمرة المؤمنين ، ثمّ أقبل على أصحابهما وقالوا ما قالاه) .

أخرجه الطبرسي في إعلام الورى ص ١٥٤ ، ط : ١٩٧٠ م ، والحاكم في مستدركه ج ٣ ، ص ١٤٠ .

٢ ـ روى شيخنا الصدوق في علل الشرائع ج ١ ، ص ١٩١ ، باب ١٢٩ ، ط بيروت الأعلمي ، عن أبي حمزة ثابت بن دينار الثمالي قال : (سألتُ أبا جعفر محمّد بن علي الباقر عليه‌السلام : يابن رسول الله لِمَ سمّيَ عليّ عليه‌السلام أمير المؤمنين وهم اسمٌ ما سُمّي به أحدٌ قبله ولا يحلّ لأحدٍ بعده ؟ قال : لأنّه ميرةُ العلم يُمتار منه ولا يمتار من أحدٍ غيره) .

٨٦

قيل : ولك أن تقول قصده أنّ تسميته بأمير المؤمنين ليس لأجل أنّه مطاعهم بحسب الدُّنيا ، بل لأجل أنّه مطاعهم بحسب العلم ، وفي هذا الاسم إشارة إلى أنّهم لا يكونون مؤمنين إلّا بولايته وطاعته (١) ، وأنّه ركن الإيمان كما قال : (أنا صلاة المؤمنين ، وصيامهم ، وحجّهم ، وزكاتهم) (٢) .

فلا يدخل تحت لواءه الفاسقون الفجرة ، والظالمون الكفرة ، فإنّ أميرهم هو إبليس وجنوده وأتباعه من خلفاء الجور الذين نصبوا العداوة لعليّ عليه‌السلام وأولاده

________________________

١ ـ روى عماد الدِّين الطبري في بشارة المصطفى لشيعة المرتضى ص ٤١ ، ج ١ ، ح ٣٠ ، ط : جامعة المدرسين ، قم .

عن سعيد بن جبير ، عن ابن عبّاس قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله :

«المخالف علىٰ عليّ بن أبي طالب بعدي كافر ، والمشرك به كافر ، والمحبّ له مؤمن ، والمبغض له منافق ، والمقتفي لأثره لاحق ، والمحارب له مارق ، والرادّ عليه زاهق ، عليّ نور الله في بلاده وحجّته على عباده ، عليّ سيف الله على أعدائه ، ووارث علم أنبيائه ، عليّ كلمة الله العليا وكلمة أعدائه السفلىٰ ، عليّ سيّد الأوصياء ، ووصيّ سيّد الأنبياء ، عليّ أمير المؤمنين وقائد الغرّ المحجّلين وإمام المسلمين ، لا يقبل الله الإيمان إلّا بولايته وطاعته» .

٢ ـ روى الاسترآبادي في تأويل الآيات ص ٢٠ ط قم عن داود بن كثير ، قال : قلت لأبي عبدالله عليه‌السلام : أنتم الصلاة في كتاب الله عزّوجلّ ، وأنتم الزكاة ، وأنتم الصيام ، وأنتم الحجّ ؟ فقال : يا داود نحن الصلاة في كتاب الله عزوجل ، ونحن الزكاة ، ونحن الصيام ، ونحن الحج ، ونحن الشهر الحرام ، ونحن البلد الحرام ، ونحن قبلة الله ، ونحن وجه الله ، قال الله تعالى : (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّـهِ) ، ونحن الآيات ، ونحن البيِّنات ، وعدوّنا في كتاب الله عزّوجلّ : الفحشاء ، والمنكر ، والبغي ، والخمر ، والميسر ، والأنصاب ، والأزلام ، والأصنام ، والأوثان ، والجبت والطاغوت ، والميتة ، والدم ، ولحم الخنزير .

٨٧

المعصومين ، وشيعته المخلصين ، وبيانه أنّ كلّ قوم يوجبون طاعة أميرهم فيما يأمرهم به ، وينهاهم عنه ، وعليّ عليه‌السلام لا يأمر إلّا بما أمر الله ، ولا ينهى إلّا عمّا نهى الله ، فكيف يكون أميراً للفسقة ولم يوجبوا طاعته ولم يدخلوا تحت رايته .

اللّهم إلّا أن يقال : إنّ المؤمن هو المحبّ له عليه‌السلام بقلبه المذعن بمقامه العارف بحقّه ، وإن كان فاسقاً بجوارحه فإنّ (حبّ عليّ عليه‌السلام حسنة لا يضرّ معها سيّئة ، كما أنّ بغضه سيئة لا ينفع معها حسنة) (١) ، فلا يشترط في صدق الاسم متابعته حذو النعل بالنعل ، والقذة بالقذة ، وإنّما يُشترط هذا في الشيعة كما دلّت عليه من الأخبار جملة كثيرة ولتحقيق هذا الكلام محلّ آخر .

والولي : إمّا من الولي وهو القرب (٢) فهو ولي لكونه أقرب الخلق إلى الله بعد النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأمّا من الوَلاية بالفتح بمعنى المحبّة فهو وليّ الله لكونه محبّاً لله ومحبوباً له كما يدلُّ عليه حديث الراية (٣) ، والطير المشوي (٤) وغيرهما ، أو

________________________

١ ـ راجع المناقب ج ٣ ، ص ١٩٧ ، فصل في محبّته ، وإرشاد القلوب للديلمي ج ٢ ، ص ٢٣٤ ، كشف الغمّة ج ١ ، ص ١٠٥ ، نهج الحق للعلّامة الحلّي ص ٢٥٩ ، المطلب الثالث في محبّته ، مشارق أنوار اليقين ص ١٢٣ ، فصل (٥٨) ، وعوالي اللآلي ج ٤ ، ص ٧٦ ، حديث ١٠٣ .

٢ ـ المصباح المنير للفيومي : ص ٦٧٢ ، ط : دار الهجرة قم .

٣ ـ حديث الراية من الأحاديث المشهورة في فضائل أمير المؤمنين عليه‌السلام . وهذا الحديث كان في غزوة خيبر لمّا طال الحصار على اليهود خرجوا من حصونهم لقتال المسلمين ـ وكان أمير المؤمنين عليه‌السلام أرمداً ـ فدعا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أبا بكر فقال له : خذ الراية ، فأخذها في جمع من المهاجرين فلم يفعل شيئاً ورجع يؤنّب القوم ويؤنّبونه ، وفي اليوم الثاني أعطاها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله إلى عمر بن الخطّاب فسار بها غير

٨٨

______________________________________________________

بعيد ، ثمّ رجع يجبن أصحابه ويجبنونه فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : (لأعطين الراية غداً رجلاً كرّاراً غير فرّار ، يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله ، لا يرجع حتّى يفتح الله عليه) .

وفي الصباح اجتمع الناس إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله : ادعوا لي عليّاً . فصاح الناس من كلّ جانب أنّه أرمد رمداً لا يبصر موضع قدمه ، فقال : ارسلوا إليه ادعوه . فأُتي يُقاد ، فقال له النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله : ما تشتكي يا عليّ ؟ فقال : رمد ، ما أبصر معه ، وصداع برأسي ، فقال له : اجلس وضع رأسك على فخذي ، ففعل عليه‌السلام ذلك ، فدعا له النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثمّ تفل في يده فمسح بها على عينيه ورأسه ، فانفتحت عيناه وسكن صداعه ، وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله في دعائه : (اللّهم قِه الحرّ والبردَ) وأعطاه الراية وقال له : خُذ الراية وامضِ بها ، فجبرائيل معك والنصر أمامك والرعب مبثوث في صدور القوم ، واعلم يا علي أنّهم يجدون في كتابهم أنّ الذي يدمّر عليهم اسمه إيليا فإذا لقيتهم فقل : أنا علي ، فإنّهم يُخذلون إن شاء الله تعالى .

وإليك بعض المصادر التي تروي حديث الراية :

الإرشاد للشيخ المفيد ، ص ٦٦ ، نهج الحقّ وكشف الصدق للعلّامة الحلّي ص ٢١٦ ، ط : دار الهجرة ، قم . بشارة المصطفى لشيعة المرتضى للطبري ص ٢٩٦ ، ج ٥ ، ح ٣٥ . وفضائل أمير المؤمنين لابن عقدة الكوفي المتوفىٰ سنة ٣٣٢ ص ٨٠ ، الفصل الثالث عشر ، ح ٧٨ ، ط : قم ، مسند أحمد ج ٣ ، ص ٣٨٤ ، فضائل الصحابة ج ٢ ، ص ٦٠٣ ، السيرة النبوية لابن هشام ج ٣ ، ص ٣٤٩ ، والسيرة النبوية لزيني دحلان ج ٢ ، ص ٢٠٠ ، مطالب السؤول لابن طلحة الشافعي ج ١ ، ص ١٧٧ ، ط : أُمّ القرىٰ ، جواهر المطالب للباعوني الشافعي ج ١ ، ص ١٧٧ ، الباب الخامس والعشرون ، ط ، ١٤١٥ هـ قم .

٤ ـ روى العلّامة الحلّي قدس‌سره في نهج الحقّ وكشف الصدق ص ٢٢٠ ، عن أحمد بن حنبل

٨٩

بمعنى النصرة (١) ، فهو عليه‌السلام ولي الله لكونه ناصراً لدين الله بلسانه وسيفه ، أو منصوراً من عنده بملائكته كما يشهد به مجاهداته في سبيل الله وغلباته على أعداء الله ، وأمّا من الوِلاية بالكسر بمعنى الإمارة (٢) ، لكونه أمير المؤمنين عليه‌السلام ، أو بمعنى التولية والسلطنة كما في قوله : (هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّـهِ) (٣) ، فهو ولي الله لكونه يتولّى تدبير أُمور الخلق بعد النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله من قبل الله ورسوله كما قال : (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّـهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) (٤) فقد نزلت في عليّ عليه‌السلام باتّفاق الفريقين حين سأله سائل وهو في الركوع فأعطاه الخاتم (٥) ، وعن أبي ذرّ أنّها نزلت بعد أنْ قال الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله :

______________________________________________________

في مسنده ، والجمع بين الصحاح عن أنس بن مالك ، قال : (كان عند النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله طائر قد طُبخ له ، فقال : اللّهم ائتني بأحبّ الناس إليك يأكل معي ، فجاء عليّ فأكل معه) . حديث الطير ممّا تواتر في كتب الحديث والتاريخ وإليك بعض مصادره : أُسد الغابة ج ٤ ، ص ٣٠ ، مصابيح السنّة للبغوي ج ٢ ، ص ٢٠٠ ، حلية الأولياء ج ٦ ، ص ٣٢٩ ، البداية والنهاية ج ٧ ، ص ٣٥١ ، ينابيع المودّة للقندوزي ص ٦٢ ، الباب الثامن ، وأخرجه ابن عقدة الكوفي في فضائل الأمير عليه‌السلام ص ٧٣ ، ح ٧٠ الفصل العاشر ، ط : قم .

١ ـ المصباح المنير للفيومي : ص ٦٧٢ .

٢ ـ المصباح المنير : ص ٦٧٢ .

٣ ـ الكهف : ٤٤ .

٤ ـ المائدة : ٥٥ .

٥ ـ أمالي الصدوق المجلس السادس والعشرون ص ١٠٩ ط : ١٩٧٠ م ، أصول الكافي ج ١ ، ص ٢٨٨ ، تفسير القمّي ج ١ ص ١٧١ ، ط بيروت الأعلمي ، بشارة المصطفى

٩٠

(اللّهم اشرح لي صدري ويسِّر لي أمري واجعل لي وزيراً من أهلي عليّاً أخي أشدد به ظهري) (١) .

فهذه الآية من أوضح الأدلّة على إمامة [الإمام] علي عليه‌السلام بعد النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله بلا فصل (٢) ، والله تعالى أيضاً ولي الذين آمنوا ، لأنّه ينصرهم أو يتولّى أمورهم (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّـهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) (٣) ، وقد يقال : إنّه من ولّاه إذا وجّهه فهو وليّ الله ، لأنّه وجّهه إلى جهته التي خلق لها من مقامه من الله ، ورتبته في الجنّة ، أو جهات ما أراد منه من رفع الحجب عن قلبه حتّى يشاهد من ملكوت الله في خلقه ما كتب له في ألواح قدره فتدبّر .

وقد يقال أيضاً أنّ الولي هو الحامل للواء الحمد وهو لواء الولاية المطلقة

______________________________________________________

للطبري ج ١٠ ، ص ٤٠٩ ، ح ٢ ، نهج الحق وكشف الصدق ص ١٧٢ ط : دار الهجرة ، تأويل الآيات ص ١٥٦ ط : جامعة المدرّسين قم ، والبرهان للبحراني ج ١ ، ص ٤٨٢ . وأمّا الذين رووا هذه الحادثة من أبناء العامّة منهم :

السيوطي في الدرّ المنثور في تفسير الآية ج ٢ ، ص ٢٥٩ ، ط : مصر ، والقرطبي في تفسيره ج ٦ ، ص ٢٢١ ، ص ٢٢٢ ، ط : مصر ١٩٥٠ م ، والطبري في تفسيره ج ٦ ، ص ٢٨٨ ، ط : مصر ، والرازي في تفسيره الكبير ج ١٢ ، ص ٢٦ ط : مصر ، والخوارزمي ص ٢٦٤ ، الفصل السابع عشر ، ح ٢٤٦ ، ط : قم ، جواهر المطالب للباعوني الشافعي ج ١ ، ص ٢١٩ ، الباب الخامس والثلاثون ، ط ١٤١٥ هـ ، قم ، والحسكاني في شواهد التنزيل ج ١ ، ص ١٦١ ، ط : الأولى ، وغيرها من المصادر .

١ ـ مجمع البيان للطبرسي : ج ٣ ، ص ٢١٠ .

٢ ـ إنّ العلّامة الحلّي في نهج الحقّ وكشف الصدق ص ١٧٢ جعل هذه الآية من الأدلّة النقلية على إمامة أمير المؤمنين عليه‌السلام .

٣ ـ الطلاق : ٣ .

٩١

العامّة يعني أنّه (عج) خلق هذا الولي له خاصّة وخلق له جميع خلقه فلمّا خلقه أشهده خلق نفسه وأنهىٰ إليه علمها فتأمّل .

وكيف كان فالولاية إن كانت بمعنى القرب إلى الحقّ فالولي هو العبد الذي قرّبه الله إلى بساط ديمومته ، فعرّفه حقائق القدس ودقائق الانس ، وولّاه التدبير في أُمور الملك والملكوت ، وأوقفه على مقامات الجبروت والناسوت فيتصرّف في العوالم الإمكانية بما أراه ويدبّر الاُمور بإذنه معرضاً عمّن سواه ، فالولاية بمنزلة النبوّة لما عرفت من أنّها طريق بين الله وبين نبيّه ، فإنّ الولاية أيضاً طريق بينه وبين وليّه وهي خاصّة ومطلقة ، فالأولى ماكان محمّد وآله صلى‌الله‌عليه‌وآله لأنّ قربهم إلى الحقّ قرب خاصّ ، لا يشاركهم فيه أحداً من الخلق كما قال في الزيارة الجامعة : (أتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين) (١) ، وقال أيضاً : (فبلغ الله بكم أشرف محلّ المكرمين وأعلى منازل المقرّبين وأرفع درجات المرسلين حيث لا يلحقه لاحق ولا يفوته فائق ولا يسبقه سابق ولا يطمع في إدراكه طامع) (٢) .

والثانية ما كانت في سائر الأنبياء والأولياء على تفاوت مراتبهم في هذا المقام ، فالولاية الخاصّة بهذا المعنى أفضل من الولاية المطلقة ، بل النبوّة المطلقة المشتركة بين سائر الأنبياء ، وما قيل : من أنّ نهاية الأولياء بداية الأنبياء فهو في الولاية المطلقة والنبوّة المطلقة ، إذ لا يكون العبد نبيّاً حتى يكون وليّاً ،

________________________

١ ـ قال السيّد عبدالله شبّر رحمه‌الله في الأنوار اللامعة في شرح الزيارة الجامعة ص ١٧٦ ط : الأمين ، قم : (أتاكم الله) من العلوم الربّانية والمعارف الحقّانية والأسرار الإلهية والفضائل النفسانية والأخلاق الملكوتية .

٢ ـ لبيان هذه الفقرة راجع الأنوار اللامعة ص ١٤٨ .

٩٢

ولكن ربّما يكون وليّاً ولا يكون نبيّاً ، فالنبوّة بهذا المعنى أشرف من الولاية بهذا المعنى ضرورة أفضلية الجامع للنورين من النور الواحد لاستلزام النبوّة للولاية دون العكس .

ومن هنا ظهر أنّ نبوّة نبيّنا صلى‌الله‌عليه‌وآله الخاصّة أشرف من ولايته الخاصّة بخلاف النبوّة المطلقة فإنّ ولايته الخاصّة أشرف منها وإليه الإشارة بقوله : (ولولا عليّ لما خلقتك) (١) أي ولولا مقام ولايتك الخاصّة لما خلقتك فإنّ عليّاً عليه‌السلام كان مظهر تلك الولاية فمحمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله من حيث جامعيّته للنبوّة والولاية أفضل من عليّ عليه‌السلام لكونه حاوياً لمرتبة الولاية الخاصّة خاصّة . ويشهد لذلك ما روي عن الصادق عليه‌السلام أنّه قال : (إنّ جبرئيل أتىٰ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله برمّانتين فأكل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله إحداهما ، وكسر الاُخرى بنصفين فأكل نصفاً وأطعم عليّاً نصفاً (٢) ثمّ قال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : يا أخي هل تدري ما هاتان الرمّانتان ؟ قال : لا ، قال : أمّا الأولى فالنبوّة ليس لك فيها نصيب (٣) ، وأمّا الاُخرى فالعلم فأنت شريكي فيه ، فقلتُ : أصلحك الله كيف (٤) شريكه فيه ؟ قال : لم يُعلّم الله محمّداً علماً إلّا وأمره أنْ يعلّمه عليّاً) (٥) .

وإن كانت بمعنى التصرّف والتدبير فالولي هو العبد الذي خصّه الله بالتولية

________________________

١ ـ تقدّم مصدر هذا الحديث القدسي .

٢ ـ في مصدر الرواية هكذا (وأطعم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله عليّاً نصفها) .

٣ ـ في المصدر (ليس لك فيها شيء) .

٤ ـ في المصدر (كيف يكون شريكه ...) .

٥ ـ أخرج هذه الرواية الصفّار في بصائر الدرجات ج ٦ ص ٢٩٢ في باب أمير المؤمنين عليه‌السلام شارك الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله في العلم ولم يشاركه في النبوّة .

٩٣

والسلطنة على عباده في أمورهم ، فإنّه مالك الملك وسلطان السلاطين ، (تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ) (١) (بيده الملك وهو على كلّ شيءٍ قدير) (٢) ، فيكون بمعنى الإمامة التي هي الرياسة العامّة (٣) ، فيكون بمنزلة الرسالة التي هي طريق بين الرسول وسائر الناس فهي إمّا خاصّة كالولايات الجزئية المتعلِّقة بناحية خاصّة وصقعٍ خاصّ ، أو (٤) عامّة كالرياسات العامّة المتعلِّقة بالملك والملكوت ، ولا ريبَ أنّ الولاية العامّة المطلقة ببعض المعاني أشرف من النبوّة الخاصّة كذلك .

والحاصل : أنّ الولاية الكلّية ، والنبوّة الكلّية أفضل من الولاية الجزئية والنبوّة الجزئية ، والاصطلاحات في المقام مختلفة فلا مشاحة فيها .

________________________

١ ـ آل عمران : ٢٦ ، إنّ الشارح رحمه‌الله لم يذكر الآية الشريفة نصّاً كما هي في المصحف ولكنّنا أثبتناه نصّاً من القرآن .

٢ ـ الملك : ١ .

٣ ـ العلّامة الحلّي قدس‌سره في الباب الحادي عشر في باب الإمامة عرفها : (بأنّها رئاسة عامّة في أُمور الدِّين والدُّنيا) .

٤ ـ من اللازم أن يستخدم الشارح بدل (أو) (أمّا) لأنّه عطف أوّلاً بـ (أمّا) .

٩٤

اَلسَّلَامُ عَلَيْكَ يَا بْنَ مُحَمّد المُصْطفىٰ ، اَلسَّلَامُ عَلَيْكَ يَا بْنَ عَليِّ الْمُرْتَضىٰ ، اَلسَّلَامُ عَلَيْكَ يَا بْنَ فَاطِمَةَ الزَّهْراءِ ، السَّلامُ عَلَيْكَ يَابْنَ خَدِيجَةَ الكُبْرىٰ .

لا خفاء في كون سيّد الشهداء عليه آلاف التحيّة والثناء ابناً لأمير المؤمنين عليه‌السلام وفاطمة الزهراء عليها‌السلام ظاهراً وباطناً جسداً وروحاً على الإطلاق الحقيقي ، وكذا لا خفاء في كونه عليه‌السلام ابناً للرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله (١) بحسب الحقيقة الروحانية والتربية النفس الامرية ، كيف وهو الوالد الروحاني بالنسبة إلى جميع مَن أجاب دعوته من الاُمّة كما قال : (أنا وعليّ أبوا هذه الاُمّة) (٢) ، ومن هنا قال عليّ عليه‌السلام لمحمّد بن أبي بكر : (أنّه ابني من صلب أبي بكر) (٣) ، وأخرج الله ابن نوح لمّا اعتزل عن أبيه عن أهله فقال تعالى : (إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ) (٤) وإنّما الكلام في أنّ إطلاق الابن على ابن الولد حقيقة مطلقاً أو مجاز كذلك ، أو يفرق ما بين ابن الابن وابن البنت فالأوّل في الأوّل ، والثاني في الثاني ، وكذا الكلام في ولد الولد هل هو ولد حقيقة أو لا ؟

________________________

١ ـ قد تطرّقنا إلى كون الإمام الحسن والحسين عليهما‌السلام أبناءً لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وذكرنا الآيات التي تدلّ على هذا ، وبعض الشواهد في تحقيقنا على شرح زيارة عاشوراء ص ٣١ ، ط ؛ دار الأنصار قم .

٢ ـ عيون أخبار الرضا للصدوق ج ٢ ، ص ٩١ ، ح ٢٩ ، باب (٣٢) ط : قم الشريف الرضي .

٣ ـ شرح نهج البلاغة ج ٦ ص ٥٣ .

٤ ـ هود : ٤٦ .

٩٥

وقد تعرّضوا لهذا الخلاف في كتاب الخمس في استحقاق مَن ينتسب إلى عبد المطّلب بالاُمّ وعدمه (١) ، وفي كتاب الوقف فيما لو وقف على أولاده هل يدخل فيهم أولاد البنين والبنات أو لا (٢) ، واستدلّ مَن قال بأنّ هذا على وجه الحقيقة بالاستعمال الشائع لغةً وعرفاً ، كما في قوله تعالى : (يَا بَنِي آدَمَ) (٣) ، و (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ) (٤) ، و (يُوصِيكُمُ اللَّـهُ فِي أَوْلَادِكُمْ) (٥) ، وقول النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله لمّا بال الحسن عليه‌السلام في حجره : (لا تزرموا ابني) (٦) ، وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله له عليه‌السلام وللحسين عليه‌السلام (إنّهما ابناي) (٧) ، والأصل في الاستعمال الحقيقة ، وبالإجماع على تحريم حليلة ولد الولد مطلقاً المستند إلى قوله تعالى : (وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ) (٨) . (٩) واستدلّ المتجوّز بأنّ المتبادر من الولد هو الولد بلا واسطة ،

________________________

١ ـ راجع الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية للشهيد الثاني ، ج ١ ، ص ٢٠٨ ، كتاب الخمس ، ط : قم إسماعيليان .

٢ ـ شرائع الإسلام للمحقّق الحلّي ج ٢ ، ص ١٧٣ ، المسألة السادسة في اللواحق باب الوقف ، واللمعة الدمشقية ج ١ ص ٤٠٦ ، باب الوقف المسألة الثالثة .

٣ ـ الأعراف : ٣١ .

٤ ـ البقرة : ٤٠ .

٥ ـ النساء : ١١ .

٦ ـ أخرجه الشهيد الثاني في الروضة البهية في باب الوقف ص ٤٠٦ ، ج ١ ، وقال : (أي لا تقطعوا عليه بوله لمّا بال في حجره) .

٧ ـ البحار ج ٤٣ حياة السبطين .

٨ ـ النساء : ٢٣ .

٩ ـ هذا ممّا استدلّ به الشهيد الثاني في شرحه على اللمعة الدمشقية في باب الوقف ص ٤٠٦ .

٩٦

وبصحّة السلب ، والمفصّل بقول الشاعر :

بنونا بنو أبنائنا وبناتنا

بنوهنّ أبناء الرجال الأباعد (١)

وفي جميع أدلّة الجميع نظر ، ولكن روى أبو الجارود عن الباقر عليه‌السلام قال : قال لي : يا أبا الجارود ما يقولون في الحسن والحسين عليهما‌السلام ؟ قلتُ : يُنكرون علينا إنّهما ابنا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله . قال : فبأيّ شيءٍ احتججتم عليهم ؟ قلتُ : احتججنا عليهم بقول الله في عيسىٰ بن مريم : (وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ) (٢) فجعل عيسىٰ من ذريّة إبراهيم . قال : فأيّ شيءٍ قالوا ؟ قال : قلتُ : قالوا : قد يكون ولد الابنة من الولد ولا يكون من الصلب . قال : فبأيّ شيءٍ احتججتم عليهم ؟ قال : قلتُ : احتججنا عليهم بقول الله تعالىٰ : (تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ) (٣) ، قال : فأيّ شيءٍ قالوا لكم ؟ قلتُ : قالوا : قد يكون في كلام العرب ابن رجل واحد فيقول أبناؤنا وإنّما هو ابن واحد . فقال عليه‌السلام : والله يا أبا الجارود أن أعطيتم من كتاب الله مسمّى لصلب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لا يردها . قال : قلتُ : جعلتُ فداك وأين ؟ قال : قال حيث قال الله : (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ) إلى قوله : (وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ) (٤) فاسئلهم يا أبا الجارود هل يحرم لرسول الله شيء من حليلتهما ؟ فإن قالوا : نعم ، فقد كذبوا والله وفجروا ، وإن قالوا : لا ، فهما والله أبناءه لصلبه ، وما حرمت عليه إلّا الصلب (٥) ، فتدبّر .

________________________

١ ـ راجع شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك ج ١ ، ص ٢٣٣ ، ط : قم .

٢ ـ الأنعام : ٨٤ .

٣ ـ آل عمران : ٦١ .

٤ ـ النساء : ٢٣ .

٥ ـ راجع تفسير القمي ، ج ١ ، ص ٢٠٩ ؛ والروضة من الكافي للكليني ، ج ٨ ، ص ٣١٧

٩٧

وبالجملة ففي هذه الفقرات (١) إشارة إلى شرافته النسبية وأصالته ونجابته بحسب الآباء والاُمّهات ، كما أنّ الفقرات السابقة كانت إشارة إلى شرافته الذاتية ، وكمالاته المعنوية ، ومقاماته الروحانية .

والمرتضىٰ من ألقاب أمير المؤمنين (٢) مشتقّ من ارتضيته إذا اخترته كرضيته ، لأنّ الله ارتضاه من خلقه لمقام الولاية الكلّية ، فكان خاتم الأولياء كما كان المصطفى صلى‌الله‌عليه‌وآله خاتم الأنبياء ، فالمصطفىٰ والمرتضىٰ بحسب التفسير واحد كما كانا بحسب الحقيقة متّحدين كما قال : (أنا وعلي من نور واحد) (٣) ، ويشهد به أيضاً ما في حديث النورانية (٤) .

والزهراء من ألقاب فاطمة عليها‌السلام ، وقد وردت في وجه تسميتها بذلك أخبار ، ففي بعضها : (لأنّها إذا قامت في محرابها زهر نورها لأهل السماء كما تزهر نور الكواكب لأهل الأرض) (٥) .

______________________________________________________

ح ٥٠١ ؛ والاحتجاج للطبرسي ، ج ٢ ، ص ٣٢٤ .

١ ـ أي في نصّ الزيارة الشريفة .

٢ ـ راجع مطالب السؤول لابن طلحة الشافعي ج ١ ، ص ٥٩ ، ط : أُمّ القرىٰ .

٣ ـ بحار الأنوار ، ج ١٥ ، ص ١١ .

٤ ـ مرّ مصدره ، ولكن سوف يأتي نصّ الحديث لاحقاً إن شاء الله تعالىٰ .

٥ ـ أخرج هذه الرواية الشيخ الصدوق قدس‌سره في علل الشرائع ج ١ ، ص ٢١٥ ، ح ٣ ، ط بيروت وهذه الرواية عن جعفر بن محمّد بن عمارة ، عن أبيه قال : سألتُ أبا عبدالله عليه‌السلام عن فاطمة لِمَ سُمّيت الزهراء ؟ فقال عليه‌السلام : (لأنّها إذا قامت إلى آخر الرواية ...) ، وأيضاً أخرج الصدوق رواية طويلة في العلل عن علّة تسميتها بالزهراء عليها‌السلام ج ١ ، ص ٢١٤ ، فراجع .

٩٨

وفي بعضها : (إنّ الله خلقها من نور عظمته) (١) ، وفي بعضها : إنّه تعالى خلق نور فاطمة عليها‌السلام بعد أن أحاطت الظلمة بالملائكة فرفعها به والحديث طويل . وفيه «ثمّ أظلمت المشارق والمغارب فشكت الملائكة إلى الله أن يكشف عنهم تلك الظلمة فتكلّم الله بكلمة ، فخلق منها روحاً ، ثمّ تكلّم بكلمةٍ فخلق من ذلك الروح نوراً فأضاف النور إلى تلك الروح وأقامها أمام العرش فأزهرت المشارق والمغارب فهي فاطمة الزهراء فلذلك سمّيت الزهراء» (٢) .

______________________________________________________

وأيضاً روى المجلسي في البحار ج ٤٣ ، ص ١٧ عن أبي هاشم العسكري ، قال : سألت صاحب العسكر ـ الإمام علي الهادي عليه‌السلام ـ لِمَ سمّيت فاطمة الزهراء ؟ فقال : (كان وجهها يزهر لأمير المؤمنين من أوّل النهار كالشمس الضاحية ، وعند الزوال كالقمر المنير ، وعند غروب الشمس كالكوكب الدرّي) .

وممّا يؤكّد أنّ فاطمة الزهراء عليها‌السلام كانت تزهر وتشرق ما رواه القرماني صاحب كتاب أخبار الدول وآثار الأول ص ٨٧ الطبعة الحجرية عن عائشة قالت : (كنّا نخيط ونغزل وننظم الإبرة بالليل في ضوء وجه فاطمة) .

وهذا أقصى درجة في النور والإزدهار إلى غاية تبلغ حدّ الإعجاب .

١ ـ راجع علل الشرائع ج ١ ، ص ٢١٣ باب ١٤٣ ، ط الأعلمي بيروت وهذا نصّ الرواية : «عن عبدالله بن حمّاد ، عن عمرو بن شمر ، عن جابر ، عن أبي عبدالله عليه‌السلام قال : قلتُ له : لِمَ سمّيت فاطمة الزهراء زهراء ؟ فقال : لأنّ الله عزّوجلّ خلقها من نور عظمته فلمّا أشرقت أضاءت السماوات والأرض بنورها وغشيت أبصار الملائكة وخرّت الملائكة لله ساجدين وقالوا : إلٰهنا وسيّدنا ما لهذا النور ؟ فأوحى الله إليهم هذا نور من نوري أسكنته في سمائي وخلقته من عظمتي ، أخرجه من صلب نبيّ من أنبيائي أفضّله على جميع الأنبياء وأخرج من ذلك النور أئمّةً يقومون بأمري يهدون إلى حقّي وأجعلهم خلفائي في أرضي بعد انقضاء وحيي» .

٢ ـ روى السيّد هاشم البحراني في حلية الأبرار ج ١ ، ص ٤٩٢ ، عن زيد بن عبدالله

٩٩

وورد في تسميتها بفاطمة (أنّها تفطم محبّيها من النار ، وتفطم أعداءها من الجنّة) (١) أي تقطع .

______________________________________________________

بن مسعود عن أبيه قال : دخلتُ يوماً على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فقلتُ : يارسول الله أرني الحقّ حتّى أتبعه فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله : يا ابن مسعود لج إلى المخدع فولجتُ فرأيتُ أمير المؤمنين عليه‌السلام راكعاً وساجداً وهو يقول عقيب صلاته : اللّهم بحرمة عبدك ورسولك اغفر للخاطئين من شيعتي .

قال ابن مسعود : فخرجتُ لأخبر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بذلك فوجدته راكعاً وساجداً وهو يقول : اللّهم بحرمة عبدك عليّ عليه‌السلام اغفر للعاصين من أُمّتي .

قال ابن مسعود : فأخذني الهلع حتّى غشىٰ عليَّ فرفع النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله رأسه وقال : ياابن مسعود أكفرٌ بعد الإيمان ؟ فقلتُ : معاذ الله ولكنّي رأيت عليّاً يسأل الله تعالى بك وأنت تسأل الله تعالىٰ به .

فقال : يا ابن مسعود إنّ الله تعالى خلقني وعليّاً والحسن والحسين من نور عظمته قبل الخلق بألفي عام حين لا تسبيح ولا تقديس وفتق نوري فخلق منه السماوات والأرض وأنا أفضل من السماوات والأرض ، وفتق نور عليّ فخلق منه العرش والكرسي وعليّ أفضل من العرش والكرسي .

وفتق نور الحسن فخلق منه اللوح والقلم ، والحسن أجلّ من اللوح والقلم ، وفتق نور الحسين فخلق منه الجنان والحور العين والحسين أفضل منهما ، فأظلمت المشارق والمغارب فشكت الملائكة إلى الله عزّوجلّ الظلمة وقالت : اللّهم بحقّ هؤلاء الأشباح الذي خلقت إلّا ما فرّجتَ عنّا من هذه الظلمة ! فخلق الله عزّوجلّ روحاً وقرنها بأُخرى فخلق منها نوراً ثمّ أضاف النور إلى الروح فخلق منها الزهراء عليها‌السلام فمن ذلك سمّيت الزهراء ، فأضاء منها المشرق والمغرب .

١ ـ روى الشيخ الصدوق في علله ج ١ ، ص ٢١١ ، ح ١ باب ١٤٢ عن أبي هريرة قال :

١٠٠