🚖

جنّة الحوادث في شرح زيارة وارث

الملّا حبيب الله الشريف الكاشاني

جنّة الحوادث في شرح زيارة وارث

المؤلف:

الملّا حبيب الله الشريف الكاشاني


المحقق: نزار الحسن
الموضوع : العرفان والأدعية والزيارات
الناشر: دار جلال الدين
المطبعة: باقري
ISBN: 964-94216-1-0
🚖 نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدُ لله الذي جعل زيارة الحسين عليه‌السلام وسيلةً إلى رحمته للعباد ، وزاداً لهم في المعاد ، والصلاة على جدّه المصطفى ، وأبيه المرتضى وأخيه المجتبى ، وأُمّه الزهراء ، وذريته الأئمّة الأمجاد ، واللعنة على أعدائهم وأعداء شيعتهم ، من الآن إلى يوم الميعاد .

أمّا بعد : فيقول العبد الواثق بالله ابن علي مدد حبيب الله : إنّ هذا شرح وجيز علّقته على الزيارة المعروفة بزيارة الوارث ، مع تراكم العوائق والحوادث وهجوم الهموم والكوارب والغموم والمصائب ، راجياً من الله أنْ يكشف عنّي الضرّ ، فإنّه المأمول لكلّ عسرٍ ويُسرٍ وهو أرحم الراحمين .

٢١

٢٢

اَلسَّلَامُ عَلَيْكَ يَا وَارِثَ آدَمَ صِفْوَةِ اللهِ .

قد عَلِمَ أولوا الألباب إنّ السلام تحية الإسلام(١) ، وإنّ التسليم مطيّة التعظيم والتكريم ، وقد ورد عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال : (ابدؤا بالسلام قبل الكلام ، فمن بدأ بالكلام قبل السلام فلا تُجيبوه)(٢) .

وعن عليّ عليه‌السلام قال : (لا تَغْضَبُوا ولا تُغْضَبُوا ، أفشُوا السلام وأطيبُوا الكلامَ وَصَلّوا باللّيل والناسُ نيام تَدْخُلُوا الجنّةَ بسلامٍ)(٣) .

________________________

١ ـ ولذا نرى الشريعة المقدّسة قد أكّدت على إفشاء السلام ونشره في الأوساط ومدحت المبتدأ به ووعدته بالثواب الجزيل ، وجعلت ردّ السلام واجباً كفائيّاً . وهذا ما نطق به القرآن الكريم في سورة النساء آية (٨٦) ، والسنّة الشريفة أيضاً ومَن أراد أنْ يقف على الروايات التي تتطرّق للسلام عليه بمراجعة أصول الكافي ج ٢ ، ص ٦٣٨ ـ باب التسليم .

٢ ـ أُصول الكافي للكليني ج ٢ ، ص ٦٣٨ .

٣ ـ وهذا نصّ الرواية المذكورة في الكافي ج ٢ ص ٦٣٨ ، ح ٧ ط الأسوة ، (عن جعفر بن محمّد الأشعري ، عن ابن القدّاح عن أبي عبدالله عليه‌السلام قال : إذا سَلّم أحَدُكُمْ فليَجهر بسلامه لا يقول : سلّمتُ فَلَم يَردُّوا عليَّ ، ولعلّهُ يكونُ قد سلَّمَ ولمْ يسمعُهم ، فإذا رَدَّ أحدُكم فليجهر بردِّهِ ولا يقُولُ المُسلِّمُ : سلّمتُ فلم يردّوا عليَّ ، ثمّ قال : كان عليّ يقول : لا تَغْضَبُوا ولا تُغضَبوا افشوا السلامَ وأطيبوا الكلام وصَلّوا بالليل والناس نيام تَدْخلوا الجنّة بسلام ، ثمّ تلا عليه‌السلام قول الله عزّوجلّ : ( السَّلَامُ المُؤمِنُ المُهَيمِنُ ) .

٢٣

وعن الباقر عليه‌السلام قال : (إنّ الله يحبُّ إفشاء السلام)(١) .

وعن الصادق عليه‌السلام قال : (البادي بالسلام أولى بالله ورسوله)(٢) ، إلى غير ذلك ممّا لا يحصىٰ(٣) . فإن قال قائلٌ : أوليسَ حياةُ المُسلَّمِ عليه وحضوره وقربه شروطاً لصحّة التسليم ، فما معناه في هذه الزيارات ؟

قلتُ : بلى ، والكلّ متحقّق بالنسبة إلى آل الله(٤) المعصومين ، فإنّهم أحياءٌ عند ربّهم(٥) في بساط القرب وعرش القُدس يرزقون بموائد العلم والمعرفة فيُطعمون بألوان أطعمة الروحانيّين ، ويسقون من كأس المقرّبين ، يروْن مقام شيعتهم ، ويسمعون كلامهم ، ويردّون سلامهم كما في الزيارة الرضوية عليه‌السلام(٦) .

________________________

١ ـ أصول الكافي : ج ٢ ، ص ٦٣٨ ، ح ٥ .

٢ ـ نفس المصدر : ص ٦٣٩ ، ح ٨ .

٣ ـ روى الكليني رحمه‌الله في الكافي ج ٢ ، ص ٤٧٢ ، ح ١٢ ، ط المكتبة الإسلامية عن هارون بن خارجة عن أبي عبدالله عليه‌السلام قال : (مِنَ التواضع أنْ تُسلّم على مَنْ لقيتَ) .

وأيضاً روى الطبرسي رحمه‌الله في مجمع البيان ج ٣ ، ص ١٠٨ ـ ط بيروت عن مالك بن التيهان قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : (مَن قال السلامُ عليكم كُتبَ له عشر حسنات ، ومَن قال السلامُ عليكم ورحمة الله كُتِبَ له عشرون حسنة ، ومَن قال السلامُ عليكم ورحمةُ الله وبركاته كُتِبَ له ثلاثون حسنة) .

٤ ـ هذه العبارة (آلُ الله) وردت في زيارة الإمام الحسين عليه‌السلام في النصف من رجب ، راجع مفاتيح الجنان ص ٥٣٧ .

٥ ـ هذه إشارة إلى قوله تعالى في سورة آل عمران آية (١٦٩) : (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) .

٦ ـ وهي إحدى زيارات الإمام الرضا عليه‌السلام التي لم يذكرها الشيخ عبّاس القمّي في

٢٤

ويدلُّ عليه من العقل براهين ساطعة ، ومِن النقل أخبارٌ كثيرة لائحة يطول يطول المختصر بذكرها(١) ، وقد كفاك شاهداً على هذا ما في الزيارة الجامعة

________________________

مفاتيحه وإنّما ذكرها صاحب ضياء الصالحين ص ٢٦٧ .

وهي : «السلامُ عَلَيكَ يا مولايَ وابن مولاي وَرَحمةُ اللهِ وبركاته أشهدُ باللهِ أنّكَ تشهدُ مَقامي وتسمع كلامي وَتَردّ سلامي وأنتَ حيٌّ عند ربّكَ مَرزوقٌ ...» .

وأيضاً هذا المعنى ورد في زيارة أمير المؤمنين عليه‌السلام في ميلاد النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وهي : ( ... . أشهدُ أنّك تسمعُ كلامي ، وتشهدُ مقامي ... .) .

١ ـ ومن الأخبار والروايات التي تؤكّد على أنّهم عليهم‌السلام أحياء عليكَ بمراجعة كتاب بصائر الدرجات لابن الصفّار القمّي ص ٢٨٢ ـ وص ٤٢٤ باب الأعمال تعرض على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله والأئمّة عليهم‌السلام . ومن المعلوم والواضح لو لم يكونوا عليهم‌السلام أحياءً ما تُعرض عليهم أعمال العباد ، وعرض الأعمال من شأن الأحياء لا الأموات ، ومن هذه الروايات :

أ ـ (عن الحسن بن علي الوشاء عن أحمد بن عمير عن أبي الحسن عليه‌السلام قال : سأل عن قول الله عزّوجلّ : (اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّـهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) . قال : إنّ أعمال العباد تُعرض على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله كلُّ صباح أبرارها وفجّارها فاحذروا) .

ب ـ (عن أبي بصير عن أبي جعفر عليه‌السلام قال : الأعمال تعرض كلَّ خميس على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وعليّ أمير المؤمنين صلوات الله عليهما .

وأيضاً ممّا يدلّ على أنّ الأئمّة عليه‌السلام أحياءٌ هو ما نطقت به الروايات التي صرّحت بزيارتهم عليهم‌السلام للموتى وأنّ الموتىٰ يزورونهم ، وفي هذا الخصوص عقد صاحبُ البصائر باباً مستقلّاً ص ٢٧٤ منها :

«عن أبان بن تغلب عن أبي عبدالله عليه‌السلام أنّ أمير المؤمنين عليه‌السلام لقي أبابكر فاحتجّ عليه ثمّ قال له : أما ترضىٰ برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بيني وبينكَ ؟ قال : فكيف لي به فأخذ بيده

٢٥

(ورضيكم خلفاء(١) في أرضه وحججاً على بريّته)(٢) إلى قوله (وشهداء على خلقه وأعلاماً لعباده ومناراً في بلاده)(٣) وكذا ما فيها أيضاً (أنتم السبيل الأعظم والصراط الأقوم وشهداء دار الفناء وشفعاء دار البقاء(٤) والرحمةُ الموصولة والآية المخزونة . .)(٥) .

________________________

وأتىٰ مسجد قبا فإذا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيه فقضىٰ على أبي بكر فرجع أبو بكر مذعوراً فلقي عمر فأخبره فقال : مالكَ أما عَلِمتَ سحر بني هاشم» .

«عن عباية الأسدي قال : دخلتُ على أمير المؤمنين عليه‌السلام وعنده رجل رثّ الهيئة وأمير المؤمنين عليه‌السلام مقبل عليه يكلِّمه فلمّا قام الرجل قلتُ : يا أمير المؤمنين عليه‌السلام مَن هذا الذي أشغلكَ عنّا ؟ قال : هذا وصيّ موسىٰ عليه‌السلام» . وهناك سيل من الروايات .

١ ـ (عن الجعفري قال : سمعتُ أبا الحسن ـ الرضا عليه‌السلام ـ يقول : الأئمّة خلفاء الله عزّوجلّ في أرضه) راجع الكافي ج ١ ، ح ١ ، باب أنّ الأئمّة خلفاء الله .

٢ ـ (عن عبدالله بن أبي يعفور قال : قال أبو عبدالله عليه‌السلام : يابن أبي يعفور إنّ الله واحد متوحِّد بالوحدانية ، متفرِّد بأمره ، فخلق خلقاً فقدّرهم لذلك الأمر فنحن هم يابن أبي يعفور فنحن حجج الله في عباده ، وخزّانه على علمه ، والقائمون بذلك) راجع الكافي ج ١ ، ح ٥ باب الأئمّة ولاة أمر الله وخزنة علمه) .

٣ ـ راجع شرح هذه الجملة من الزيارة الجامعة في الأنوار اللامعة للسيّد الجليل رحمه‌الله عبدالله شبّر ص ١١٣ ـ ط ، مكتبة الأمين .

٤ ـ عن الإمام الصادق والباقر عليهما‌السلام قالا : (والله لنشفعنّ في المذنبين من شيعتنا حتّى يقول أعداؤنا : (فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ * وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ ...) ، راجع تفسير البرهان ج ٣ ، ص ١٨٧ ، ح ١ .

٥ ـ قال العلّامة المرحوم عبدالله شبّر في شرحه لهذه الجملة في الأنوار اللامعة ص ١٣٨ : (أي هم علامات قدرة الله تعالىٰ وعظمته ولكن معرفة ذلك كما ينبغي

٢٦

وكذا ما في حديث النورانية «يا سلمان إنّ ميّتنا إذا مات لم يمت ومقتولنا إذا قُتِل لم يُقتل ، وغائبنا إذا غابَ لم يَغب ولا نلد ولا نولد ولا في البطون ولا يُقاس بنا أحد من الناس . .»(١) .

وما ورد من التسليم على أهل القبور(٢) ممّا يرفع الاستبعاد المذكور فإنّ المخاطب به هو أرواحهم الباقية ، ونفوسهم الناطقة التي خُلِقت للبقاء دون أجسادهم البالية التي يعرضها التلاشي والفناء ، فإذا صحّ التسليم على مَن هذا حاله ، فكيف يُنكر صحّته بالنسبة إلى المعصومين الذين لا تُفنى أرواحهم ، ولا تُبلى أجسادهم(٣) المصونة عند عرش الله العظيم فإنّ (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا

________________________

مخزونة إلّا عن خواص أوليائهم وفيه إشارة إلى أنّ الآيات هم الأئمّة الهداة عليهم‌السلام وقد قال أمير المؤمنين عليه‌السلام : ما لله آية أكبر منّي) .

١ ـ أخرج هذا الحديث الحافظ رجب البرسي في مشارق أنوار اليقين ص ٢٥٧ ، ط بيروت الأعلمي . وهذا الحديث هو مقطع من خطبةٍ للإمام عليّ عليه‌السلام .

٢ ـ روي بسندٍ صحيح عن عبدالله بن سنان قال : قلتُ للصادق عليه‌السلام : كيف أُسلِّم على أهل القبور ؟ قال عليه‌السلام : نعم ، تقول : «السلام على أهل الدِّيار من المؤمنينَ والمسلمينَ أنتم لنا فَرطٌ ونحن إنْ شاء الله بكم لاحقُونَ» .

وروى المحدِّث القمّي في مفاتيح الجنان ص ٦٨٨ عن محمّد بن مسلم قال : قلت للصادق صلوات الله وسلامه عليه : (نزور الموتى ؟ قال : نعم . قلت : فيعلمون بنا إذا أتيناهم ؟ قال : إي والله ليعلمون بكم ويفرحون بكم ويستأنسون إليكم) .

٣ ـ روى الصفّار في كتاب بصائر الدرجات ص ٤٤٣ ، ح ١ عن أبي عبدالله عليه‌السلام قال : (قال النبيّ يوماً لأصحابه : حياتي خيرٌ لكم ومماتي خيرٌ لكم .

قال : فقالوا : يارسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله هذا حياتك نعم ، قالوا : فكيف مماتك ؟ فقال : إنّ الله

٢٧

وَجْهَهُ)(١) . وقد ورد تفسيره(٢) بهم عليهم‌السلام ، فهم الباقون بعد فناء الأشياء ، (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ)(٣) .

وروى في البصائر بسنده عن الباقر عليه‌السلام قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لأصحابه : حياتي خيرٌ لكم تُحدّثون ونحدّث لكم ، ومماتي خيرٌ لكم تعرض عليَّ أعمالكم

________________________

حرّم لحومنا على الأرض أنْ يُطعم منها .

وأيضاً في نفس المصدر قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : (إنّ الله حرّم لحومنا على الأرض فلا يطعم منها شيئاً) .

١ ـ القصص : ٨٨ .

٢ ـ أي تفسير الوجه المذكور بالآية الشريفة فسّروه بالأئمّة عليهم‌السلام كما في تفسير القمّي ج ٢ ، ص ١٢٤ ، ط الأعلمي في تفسير هذه الآية الشريفة حيث قال : عن أبي حمزة ، عن أبي جعفر عليه‌السلام في قوله : (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) قال : فيفنى كلُّ شيءٍ ويبقى الوجه ؟ الله أعظم من أنْ يوصف ، لا ، ولكن معناها كلُّ شيءٍ هالك إلّا دينه ونحن الوجه الذي يؤتى الله منه ، لم نزل في عباده ما دام الله له فيهم روبة ، فإذا لم يكن له فيهم روبة فرفعنا إليه ففعل بنا ما أحبّ ، قلتُ : جُعِلتُ فداك وما الروبة ؟ قال : الحاجة .

وأيضاً روى أبو جعفر الصفّار في كتابه بصائر الدرجات ص ٦١ ج ٢ ، ط : مكتبة المرعشي روايةً على أنّ الأئمّة عليهم‌السلام هم وجه الله تعالى وهي :

(عن محمّد بن حمران عن أسود بن سعيد قال : كنت عند أبي جعفر عليه‌السلام فأنشأ يقول ابتداءً من غير أن يُسأل : نحن حجّة الله ونحن باب الله ، ونحن لسان الله ، ونحن وجه الله ، ونحن عين الله في خلقه ، ونحن ولاة أمر الله في عباده) .

٣ ـ الرحمن : ٢٦ ـ ٢٧ . وروى القمّي في تفسيره ج ٢ ، ص ٣٢٣ ، ط الأعلمي في تفسيره لهذه الآية قال : ( وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ) دين ربّك ، وقال عليّ بن الحسين عليهما‌السلام : نحن الوجه الذي يؤتى الله منه .

٢٨

فإنْ رأيتُ حسناً جميلاً حمدتُ الله على ذلك ، وإنْ رأيتُ غيرَ ذلك استغفرتُ الله لكم)(١) .

وكيف كان فعلى الزائر أنْ يذعن بحياتهم عليهم‌السلام وحضورهم ، وإحاطة علمهم بأحوال شيعتهم ، وأطوارهم وحركاتهم وسكناتهم وجميع تنقّلاتهم(٢) فليراع الأدب عند زيارتهم ، وليكن بين يديهم خاشعاً خاضعاً ضارعاً مسكيناً مستكيناً كالعبد الذليل الواقف بين يدي مولاه الجليل ، كيف وهم موالي الخلق والخلق كلّهم عبيد لهم عبيد الطاعة كما في بعض الأخبار ، بل عبيد الرق كما عن بعض الأخبار .

بقي الكلام في مواضع ثلاثة :

الأوّل : في تفسير السلام فقد اختلفت فيه أقاويل الأعلام على وجوه :

منها : إنّه مأخوذ من سلم الآفات سلامةً أي سلمت من المكاره والآفات(٣) وإليه يرجع ماقيل من أنّه دعاء بالسلامة لصاحبه من آفات الدُّنيا وعذاب الآخرة وضعه الشارع موضع التحية والبشرىٰ بالسلامة وكذا ماقيل من أنّه من السلامة من الأذى(٤)

________________________

١ ـ بصائر الدرجات : ص ٤٤٤ ، ح ٤ ، ط : مكتبة المرعشي .

٢ ـ عن محمّد بن مسلم قال : سألته عن الأعمال هل تُعرض على النبيّ ؟ قال : ما فيه شك ، قلت له : أرأيتَ قول الله تعالى : (اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّـهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) . قال : إنّهم شهود الله في أرضه .

وأيضاً عن بُريد العجلي قال : كنتُ عند أبي عبدالله عليه‌السلام فسألته عن قوله تعالى : (اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّـهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) قال : إيّانا عنى .

راجع بصائر الدرجات : ص ٢٢٤ وص ٤٢٧ ، ط مكتبة المرعشي النجفي .

٣ ـ راجع لسان العرب ج ٦ ، ص ٣٤٣ ، ط : بيروت .

٤ ـ نفس المصدر .

٢٩

كما في قوله : (فَسَلَامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ)(١) أي لايؤذونكَ كما يؤذيكَ غيرهم وأنت خبير بأنّ هذا المعنى لا يُناسب المقام إلّا أنْ يتكلّف بجعله دعاء لشيعته ومحبّيه .

ومنها : إنّه * مأخوذ من السلام الذي هو اسم من أسماء الله(٢) كما قال : (السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ)(٣) ، وقال : (لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ)(٤) أي دار الله على أحد الوجهين سُمّي به لسلامته وتنزهه عن نقائص الإمكان ، أو لأنّ أفعاله صواب وسداد لا يعتريها النقصان ، أو لأنّه مسلم ومؤمن لكلّ مَن التجأ إلى ما به من مكاره الحدثان ، وحافظ على كلّ مَن توجّه إلى جنابه بوسيلة الإيمان ، فالمعنى : اللهُ عليك أي حافظ لأسرارك المستترة ، وعلومك المكنونة المخزونة من أنْ تنالها أيدي الجهلة أو عاصم لك من الرِّجس والسهو والخطأ ، ومن كلّ ما يكره من المعائب والنقائص ، وقد يقال : إنّ المراد اسم السلام عليكَ أي اسم الله عليك فإن أُريد به ما ذُكِر وإلّا فلا معنى له ولذا حملوا قول الشاعر اسم السلام عليكما على الزيادة ، وربما يتكلّف لتصحيحه بما لا حاجة إليه .

ومنها : إنّه من السلم وهو الصلح كما قال : (وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ)(٥) ، وقال :

________________________

١ ـ الواقعة : ٩١ .

* ـ أي السلام .

٢ ـ لسان العرب : ج ٦ ، ص ٣٤٣ .

٣ ـ سورة الحشر : ٢٣ .

٤ ـ سورة الأنعام : ١٢٧ . راجع تفسير مجمع البيان للطبرسي ج ٤ ، ص ٤٥٣ ط : التاريخ العربي .

٥ ـ سورة الأنفال : ٦١ ، وذيل الآية الشريفة : (فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّـهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) .

٣٠

(إنّي سلمٌ لمن سالمكم وحربٌ لمَن حاربكم)(١) أي مسالم ، فهذه الكلمة للائذان بالمسالمة وترك المحاربة ، وقد كانوا يؤمنون بها مَن يخاف شرّهم ومكيدتهم .

ومنها : إنّه من التسليم فهو إمّا بشرى له(٢) بما بشّره الله به من السلطنة الكاملة والغلبة على الأعداء في زمان الرجعة)(٣) ، أو إيذان بأنّه مُسلِّم ومفوّض له جميع أموره مطيع له في جميع أوامره ونواهيه ، ومؤمن بسرّه وعلانيّته ، كما في الزيارة الجامعة : «مؤمن بسرّكم وعلانيّتكم(٤) وشاهدكم وغائبكم وأوّلكم وآخركم ، ومفوِّض في ذلك كلّه إليكم(٥) ، ومسلِّم فيه معكم وقَلْبي لكم مُسلِّم ورأيي لكم

________________________

١ ـ لقد وردت هذه العبارة في زيارة عاشوراء المقدّسة المرويّة عن الإمام الباقر عليه‌السلام ، وأيضاً وردت في أحاديث كثيرة منها قول النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله للإمام عليّ والحسن والحسين عليهم‌السلام : (إنّي سلمٌ لمَن سالمكم وحربٌ لمن حاربكم) .

وبهذا الشأن راجع أمالي الشيخ المفيد ص ٢١٣ ، ط : جامعة المدرّسين ، ومشارق أنوار اليقين للبرسي ص ٣١ ، وص ٥٣ ، ط : الأعلمي .

٢ ـ أي للإمام الحسين عليه‌السلام .

٣ ـ راجع تفسير القمّي ج ١ ، ص ٣٨٧ ، ط : بيروت ، وتفسير العياشي : ج ٢ ، ص ٢٥٩ و ٢٦٠ ، ح ٢٨ ، وتفسير البرهان للبحراني ج ٢ ، ص ٣٦٨ ح ١ ، وكتاب الرجعة للأسترآبادي .

٤ ـ أي بما استتر عن أكثر الخلق من غرائب أحوالكم وبما عُلِن منها أو مؤمن باعتقاداتكم السرنية وبأعمالكم وأقوالكم العلانية .

٥ ـ أي لا اعتراض عليكم في شيءٍ من أُموركم بل أعلم أنّ كلّما تأتون به فهو بأمره تعالى أو المعنى أُسلِّم جميع أموري إليكم لكي تصلحوا خللها وفاسدها ، فإنّ

٣١

تَبعٌ ونُصرَتي لكم مُعدَّةٌ حتّى يُحييَ الله تعالى دينَهُ بكم ، ويردَّكم في أيّامه ، ويُظهركم لعدلِهِ ، ويُمكِّنكم في أرضه ، فمعكُم معكُم(١) لا مع عدوّكم ...» .

ويؤيّد الأوّل(٢) : ما روي عن داود بن كثير الرقي ، قال : قلتُ : ما معنى السلام على الله وعلى رسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله ؟ فقال : إنّ الله لمّا خلق نبيّه ووصيّه وابنيه وابنته وجميع الأئمّة وخلق شيعتهم أخذ عليهم الميثاق ، وأنْ يصبروا ويصابروا وأن يتّقوا الله ، ووعدهم أنْ يسلم لهم الأرض المباركة والحرم الآمن ، وأنْ ينزل لهم البيت المعمور ويظهر لهم السقف المرفوع وينجيهم من عدوّهم والأرض التي يبدّلها من دار السلم ويسلّم ما فيها لهم ولا شبهة فيها ولا خصومة فيها لعدوّهم وأن يكون لهم فيها ما يحبّون وأخذ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله على الأئمّة وشيعتهم الميثاق بذلك وإنّما عليه أن يذكره نفس الميثاق وتجديد له على الله لعلّه أن يعجله ويعجل المسلم لهم بجميع ما فيه(٣) .

ويؤيّد الثاني(٤) : ما في جملة من التفاسير من أنّ المراد بقوله : «ويُسلِّموا تسليماً» في قوله : (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا

________________________

أعمال الخلائق تعرض عليهم ، كما روي عن مولانا الصادق عليه‌السلام قال :

(تُعرض الأعمال على رسول الله أعمال العباد كلّ صباحٍ أبرارها وفجّارها فاحذروها وهو قول الله تعالى : (اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّـهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ) . (راجع أصول الكافي ج ١ ، ح ١ ، باب عرض الأعمال على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله والأئمّة) .

١ ـ أي معكم بالقلب واللسان أو في الدُّنيا والرجعة أو في الدُّنيا والآخرة .

وللزيادة راجع شرح الزيارة الجامعة للعلّامة شبر ص ١٦٥ ـ ١٦٦ ، ط : مكتبة الأمين .

٢ ـ وهو أنّ السلام مأخوذ من السلم من الآفات والمكاره .

٣ ـ الكافي ، ج ١ ص ٤٥١ .

٤ ـ وهو أنّ السلام مأخوذ من السلام وهو من أسماء الله تعالى .

٣٢

يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)(١) .

هو السلام عليك أيّها النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله . قال الطريحي : واستصوبه بعض الأفاضل لقضية العطف ، ولأنّه المتبادر إلى الفهم عرفاً .

وروى الكاهلي(٢) عن الصادق عليه‌السلام أنّه تلا هذه الآية فقال : لو أنّ قوماً عبدوا الله ووحّدوه ، ثمّ قالوا لشيء صنعه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لو صنع كذا وكذا ووجدوا ذلك في أنفسهم كانوا بذلك مشركين ، ثمّ قال : (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ) قال : هو التسليم في الاُمور(٣) .

وعنه(٤) عليه‌السلام في قوله الله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّـهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا)(٥) قال : هم الأئمّة(٦) ، ويجري فيمن استقام من شيعتنا وسلّم لأمرنا ، وكتم حديثنا

________________________

١ ـ النساء : ٦٥ .

٢ ـ هو عبدالله بن يحيى أبو محمّد الكاهلي عربي ، روى عن أبي عبدالله الصادق وأبي الحسن الكاظم عليهما‌السلام ، وكان وجهاً عند الإمام الكاظم ، ووصّىٰ به علي بن يقطين فقال له : (اضمن لي الكاهلي وعياله أضمن لك الجنّة) راجع رجال النجاشي ص ٢٢١ رقم ٥٨٠ .

٣ ـ بصائر الدرجات : ص ٥٢٠ ، الجزء العاشر ، ح ٣ ، ط : المرعشي النجفي .

٤ ـ أي عن الإمام الصادق عليه‌السلام .

٥ ـ سورة فصلت : ٣٠ .

٦ ـ أخرج القمّي في تفسيره ج ٢ ، ص ٢٣٧ ، ط : الأعلمي في تفسير هذه الآية (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّـهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا) قال : على ولاية أمير المؤمنين عليه‌السلام .

وأخرج الطبرسي في تفسيره مجمع البيان ج ٩ ، ص ١٧ ، ط : مؤسسة التاريخ العربي ، ونور الثقلين ج ٤ ، ص ٥٤٧ ، ح ٤٣ ، (عن محمّد بن الفضيل قال : سألت أبا الحسن الرضا عليه‌السلام عن الاستقامة فقال : هي والله ما أنتم عليه) .

٣٣

عند عدوّنا(١) .

وعن الباقر عليه‌السلام قال : (قد أفلح المسلّمون ، إنّ المسلّمين هم النجباء)(٢) .

وعنه عليه‌السلام : (إنّ الإمام هادٍ مهدي لا يدخله الله في عماء ولا يحمله على هيئة ليس للناس النظر في أمره ولا التبختر عليه وإنّما أُمروا بالتسليم)(٣) .

وأخبار التسليم لآل محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله كثيرة(٤) .

ومنها(٥) : إنّ هذه الجملة(٦) قد صارت حقيقيّة عرفية في إنشاء الثناء

________________________

١ ـ تجد هذه الرواية في بصائر الدرجات ص ٥٢٤ ، ح ٢٢ وهذه تكملة الرواية : ( ... فتستقبلهم الملائكة بالبشرىٰ من الله بالجنّة وقد والله مضى أقوامٌ كانوا على مثل ما أنتم عليه من الذين استقاموا وسلّموا لأمرنا وكتموا حديثنا ولم يذيعوه عند عدوّنا ولم يشكّوا كما شككتم فاستقبلهم الملائكة بالبشرى من الله بالجنّة .

٢ ـ اُنظر بصائر الدرجات ص ٥٢٠ الجزء العاشر ، وتفسير البرهان ج ٤ ، ص ٥٤٩ ، ح ١١ .

٣ ـ بصائر الدرجات ص ٥٢٣ ، الجزء العاشر ، ح ٢١ .

٤ ـ مَن أراد الوقوف على أخبار وروايات التسليم لآل محمّد عليهم‌السلام عليه بمراجعة كتاب بصائر الدرجات حيث عقد باباً مستقلّاً تحت عنوان (التسليم لآل محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله فيما جاء عندهم) تجده في الجزء العاشر من الكتاب ص ٥٢٠ ، ط : المرعشي النجفي . وسوف نذكر روايتين خوفاً من الإطالة والاطناب :

روى عن جميل بن درّاج عن أبي عبدالله عليه‌السلام قال : (إنّ من قرّة العين التسليم إلينا أن تقولوا لكلّ ما اختلف عنّا أنْ تردوا إلينا) .

وأيضاً عن صفوان عن داود بن فرقد عن زيد عن أبي عبدالله عليه‌السلام قال : (تدري بما أُمروا ، أُمِروا بمعرفتنا والردّ إلينا والتسليم لنا) .

٥ ـ أي من الأقوال التي ذكرها الأعلام في معنى السلام وهو المعنى الخامس .

٦ ـ أي جملة (السلامُ عليكَ) .

٣٤

والتمجيد نظير جملتي الصلاة والتحميد ، فيجري فيها ما ذكروه في الحمد لله من الأصل ، والعدول عنه إلى الجملة الإسمية للدلالة على الدوام وغير ذلك من الاحتمالات في اللام وتفصيل الكلام لا يليق بالمقام(١) .

الموضع الثاني في تفسير كونه عليه السلام وارثاً للأنبياء والأوصياء

فاعلم إنّ الوارث هو الذي يبقىٰ بعد موت آخر مع استحقاقه لتركته بقيامه مقامه ، ونزوله في منزلته فكأنّه هو(٢) ، وسُمِيَ تعالى بالوارث ، لأنّه باقٍ بعد فناء الأشياء(٣) ، ولأنّه يرث الأرض ومَن عليها وهو خير الوارثين ، والمؤمنون هم الوارثون لأنّهم يرثون منازل الكفّار في الجنّة ، أو لأنّهم يمكَنْون في الأرض في زمان الرجعة كما قال تعالىٰ : (أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ)(٤) .

وفي الدُّعاء : (واجعلهما ـ أي السمع والبصر ـ الوارثين منّي ، أي ابقهما صحيحين إلى زمان الموت بعد ضعف جميع أعضائي)(٥) ، وكونه عليه‌السلام وارثاً

________________________

١ ـ راجع تفسير (الفرقان في تفسير القرآن للشيخ الدكتور محمّد الصادقي) ج ١ ، ص ٨٩ ، ط : طهران .

٢ ـ راجع المصباح المنير للفيومي ص ٦٥٤ ط : دار الهجرة .

٣ ـ إشارة إلى قوله تعالى في سورة الرحمان (الآية ٢٦ و ٢٧) : (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) .

٤ ـ الأنبياء : ١٠٥ .

٥ ـ بحار الأنوار ، ج ٨٣ ، ص ١٣٠ ، باب ٤٣ ـ التعقيب المختص بصلاة الفجر ، وإليك نصّه : «كان رسول الله صلى الله عيله وآله إذا صلى الغداة قال : اللهم متعني بسمعي وبصري واجعلهما الوارثين مني وأرني ثاري في عدوّي» .

٣٥

للأنبياء كسائر الأئمّة النقباء ممّا لا ريب فيه ، والأخبار والزيارات(١) مشحونة بذلك كما لا يخفىٰ على المتتبّع فيها .

وروي عن الصادق عليه‌السلام أنّه قال : إنّ العلماء ورثة الأنبياء وذلك أنّ الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً ، وإنّما ورّثوا أحاديث من أحاديثهم فمَن أخذ بشيءٍ منها فقد أخذ حظّاً وافرا(٢) .

وقد فسّر العلماء في بعض الأخبار بأئمّتنا الأبرار عليهم‌السلام(٣) .

ولا يُنافي ذلك ما روي عنه صلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال : (نحن معاشر الأنبياء لا نورّث)(٤) أي لا نبقي الميراث لأحدٍ أو لا يرث أحدٌ منّا ، لضعفه أوّلاً بروايته من غير طرقنا ، ومخالفته للآيات القرآنية(٥) ، والأخبار الكثيرة ، وقد وضعوا هذا الخبر ليحرموا

________________________

١ ـ منها زيارته عليه‌السلام في النصف من رجب : (... السلامُ عليكَ ياوارث علم الأنبياء ... السلام عليك يا وارث آدم صفوة الله ، السلام عليك يا وارث نوح نبيّ الله ...) .

ومنها زيارته في يوم عرفة : (السلامُ عليك ياوارث آدم صفوة الله ، السلامُ عليك يا وارث نوح نبيّ الله ... . السلامُ عليك يا وارث محمّدٍ حبيب الله ...) .

٢ ـ راجع بصائر الدرجات ص ١١ ، ح ٣ ، ط : مكتبة المرعشي النجفي وهذه تتمّة الحديث (فانظروا علمكم هذا عمّنْ تأخذونه فإنّ فينا في كلِّ خلفٍ عدولاً ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين .

٣ ـ راجع المصدر نفسه .

٤ ـ أخرجه البخاري ج ٣ ص ٧ في غزوة خيبر ؛ صحيح مسلم ج ٢ ، ص ٧٢ باب قول النبيّ : لا نورّث ، ما تركنا فهو صدقة من كتاب الجهاد والسير ؛ مسند أحمد ج ١ ص ٦ .

٥ ـ إنّ مسألة توريث الأنبياء منصوص عليها بعموم القرآن مثل قوله تعالى : (لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا) النساء : ٧ .

٣٦

________________________

وقوله تعالى : (يُوصِيكُمُ اللَّـهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ) النساء : ١١ .

قال السيّد عبد الحسين شرف الدِّين في كتابه النصّ والاجتهاد ص ٥٥ ، المورد السابع : «كلّها ـ أي آيات المواريث ـ عامّة تشمل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فمن دونه من سائر البشر فهي على حدّ قوله عزّوجلّ : (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ) وقوله : (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّـهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ ...) ونحو ذلك من آيات الأحكام الشرعية يشترك فيها النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وكلُّ مكلّف من البشر ، لا فرق بينه صلى‌الله‌عليه‌وآله وبينهم ، غير أنّ الخطاب فيها متوجّه إليه ليعمل به وليبلّغه إلى مَن سواه فهو من الحيثيّة أولى في الالتزام بالحكم من غيره» . وأيضا ممّا يدلّ على الإرث قوله تعالى في خبر زكريا : (إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا * قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا * وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا) .

ولابدّ من حمل الإرث في هذه الآية على إرث المال دون النبوّة وشبهها حملاً للفظ يرثني من معناه الحقيقي المتبادر منه إلى الأذهان ، إذ لا قرينة هنا على النبوّة ونحوها ، بل القرائن في نفس الآية متوفّرة على إرادة المعنى الحقيقي دون المجاز . وأيضاً قوله تعالى في سورة النمل : (وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ) .

وإنّ هذه الآيتين الأخيرتين صريحتان على توريث الأنبياء عليهم‌السلام ، واستدلّت فاطمة الزهراء عليها‌السلام بهاتين الآيتين في خطبتها ، حيث قال السيّد شرف الدِّين في النص والاجتهاد ص ٦٣ : (ولعمري أنّها عليها‌السلام أعلم بمفاد القرآن ممّن جاءوا متأخِّرين عن تنزيله ، فصرفوا الإرث هنا إلى وراثة الحكمة والنبوّة دون الأموال ، تقديماً للمجاز على الحقيقة بلا قرينة تصرف اللفظ عن معناه الحقيقي المتبادر منه بمجرّد الإطلاق وهذا ممّا لا يجوز) .

٣٧

فاطمة عليها‌السلام عن ميراث النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ومحاجّة عليّ عليه‌السلام معهم في ذلك معروفة(١) ، وتأويله ثانياً : بأنّ المراد عدم توريث متاع الدُّنيا بشأن النبوّة لاقتضائه توريث العلوم والمعارف خاصّة ، وهذا لا يُنافي توريثهم إيّاه بشأن البشرية ، فإنّ لكلٍّ من الشأنين خواص ليست للآخر ، هذا مع أنّ الغرض إثبات الوارثية في الجملة ، وهو ممّا لم ينكره أحد ، وأمّا معنى كونهم عليهم‌السلام ورثة للأنبياء فيحتمل وجوهاً :

منها : إنّهم ورثوا ما أعطاهم عليهم‌السلام من العلوم والمعارف والأسرار فعلموه كما علموه ، فإنّ العلم لا يموت بموت العالم ، بل يصير إلى عالمٍ آخر ، وقد قال الباقر عليه‌السلام : «إنّ عليّاً عليه‌السلام عالم هذه الاُمّة ، والعلم يتوارث ولا يهلك أحدٌ منّا إلّا تركَ من أهله مَن يعلم مثل علمه أو ما شاء الله»(٢) .

وروي أيضاً في باب (أنّ الأئمّة عليهم‌السلام ورثوا علم آدم عليه‌السلام وجميع العلماء) بسنده عن الفضل بن يسار قال : (سمعتُ أبا عبدالله عليه‌السلام يقول : إنّ العلم الذي هبط مع آدم لم يُرفع ، وأنّ العلم يتوارث وما يموت منّا عالمٌ حتّى يخلفه من أهله مَن يعلم علمه أو ما شاء الله)(٣) .

وبسنده عن أبي جعفر عليه‌السلام قال : (كانت في عليّ عليه‌السلام سنّة ألف نبيّ ، وقال : إنّ العلم الذي نزل مع آدم لم يُرفع ، وما ماتَ عالمٌ فذهب علمه ، وأنّ العلم ليتوارث [و] * أنّ الأرض لا تبقىٰ بغير عالم)(٤) .

________________________

١ ـ راجع الاحتجاج للطبرسي ج ١ ، ص ٩٠ ـ ٩٣ .

٢ ـ رواه الصفّار في بصائر الدرجات ج ٣ ، ص ١١٨ ، ح ٤ في باب (العلماء إنّهم يرثون العلم بعضهم من بعض ولا يذهب العلم من عندهم) .

٣ ـ نفس المصدر : ص ١١٤ ، ح ١ .

* ـ الواو في المصدر غير موجودة .

٤ ـ بصائر الدرجات : ص ١١٤ ، ح ٢ .

٣٨

وبسنده عنه عليه‌السلام أيضاً قال : (يمصّون الصماء * ويدعون النّهر العظيم ، قيل له : ومَن النهر العظيم ؟ قال : رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله والعلم الذي أتاه الله ، أنّ الله جمع لمحمّدٍ صلى‌الله‌عليه‌وآله سنن النبيّين من آدم هلّم جرّا إلى محمّد ، قيل له : وما تلك السنن ؟ قال : علم النبيّين بأسره ، وأنّ الله جمع لمحمّدٍ صلى‌الله‌عليه‌وآله علم النبيّين بأسره ، وأنّ رسول الله صيّر ذلك كلّه عند أمير المؤمنين عليه‌السلام فقال له الرجل : يابن رسول الله فأمير المؤمنين أعلم أو بعض النبيّين ؟ فقال عليه‌السلام(١) : اسمعوا ما نقول : إنّ الله يفتح مسامع مَنْ يشاء ، أنّي حدّثتُ أنّ الله جمع لمحمّدٍ صلى‌الله‌عليه‌وآله علم النبيّين ، وأنّه جعل ذلك كلّه عند أمير المؤمنين ، وهو يسألني هو أعلم أم بعض النبيّين)(٢) .

وبسنده أيضاً عن أبي الحسن الأوّل عليه‌السلام قال : قلتُ له : جعلت فداك النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ورث علم النبيّين كلّهم عليهم‌السلام ؟

قال لي : نعم . قلت : من لدن آدم إلى أن انتهى إلى نفسه ؟ قال : نعم . قلت : ورثهم النبوّة وما كان في آبائهم من النبوّة والعلم ؟ قال : ما بعث الله نبيّاً إلّا وقد كان محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله أعلم منه . قال : قلتُ : إنّ عيسى بن مريم كان يُحيي الموتىٰ بإذن الله . قال : صدقت . وسليمان بن داود كان يفهم كلام الطير . قال ؛ وكان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقدر على هذه المنازل(٣) .

________________________

* ـ في مصدر الرواية (الثماد) بدل (الصماء) والثماد هو الماء الذي لا مادّة له .

١ ـ في المصدر (فقال أبو جعفر عليه‌السلام) بدل من (فقال عليه‌السلام) .

٢ ـ بصائر الدرجات : ص ١١٧ ، ح ١٢ .

٣ ـ الشارح رحمه‌الله ما نقل الرواية بتمامها وإنّما ذكر صدرها وذيلها . ونحن نذكر المقطع الذي لم يذكره : (على هذه المنازل فقال : إنّ سليمان بن داود قال للهدهد حين فقده وشكّ في أمره مالي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين وكانت المردة والريح والنمل

٣٩

إلى أن قال : فقد ورثنا نحن هذا القرآن ، فعندنا ما يقطع به الجبال ويقطع به البلدان ويحيي به الموتى بإذن الله ، ونحن نعرف ما تحت الهواء(١) .

إلى أن قال : إنّ الله يقول : (وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ)(٢) ثمّ قال(٣) : (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا)(٤) فنحن الذين اصطفانا الله ، فقد ورثنا علم هذا القرآن الذي فيه تبيان كلّ شيء(٥) .

وروي أيضاً في باب أنّ الأئمّة ورثوا علم أُولي العزم من الرُّسل وجميع الأنبياء ، وأنّهم أُمناء الله في أرضه وعندهم علم البلايا والمنايا وأنساب العرب(٦) .

________________________

والإنس والجنّ والشياطين له طائعين وغضب عليه فقال : لأعذّبنّه عذاباً شديداً أو لأذبحنّه أو ليأتيني بسلطانٍ مبين ، وإنّما غضب عليه لأنّه كان يدلّه على الماء ، فهذا وهو طير قد أُعطى ما لم يعطَ سليمان وإنّما أراده ليدلّه على الماء فهذا لم يعط سليمان وكانت المردة له طائعين ولم يكن يعرف الماء تحت الهواء وكانت الطير تعرفه ، أنّ الله يقول في كتابه : (وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَىٰ) (الرعد : ٣١) .

١ ـ أيضاً الشارح هنا لم يكمل الرواية ونحن سوف نكملها : ( ... الهواء وإن كان في كتاب الله لآياتٍ ما يُراد بها أمرٌ من الاُمور التي أعطاه الله الماضين النبيّين والمرسلين إلّا وقد جعله الله ذلك كلّه لنا في أُمّ الكتاب ، إنّ الله تبارك وتعالى يقول ... .) .

٢ ـ النمل : ٧٥ .

٣ ـ في مصدر الرواية هكذا (ثمّ قال عزّوجلّ ...) .

٤ ـ فاطر : ٣٢ .

٥ ـ بصائر الدرجات : ص ١١٤ ، ح ٣ .

٦ ـ راجع بصائر الدرجات ج ٣ ، ص ١١٨ الباب الثاني .

٤٠