🚖

جنّة الحوادث في شرح زيارة وارث

الملّا حبيب الله الشريف الكاشاني

جنّة الحوادث في شرح زيارة وارث

المؤلف:

الملّا حبيب الله الشريف الكاشاني


المحقق: نزار الحسن
الموضوع : العرفان والأدعية والزيارات
الناشر: دار جلال الدين
المطبعة: باقري
ISBN: 964-94216-1-0
🚖 نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

حرمة نبيّهم بقتل بنيه ، وسبي ذراريه ، وأساؤوا الصنع فيهم بما لم يسبقهم إليه أحدٌ من الملل السابقة مع ما أكّد النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله في حقّهم من الوصيّة بودادهم ومحبّتهم ، حتّى جعل ذلك أجراً على تعباته ومحنه في النبوّة كما قال : (قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ) (١) .

فليت شعري ماذا كانوا يصنعون لو أمرهم ببغض العترة ونصب العداوة لهم أو يمكنهم الزيادة على ما صنعوا ؟ كلّا ما قدروا على أزيد ممّا صدر عنهم من الظلم والطغيان ومعصية الرحمان .

ولنعم ما قيل :

قد أبدلوا الودَّ في القربىٰ ببغضهم

كأنّما ودّهم في الذكرِ بغضاءُ

وقيل أيضاً :

_________________________________________________

فقام وصار إلى السلّم وهم حوله تتمسّح بثيابه ، فلمّا وضع رجله على أوّل درجة ينقلب إليها وأشار بيده أن ترجع فرجعت وصعد ثمّ قال : كلّ مَن زعم أنّه من ولد فاطمة عليها‌السلام فليجلس في ذلك المجلس . فقال لها المتوكّل : انزلي . قالت : الله الله ادّعيتُ الباطل ، وأنا بنت فلان حملني الضرُّ على ما قلتُ .

قال المتوكّل : القوها إلى السباع ، فبعثت والدته فاستوهبتها منه فأحسن إليها .

وللمزيد وللتفصيل راجع الخرائج للراوندي ، ومدينة المعاجز للبحراني سوف تجد أمثال هذه الرواية بالعشرات .

١ ـ الشورى : ٢٣ ، حيث أخرج السيوطي في الدرّ المنثور ج ٦ ، ص ٧ ، ط : مصر ، عن ابن عبّاس قال : لمّا نزلت هذه الآية (قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ) قالوا : يارسول الله مَن قرابتُكَ هؤلاء الذين وجبت مودّتهم ؟ قال صلى‌الله‌عليه‌وآله : عليّ وفاطمة وولداها .

١٢١

هم أهلُ بيت رسول الله جدّهم

أجر الرسالة عند الله ودّهمُ

هم الأئمّة دان العالمون لهم

حتّى أقرّ لهم بالفضل ضدّهم

سعت أعاديهم في حطّ قدرهم

فازداد شأناً ومنه ازداد حقدهم

ونابذوهم على علمٍ ومعرفةٍ

منهم بأنّ رسول الله جدّهم

كأنّ قربهم من جدّهم سببٌ

للبُعد عنهم وإنّ القربَ بعدهمُ

لو أنّهم أُمروا بالبغض ما صنعوا

فوق الذي صنعوا والجدّ جدّهمُ (١)

ولاشكّ عندنا في جواز اللعن ، بل وجوبه على قتلة العترة الطاهرة وظلمتهم ، وقد دلّ عليه الكتاب والسنّة المتواترة ، والإجماع من الإمامية (٢) والعقل المستقيم ، والذوق السليم ، والعجب ممّن أنكر هذا الحكم مع وضوحه

________________________

١ ـ وقال السيّد محمّد كاظم الكفائي في كتابه الزهراء في مقدّمة الجزء الثاني ص ٢٠٥ ط قم ، الأمين ، من قصيدة طويلة قال فيها :

تركوا الحقّ الذي أسّسته

ومشوْا في مسلكٍ لن يُحمدا

بدّلوا الحبَّ الذي أوجبه

الله للآل عليهم بالعِدا

تبعوا العجلَ الذي حذّرتهم

منه أنْ يصبحَ فيهم مُقتدىٰ

نبذوا الحقّ ومِن جهلهم

أنْ يكونَ العبدُ فيهم سيّدا

٢ ـ أحيل القارئ الكريم إلى كتاب (نفحات اللاهوت في لعن الجبت والطاغوت) للمحقّق الكركي (أعلى الله مقامه الشريف) لأنّه كتابٌ علمي رصين مشبع بالأدلّة الدامغة من القرآن الكريم والسنّة الشريفة على جواز بل استحباب لعن الخلفاء الغاصبين للخلافة من أهلها الشرعيين حيث فصّل تفصيلاً يُثلج صدور المؤمنين ، ويشفي قلوب الموقنين ، ويُزيد حقد المنافقين . فراجع لكي تقف على شرعية لعنهم (لعنهم الله) .

١٢٢

وهم شرذمة من مخالفينا فزعموا أنّ المسلم لا يجوز لعنه مطلقاً ، وإنّ يزيد وأضرابه من ظالمي آل محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كانوا مسلمين ، وللغزالي قبل تشيّعه (١) في المقام كلمات واهية يشمّ منها رائحة الكفر يستحي القلم من تحريرها ، واللسان

________________________

١ ـ راجع كتابه إحياء علوم الدِّين ج ٣ ، ص ١٢١ ، بحيث أفتىٰ فيه بحرمة لعن قاتل الإمام الحسين عليه‌السلام سبط الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله .

وأمّا قصّة تشيّع الغزالي فقد ذكرها السيّد محمّد الشيرازي قدس‌سره في كتابه حقائق من تاريخ العلماء ص ١٣ ط : الكويت ، قال : (بعدما قرّر الغزالي مغادرة بغداد لينتقل بين العواصم الإسلامية الأخرى ، فيشاء القدر أن يلتقي في إحدى رحلاته بالسيّد مرتضى الرازي ـ ليس شقيق السيد الرضي ـ فيطلب منه الغزالي المناظرة في مسألة الإمامة ، فلم يمانع السيّد المرتضىٰ ، لكنّه اشترط على الغزالي ألا يقاطعه في الحديث قبل استيفاء كلامه ، ووافق أبو حامد الغزالي على هذا الشرط .

ابتدأت المحاورة ، وأنصت الغزالي إلى المرتضى ، الذي جعل يُقيم الأدلّة والبراهين على أحقّية أمير المؤمنين عليه‌السلام بالخلافة .

وبين الحين والآخر كانت محاولات الغزالي للمقاطعة تبوء بالفشل ، لأنّ المرتضى لم يكن يعطي له الفرصة لذلك بل كان يستمرّ في سرد أدلّته ، حسب الشرط الذي اتّفقا عليه . وهكذا تكرّرت الجلسات بين العَلَمين ، إلى أن أسفرت في النهاية عن انضمام الغزالي إلى مدرسة أهل البيت عليهم‌السلام اعترض التلاميذ على أستاذهم وتعجّبوا منه كيف استطاع المرتضى أن يدخله معه في مذهبه في تلك الفترة القصيرة .

غير أنّ استاذهم أجابهم في تواضع وهدوء : لقد كان المرتضىٰ ثاقب البرهان ، حاضر الدليل ، حسن الاستدلال ، أظهر ما عنده فأتمّ ، وما كان لي إلّا الإذعان والاعتراف .

وبعد تلك الواقعة ألّف الغزالي كتابه (سرُّ العالمين) ليعلن فيه أحقّية مذهب أهل البيت عليهم‌السلام) .

١٢٣

من تقريرها ، فالإعراض عن ذكرها أولىٰ .

وحكى ابن الجوزي عن جدّه عن القاضي أبي يعلي بإسناده إلى صالح بن أحمد بن حنبل قال : قلتُ لأبي : إنّ قوماً ينسبوننا إلى توالي يزيد ؟ فقال : يابني وهل يتوالىٰ يزيد أحدٌ يؤمن بالله ؟

فقلتُ : فلِمَ لا تلعنه ؟ فقال : وما رأيتني لعنتُ شيئاً ، يا بُني لِمَ تلعن مَن لعنه الله في كتابه ؟ فقلتُ : وأين لعن الله يزيد في كتابه ؟

فقال : في قوله تعالى : (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّـهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ) (١) . (٢)

وحكى أيضاً عن أبي يعلى أنّ الممتنع من جواز لعن يزيد أمّا أن يكون غير عالم بذلك ، أو منافقاً يريد أن يوهم بذلك ، وربما استفزّ الجهّال بقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : (المؤمن لا يكون لعّاناً) وهذا محمول على مَن لا يستحقّ اللعن (٣) .

________________________

١ ـ محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله : ٢٢ ـ ٢٣ .

٢ ـ ذكر السبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص ص ٢٥٧ ، ط قم الشريف الرضي .

٣ ـ نفس المصدر ص ٢٥٨ وللتفصيل راجع نفس المصدر فصل (يزيد بن معاوية) . وأيضاً ذهب بعض العلماء العامّة (السنّة) إلى لعنه وتوبيخه منهم :

العلّامة الآلوسي في تفسيره روح المعاني ج ٢٦ ص ٧٣ في تفسير آية ٢٢ من سورة محمّد : قال : «مَن يقول إنّ يزيد لم يعصِ بذلك ولا يجوز لعنه فيبتغي أنْ ينتظم في سلسلة أنصار يزيد وأنا أقول إنّ الخبيث لم يكن مصدّقاً بالرسالة للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وأنّ ما فعله مع أهل حرم الله وأهل حرم نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله وعترته الطيّبين الطاهرين في الحياة وبعد الممات وما صدر منه من المخازي ليس بأضعف دلالة على عدم تصديقه من إلقاء ورقة من المصحف الشريف في قذر ولا أظنّ أنّ أمره كان خافياً على أجلّة

١٢٤

وروي أنّه قال رجلٌ للصادق عليه‌السلام : يابن رسول الله انّي عاجز ببدني عن نصرتكم ، ولستُ أملك إلّا البراءة من أعدائكم ، واللعن عليهم فكيف حالي ؟

فقال له عليه‌السلام : حدّثني أبي عن أبيه عن جدّه عن رسول الله قال : مَن ضعف عن نصرتنا أهل البيت ، ولعن في خلواته أعداءنا بلّغ الله صوته جميع الأملاك

________________________

المسلمين ولكن كانوا مغلوبين مقهورين ، ولو سُلّم أنّ الخبيث كان مسلماً ، فهو مسلم جمع من الكبائر ما لا يحيط به نطاق البيان ، وأنا أذهب إلى جواز لعن مثله على التعين ، ولو لم يتصوّر أن يكون له مثل من الفاسقين ، والظاهر أنّه لم يتب واحتمال توبته أضعف من إيمانه» .

وقال الجاحظ في رسائله ص ٢٩٨ الرسالة الحادية عشرة في بني أمية : «المنكرات التي اقترفها يزيد من قتل الحسين وحمله بنات رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله سبايا وقرعه ثنايا الحسين بالعود وإخافته أهل المدينة وهدم الكعبة تدلّ على القسوة والغلظة والنصب وسوء الرأي والحقد والبغضاء والنفاق والخروج عن الإيمان ، فالفاسق ملعون ومَن نهىٰ عن شتم الملعون فملعون» .

وقال ابن خلدون في مقدّمته ص ٢٥٤ عند ذكر ولاية العهد : «الإجماع على فسق يزيد ومعه لا يكون صالحاً للإمامة ، ومن أجله كان الحسين عليه‌السلام يرى من المتعيّن الخروج عليه وقعود الصحابة والتابعين عن نصرة الحسين لا لعدم تصويب فعله بل لأنّهم يرون عدم جواز إراقة الدماء فلا يجوز نصرة يزيد بقتال الحسين بل قتله من فعلات يزيد المؤكّدة لفسقه والحسين فيها شهيد» .

وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء : «كان يزيد بن معاوية ناصبيّاً فظّاً غليظاً جلفاً يتناول المسكر ويفعل المنكر ، افتتح دولته بقتل الشهيد الحسين وختمها بوقعة الحرّة فمقته الناس ولم يبارك في عمره» .

وهناك الكثير من الأعلام صرّحوا ونوّهوا بلعن يزيد بن معاوية ونكتفي بهذا القدر الممكن . ومن أراد الاطّلاع فليراجع كتب التاريخ .

١٢٥

من الثرى إلى العرش ، فكلّما لعن هذا الرجل أعداءنا لعناً ساعدوه فلعنوا مَن يلعنه ، ثمّ ثنوه فقالوا : اللّهمَّ صلِّ على عبدك هذا الذي قد بذل ما في وسعه ، ولو قدر على أكثر منه لفعل ، فإذا النداء من قبل الله قد أجبتُ دعاءكم ، وسمعتُ نداءكم وصلّيتُ على روحه في الأرواح وجعلته عندي من المصطفين الأخيار (١) .

ثمّ هذا اللعن لا يختصّ بمَن صدر عنه القتل والظلم فعلاً بل يجري في كلّ مَن هيّأ أسباب ذلك وأسّس أساس الظلم والجور من أوّل الأمر ، وهم الغاصبون لحقّ عليّ عليه‌السلام في يوم السقيفة (٢) .

ولذا ورد أنّه المقتول يوم الاثنين ، وبيانه : أنّهم طرحوا في أراضي قلوب الجاهلين بذور الكفر والنفاق ، وأثبتوا فيها عروق أشجار الضلالة والشقاق ، فأثمرت المعاداة لأهل بين النبوّة والإعراض عن منهجهم وطريقتهم السنية ، فصنعوا ماصنعوا فظلموا حقّ العترة (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ) (٣) .

________________________

١ ـ راجع تفسير الإمام العسكري عليه‌السلام ص ٤٧ ، رقم ٢١ ، والبحار ج ٢٧ ، ص ٢٢٣ ، ح ١١ ، ومستدرك الوسائل ج ٤ ، ص ٤١٠ ، رقم ٣ .

٢ ـ ولذا قال الشاعر القاضي بن قريعة في أبياته :

لولا حدود صوارم

أمضىٰ مضاربها الخليفة

لنَشرتُ من أسرار آل

محمّد جملاً ظريفة

وأريتكم أنّ الحسين

أُصيب في يوم السقيفة

وللمزيد راجع كتاب عين العبرة في غبن العترة للسيّد أحمد بن طاووس سوف تقف على مخازي اللصوص الثلاثة .

٣ ـ الشعراء : ٢٢٧ ، وقال علي بن إبراهيم القمّي في تفسيره ج ٢ ، ص ١٠١ : (وسيعلم الذين ظلموا ـ آل محمّد حقّهم ـ أي منقلبٍ ينقلبون) .

١٢٦

(فلعن الله أُمّةً أسّست أساس الظلم والجور عليكم أهل البيت ، ولعن الله أُمّةً دفعتكم عن مقامكم ، وأزالتكم عن مراتبكم التي رتّبكم الله فيها ، ولعن الله أُمّةً قتلتكم ، ولعن الله الممهِّدين لهم بالتمكين) (١) .

وفي الكلام تصريح بما صار من الضروريات من كونه عليه‌السلام مقتولاً فلا يلتفت إلى ما زعمه بعض الملاحدة من أنّه لم يُقتل ولكنّه شبّه به كما شُبّه بعيسىٰ عليه‌السلام ، وفي العيون أنّ جميع الأئمّة الأحد عشر بعد النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله قُتلوا منهم بالسيف ، وهو أمير المؤمنين والحسين عليهما‌السلام والباقون قُتلوا بالسمّ قتل كلّ واحد منهم طاغية زمانه وجرىٰ ذلك عليهم علىٰ الحقيقة والصحّة لا كما تقوله الغُلاة والمفوّضة ـ لعنهم الله ـ فإنّهم يقولون إنّهم لم يُقتلوا على الحقيقة وأنّه شبّه على الناس أمرهم ، فكذبوا ـ عليهم غضب الله ـ فإنّه ما شبّه أمر أحد من أنبياء الله وحججه للناس إلّا أمر عيسىٰ بن مريم وحده ، لأنّه رُفع من الأرض حيّاً وقبض روحه بين السماء والأرض ثمّ رفع إلى السماء وردّ عليه روحه (٢) وقريب منه ما في الاحتجاج (٣) .

________________________

١ ـ هذا مقطع من زيارة عاشوراء الشريفة .

٢ ـ عيون أخبار الرضا عليه‌السلام ج ١ ص ٢١٣ .

٣ ـ راجع الاحتجاج للطبرسي ج ٢ ص ٤٣٧ ، ط بيروت .

١٢٧

وَلَعَنَ اللهُ أُمَّةً سَمِعَتْ بِذٰلِكَ فَرَضِيَتْ بِهِ .

والمشار إليه بذا هو القتل والظلم ، و (الكاف) حرف الخطاب يُبيّن به حال المخاطب من الإفراد ، والتثنية ، والجمع ، والتأنيث والتذكير ، ولذا يختلف اسم الإشارة مع هذا الحرف ، فيقال : ذالكم ، وذالكما ، وإنّما استحقّ الراضي اللعن مع عدم صدور الظلم منه ، لأنّ رضاه كاشف عن سوء سريرته ، وشقاوة باطنه بالنسبة إلى أهل البيت ، فيكون عدوّاً لهم بحيث لو قدر على الظلم لكان ظالماً لهم فلا يكون مسلماً كيف ؟

وشرط الإسلام محبّة الأئمّة الأعلام كما دلّ كثير من الأخبار (١) ، وشهد به سليم الذوق والاعتبار ، وهذا السرّ في قتل القائم عليه‌السلام من ذراري الأعداء ما لا يُحصىٰ لكونهم راضين بما فعل آباؤهم (٢) .

________________________

١ ـ راجع كتاب بشارة المصطفى لشيعة المرتضى ، للطبري .

٢ ـ روى الشيخ الصدوق في علل الشرائع ج ١ ، ص ٢٦٨ ، باب ١٦٤ ، ط الأعلمي بيروت ، عن عبدالسلام بن صالح الهروي قال : قلتُ لأبي الحسن الرضا عليه‌السلام : يابن رسول الله ما تقول في حديث روي عن الصادق عليه‌السلام أنّه قال : إذا خرج القائم قتل ذراري قتلة الحسين عليه‌السلام بفعال آبائها . فقال عليه‌السلام : هو كذلك . فقلتُ : فقول الله عزّوجلّ : (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ) ما معناه ؟ فقال : صدق الله في جميع أقواله لكن ذراري قتلة الحسين يرضون أفعال آبائهم ، ويفتخرون بها ومَن رضي شيئاً كان كمَن أتاه ، ولو أنّ رجلاً قتل في المشرق فرضي بقتله رجلٌ في المغرب لكان الراضي عند الله شريك القاتل ، وإنّما يقتلهم القائم إذا خرج لرضاهم بفعل آبائهم ،

١٢٨

وفي تفسير الإمام عند قوله تعالى : (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا) (١) إنّه سئل عليّ بن الحسين عليه‌السلام كيف يُعاقب الله ويوبخ هؤلاء الاخلاف على قبائح ما أتاه أسلافهم وهو يقول : (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ) (٢) ؟

فقال عليه‌السلام : إنّ القرآن نزل بلغة العرب فهو يخاطب فيه أهل هذا اللسان بلغتهم ، يقول الرجل التميمي قد أغار قومهم على بلد وقتلوا مَن فيه : أغرتم على بلد كذا وقتلتم كذا ، ويقول العربي أيضاً : نحن قتلنا بني فلان ، ونحن سبينا آل فلان ، ونحن خرّبنا بلد كذا ، لا يُريد أنّهم باشروا ذلك ، ولكن يريد هؤلاء بالعذل ، وأولئك بالامتحان أنّ قومهم فعلوا ذلك فيقول الله في هذه الآيات ، إنّما هو توبيخ لأسلافهم ، وتوبيخ العذل على هؤلاء المرجوفين ، لأنّ ذلك هو اللغة التي نزل القرآن ، فالآن هؤلاء الأخلاف أيضاً راضون بما فعل أسلافهم مصوّبون ذلك لهم فجاز أنْ يُقال : أنتم فعلتم أي إذا رضيتم قبيح فعلهم (٣) .

وهذا صريح في أنّ الراضي بفعل الظالم ظالم مثله ، فكم من داخل مع قومٍ وهو خارج منهم كالمؤمن من آل فرعون ، وكم من خارج من قوم وهو معهم لرضاه بفعلهم ، كابن عمر وأضرابه ، وحكايته مع يزيد معروفة ككلامه بعد أنْ رأى العهد الذي كتبه أبوه إلى أبيه (٤) ، وفي بعض الأخبار مَن رضي بفعلٍ فقد

________________________

قال : فقلت له : بأيّ شيء يبدأ القائم فيهم إذا قام ؟ قال : يبدأ ببني شيبة ويقطع أيديهم لأنّهم سرّاق بيت الله عزّوجلّ .

١ ـ البقرة : ٦٥ .

٢ ـ الأنعام : ١٦٤ .

٣ ـ راجع تفسير الإمام العسكري ، ج ١ ص ٢٧٢ .

٤ ـ راجع البحار ج ٣٠ ، ص ٢٨٨ ، رقم ١٥١ ، وعوالم سيّدة النساء فاطمة عليها‌السلام ص ٥٩٩ .

١٢٩

لزمه وإن لم يفعل .

________________________

وروى البلاذري قال : لمّا قتل الحسين كتب عبدالله بن عمر إلى يزيد بن معاوية : أمّا بعد ؛ فقد عظمت الرزية وجلّت المصيبة ، وحدث في الإسلام حدثٌ عظيم ، ولا يوم كيوم قتل الحسين .

فكتب إليه يزيد : أمّا بعد يا أحمق ، فإنّا جئنا إلى بيوتٍ مجدّدة ، وفرشٍ ممهّدة ، ووسادة منضّدة ، فقاتلنا عنها فإن يكن الحقّ لنا فعن حقّنا قاتلنا ، وإن كان الحقّ لغيرنا ، فأبوك أوّل مَن سنَّ هذا ، واستأثر بالحقّ على أهله .

١٣٠

يَا مَوْلَايَ يَا أَبَا عَبْدِاللهِ .

يُحتمل أنْ يكون من تمام ما تقدّم ، وأن يكون استئنافاً لما يأتي ، والمراد بـ (المولى) هو المراد به في قوله : (مَن كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه) (١) ، لأنّ ما ثبت له عليه‌السلام من الفضائل والخواصّ فهو ثابت لسائر الأئمّة المعصومين (٢) عليهم‌السلام إلّا ما استثنى (٣) ، فالمراد به هو أولىٰ بالمؤمنين من أنفسهم كما كان النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله كذلك بنصّ القرآن (٤) ، فإنّ ما ثبت للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله فهو ثابت للوصي أيضاً إلّا ما استثنىٰ (٥) ،

________________________

١ ـ راجع إعلام الورى للطبرسي ص ١٦٥ ؛ وبشارة المصطفى لشيعة المرتضى للطبري ج ٢ ، ص ٩٢ ، ح ٢٤ ، ط قم جامعة المدرّسين .

٢ ـ راجع إعلام الورى للطبرسي ص ٣٥٥ ، ودفع المناواة للكركي ص ١٩٠ تحت عنوان (أنّهم عليهم‌السلام جرى لهم ما جرى لعليّ عليه‌السلام ، وجرى لعليّ ما جرى لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله) .

٣ ـ ما انفرد به الإمام عليّ عليه‌السلام بإمرة المؤمنين ، وقد تقدّم أنّه لا يجوز لأحدٍ أن يُلقّب بهذا اللقب حتّى الأئمّة عليهم‌السلام ، وإن كانوا أهلاً لهذا . ولهذا صدر منهم ردعٌ وزجرٌ لمن لقّبهم بهذا اللقب .

٤ ـ إشارة إلى قوله تعالى في سورة الأحزاب آية (٦) : (النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ) .

قال عليّ بن إبراهيم القمّي في تفسيره ج ٢ ، ص ١٥١ : ( ... فجعل الله تبارك وتعالى لنبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله الولاية على المؤمنين من أنفسهم ، وقول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بغدير خمّ : (يا أيّها الناس ألستُ أولى بكم من أنفسكم ؟ قالوا : بلىٰ . ثمّ أوجب لأمير المؤمنين عليه‌السلام

١٣١

ويُحتمل أن يُراد به السيّد ومالك الرقّ فإنّ الناس كلّهم عبيدٌ لهم عليهم‌السلام ، عبيد طاعة أو رقّ على الخلاف ، وربّما يُقال في الحديث : إنّ المعنىٰ : مَنْ أحبّني وتولّاني فليحبّ عليّاً عليه‌السلام فالمراد يا مَن يحبّ عليّ محبّته ومودّته ، ويلزم عليّ موالاته وولايته ، ويُحتمل أنْ يُراد به الناصر كما في قوله تعالى : (ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّـهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَىٰ لَهُمْ) (٦) أي يا ناصري في الدُّنيا عند توسّلي إليك في قضاء حوائجي وفي الآخرة عند أحوالها وشدائدها ، وعند الموت دفع سكراته عنّي .

وكيف كان فهذه المرتبة أي المولويّة مرتبة سامية ، ومنزلة سامقة ، ودرجة عليّة ، ومكانة رفيعة ، ومقامة سنيّة جعلها الله لعليّ عليه‌السلام اصالةً ولذرّيته وراثةً .

وأبو عبدالله كنية الحسين عليه‌السلام (٧) ، والمراد به في الأخبار على الإطلاق هو جعفر الصادق عليه‌السلام كما لا يخفىٰ على المتتبّع ، ولا كنية للحسين عليه‌السلام سواه على

________________________

ما أوجبه لنفسه عليهم من الولاية ، فقال : ألا مَنْ كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه ، فلمّا جعل الله النبيّ أباً للمؤمنين ألزمه مؤونتهم وتربية أيتامهم ، فكذلك ألزم أمير المؤمنين عليه‌السلام ما ألزم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله من بعد ذلك وبعده الأئمّة عليهم‌السلام واحداً واحداً ، والدليل على أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وأمير المؤمنين عليه‌السلام هما الوالدان قوله : (وَاعْبُدُوا اللَّـهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) فالوالدان رسول الله وأمير المؤمنين (صلوات الله عليهما) .

٥ ـ قد ثبت ما للرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله لأمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام إلّا مقام النبوّة .

٦ ـ محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله : ١١ .

٧ ـ مواليد الأئمّة للسيّد فضل الله الراوندي ص ١١ ، المطبوع مع كتاب الغيبة للشيخ المفيد قدس‌سره ، وتاريخ ابن الخشّاب ص ١٧٧ ، ومناقب ابن شهرآشوب ج ٤ ، ص ٨٦ . ومطالب السؤول ج ٢ ، ص ٥١ .

١٣٢

ما قيل .

ولكن ألقابه كثيرة كالرشيد ، والطيّب ، والوفي ، والسيّد ، والزكي ، والمبارك ، والسبط ، والتابع لمرضاة الله (١) .

والعرب يقصدون بالكنى التعظيم ، لأنّ أكثر النفوس يتأنّفون من التصريح بأسمائهم .

فلا يشترط أن يكون للمكنّى عنه ولد مسمّىٰ بهذا الاسم ، فيجوز أن يكون ، ويجوز أن لا يكون ، ولكن يظهر من بعض الأخبار أنّه كان للحسين عليه‌السلام ولد صغير مسمّىٰ بعبدالله ، والظاهر أنّه هو عليّ الأصغر الذي قُتل في حجره يوم عاشوراء بالسهم المسموم (٢) لعن الله قاتله .

وقد يقال : إنّ الحمرة التي ظهرت في السماء كانت من دمه ، هذا بحسب ظاهر الأمر ، والذي يقتضيه نظر التدقيق أنّ تكنيته بهذه الكنية في عالم الذر ، فإنّه لمّا قبل الشهادة التفصيلية الكلّية التي أبىٰ عن حملها غيره كما أشار الله بقوله :

________________________

١ ـ راجع تاريخ ابن الخشّاب ص ١٧٧ ، ومطالب السؤول ج ٢ ، ص ٥١ ، ومواليد الأئمّة للسيّد فضل الله الراوندي ص ١١ ولكنّه زاد على هذه اثنين (النافع ، والدليل على ذات الله) .

٢ ـ رماه بالسهم حرملة بن كاهل الأسدي فذبحه فتلقّى الحسين الدم بكفّه ورمىٰ به نحو السماء . قال الإمام الباقر عليه‌السلام : (فلم تسقط من الدم قطرة إلى الأرض) .

وللتفصيل راجع مثير الأحزان لابن نما الحلّي المتوفّىٰ (٦٤٥ هـ) ط قم مؤسسة الإمام المهدي ، ص ٧٠ ، ومقتل الحسين للسيّد المقرم ص ٢٧٢ ، ط : الشريف الرضي ، وراجع كتاب مطالب السؤول لابن طلحة الشافعي ج ٢ ، ص ٦٦ وص ٦٩ ط : أُمّ القرىٰ .

١٣٣

(فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) (١) أي مظلوماً مجهول القدر انتظم عالم الإمكان واستراح الإنسان بانتظام أمور دينهم ودنياهم ، فصار بالنسبة إلى جميعهم بمنزلة الوالد العطوف ، والأب الرؤوف ، فكلّ ما سوى الله بمنزلة عبد واحد لله وهو أبوه . ويمكن أن يُقال : إنّ هذه الكنية من قبيل قولهم فلان أبو الخير إذا كان الخير منه كثير الصدور ، وكذلك فلان أبو الحرب ، أو أبو الجود ، فلمّا كانت العبودية الكاملة التي حقيقتها الخضوع ، والذلّة ، والإنكسار مظهرها هو الحسين عليه‌السلام سمّي بهذه الكنية فليتأمّل .

وربما يُقال : إنّ العبد الحقيقي هو رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ولذا قُدّم على رسالته في التشهّد (٢) ، والحسين عليه‌السلام كان والده للأمّة بالإضافة التشريفيّة فهو أبو عبدالله عليه‌السلام ، ويؤيّده ما حكي عن تفسير القمّي قدس‌سره في قوله : (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا) (٣) انّ الإنسان (٤) هو رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله والوالدين الحسن والحسين عليهما‌السلام (٥) .

________________________

١ ـ الأحزاب : ٧٢ ، روي الشيخ الكليني في أصول الكافي ج ١ ، ص ٤١٣ ، عن إسحاق بن عمّار ، عن أبي عبدالله عليه‌السلام في قوله عزّوجلّ : (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ ... إلى آخر الآية) قال : هي الولاية لأمير المؤمنين .

وروى مثله الاسترآبادي في تأويل الآيات ص ٤٦٠ .

٢ ـ أي قُدِّمت العبودية على الرسالة في قولك : (أشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله) .

٣ ـ الأحقاف : ١٥ .

٤ ـ في مصدر الرواية (الإحسان) بدل (الإنسان) .

٥ ـ تفسير القمّي ج ٢ ، ص ٢٧٢ ، بيروت الأعلمي ، وإليك تتمّة الرواية : (ثمّ عطف على الحسين عليه‌السلام فقال : «حملته أُمّه كرهاً ووضعته كرهاً» وذلك أنّ الله أخبر رسول

١٣٤

وكيف كان يندرج في هذا اللقب آثار جميع الألقاب المحمودة ، ولذا لم يُكن بكنيةٍ أُخرىٰ ، وصار فريداً في هذه الكنية بالاصالة ، والصادق عليه‌السلام كُني بها تبعاً لما نشر الأحكام ، وروّج شريعة سيِّد الأنام ، وأرشد الناس إلى فضائل أجداده الكرام صلوات الله عليهم من الآن إلى يوم القيام .

________________________

الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وبشّره بالحسين عليه‌السلام قبل حمله وأنّ الإمامة تكون في ولده إلى يوم القيامة ، ثمّ أخبره بما يصيبه من القتل والمصيبة في نفسه وولده ، ثمّ عوّضه بأن جعل الإمامة في عقبه وأعلمه أنّه يُقتل ، ثمّ يردّه إلى الدُّنيا وينصره حتّى يقتل أعداءه ويملّكه الأرض ...) .

وللمزيد راجع تأويل الآيات الظاهرة ص ٥٦٢ ، ط : قم .

١٣٥

أَشْهَدُ أَنَّكَ كُنْتَ نُوراً فِي الْأَصْلَابِ الشَّامِخَةِ ، وَالْأَرْحَامِ الْمُطَهَّرَةِ ، لَمْ تُنَجِّسْكَ الْجَاهِلِيَّةُ بِأَنْجَاسِهَا ، وَلَمْ تُلْبِسْكَ مِنْ مُدْلَهِمَّاتِ ثِيَابِهَا .

فيه إشارة إلى مقام نورانيّته الذي يجب على كلّ مؤمن الإقرار به كما قال مولانا عليّ عليه‌السلام : (يا سلمان لا يكمل المؤمن إيمانه حتّى يعرفني بالنورانيّة ، فإذا عرفني بذلك فهو مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان ، وشرح صدره للإسلام ، وصار عارفاً بدينه ، ومَن قصّر عن ذلك فهو شاكٌّ مرتاب ، يا سلمان ويا جندب : أنّ معرفتي بالنورانية معرفة الله ومعرفة الله معرفتي وهو الدِّين الخالص) إلى أن قال : (كنتُ ومحمّد نوراً نسبّح قبل المسبّحات ونشرق قبل المخلوقات فقسّم الله ذلك النور نصفين : نبيٌّ مصطفىٰ ، وعليٌ مرتضىٰ ، فقال الله لذلك النصف : كُن محمّداً ، وللآخر عليّاً ، ولذلك قال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله : أنا من عليّ وعليّ منّي) (١) .

ولا ريب في كونهم أنوار مخلوقة من نور الله كما قال : (وأنتم نور الأنوار وهداة الأخيار) (٢) .

________________________

١ ـ هذا مقطع من خطبة الإمام عليّ عليه‌السلام المعروفة بالنورانية التي تقدّم ذكرها بالكامل .

٢ ـ ظاهراً هذا مقطع من الزيارة الجامعة الشريفة المرويّة عن إمامنا الهادي عليه‌السلام ولكن الشارح رحمه الله تعالى نقله للعبارة ليس نصّاً ، وهذا هو نصّ الزيارة : (.. وأنتم نور الأخيار وهُداة الأبرار ...) .

١٣٦

والأخبار الواردة في ذلك (١) فوق حدّ الإحصاء وبكونها متواترة صرّح بعض الأذكياء وفي بعضها : (يا محمّد أنّي خلقتك وخلقتُ عليّاً عليه‌السلام وفاطمة والحسن والحسين والأئمّة من ولده من سنخ نور من نوري ، وفرضتُ * ولايتكم على أهل السماوات والأرض ، فمَن قبلها كان عندي من المؤمنين ، ومَن جحدها كان عندي من الكافرين) (٢) .

وفي بعضها فقال ـ يعني آدم ـ (ياربّ ما هذه الأنوار ؟ فقال : أنوار أشباح نقلتهم من أشرف بقاع عرشي إلى ظهرك) (٣) .

وفي بعضها : (أوّل ما خلق الله نوري أنا من الله والكلّ منّي) (٤) .

وفي بعضها : (كنتُ وعليّاً نوراً بين يدي الرحمة ** قبل أنْ يخلق عرشه) (٥) .

وفي بعضها (أنّ الله خلقني وعليّاً عليه‌السلام نوراً واحداً قبل خلق آدم ، ثمّ خلق الأشياء من نوري ، ونور عليّ عليه‌السلام) (٦) .

________________________

١ ـ مَن أراد الوقوف على الروايات التي تتكلّم عن نورانيّة الأئمّة عليهم‌السلام فليراجع الجزء الأوّل من حلية الابرار للسيّد هاشم البحراني ص ٧ في الباب الأوّل .

* ـ في المصدر (عرضتُ) بدل (فرضتُ) .

٢ ـ بحار الأنوار ، ج ٢٧ ، ص ١٩٩ .

٣ ـ تقدّم نقل هذه الرواية تفصيلاً ، وراجع تأويل الآيات ص ٥١ ، والبحار ج ٢٦ ، ص ٣٢٧ ، ح ١٠ ، باب توسّل الأنبياء بهم .

٤ ـ مشارق أنوار اليقين ص ٦٠ فصل (٢٦) طبع قم الشريف الرضي .

** ـ في المصدر (الرحمان) بدل (الرحمة) .

٥ ـ الخصال للصدوق ج ٢ ، ص ٦٤٠ ، ح ١٦ ، إرشاد القلوب للديلمي ج ٢ ، ص ٢١٠ ، ومشارق الأنوار ص ٦٠ فصل (٢٦) .

٦ ـ بحار الأنوار ج ٢٥ ص ٢٤ .

١٣٧

وفي بعضها : «يا عليّ إنّ الله كان ولا شيء معه فخلقني وخلقك روحين من نور جلاله فكنّا أمام عرش ربّ العالمين نسبّح الله ، ونقدّسه ، ونحمده ، ونهلّله ، وذلك قبل أن يخلق السماوات والأرض ، فلمّا أراد أن يخلق آدم خلقني وإيّاك من طينة واحدة من طينة عليّين وعجنا بذلك النور وغمسنا في الأنوار» (١) .

وفي بعضها عن الباقر عليه‌السلام قال : (يا جابر كان الله ولا شيء غيره ، ولا معلوم ولا مجهول ، فأوّل ما ابتدأ من خلق خلقه أن خلق محمّداً صلى‌الله‌عليه‌وآله وخلقنا معه من نور عظمته ، فأوقفنا أظلّة خضراء بين يديه حيث لا سماء ولا أرض ولا مكان ولا ليل ولا نهار ولا شمس ولا قمر يفصل نورنا من نور ربّنا كشعاع الشمس من الشمس) (٢) .

وفي الزيارة الجامعة : (خلقكم الله أنواراً فجعلكم بعرشه محدقين) (٣) .

والنور هو الظاهر بنفسه المظهر لغيره ، وحقيقة نورانيّتهم غير معلومة لنا لكونها فوق إدراكات من دونهم فلا يعرفهم غيرهم كما قال : (يا عليّ ما عرفني إلّا الله وأنت ، وما عرفك إلّا الله وأنا) (٤) ، فلا ندرك من مقامهم هذا سوى الإجمال كما لا ندرك في مقام الحقّ سوى ذلك ، وبيانه أنّ العالي محيط بالسافل دون العكس .

قوله : في الأصلاب ، أي مودعاً مستقرّاً في أصلاب الآباء الموحِّدين ، الشرفاء ، النُجباء ، وأرحام الاُمّهات الموحّدات المطهّرات عن الخنا والسفاح ،

________________________

١ ـ بحار الأنوار ، ج ٢٥ ، ص ٣ .

٢ ـ البحار ج ١٥ ، ص ٢٣ ، ح ٤١ .

٣ ـ راجع شرح هذا المقطع من الزيارة الشريفة : الأنوار اللامعة للسيّد عبدالله شبّر قدس‌سره .

٤ ـ مشارق أنوار اليقين ص ٢٠١ ، ط الشريف الرضي ، تأويل الآيات ص ٩٢ ، ط قم .

١٣٨

العفيفات عن الزنا والفساد ، والشامخة العالية ، يُقال : شمخ بأنفه إذا ارتفع وتكبّر ، وفي الفقرة إشارة إلى ما بُرهن عليه في محلّه من أنّ الأئمّة عليهم‌السلام لا يكون آباؤهم وأُمّهاتهم مشركين من آدم عليه‌السلام ولا يُخالط نسبهم فساد وعهرٌ وذمّ (١) ، كيف وهم

________________________

١ ـ لقد تقدّمت الإشارة منّا إلى أنّ آباء النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله كانوا موحِّدين وذكرنا بعض الروايات ، والآن نذكر قسماً آخر .

قالت الشيعة الإمامية ـ وقولهم الحقّ ـ : بإيمان آباء النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله إلى آدم بالرغم من أنّ بعضهم لم يُعلن الإسلام لظروف خاصّة به . (راجع البحار ج ١٥ ، ص ١١٧) .

وأعلن أبو حيّان الأندلسي : (ذهبت الرافضة إلى أنّ آباء النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله كانوا مؤمنين) راجع تفسير البحر المحيط ج ٧ ، ص ٤٧ .

وحاول غير الإمامية إعلان كفر آباء النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله إلّا بغضاً منهم .

ومن دلائل إيمان أجداد النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله : أنّ عبد المطّلب كان يأمر أولاده بترك الظلم والبغي ويحثّهم على مكارم الأخلاق وينهاهم عن دنيئات الأمور ، وكان يقول : لن يخرج من الدُّنيا ظلوم حتى يُنتقم منه وتصيبه عقوبة إلى أن هلك رجل ظلوم من أهل الشام لم تصبه عقوبة فقيل لعبد المطّلب في ذلك فقال : والله إنّ وراء هذه الدار داراً أُخرى يُجزىٰ فيها المحسن بإحسانه ويُعاقب المسيء بإساءته ، أي أنّ العقوبة معدّة له في الآخرة .

ورفض عبادة الأصنام ووحّد الله تعالى وتؤثر عنه سنن جاء القرآن بأكثرها ، وجاءت السنّة بها ، منها الوفاء بالنذر ، والمنع من نكاح المحارم ، وقطع يد السارق ، والنهي عن قتل الموءودة ، وتحريم الخمر والزنا ، وأن لا يطوف بالبيت عريان ، وهذا أفضل دليل على إيمان آباء النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وردّ شبهات المنافقين .

وجاء في كتاب البحار ج ١٥ ، ص ١١٧ : (إعتقادنا في آباء النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله أنّهم مسلمون من آدم إلى أبيه عبدالله ، وأنّ أبا طالب كان مسلماً ، وآمنة بنت وهب كانت مسلمة ،

١٣٩

ذرّية النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وعترته ولا شكّ في طهارة عنصره وطيب مولده من لدن آدم إلى أبيه .

قال الصادق عليه‌السلام : انتخب لهم أحبّ أنبيائه إليه محمّد بن عبدالله صلى‌الله‌عليه‌وآله في حومة العزّ مولده ، وفي دومة الكرم محتده إلى أن قال : تبشّر به كلّ أُمّةٍ من بعدها ، ويدفعه كلّ أبٍ إلى أب من ظهرٍ إلى ظهر ، لم يخلطه في عنصره سفاح ولا ينجسه في ولادته نكاح من لدن آدم إلى أبيه عبدالله عليه‌السلام في خير فرقة وأكرم سبط وأمنع رهط وأكلأ حمل ، وأودع حجر اصطفاه الله وارتضاه ، واجتباه) (١) .

وفي بعض كتب العامّة : روى أنّه لمّا أهبطه الله إلى ظهر آدم أهبطه إلى أرضه المكينة ، وحمله مع نوح في السفينة وقذف به نار نمرود في صلب خليله المعروف بالكرم والجود ولم يزل ينقله في الأصلاب الكريمة الفاخرة إلى الأرحام الزكية الطاهرة حتّى أخرجه من بين أبويه للهدى والإصلاح لم يلتقيا قطّ

________________________

واتّفقت الإمامية على أنّ والدي الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله وكلّ أجداده إلى آدم عليه‌السلام كانوا مسلمين ، بل كانوا من الصدِّيقين ، وقال فخر الدِّين الرازي : إنّ قوله تعالى : (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) وجب أن لا يكون أحد من أجداده صلى‌الله‌عليه‌وآله مشركاً) .

وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : (ما افترق الناس فرقتين إلّا جعلني الله في خيرهما فأخرجتُ من بين أبوي فلم يصبني شيء من عهر الجاهلية وخرجتُ من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم حتّى انتهيت إلى أبي وأُمّي ، فأنا خيركم نسباً وخيركم أباً) راجع مختصر تاريخ دمشق ج ١ ، ص ٣٤٩ .

هذا صريح بأنّ آباءه صلى‌الله‌عليه‌وآله طاهرين ولم يدنسوا بأيّ دنسٍ جاهلي .

وللتفصيل راجع طبقات ابن سعد الجزء الأوّل ذكر نسب النبيّ وآباءه وأُمّهاته بشكلٍ جيّد وموسّع .

١ ـ الكافي ج ١ ص ٤٤٤ ؛ والبحار ج ١٦ ص ٣٦٩ .

١٤٠