🚖

جنّة الحوادث في شرح زيارة وارث

الملّا حبيب الله الشريف الكاشاني

جنّة الحوادث في شرح زيارة وارث

المؤلف:

الملّا حبيب الله الشريف الكاشاني


المحقق: نزار الحسن
الموضوع : العرفان والأدعية والزيارات
الناشر: دار جلال الدين
المطبعة: باقري
ISBN: 964-94216-1-0
🚖 نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

وخديجة هذه أُمّها بنت خويلد بن أسد (١) ، وهي أوّل مَنْ آمن بالله ورسوله من النساء (٢) تزوّجها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وهي بنت أربعين سنة وستّة أشهر ، وكان صلى‌الله‌عليه‌وآله حينئذٍ ابن إحدى وعشرين سنة (٣) ، وولدت منه زينب وفاطمة ورقية

________________________

(إنّما سمّيت فاطمة فاطمة لأنّ الله تعالىٰ فطم مَن أحبّها من النار) .

وروي أيضاً الصدوق في عيون أخبار الرضا ج ٢ ، ص ٢٣٤ ، ح ٤ : (سمّيت فاطمة لأنّها فَصمت شيعتها عن النار) .

وروى في العلل ص ٢١٣ ح ٦ عن محمّد بن مسلم الثقفي قال : سمعت أبا جعفر عليه‌السلام يقول : لفاطمة عليها‌السلام وقفة على باب جهنّم ، فإذا كان يوم القيامة كُتب بين عينيّ كلّ رجل مؤمن أو كافر فيؤمر بمحبّ قد كثرت ذنوبه إلى النار فتقرأ فاطمة بين عينيه محبّاً فتقول : إلٰهي وسيّدي سمّيتني فاطمة وفطمتَ بي مَنْ تولّاني وتولّى ذرّيتي من النار ووعدك الحقّ وأنتَ لا تخلف الميعاد ، فيقول الله عزّوجلّ : صدقتِ يا فاطمة إنّي سمّيتك فاطمة وفطمتُ بكِ مَن أحبّكِ وتولّاك ، وأحبّ ذرّيتكِ وتولّاهم من النار ، ووعدي الحقّ وأنا لا أخلف الميعاد ، وإنّما أمرتُ بعبدي هذا إلى النار لتشفعي فيه فأشفعك ، وليتبيّن لملائكتي وأنبيائي ورسلي وأهل الموقف موقفكِ منّي ومكانتكِ عندي فمَن قرأتِ بين عينيه مؤمناً فخذي بيده وأدخليه الجنّة) .

١ ـ قال العلّامة المجلسي في البحار ج ١٦ ، ص ١٢ : هي خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصيّ بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤي بن غالب ، وأُمّها فاطمة بنت زائدة بن الأصم ، وينتهي نسبها إلى لؤي بن فهر بن غالب ، وكنيتها أُمّ هند .

٢ ـ راجع مستدرك الوسائل ج ٤ ص ٤٥٥ ، ط : آل البيت بيروت ، وغاية المرام للسيّد هاشم البحراني ص ٥٠١ ، ط : دار القاموس .

٣ ـ قال الشيخ الطوسي في مصباح المتهجّد ص ٥٥٠ ط : الأعلمي بيروت : (تزوّج النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله بخديجة بنت خويلد وله يومئذٍ خمسة وعشرين سنة) .

١٠١

وأُمّ كلثوم والقاسم وزاد بعضهم الطيّب والطاهر (١) ، وماتت قبل الهجرة بسنة (٢) ،

_________________________________________________

وأيضاً قال الطبرسي في إعلام الورى ج ١ ، ص ٢٧٤ ، ط : مؤسسة آل البيت : (أوّل امرأة تزوّجها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزّى بن قصيّ ، تزوّجها وهو ابن خمس وعشرين سنة) .

١ ـ راجع الأنوار الساطعة من الغرّاء الطاهرة خديجة للشيخ غالب السيلاوي ص ١٣٩ ط قم . حيث ذكر بحثاً مفصّلاً عن أولادها عليها‌السلام .

٢ ـ قال الحرّ العاملي صاحب الوسائل في الجواهر السنية في الأحاديث القدسية ص ٢١٨ ط : النعمان النجف : (إنّه لمّا ماتت خديجة قبل الهجرة بسنة ومات أبو طالب بعد موتها بسنة حزن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله حزناً شديداً وخاف على نفسه من كفّار قريش) .

وقال شيخنا الكليني في أصول الكافي ج ١ ، ص ٤٤٠ ، دار الأضواء بيروت : (وماتت خديجة عليها‌السلام حين خرج رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله من الشعب وكان ذلك قبل الهجرة بسنة) .

ولكن صاحب كشف الغمّة الإربلي ج ١ ، ص ٥١٣ قال : (توفّيت قبل الهجرة بسنوات ثلاث أو نحوها) .

وقال العلّامة المجلسي في مرآة العقول ج ٥ ، ص ١٨٢ ط دار الكتب الإسلامية طهران (إنّها ماتت قبل الهجرة بخمس سنين وقيل بأربع وقيل بثلاث وهو أشهر ...) .

وقال العلّامة الرجالي المامقاني : (إنّ أهل السير ذكروا أنّ خديجة توفّت في شهر رمضان قبل الهجرة بخمس سنين وقيل بأربع وقيل بثلاث) راجع تنقيح المقال ج ٣ ص ٧٧ .

وقال المسعودي في مروجه ج ٢ ، ص ٣٠٦ دار الكتب العلمية : (وكانت وفاتها في شوّال بعد مبعثه صلى‌الله‌عليه‌وآله بثلاث سنين) ومثله قال أبو الفرج الاصفهاني في مقاتل الطالبيين ص ٥٩ ط الشريف الرضي .

١٠٢

وهي أفضل نساء أهل الجنّة ، وقد وردت في فضلها أخبار كثيرة (١)

________________________

١ ـ ذكر الشيخ الصدوق في الخصال باب الأربعة ص ٢٠٥ عن ابن عبّاس قال : خطّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أربع خطط في الأرض وقال :

أتدرون ما هذا ؟

قلنا : الله ورسوله أعلم .

فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : أفضل نساء أهل الجنّة أربع خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمّد ، ومريم بنت عمران ، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون) .

وذكر الهيثمي في مجمع الزوائد ج ٩ ، ص ٤٧ قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : (خديجة خير نساء عالمها ومريم خير نساء عالمها وفاطمة خير نساء عالمها) .

وذكر مسلم في صحيحه ج ١٥ ، ص ٢٠٠ دار الفكر ، عن عائشة قالت : (بشّر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله خديجة بنت خويلد ببيت في الجنّة) .

وأيضاً ذكر في نفس المصدر ص ١٩٩ عن أبي زراعة قال : سمعتُ أبا هريرة قال : أتىٰ جبرئيل النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله فقال : يارسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله هذه خديجة قد أتتك معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربّها عزّوجلّ ومنّي وبشّرها ببيت في الجنّة من قصب لا صخب فيه ولا نصب) .

وللتفصيل راجع الدرّ المنثور للسيوطي في تفسير قوله تعالى من سورة آل عمران : (وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّـهَ اصْطَفَاكِ ...) .

١٠٣

اَلسَّلَامُ عَلَيْكَ يَا ثَارَ اللهِ وَابْنَ ثَارِهِ وَالْوِتْرَ الْمَوْتُورَ .

الثأْر بسكون الهمز ، ويجوز تخفيفه بقلبه ألفاً ، كالرأس والفأس ، والكأس في الرأس والفأس ، والكأس ، وغير ذلك ممّا كان قبل الهمز فيه مفتوحاً كما يُقلب ياء قي المسكور ، والواو في المضمون كالبير في البئر ، والسور في السؤر . الذّحل (١) بالذال المعجمة والحاء المهملة الساكنة ، وقد تفتح ؛ الحقد والعداوة وبمعناه الثؤرة بالضمّ أيضاً ، قال الشاعر :

شفيتُ به نفسي وأدركتُ ثؤرتي

بني مالك هل كنتُ في ثؤرتي نكسا (٢)

يقال : أدركتُ ثأره أي حقده بقتل قاتله ويقال : ثأرتُ القتيل بالقتيل إذا قتلتُ قاتله ، ويقال : ثأرتكَ بكذا أي أدركتُ به ثأري منكَ ، ويقال : اثأرتُ من فلان أي أدركتُ ثأري منه ، وكثيراً ما يُستعمل في طلب الثأر (٣) . والذحل والوتر في المطالبة بالدم والانتقام من القاتل ، وفي بعض الدعوات : (اللّهم اطلب بذحلهم ووترهم ودمائهم) (٤) .

قال الطريحي (٥) : يُقال طلب بذحله أي بثأره والذحل الثأر ، وكذا الوتر

________________________

١ ـ المصباح المنير للفيومي ص ٨٨ ، ط دار الهجرة قم .

٢ ـ لسان العرب لابن منظور ج ٢ ، ص ٧٧ ، ط دار إحياء التراث العربي بيروت .

٣ ـ نفس المصدر .

٤ ـ روضة الواعظين ، ج ٢ ، ص ٣٢٤ ، مجلس في ذكر الصلاة على النبي ؛ والبلد الأمين ص ٢٣٠ .

٥ ـ مجمع البحرين ج ٥ ص ٣٧٥ .

١٠٤

بالفتح وكرّر للتأكيد ، والمراد بكونه ثأر الله : إنّ الله هو الذي يطلب بثأره وينتقم من أعدائه كما قال : (وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ) (١) ، فيكون إشارة إلى ما يعطى أولياؤه في زمن الرجعة من القوّة والسلطنة والغلبة على أعداء آل محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله فيقتلونهم من آخرهم بأشدّ قتلة وينكّلون بهم بأشدّ تنكيل .

وفي مجمع البحرين ولعلّه مصحّف من يا ثار الله وابن ثائره (٢) .

والثائر على صيغة اسم الفاعل : هو الذي لا يبقى علىٰ شيء حتّى يدرك ثاره ، فالمعنى أنّه الذي يطلب ثاره بإذن الله فيكون ثائر الله . والوتر عطف على المنادى فيكون منصوباً ، وهو بالكسر الفرد ، وبالفتح الذحل والثار على لغة أهل العالية ، وأمّا أهل الحجاز فيفتحونه في الأوّل ويكسرونه في الثاني (٣) ، وتميم يكسرونه في المعنيين .

والموتور هو الذي قتل له قتيل فلم يدرك بدمه (٤) ، ويحتمل أن يكون

________________________

١ ـ الإسراء : ٣٣ . روى الكليني في روضة الكافي ص ٢٥٥ ، الرقم ٣٦٤ عن بعض أصحابنا ، عن أبي عبدالله عليه‌السلام قال : سألته عن قول الله عزّوجلّ : (وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ ...) قال : نزلت في الحسين عليه‌السلام ، لو قتل وليّه أهل الأرض به ما كان مسرفاً ، ووليُّه القائم عليه‌السلام) .

وروى الاسترآبادي في تأويل الآيات ص ٢٧٣ عن جابر ، عن أبي جعفر عليه‌السلام في قول الله عزّوجلّ : (وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ ...) قال : نزلت في قتل الحسين عليه‌السلام أي ولي الحسين كان منصوراً .

٢ ـ مجمع البحرين ج ٣ ص ٢٣٤ .

٣ ـ راجع المصباح المنير للفيومي ج ٢ ، ص ٦٤٧ دار الهجرة .

٤ ـ المنجد في اللغة ص ٨٨٥ ط ، بيروت ١٩٩٦ م .

١٠٥

بمعنى المقطوع عن الأهل والأعوان ، والغريب عن الأوطان والمعنى أنّه الفريد الوحيد الذي لا ناصر له ولا معين ، القتيل الذي لم يدرك بثأره أحدٌ كما هو حقّه ، وإنّما الطالب بثاره هو الله المنتقم فإنّه قتيل الله وابن قتيله كما في زيارته أيضاً : «السلامُ عليك يا حجّة الله وابن حجّته ، السلامُ عليك يا قتيل الله وابن قتيله ، السلامُ عليك يا ثأر الله وابن ثأره ، السلام عليك يا وتر الله الموتور في السماوات والأرض ، أشهد أنّ دمكَ سكن في الخلد . . إلى قوله : أشهد أنّك حجّة الله وابن حجّته وأشهد أنّك قتيل الله وابن قتيله ، وأشهد أنّك ثأر الله وابن ثأره ، وأشهد أنّك وتر الله الموتور في السماوات والأرض ، وأشهد أنّك قد بلّغتَ ونصحت) (١) .

________________________

١ ـ راجع مفاتيح الجنان للشيخ عبّاس القمّي ص ٥١٦ ، وراجع كتابنا جامع الزيارات والمراقد ص ٨٦ قسم كربلاء ، ط قم (والذي طبع في بيروت تحت عنوان : الأماكن المقدسة في العالم) . وهذه الزيارة الشريفة من زيارات الإمام الحسين عليه‌السلام المطلقة .

١٠٦

أَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ أَقَمْتَ الصَّلَاةَ وَآتَيْتَ الزَّكَاةَ وَأَمَرْتَ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَيْتَ عَنِ الْمُنْكَرِ وأَطَعْتَ اللهَ وَرَسُولهُ * حَتّىٰ أَتَاكَ الْيَقِينُ .

أشهد أي أقرُّ بلساني مذعناً بصميم جناني وفيه إشارة إلى كماله عليه‌السلام في مقام الخضوع والعبودية والخشوع والطاعة ، وبلوغه بساط العبادة إلى منتهى الكمال ، ووصوله إلى مقام مرضاة ربّه ذي الجلال ، فإنّ العبودية شرف فاضل للعبد ، وأدبٌ كامل للمخلوق ، بها ينال نهاية المقامات ، ويفوز بأسنى الكرامات كما قال : (إنّ العبد يتقرّب إليّ بالنوافل حتّىٰ كنتُ سمعه وبصره ويده ...) (١) ، وقال الصادق عليه‌السلام : (العبودية جوهرة كنهها الربوبية ، فما فقد في العبودية وجد في الربوبيّة ، وما خفي عن الربوبية أُصيب في العبودية ، قال الله : (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا) (٢) أي موجود في غيبتك وحضرتك ، وتفسير العبودية بذل الكلّية (٣) ،

________________________

* ـ في المصباح للكفعمي (رسوله) غير موجودة .

١ ـ عوالي اللآلي ج ٤ ص ١٠٣ ، وهذا نصّ الحديث القدسي : (لا يزال العبد يتقرّب إليّ بالنوافل والعبادات حتّى أحبّه فإذا أحببته كنتُ سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يُبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها) .

٢ ـ فصّلت : ٥٣ . روى الاسترآبادي في تأويل الآيات ص ٥٢٧ عن الإمام الصادق عليه‌السلام في قوله عزّوجلّ : (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) قال : (حتّى يتبيّن لهم أنّه الحقّ) أنّه القائم عليه‌السلام .

٣ ـ في المصدر (الكلّ) بدل (الكلّية) .

١٠٧

وسبب ذلك منع النفس عمّا تهوىٰ ، وحملها على ما تكره ، ومفتاح ذلك ترك الراحة ، وحبّ العزلة ، وطريقة الافتقار إلى الله تعالىٰ .

قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : (اُعبد الله كأنّك تراه فإن لم تكن تراه فإنّه يراك ، وحروف العبد ثلاثة (العين والباء والدال) (١) ، فالعين علمه بالله ، والباء بونه عمّن سواه ، والدال دنوّه من الله بلا كيف ولا حجاب) (٢) .

والمراد بإقامة الصلاة أداؤها على الوجه المأمور به من رعاية آدابها وشرائطها الظاهرية والباطنية من الخضوع والخشوع ، والإقبال الكلّي بالقلب على باب المعبود ، والتوجّه بالكامل إلى جناب الرب الودود (٣) ، وقد صلّى

________________________

١ ـ في المصدر (ع ، ب ، د) .

٢ ـ راجع مصباح الشريعة للإمام الصادق عليه‌السلام ، الباب الثاني ، ص ٧ . ط : بيروت .

٣ ـ قال الإمام الصادق عليه‌السلام في مصباح الشريعة ص ٨٧ ، الباب التاسع والثلاثون : (إذا استقبل القبلة فأيس من الدُّنيا وما فيها والخلق وما هم فيه ، وفرّغ قلبك عن كلّ شاغل يشغلك عن الله تعالىٰ وعاين بسرّك عظمة الله عزّوجلّ ، واذكر وقوفك بين يديه ، وقف على قدم الخوف والرجاء ، فإذا كبّرتَ فاستصغر ما بين السماوات العُلى والثرىٰ دون كبريائه ، فإنّ الله تعالى إذا اطّلع على قلب العبد وهو يكبِّر وفي قلبه عارض عن حقيقة تكبيره ، فقال : يا كذّاب أتخدعني وعزّتي وجلالي لأحرمنّك حلاوة ذكري ولأحجبنّك عن قربي والمسرّة بمناجاتي . واعلم أنّه تعالى غير محتاج إلى خدمتك وهو غني عنك وعن عبادتك ودعائك ، وإنّما دعاك بفضله ليرحمك ويبعّدك عن عقوبته وينشر عليك من بركات حنانيّته ويهديك إلى سبيل رضاه ويفتح عليك باب مغفرته ، فلو خلق الله عزّوجلّ على ضعف ما خلق من العوالم أضعافاً مضاعفة على سرمد الأبد لكان عند الله سواء أكفروا به بأجمعهم أو

١٠٨

الحسين عليه‌السلام يوم عاشوراء بأصحابه صلاةً باهىٰ الله بها ملائكته المقرّبين (١) ، وقبل بشرافتها صلاة الأنبياء والمرسلين لانقطاعه عن التعلّق بما سوى الحقّ وبذله جميع ما كان له في سبيل الحقّ قائلاً بلسان الحال بل القال :

تركتُ الناس طرّاً في هواكا

وأيتمتُ العيال لكي تراكا

ولو قطّعتني إرباً فإرباً

لما حنّ الفؤاد إلى سواكا (٢)

ويحتمل أن يُراد بإقامة الصلاة هو الإقرار بولاية أمير المؤمنين عليه‌السلام ، كما أنّ المراد بإيتاء الزكاة يُحتمل أن يكون هو الإقرار بولاية سائر الأئمّة عليه‌السلام ، ويؤيّد ذلك ما في حديث النورانية من قوله عليه‌السلام : يا سلمان ويا جندب : «إنّ معرفتي بالنورانيّة معرفة الله ، ومعرفة الله معرفتي ، وهو الدِّين الخالص يقول الله : (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا) بالتوحيد ، وهو الإخلاص وقوله : (حُنَفَاءَ) وهو الإقرار بنبوّة محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهو الدِّين الحنيف قوله : (وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ) وهي ولايتي ، فمَن والاني فقد أقام الصلاة ، وهو صعبٌ مستصعب (وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ) (٣) وهو الإقرار بالأئمّة ، (ذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ)) (٤) .

______________________________________________________

وحّدوه فليس له من عبادة الخلق إلّا إظهار الكرام والقدرة ، فاجعل الحياء رداءً والعجز إزاراً وادخل تحت سرير سلطان الله تعالى تغتنم فوائد ربوبيّته مستعيناً به مستغيثاً إليه) .

١ ـ راجع مقتل الحسين للسيّد المقرم ص ٢٤٥ ، ط قم الشريف الرضي .

٢ ـ أسرار الشهادة ص ٤٢٣ .

٣ ـ البيّنة : ٥ .

٤ ـ أخرجها الحافظ رجب البرسي في مشارق أنوار اليقين ص ٣٠٣ ط : قم الشريف الرضي ١٤٢٢ هـ ، ورواها سلمان وأبو ذر عن أمير المؤمنين عليه‌السلام أنّه قال : (ياسلمان لا

١٠٩

______________________________________________________

يكمل المؤمن إيمانه حتّى يعرفني بالنورانيّة ، وإذا عرفني بذلك فهو مؤمن امتحن الله قلبه للايمان ، وشرح صدره للإسلام ، وصار عارفاً بدينه مستبصراً ، ومَن قصّر عن ذاك فهو شاكٌّ مرتاب .

يا سلمان ويا جندب ، إنّ معرفتي بالنورانيّة معرفة الله تعالى ، ومعرفة الله تعالى معرفتي ، وهو الدِّين الخالص ، بقول الله سبحانه : (وَمَا أُمِرُوا) إلّا بالتوحيد ، وهو الإخلاص ، وقوله : (حُنَفَاءَ) وهو الإقرار بنبوّة محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله وهو الدِّين الحنيف ، وقوله تعالىٰ : (وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ) وهي ولايتي ، فمن والاني فقد أقام الصلاة ، وهو صعبٌ مستصعب ، (وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ) وهو الإقرار بالأئمّة ، (وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) ، شهد القرآن أنّ الدِّين القيّم الإخلاص بالتوحيد ، والإقرار بالنبوّة والولاية ، فمَن جاء بهذا فقد أتى بالدِّين .

يا سلمان ويا جندب ، المؤمن الممتحن الذي لم يرد عليه شيءٍ من أمرنا إلّا شرح الله صدره لقبوله ، ولم يشك ولا يرتاب ، ومَن قال : لِمَ ؟ وكيف ؟ فقد كفر ، فسلّموا الله أمره ، فنحن أمرُ الله .

يا سلمان ويا جندب ، إنّ الله جعلني أمينه على خلقه ، وخليفته في أرضه وبلاده وعباده ، وأعطاني ما لم يصفه الواصفون ، ولا يعرفه العارفون ، فإذا عرفتموني هكذا فأنتم مؤمنون .

يا سلمان ، قال الله تعالى : (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ) فالصبر محمّد ، والصلاة ولايتي ، ولذلك قال : (وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ) ، ولم يقل : (وإنّهما) ثمّ قال : (إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ) فاستثنىٰ أهل ولايتي الذين استبصروا بنور هدايتي .

يا سلمان ، نحن سرّ الله الذي لا يخفىٰ ، ونوره الذي لا يطفىٰ ، ونعمته التي لا تجزىٰ ، أوّلنا محمّد ، وأوسطنا محمّد ، وآخرنا محمّد ، فمَن عرفنا فقد أكمل الدِّين

١١٠

______________________________________________________

القيّم .

يا سلمان ويا جندب : كنتُ ومحمّد نوراً نسبِّح قبل المسبّحات ، ونشرق قبل المخلوقات ، فقسم ذلك النور نصفين : نبيّ مصطفىٰ ، ووصيٌّ مرتضىٰ ، فقال الله عزّوجلّ لذلك النصف : كُن محمّداً ، وللآخر : كُن عليّاً ، ولذلك قال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله : أنا من عليّ وعليّ منّي ، ولا يؤدّي عنّي إلّا أنا أو عليّ .

وإليه الإشارة بقوله : (أَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ) ، وهو إشارة إلى اتّحادهما في عالم الأرواح والأنوار .

ومثله قوله : (أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ) والمراد منها مات النبي أو قُتل الوصي ، لأنّهما شيء واحد ، ومعنىٰ واحد ، ونور واحد ، اتّحدا بالمعنى والصفة ، وافترقا بالجسد والتسمية ، فهما شيء واحد في عالم الأرواح (أنت روحي التي بين جنبيّ) وكذا في عالم الأجساد ، أنت منّي وأنا منك ، ترثني وأرثك ، وأنت منّي بمنزلة الروح من الجسد ، وإليه الإشارة بقوله : (صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) ومعناه : صلّوا على محمّد ، وسلّموا إلى عليّ أمره ، فجمعهما في حدٍّ واحد جوهري ، وفرّق بينهما بالتسمية والصفات في الأمر ، فقال : (صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) فقال : صلّوا على النبيّ ، وسلِّموا على الوصيّ ، ولا تنفعكم صلاتكم على النبيّ بالرسالة إلّا بتسليمكم علىٰ عليّ بالولاية .

يا سلمان ويا جندب ، وكان محمّد الناطق ، وأنا الصامت ، ولابدّ في كلّ زمان من صامت وناطق ، فمحمّد صاحب الجمع ، وأنا صاحب الحشر ، ومحمّد المنذر ، وأنا الهادي ، ومحمّد صاحب الجنّة ، وأنا صاحب الرجعة ، محمّد صاحب الحوض ، وأنا صاحب اللواء ، محمّد صاحب المفاتيح ، وأنا صاحب الجنّة والنار ، محمّد صاحب الوحي ، وأنا صاحب الإلهام ، محمّد صاحب الدلالات ، وأنا صاحب

١١١

______________________________________________________

المعجزات ، محمّد خاتم النبيّين ، وأنا خاتم الوصيّين ، محمّد صاحب الدعوة ، وأنا صاحب السيف والسطوة ، محمّد النبيّ الكريم ، وأنا الصراط المستقيم ، محمّد الرؤوف الرحيم ، وأنا العليّ العظيم .

يا سلمان قال الله سبحانه : (يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) ولا يعطي هذا الروح إلّا مَن فوّض إليه الأمر والقدر ، وأنا أُحيي الموتى ، وأعلم ما في السماوات والأرض ، وأنا الكتاب المبين .

يا سلمان : محمّد مقيم حجّة الحقّ ، وأنا حجّة الحقّ على الخلق ، وبذلك الروح عرج به إلى السماء ، أنا حملتُ نوحاً في السفينة ، أنا صاحب يونس في بطن الحوت ، وأنا الذي جاوزتُ موسىٰ في البحر ، وأهلكت القرون الأولىٰ ، أعطيتُ علم الأنبياء والأوصياء وفصل الخطاب ، ووليتُ نبوّة محمّد ، أنا أجريتُ الأنهار والبحار وفجّرت الأرض عيوناً ، أنا كاب الدُّنيا لوجهها ، أنا عذاب يوم الظلّة ، أنا الخضر معلِّم موسىٰ ، أنا معلِّم داود وسليمان ، أنا ذو القرنين ، أنا الذي رفعتُ سمكها بإذنه ـ عزّوجلّ ـ أنا دحوت أرضها ، أنا المنادي من مكانٍ بعيد ، أنا دابّة الأرض ، أنا كما قال لي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : أنت يا عليّ ذو قرنيها ، وكلا طرفيها ، ولك الآخرة والأُولى .

يا سلمان : إنّ ميّتنا إذا مات لم يمت ، ومقتولنا لم يُقتل ، وغائبنا إذا غاب لم يغب ، ولا نلد ولا نولد في البطون ، ولا يُقاس بنا أحدٌ من الناس ، أنا تكلّمتُ على لسان عيسىٰ في المهد ، أنا نوح ، أنا إبراهيم ، أنا صاحب الناقة ، أنا صاحب الراجفة ، أنا صاحب الزلزلة ، أنا اللوح المحفوظ ، إليّ انتهى علم ما فيه ، أنا أنقلب في الصور كيف شاء الله ، مَن رآهم فقد رآني ، ومَن رآني فقد رآهم ، ونحن في الحقيقة نور الله الذي لا يزول ولا يتغيّر .

١١٢

والأولى حمل الفقرة على الظاهر والباطن معاً فقد ورد عن جوده وكرمه وإعانته للفقراء ، ورعايته للضعفاء ومواساته مع المساكين سرّاً وعلانيةً ما هو أبين من الشمس ، وأشهر من أنْ يُذكر ، فقد حكىٰ في مناقب الجوزي : أنّه قال عمر بن سعد : من يُوطئ الخيل صدره ؟ فأوطئوا الخيل صدره وظهره ، ووجدوا في ظهره آثاراً سوداً ، فسألوا عنها فقيل : كان ينقل الطعام على ظهره في الليل إلى مساكين (١) أهل المدينة (٢) .

______________________________________________________

يا سلمان : بنا شرّف كلّ مبعوث ، فلا تدعونا أرباباً ، وقولوا فينا ماشئتم ، ففينا هلك مَن هلك ، وبنا نجىٰ مَن نجىٰ .

يا سلمان ، مَن آمن بما قلتُ وشرحتُ فهو مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان ورضي عنه ومَن شكّ وارتاب فهو ناصب ، وإن ادّعى ولايتي فهو كاذب .

يا سلمان : أنا والهداة من أهل بيتي سرّ الله المكنون ، وأولياؤه المقرّبون ، كلنّا واحد ، وأمرنا واحد وسرّنا واحد ، فلا تفرّقوا فينا فتهلكوا ، فإنّا نظهر في كلّ زمان بما شاء الرحمن ، فالويل كلّ الويل كلّ الويل لمن أنكرنا .

قلت : ولا ينكره إلّا أهل الغباوة ، ومن خُتِم على قلبه وسمعه وجعل على بصره غشاوة ، يا سلمان ، أنا أبو كلّ مؤمن ومؤمنة .

يا سلمان ، أنا الطامّة الكبرى ، أنا الأزفة إذا أزفت ، أنا الحاقّة ، أنا القارعة ، أنا الغاشية ، أنا الصاخة ، أنا المحنة النازلة ، ونحن الآيات والدلالات والحجب ووجه الله ، أنا كُتب اسمي على العرش فاستقرّ ، وعلى السماوات فقامت ، وعلى الأرض فرست ، وعلى الريح فدرأت ، وعلى البرق فلمع ، وعلى الوادي فهمع ، وعلى النور فسطع ، وعلى السحاب فدمع ، وعلى الرعد فخشع ، وعلى الليل فدجىٰ وأظلم ، وعلى النهار فأنار وتبسّم) .

١ ـ في المصدر (مساكن) بدل (مساكين) .

٢ ـ تذكرة الخواص للعلّامة السبط ابن الجوزي (ت ٦٥٤ هـ) ، ط قم ، الشريف الرضي .

١١٣

وفي كتاب مطالب السؤول أنّه عليه‌السلام كان يُكرم الضيف ويمنح الطالب ويصِل الرحم ، وينيل الفقير ، ويسعف السائل ، ويكسو العاري ، ويشبع الجائع ، ويُعطي الغارم ، ويشدّ الضعيف ، ويشفق على اليتيم ، ويعين ذا الحاجة ، وقلَّ أنْ وصله مالٌ إلّا فرّقه (١) . ونقل : أنّ معاوية لمّا قدم مكّة وصله بمالٍ كثير ، وثيابٍ وافرة ، وكسوة وافية فردَّ الجميع عليه ولم يقبله منه ، وهذه سجيّة الجواد ، وشنشنة الكريم ، وسمة ذي السماحة ، وصفة مَن قد حوى مكارم الأخلاق ، فأفعاله المتلوة شاهدة له بصفة الكرم ناطقة بأنّه متّصف بمحاسن الشيم ، وقد كان في العبادة مقتدياً بمَن تقدّم حتّى نقل عنه عليه‌السلام : أنّه حجّ خمساً وعشرين حجّة إلى الحرم وجنائبه تُقاد معه وهو ماشٍ على القدم (٢) .

والأمر بالمعروف : هو الحمل على الطاعة قولاً أو فعلاً (٣) ، والنهي عن المنكر : هو المنع عن المعاصي كذلك (٤) ، والمعروف : هو الفعل الحسن المشتمل على وصف زائد على حسنه سُمّيَ به لأنّ العقل يعرفه ويحسنه (٥) ، والمنكر : هو الفعل القبيح الذي عرف فاعله قبحه ، سمّي به لأنّ العقل ينكره وينكر على فاعله ، ولا إشكال في وجوبها شرعاً لورود الآيات والأخبار الكثيرة

________________________

١ ـ مطالب السؤول لابن طلحة الشافعي المتوفىٰ ٦٥٢ هـ ح ٢ ، ص ٦٣ ، الفصل السابع في كرمه ط : أُمّ القرىٰ .

٢ ـ إلى هنا انتهى كلام ابن طلحة الشافعي في مطالب السؤول ج ٢ ، ص ٦٣ ، وراجع ترجمة الإمام الحسين عليه‌السلام من تاريخ دمشق لابن عساكر ص ١٩٤ ـ ١٩٧ .

٣ ـ هذا التعريف ذكره الشهيد الثاني في الروضة البهية على شرح اللمعة الدمشقية ج ١ ، ص ٣٤٢ .

٤ ـ نفس المصدر .

٥ ـ راجع شرائع الإسلام للمحقّق الحلّي قدس‌سره ج ١ ، ص ٣١٠ ط قم إسماعيليان .

١١٤

به (١) وإنْ اختلف في الكفائية والعينيّة (٢) ، وكذا في الوجوب العقلي ، فذهب جماعة إليه نظراً إلى أنّ ذلك لطف وهو واجب (٣) وتفاصيل تلك المباحث تُطلب من الفقه كشرائط الوجوب (٤) .

ويحتمل أن يُراد بالأمر بالمعروف دعوة الناس إلى محبّة أمير المؤمنين عليه‌السلام

________________________

١ ـ من الآيات الدالّة عليه قوله تعالى : (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ...) .

ومن الأخبار قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : (لتأمُرنّ بالمعروف ولتنهون عن المنكر ، أو ليسلطنّ الله شراركم على خياركم فيدعوا خياركم فلا يُستجاب لهم) .

وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : (إذا أُمّتي تواكلت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فليأذنوا بوقاع من الله) .

وللتفصيل راجع وسائل الشيعة للحرّ العاملي ج ١١ ، ص ٣٩٤ ، ح ٥ ، من أبواب الأمر والنهي ، ط : بيروت دار إحياء التراث العربي .

٢ ـ ذهب شيخ الطائفة الطوسي قدس‌سره إلى الوجوب العيني ، أي لا يسقط عن الآخرين بقيام جماعة به .

وذهب السيّد المرتضى رحمه‌الله والشهيد الأوّل في اللمعة إلى الوجوب الكفائي ، أي يسقط عن الآخرين بقيام جماعةٍ له .

٣ ـ إنّ الشيخ الطوسي قدس‌سره ذهب إلى وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عقلي واحتجّ واستدلّ بأنّهما لطفان في فعل الواجب وترك القبيح ، فيجبان عقلاً .

وأمّا السيّد المرتضى فقال : إنّ وجوبهما سمعي أي نقلي ، ووافقه العلّامة الحلّي قدس‌سره ، وللتفصيل راجع الباب الحادي عشر للعلّامة الحلّي ص ١١٤ ط : قم .

٤ ـ راجع شرائع الإسلام للمحقّق الحلي ، باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية ج ١ في باب الأمر بالمعروف ، وباقي الكتب الفقهية .

١١٥

وطريقته ، ومنهاجه ، وبالنهي عن المنكر منعهم عن الضلالات التي دعا إليها خلفاء الجور من أبي بكر وعمر وأحزابهما ، وربما يُفسّر قوله تعالى : (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ) (١) بأنّ عليّاً عليه‌السلام ينهىٰ عن طريقة أبي بكر

________________________

١ ـ العنكبوت : ٤٥ ، ويؤيّد هذا التفسير أو التأويل جملة من الآيات التي فسّرت بهذه الطريقة منها :

قوله تعالى في سورة النحل : (إِنَّ اللَّـهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ) .

قال عليّ بن إبراهيم القمّي في تفسيره ج ١ ، ص ٣٩٠ ط بيروت : العدل : شهادة أن لا إله إلّا الله ، وأنّ محمّداً رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله والإحسان : أمير المؤمنين ، والفحشاء والمنكر والبغي ، فلان ، وفلان ، وفلان) .

ويؤيّده ما رواه الاسترآبادي في تأويل الآيات ص ٢٦٤ ط : إيران ، عن الإمام الباقر عليه‌السلام في قوله عزّوجلّ : (إِنَّ اللَّـهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ) قال : العدل شهادة الإخلاص وأنّ محمّداً رسول الله ، والإحسان ولاية أمير المؤمنين والإتيان بطاعتهما ـ صلوات الله عليهما ـ ، وإيتاء ذي القربىٰ : الحسن والحسين والأئمّة من ولده عليهم‌السلام ، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي وهو مَن ظلمهم وقتلهم ومنع حقوقهم ، وموالاة أعدائهم فهي المنكر الشنيع والأمر الفضيع .

ويؤيّده ما رواه الشيخ الكليني في الكافي ج ١ ، ص ٣٧٤ ، عن محمّد بن منصور قال : سألتُ العبد الصالح ـ الإمام الكاظم عليه‌السلام ـ عن قول الله عزّوجلّ : (إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ) فقال : إنّ القرآن له بطن وظهر ، فجميع ما حرّم الله في القرآن هو الظاهر ، والباطن من ذلك أئمّة الجور ، وجميع ما أحلَّ الله في القرآن هو الظاهر ، والباطن من ذلك أئمّة الحقّ .

١١٦

وعمر ، ويؤيّده مطابقة عدد المنكر مع عمر ، والإطاعة هو الامتثال بالائتمار بالأوامر والانتهاء عن النواهي .

واليقين هنا الموت كما في قوله تعالى : (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) (١) أقيم السبب مقام المسبّب فإنّ بالموت يزول الشكّ ويحصل العلم بما أخبر به النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله من أحوال النشأة الأخرىٰ وهذا بالنسبة إلى عامّة الناس ، وأمّا الخصيصون من العباد فهم على يقين وعلم في جميع أحوالهم فكأنّهم يعاينون الجنّة والنار والصراط والميزان وسائر ما أخبر به الصادق الأمين ، ومن

________________________

ويؤيّده ما رواه الاسترآبادي في تأويل الآيات ص ٢٢ ، عن داود بن كثير عن الإمام الصادق عليه‌السلام : (يا داود : إنّ الله خلقنا فأكرم خلقنا ، وفضّلنا وجعلنا أُمناءه وحفظته وخزّانه على ما في السماوات وما في الأرض ، وجعل لنا أضداداً وأعداءً ، فسمّانا في كتابه وكنّىٰ عن أسمائنا بأحسن الأسماء وأحبّها إليه تكنيةً عن العدو ، وسمّى أضدادنا وأعداءنا في كتابه وكنّى عن أسمائهم ، وضرب لهم الأمثال في كتابه في أبغض الأسماء إليه وإلى عباده المتّقين) .

ويؤيّد هذا ما رواه في نفس المصدر عن الفضل بن شاذان بإسناده عن الصادق عليه‌السلام : إنّه قال : (نحن أصل كلّ خير ، ومن فروعنا كلُّ برٍّ ، ومن البرّ التوحيد ، والصلاة ، والصيام ، وكظم الغيظ ، والعفو عن المسيء ، ورحمة الفقير ، وتعاهد الجار ، والإقرار بالفضل لأهله ، وعدوّنا أصل كلّ شرٍّ ، ومن فروعهم كلُّ قبيح وفاحشة ، فمنهم الكذب ، والنميمة ، والبخل ، والقطيعة ، وأكل الربا ، وأكل مال اليتيم بغير حقّه ، وتعدّي الحدود التي أمر الله عزّوجلّ ، وركوب الفواحش ما ظهر منها وما بطن من الزنا والسرقة ، وكلُّ ما وافق ذلك من القبيح ، وكذب مَن قال إنّه معنا وهو متعلِّق بفرع غيرنا) .

١ ـ الحجر : ٩٩ .

١١٧

هنا قال [الإمام] عليّ عليه‌السلام : (لو كُشِفَ لي الغطاء لما ازددتُ يقيناً) (١) .

وحمل الصوفية هذه الآية على ظاهرها فزعموا أنّ لا تكليف على أولياء الله فإنّهم بلغوا معارج اليقين وفساد زعمهم ظاهر مستبين .

________________________

١ ـ راجع مصابيح الأنوار في حلّ مشكلات الاخبار للسيّد الجليل عبدالله شبّر المتوفىٰ ١٢٤٢ هـ ، ج ١ ، ص ٣٠ ، الحديث الرابع ، ط مؤسسة النور بيروت . وذكر قدس‌سره تسعة احتمالات لهذا الحديث الشريف فراجع .

١١٨

فَلَعَنَ اللهُ أُمَّةً قَتَلَتْكَ ، وَلَعَنَ اللهُ أُمَّةً ظَلَمَتْكَ .

هذا تفريعٌ على جميع ما تقدّم ، وفيه إشارة إلى أنّ الجامع لهذه الشرافات والكمالات الداخلية والخارجية يستحقّ التعظيم والإطاعة ، لا القتل والإهانة ، فالقاتل والظالم له مستحقّ للعن من الله ، وهو الطرد من رحمته والإبعاد عنها (١) ، والأُمّة : الجماعة وفي تأنيث الضمير الراجع إليها والعدول عن التعبير بفعل العقلاء لطيفة لا تخفىٰ على الأذكياء ، فأجراهم مجرى السباع من الكلاب العادية ، والذئاب الضارية التي لا تُفرّق في أذاها بين العالم والجاهل ، والصالح والطالح ، والبرّ والفاجر والمؤمن والكافر ، بل هم أضلّ وأقسىٰ منها حيث لا تجترئ على الأنبياء وذريّاتهم لما حرّم الله عليها لحومهم (٢) . وهؤلاء قد هتكوا

________________________

١ ـ راجع المصباح المنير للفيومي ج ٢ ، ص ٥٥٤ ، دار الهجرة .

٢ ـ روى السيّد هاشم البحراني قدس‌سره في حلية الأبرار ج ٢ ، ص ٤٦٨ ، ط : الأعلمي بيروت : عن الراوندي في الخرائج عن أبي هاشم الجعفري قال : ظهرت في أيّام المتوكّل امرأة تدّعي أنّها زينب بنت فاطمة عليها‌السلام بنت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال لها المتوكّل : أنت امرأة شابّة وقد مضىٰ من وقت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ما مضىٰ من السنين ؟ فقالت : إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله مسحَ على رأسي وسأل الله عزّوجلّ أن يردّ عليَّ شبابي في كلّ أربعين سنة ولم أظهر للناس إلى هذه الغاية فلحقني الحاجب فصرتُ إليهم .

فدعا المتوكّل مشايخ آل أبي طالب وولد أبي العبّاس وقريش فعرّفهم حالها فروى جماعة وفاة زينب بنت فاطمة عليها‌السلام في سنة كذا فقال لها : ما تقولين في هذه الرواية ؟ فقالت : كذب وزور فإنّ أمري كان مستوراً عن الناس فلم يعرف لي موت ولا حياة .

١١٩

______________________________________________________

فقال لهم المتوكّل : هل عندكم حجّة على هذه المرأة غير هذه الرواية ؟ فقالوا : لا ، فقال : هو بريء من العبّاس أن لا أتركها عمّا ادّعت إلّا بحجّة .

قالوا : فأحضر عليّ بن محمّد ـ الهادي ـ عليه‌السلام فلعلّ عنده شيئاً من الحجّة غير ما عندنا فبعث إليه فحضر فأخبره بخبر المرأة فقال : كذبت فإنّ زينب عليها‌السلام توفّيت في سنة كذا في شهر كذا في يوم كذا ، قال : فإنّ هؤلاء قد رووا مثل هذه وقد حلفتُ أن لا أتركها عمّا ادّعت إلّا بحجّة تلزمها .

قال : فهاهنا حجّة تلزمها وتلزم غيرها ، قال : وما هي ؟ قال عليه‌السلام : لحوم ولد فاطمة محرّمة على السباع فأنزلها إلى السباع فإنْ كانت من ولد فاطمة فلا تضرّها . فقال لها : ما تقولين ؟ قالت : إنّه يريد قتلي . قال : فهاهنا جماعة من ولد الحسن والحسين عليهما‌السلام فانزل مَن شئتَ منهم .

قال : فوالله لقد تغيّرت وجوه الجميع فقال بعض المبغضين : هو يُحيل على غيره ولِمَ لا يكون هو ؟

فمال المتوكّل إلى ذلك رجاء أن يذهب من غير أن يكون له في أمره صنع . فقال : يا أبا الحسن لِمَ لا تكون أنت ذلك ؟

قال عليه‌السلام : ذلك إليك . قال : فافعل . قال : أفعل إنْ شاء الله وأُتيَ بسلّم وفُتِحَ عن السباع كانت ستّة من الأسد فنزل الإمام عليه‌السلام ، فلمّا وصل وجلس صارت الأسود إليه ورمت بأنفسها بين يديه ، ومدّت بأيديها ووضعت رؤوسها بين يده وجعل يمسح على كلّ واحدٍ منها ، بيده ثمّ يُشير بيده إليه بالاعتزال فيعتزل ناحية حتى اعتزلت كلّها ووقفت بإزائه .

فقال له الوزير : ما هذا صواباً ؟ فبادر بإخراجه من هناك قبل أن ينتشر خبره فقال له : يا أبا الحسن ما أردنا بك سوءاً وإنّما أردنا نكون على يقين ممّا قلتَ فأحبُّ أن تصعد

١٢٠