أسئلة القرآن المجيد وأجوبتها

محمّد بن أبي بكر بن عبدالقادر الرازي

أسئلة القرآن المجيد وأجوبتها

المؤلف:

محمّد بن أبي بكر بن عبدالقادر الرازي


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: المكتبة العصريّة
الطبعة: ١
ISBN: 9953-34-026-9
الصفحات: ٤٠٨

وهو سؤال للمجرمين ، قوله تعالى : (يَتَساءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ) [المدثر : ٤٠ ، ٤١] ، وهو سؤال عنهم ؛ وإنّما المطابق يسألون المجرمين أو يتساءلون عن المجرمين ما سلكهم في سقر ، أي يسأل أهل الجنّة بعضهم بعضا عن أهل النار؟

قلنا : قوله تعالى : (ما سَلَكَكُمْ) [المدثر : ٤٢] ليس بيانا للتساؤل عنهم ؛ وإنما هو حكاية قول المسئولين عن المجرمين ، فالمسئولون من أهل الجنة ألقوا إلى السائلين ما جرى بينهم وبين المجرمين ، وذلك أن المؤمنين إذا أخرجهم الله تعالى من النار بعد ما عذبهم بقدر ذنوبهم وأدخلهم الجنة يسألهم بعض أصحاب اليمين عن حال المجرمين ، وسبب تخليدهم ؛ فقال المسئولون : قلنا لهم : (ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ) [المدثر : ٤٢] الآية ؛ وهؤلاء المؤمنون بعد إخراجهم من النار وإدخالهم الجنة صاروا من أصحاب اليمين. وقيل : المراد بأصحاب اليمين الملائكة عليهم‌السلام. وقيل : الأطفال لأنّهم لا يرتهنون بذنوب إذ لا ذنوب لهم.

٣٤١

سورة القيامة

[١١٥٣] فإن قيل : ما معنى قوله تعالى : (فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ) [القيامة : ١٨] ؛ والقارئ على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم إنّما هو جبرائيل عليه‌السلام؟

قلنا : معناه فإذا جمعناه في صدرك ؛ ويؤيده أول الآية : (إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ) [القيامة : ١٧] ، أي إنّ علينا جمعه وضمّه في صدرك ، فلا تعجل بقراءته قبل أن يتم حفظه. وقيل : إنما أضيفت القراءة إلى الله تعالى ، لأن جبريل عليه‌السلام يقرؤه بأمره ، كما تضاف الأفعال إلى الملوك والأمراء بمجرد الأمر ؛ مع أنّ المباشر لها أعوانهم أو أتباعهم.

[١١٥٤] فإن قيل : كيف قال الله تعالى : (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ) [القيامة : ٢٢ ، ٢٣] ، والذي يوصف بالنظر الذي هو الإبصار والإدراك إنما هو العين دون الوجه؟

قلنا : قيل إن المراد بالوجوه هنا السعداء وأهل الوجاهة يوم القيامة ، لا الوجه الذي هو العضو ؛ ولا أرى هذا الجواب مطابقا لقوله تعالى : (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ) [القيامة : ٢٤] ؛ لأن العبوس والقطوب إنّما يوصف به الوجه الذي هو العضو. ومما يؤيد أنّ المراد بقوله تعالى : (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ) [القيامة : ٢٢] الأعضاء المعروفة ، قوله تعالى : (تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ) [المطففين : ٢٤].

[١١٥٥] فإن قيل : النطفة المني ، فما فائدة قوله تعالى : (أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى) [القيامة : ٣٧]؟

قلنا : النطفة استعملت هنا بمعنى القطرة ؛ لأن النطفة تطلق على الماء القليل والكثير ، ومنه الحديث : «حتّى يسير الرّاكب بين النطفتين لا يخشى جوازا». أراد بحر المشرق والمغرب.

٣٤٢

سورة الإنسان

[١١٥٦] فإن قيل : كيف قال الله تعالى : (مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ) [الإنسان : ٢] فوصف المفرد وهي النطفة بالجمع وهو الأمشاج لأنّه جمع مشج ، والأمشاج الأخلاط ، والمراد أنّه مخلوق من نطفة مختلطة من ماء الرّجل والمرأة؟

قلنا : قال الزمخشري رحمة الله تعالى عليه : أمشاج لفظ مفرد لا جمع ، كقولهم : برمة أعشار ، وبيت أكباش ، وبر أهدام. وقال غيره الموصوف به أجزاء النطفة وأبعاضها.

[١١٥٧] فإن قيل : كيف قال تعالى : (نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً) [الإنسان : ٢] ، والابتلاء متأخر عن جعله سميعا بصيرا؟

قلنا : قال الفراء : فيه تقديم وتأخير تقديره فجعلناه سميعا بصيرا لنبتليه. وقال غيره : معناه ناقلين له من حال إلى حال نطفة ثم علقة ثم مضغة ، فسمى ذلك ابتلاء استعارة.

[١١٥٨] فإن قيل : كيف قال الله تعالى : (قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيراً) [الإنسان : ١٦] والقوارير اسم لما يتخذ من الزّجاج؟

قلنا : معناه أن تلك الأكواب مخلوقة من فضة ، وهي مع بياض الفضّة وحسنها في صفاء القوارير وشفيفها. قال ابن عباس رضي الله عنهما : لو ضربت فضة الدّنيا حتى جعلتها جناح الذباب لم ير الماء من ورائها ، وقوارير الجنة من فضة ويرى ما فيها من ورائها.

[١١٥٩] فإن قيل : ما معنى قوله تعالى : (كانَتْ قَوارِيرَا) [الإنسان : ١٥]؟

قلنا : معناه تكونت ، فهي من قوله تعالى : (كُنْ فَيَكُونُ) [يس : ٨٢] ، وكذا قوله تعالى : (كانَ مِزاجُها كافُوراً) [الإنسان : ٥].

__________________

[١١٥٧] علقة : هي مبدأ تكون الجنين. مأخوذ من العلق وهو التشبث بالشيء ، ولعله لتعلق العلقة بالرحم. يقال : علقت المرأة ، أي حبلت.

ـ مضغة : هي المرحلة التي يمرّ بها الجنين ، في أطوار نموه ، وتكون بعد مرحلة العلقة. والمضغة هي القطعة الصغيرة من اللحم قدر ما يمضغ.

٣٤٣

[١١٦٠] فإن قيل : كيف شبه الله تعالى الولدان باللؤلؤ المنثور دون المنظوم؟

قلنا : إنما شبههم سبحانه وتعالى باللؤلؤ المنثور ؛ لأنه أراد تشبيههم باللؤلؤ الذي لم يثقب بعد ؛ لأنه إذا ثقب نقصت مائيته وصفاؤه ، واللؤلؤ الذي لم يثقب لا يكون إلا منثورا. وقيل : إنّما شبههم الله تعالى باللؤلؤ المنثور لأن اللؤلؤ المنثور على البساط أحسن منظرا من المنظوم. وقيل : إنّما شبههم باللؤلؤ المنثور لانتشارهم وانبثاثهم في مجالسهم ومنازلهم وتفريقهم في الخدمة بدليل قوله تعالى : (وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ) [الإنسان : ١٩] ، ولو كانوا وقوفا صفا لشبهوا بالمنظوم.

[١١٦١] فإن قيل : كيف قال الله تعالى : (وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ) [الإنسان : ٢١] ؛ مع أنّ ذلك في الدّنيا إنما هو عادة الإماء ومن في مرتبتهن؟

قلنا : القرآن أول من خوطب به العرب ، وكان من عادة رجالهم ونسائهم من بيت المملكة التحلي بالذّهب والفضّة منفردين ومجتمعين :

الثاني : أن الاسم وإن كان مشتركا بين فضّة الدّنيا والآخرة ، ولكن شتّان ما بينهما! قال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «المثقال من فضّة الآخرة خير من الدّنيا وما فيها». وكذا الكلام في السندس والإستبرق وغيرهما ممّا أعده الله تعالى في الجنة.

[١١٦٢] فإن قيل : أيّ شرف لتلك الدّار يسقي الله تعالى عباده الشّراب الطّهور فيها ؛ مع أنه تعالى في الدنيا سقاهم ذلك بدليل قوله تعالى : (وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً) [المرسلات : ٢٧] ، وقوله تعالى : (فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ) [الحجر : ٢٢].

قلنا : المراد به في الآخرة سقيهم بغير واسطة ، وشتّان ما بين الشرابين! والآنيتين أيضا ، والمنزلتين! [١١٦٣] فإن قيل : قوله تعالى : (وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً) [الإنسان : ٢٤] ، الضمير لمشركي مكّة بلا خلاف ؛ فما معنى تقسيمهم إلى الآثم والكفور ، وكلهم آثم وكلّهم كفور؟

قلنا : المراد بالآثم عتبة بن ربيعة ، فإنه كان ركّابا للمآثم متعاطيا لأنواع الفسوق ؛ والمراد بالكفور الوليد بن المغيرة ، فإنه كان متغاليا في الكفر شديد الشكيمة فيه ؛ مع أن كليهما آثم وكافر ، والمراد به نهيه عن طاعتهم فيما كانوا يدعونه إليه من ترك الدّعوة وموافقتهم فيما كانوا عليه من الكفر والضلال.

__________________

[١١٦١] السندس : ضرب من الديباج رقيق. والمشهور أنّه معرب.

ـ الإستبرق : فسّره الفيروزآبادي ب الديباج الغليظ. أو ديباج يعمل بالذهب ، أو ثياب حرير صفاق نحو الديباج الخ ،

٣٤٤

[١١٦٤] فإن قيل : ما معنى النهي عن طاعة أحدهما ، وهلّا نهى عن طاعتهما؟

قلنا : قال بعضهم إن أو هنا بمعنى الواو كما في قوله تعالى : (أَوِ الْحَوايا) [الأنعام : ١٤٦].

الثاني : أنه لو قال تعالى : ولا تطعهما جاز له أن يطيع أحدهما ، وأما إذا قيل له : ولا تطع أحدهما كان منهيا عن طاعتهما بالضّرورة.

[١١٦٥] فإن قيل : كيف قال الله تعالى ، هنا : (وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ) [الإنسان : ٢٨] أي خلقهم ، وقال تعالى ، في موضع آخر : (وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً) [النساء : ٢٨]؟

قلنا : قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما والأكثرون : المراد به أنه ضعيف عن الصبر عن النساء ، فلذلك أباح الله تعالى له نكاح الأمة كما سبق قبل هذه الآية. وقال الزّجّاج : معناه أنه يغلبه هواه وشهوته فلذلك وصف بالضعف. وأما قوله تعالى : (وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ) [الإنسان : ٢٨] فمعناه ربطنا أوصالهم بعضها إلى بعض بالعروق والأعصاب. وقيل : المراد بالأسر العصعص ، فإن الإنسان في القبر يصير رفاتا إلا عصعصة فإنه لا يتفتت. وقال مجاهد : المراد بالأسر مخرج البول والغائط ، فإنه يسترخي ، حتى يخرج منه الأذى ، ثم ينقبض ويجتمع ويشتد بقدرة الله تعالى.

٣٤٥

سورة المرسلات

[١١٦٦] فإن قيل : قوله تعالى : (هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ) [المرسلات : ٣٥] ينفي وجود الاعتذار منهم ؛ لأنّ الاعتذار إنّما يكون بالنّطق ، فما فائدة نفي الاعتذار ، بعد نفي النطق؟

قلنا : معناه أنهم لا ينطقون ابتداء بعذر مقبول وحجة صحيحة. ولا بعد أن يؤذن لهم في الاعتذار ؛ فإن الأسير والجاني الخائف عادة قد لا ينطق لسانه بعذره وحجّته ابتداء لفرط خوفه ودهشته ؛ ولكن إذا أذن له في إظهار عذره وحجته انبسط وانطلق لسانه ؛ فكانت الفائدة في الجملة.

الثاني : نفي هذا المعنى : أي لا ينطقون بعذر ابتداء ولا بعد الإذن.

[١١٦٧] فإن قيل : قوله تعالى : (يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ) [غافر : ٥٢] ، يدل على وجود الاعتذار منهم ، فكيف التوفيق بينه وبين ما نحن فيه؟

قلنا : قيل المراد بتلك الظالمون من المسلمين ، وبما نحن فيه الكافرون. وآخر تلك الآية يضعف هذا الجواب ، أي قوله : (وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) [غافر : ٥٢].

٣٤٦

سورة النبأ

[١١٦٨] فإن قيل : كيف اتصل وارتبط قوله تعالى : (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً) [النبأ : ٦] بما قبله؟

قلنا : لمّا كان النبأ العظيم الذي يتساءلون عنه هو البعث والنشور وكانوا ينكرونه ، قيل لهم : ألم يخلق من وعد بالبعث والنشور هذه المخلوقات العظيمة العجيبة الدّالة على كمال قدرته على البعث.

[١١٦٩] فإن قيل : لو كان النبأ العظيم الذي يتساءلون عنه ما ذكرتم ، لما قال الله تعالى الذي هم فيه مختلفون ؛ لأن كفار مكّة لم يختلفوا في أمر البعث ؛ بل اتفقوا على إنكاره؟

قلنا : كان فيهم من يقطع القول بإنكاره ، وفيهم من يشك فيه ويتردد فثبت الاختلاف ؛ لأن جهة الاختلاف لا تنحصر في الجزم بإثباته والجزم بنفيه.

الثاني : أن بعضهم صدّق به فآمن ، وبعضهم كذّب به فبقي على كفره ؛ فثبت الاختلاف بالنفي والإثبات.

الثالث : أنّ الضمير في يتساءلون وفي هم عائد إلى الفريقين من المسلمين والمشركين ؛ وكلهم كانوا يتساءلون عنه لعظم شأنه عندهم ، فصدق به المسلمون فأثبتوه ، وكذب به المشركون فنفوه.

[١١٧٠] فإن قيل : قوله تعالى : (فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً) [النبأ : ٣٩] هو جزاء الشّرط فأين الشّرط ؛ وشاء وحده لا يصلح شرطا ؛ لأنه لا يفيد بدون ذكر مفعوله ، وإن كان المذكور هو الشّرط فأين الجزاء؟

قلنا : معناه فمن شاء النجاة من اليوم الموصوف اتّخذ إلى ربه مرجعا بطاعته.

الثاني : أنّ معناه فمن شاء أن يتّخذ إلى ربه مآبا ، كقوله تعالى : (فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ) [الكهف : ٢٩] ، أي فمن شاء الإيمان فليؤمن ، ومن شاء الكفر فليكفر.

٣٤٧

سورة النازعات

[١١٧١] فإن قيل : كيف قال الله تعالى : (وَالنَّازِعاتِ وَالنَّاشِطاتِ) [النازعات : ١ ، ٢] ؛ ذكرها بلفظ التأنيث ، وكذا ما بعده ، والكل أوصاف الملائكة ، والملائكة ليسوا إناثا؟

قلنا : هو قسم بطوائف الملائكة وفرقها ، والطوائف والفرق مؤنثة.

[١١٧٢] فإن قيل : كيف أضاف الله تعالى الإبصار إلى القلوب في قوله تعالى : (قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ أَبْصارُها خاشِعَةٌ) [النازعات : ٨ ، ٩] ، أي ذليلة لمعاينة العذاب ؛ والمراد بها الأعين بلا خلاف؟

قلنا : المراد أبصار أصحابها بدليل قوله تعالى : (يَقُولُونَ) [النازعات : ١٠].

[١١٧٣] فإن قيل : كيف قال الله تعالى : (فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى) [النازعات : ٢٠] ؛ مع أن موسى عليه الصلاة والسلام أراه الآيات كلها ؛ بدليل قوله تعالى : (وَلَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ) [طه : ٥٦] ، وكل آية كبرى؟

قلنا : الإخبار في هذه الآية عن أوّل ملاقاته إياه ، وإنما أراه في أوّل ملاقاته العصا واليد ، فأطلق عليهما الآية الكبرى لاتحاد معناهما. وقيل : أراد بالآية الكبرى العصا ؛ لأنها كانت المقدمة ، والأصل ، والأخرى كالتّبع لها ؛ لأنه كان يتبعها بيده ؛ فقيل له أدخل يدك في جيبك.

[١١٧٤] فإن قيل : كيف أضاف الله تعالى اللّيل إلى السماء ، بقوله تعالى : (وَأَغْطَشَ لَيْلَها) [النازعات : ٢٩] ؛ مع أنّ اللّيل إنّما يكون في الأرض لا في السماء؟

قلنا : إنما أضافه إليها لأنه أوّل ما يظهر عند غروب الشمس إنما يظهر من أفق السماء من موضع الغروب ، وأمّا قوله تعالى : (وَأَخْرَجَ ضُحاها) [النازعات : ٢٩] فالمراد به ضوء الشمس بدليل قوله تعالى : (وَالشَّمْسِ وَضُحاها) [الشمس : ١] ، أي وضوئها فلا إشكال في إضافته إليها.

٣٤٨

سورة عبس

[١١٧٥] فإن قيل : كيف قال الله تعالى : (كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ) [عبس : ١١] ، ثم قال سبحانه وتعالى : (فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ) [عبس : ١٢] ، ولم يقل ذكرها؟

قلنا : الضمير المؤنث لآيات القرآن أو لهذه السورة ، والضمير في قوله تعالى ذكره راجع إلى القرآن. وقيل : راجع إلى معنى التذكرة وهو الوعظ والتذكير لا إلى لفظها.

[١١٧٦] فإن قيل : في قوله تعالى : (وَفاكِهَةً وَأَبًّا) [عبس : ٣١] روي أن عمر رضي الله تعالى عنه قرأ هذه الآية وقال : كل هذا قد عرفنا فما الأب؟ ثم قال : هذا لعمر الله التكلف ، وما عليك يا عمر أن لا تدري ما الأب ، ثم قال : اتبعوا ما تبين لكم من هذا الكتاب وما لا فدعوه ، وهذا شبيه النهي عن تتبع معاني القرآن والبحث عن مشكلاته؟

قلنا : لم يرد بقوله ما ذكرت ، ولكن الصحابة رضي الله عنهم كانت أكثر هممهم عاكفة على العمل ، وكان الاشتغال بعلم لا يعمل به تكلفا عندهم ، فأراد أن الآية مسوقة في الامتنان على الإنسان بمطعمه واستدعاء شكره ، وقد علم من فحوى الآية أن الأب بعض ما أنبته الله تعالى للإنسان متاعا له ولأنعامه ، فكأنه قال : عليك بما هو الأهم فالأهم ، وهو الشكر على ما تبين لك ، ولم يشكل مما عدد من نعمه تعالى ، ولا تتشاغل عنه بطلب معنى الأب ومعرفة النبات الخاص ، واكتف بمعرفته منه جملة إلى أن يتبين لك في وقت آخر. وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه سئل عن الأب فقال : أي سماء تظلني وأي أرض تقلّني إذا قلت في كتاب الله بما لا علم لي به. وأكثر المفسرين قالوا : الأب كل ما ترعاه البهائم.

٣٤٩

سورة التكوير

[١١٧٧] فإن قيل : كيف قال الله تعالى : (وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ) [التكوير : ٨ ، ٩] ، والسؤال إنّما يحسن للقاتل لا للمقتول؟

قلنا : إنما سؤالها لتبكيت قاتلها وتوبيخه بما تقوله من الجواب ، فإنّها تقول : قتلت بغير ذنب ، ونظيره في التبكيت والتّوبيخ قوله تعالى ، لعيسى عليه‌السلام : (أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي) [المائدة : ١١٦] ؛ حتى قال : سبحانك (ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍ) [المائدة : ١١٦].

[١١٧٨] فإن قيل : كيف قال الله تعالى : (عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ) [التكوير : ١٤] فأثبت العلم لنفس واحدة ؛ مع أن كلّ نفس تعلم ما أحضرت يوم القيامة ؛ بدليل قوله تعالى : (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً) [آل عمران : ٣٠]؟

قلنا : هذا مما أريد به عكس مدلوله ، ومثله كثير في كلام الله تعالى ، وكلام العرب كقوله تعالى : (رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ) [الحجر : ٢] ؛ فإن رب هنا بمعنى كم للتكثير ، وقوله تعالى حكاية عن موسى عليه الصلاة والسلام لقومه : (وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ) [الصف : ٥] ، وقول الشاعر :

قد أترك القرن مصفرّا أنامله

كأنّ أثوابه مجّت بفرصاد

__________________

[١١٧٨] القرن : هو الكفؤ في الشجاعة. ويقال للأعم من ذلك.

ـ الفرصاد : هو التّوت ، أو الأحمر منه خاصة. وصبغ أحمر.

ـ والبيت لعبيد بن الأبرص ، في ديوانه : ٤٩.

٣٥٠

سورة الانفطار

[١١٧٩] فإن قيل : لأيّ فائدة تخصيص ذكر صفة الكرم دون سائر صفاته في قوله تعالى : (ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) [الانفطار : ٦]؟

قلنا : قال بعضهم : إنّما قال ذلك لطفا بعبده وتلقينا له حجته وعذره ليقول : غرّني كرم الكريم. وقال الفضيل رحمه‌الله : لو سألني الله تعالى هذا السؤال لقلت : غرّني ستورك المرخاة. وروي أنّ عليّا كرم الله وجهه صاح بغلام له مرات فلم يلبه ، ثم أقبل فقال : مالك لم تجبني؟ فقال : لثقتي بحلمك وأمني عقوبتك ، فاستحسن جوابه وأعتقه. ولهذا قالوا : من كرم الرجل سوء أدب غلمانه. والحقّ أنّ الواجب على الإنسان أن لا يغتر بكرم الله تعالى وجوده في خلقه إياه وإسباغه النعمة الظاهرة والباطنة عليه فيعصيه ويكفر نعمته اغترارا بتفضّله الأول ، فإن ذلك أمر منكر خارج عن حدّ الحكمة ، ولهذا قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لما قرأها : غرّه جهله. وقال عمر رضي الله تعالى عنه : غره حمقه وجهله. وقال الحسن : غره والله شيطانه الخبيث الذي زين له المعاصي ، فقال له : افعل ما شئت فإن ربك كريم.

[١١٨٠] فإن قيل : كيف قال الله تعالى : (يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً) [الانفطار : ١٩] والنفوس المقبولة الشفاعة تملك لمن شفعت فيه شيئا وهو الشفاعة؟

قلنا : المنفي ثبوت النصرة بالملك والسلطنة والشفاعة ليست بطريق الملك والسلطنة فلا تدخل في النفي ، ويؤيده قوله تعالى : (وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ) [الانفطار : ١٩]. وقال مقاتل : المراد بالنفس الثانية الكافرة ، والأصح أنه على العموم في النفسين.

٣٥١

سورة المطففين

[١١٨١] فإن قيل : هلّا قال الله تعالى إذا اكتالوا أو اتزنوا على الناس يستوفون ، كما قال سبحانه في مقابله (وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ) [المطففين : ٣]؟

قلنا : لأنّ المطففين كانت عادتهم أنهم لا يأخذون ما يكال وما يوزن إلّا بالمكيال ؛ لأنّ استيفاء الزّيادة بالمكيال كان أمكن لهم وأهون عليهم منه بالميزان ، وإذا أعطوا كالوا أو وزنوا لتمكنهم من البخس فيهما.

[١١٨٢] فإن قيل : كيف فسر سبحانه وتعالى سجينا بكتاب مرقوم فقال تعالى : (وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ كِتابٌ مَرْقُومٌ) [المطففين : ٨؟ ٩] وكذا فسر تعالى عليين به ؛ مع أن سجينا اسم للأرض السابعة ، وهو فعيل من السجن ، وعليين اسم للجنة أو لأعلى الأمكنة ، أو للسماء السابعة ، أو لسدرة المنتهى؟

قلنا : قوله تعالى : (كِتابٌ مَرْقُومٌ) [المطففين : ٩] وصف معنوي لكتاب الفجّار ولكتاب الأبرار ، لا تفسير لسجّين ولعليين تقديره : وهو كتاب مرقوم.

٣٥٢

سورة الانشقاق

[١١٨٣] فإن قيل : أين جواب «إذا» في قوله تعالى : (إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ) [الانشقاق : ١]؟

قلنا : فيه وجوه :

أحدها : أنه متروك لتكرر مثله في القرآن.

الثاني : أنه أذنت والواو فيها زائدة.

الثالث : أنه محذوف تقديره بعد قوله تعالى : (وَحُقَّتْ) [الانشقاق : ٢] بعثتم أو جوزيتم أو لاقيتم ما عملتم ، ودلّ على هذا المحذوف قوله تعالى : (فَمُلاقِيهِ) [الانشقاق : ٦].

الرابع : أن فيه تقديما وتأخيرا ، تقديره : (يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ) [الانشقاق : ٦] (إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ) [الانشقاق : ١].

٣٥٣

سورة البروج

[١١٨٤] فإن قيل : أين جواب القسم؟

قلنا : فيه وجوه :

أحدها : أنه متروك.

الثاني : أنه قوله تعالى : (قُتِلَ) [البروج : ٤] أي لقد قتل ، أي لعن.

الثالث : أنه قوله تعالى : (إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ) [البروج : ١٢].

الرابع : أنه محذوف تقديره : لتبعثن أو نحوه.

الخامس : أنّه قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا) [البروج : ١٠].

٣٥٤

سورة الطارق

[١١٨٥] فإن قيل : أين جواب القسم؟

قلنا : (إِنْ كُلُّ نَفْسٍ) [الطارق : ٤] فإن بمعنى ما ، ولمّا بالتّشديد بمعنى إلّا ؛ فيكون المعنى : ما كل نفس إلا عليها حافظ ، ولما بالتخفيف ما فيه زائدة وإن هي المخففة من الثقيلة ، فيكون المعنى : إن كل نفس لعليها حافظ ، والقسم يتلقى بمعنى إن (كذا).

[١١٨٦] فإن قيل : ما وجه ارتباط قوله تعالى : (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ) [الطارق : ٥] بما قبله؟

قلنا : وجهه أنه لما ذكر أن على كل نفس حافظا أتبعه بوصية الإنسان بالنظر في أول أمره ونشأته الأولى ؛ ليعلم أن من أنشأه قادر على إعادته ومجازاته ، فيعمل ليوم الإعادة والجزاء ، فلا يملي على حافظه إلا ما يسره في عاقبته.

[١١٨٧] فإن قيل : ما فائدة الجمع بين فمهّل وأمهل ومعناهما واحد؟

قلنا : التأكيد ، وإنما خولف بين اللفظين طلبا للخفة.

٣٥٥

سورة الأعلى

[١١٨٨] فإن قيل : كيف قال الله تعالى : (فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى) [الأعلى : ٩] مع أنه كان صلى‌الله‌عليه‌وسلم مأمورا بالذكرى نفعت أو لم تنفع؟

قلنا : معناه إذ نفعت. وقيل : معناه قد نفعت. وقيل : إن نفعت وإن لم تنفع ، فحذف أحدهما لدلالة المذكور عليه. وذكر الماوردي أنها بمعنى ما ؛ وكأنه أراد معنى ما الظرفية ؛ وإن بمعنى ما الظرفية ليس بمعروف.

[١١٨٩] فإن قيل : كيف قال الله تعالى : (لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى) [الأعلى : ١٣] مع أن الحيوان لا يخلو عن الاتصاف بأحد هذين الوصفين؟

قلنا : معناه لا يموت موتا يستريح به ، ولا يحيا حياة ينتفع بها. وقال ابن جرير ، رحمة الله تعالى عليه : تصعد نفسه إلى حلقومه ، ثم لا تفارقه فيموت ، ولا ترجع إلى موضعها من الجسم فيحيا ؛ والله سبحانه وتعالى أعلم.

__________________

[١١٨٨] الماوردي : هو علي بن محمد بن حبيب ، أبو الحسن الماوردي. كان قاضيا يميل إلى مذهب المعتزلة. ولد سنة ٣٦٤ ه‍ في البصرة وتوفي ببغداد سنة ٤٥٠ ه‍. من مؤلفاته : الأحكام السلطانية ، النكت والعيون (في التفسير) ، نصحية الملوك ، أعلام النبوّة ، أدب الوزير ، تسهيل النظر ، الخ.

٣٥٦

سورة الغاشية

[١١٩٠] فإن قيل : كيف قال الله تعالى : (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ عامِلَةٌ ناصِبَةٌ تَصْلى ناراً حامِيَةً) [الغاشية : ٢ ـ ٤] ؛ مع أنّ جميع أبدانهم أيضا تصلى النار؟

قلنا : الوجه يطلق ويراد به جميع البدن كما في قوله تعالى : (وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ) [طه : ١١١] وقيل : إن المراد بالوجوه هنا الأعيان والرؤساء ، كما يقال : هؤلاء وجوه القوم ، ويا وجه العرب ، أي ويا وجيههم ، ويؤيد هذا القول ما روي عن ابن عباس ، رضي الله تعالى عنهما ، أنّه قال : إن المراد به الرّهبان وأصحاب الصوامع.

[١١٩١] فإن قيل : كيف ارتبط قوله تعالى : (أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ) [الغاشية : ١٧] بما قبله ، وأيّ مناسبة بين السماء والإبل والجبال والأرض ؛ حتى جمع بينها؟

قلنا : لما وصف الله تعالى الجنّة بما وصف ، عجب من ذلك الكفار ، فذكرهم عجائب صنعه. وقال قتادة : لما ذكر ارتفاع سرر الجنة قالوا : كيف نصعدها؟ فنزلت هذه الآية : (أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ) [الغاشية : ١٧] نظر اعتبار ، كيف (خُلِقَتْ) [الغاشية : ١٧] للنهوض بالأثقال وحملها إلى البلاد البعيدة ، وجعلت تبرك حتى تحمل وتركب عن قرب ويسر ثم تنهض بما حملت ، فليس في الدواب ما يحمل عليه وهو بارك ويطيق النهوض إلا هي ، وسخرت لكل من قادها حتى الصبي الصغير ، ولما جعلت سفائن البر أعطين الصبر على احتمال العطش عشرة أيام فصاعدا وجعلت ترعى كل نبات في البراري والمفاوز مما لا يرعاه سائر البهائم ، وإنما لم يذكر الفيل والزرافة والكركند وغيرها مما هو أعظم من الجمل ؛ لأن العرب لم يروا شيئا من ذلك ولا كانوا يعرفونه ؛ ولأن الإبل كانت أنفس أموالهم وأكثرها لا تفارقهم ولا يفارقونها ؛ وإنما جمع بينها وبين ما بعدها لأن نظر العرب قد انتظم هذه الأشياء في أوديتهم وبواديهم ، فانتظمها الذكر على حسب ما انتظمها نظرهم وكثرة ملابستهم ومخالتهم ، ومن فسر الإبل بالسحاب والماء قصد بذلك طلب المناسبة بطريق تشبيه الإبل

__________________

[١١٩١] ابن دريد : هو محمد بن الحسن بن دريد ، من أزد عمان ، من قحطان ، أبو بكر ، أحد أئمة اللغة والأدب. ولد في البصرة ، وقيل في عمان ، سنة ٢٢٣ ه‍ وتوفي سنة ٣٢١ وقيل ٣٢٣. أخذ عن السجستاني والرّياشي. من مؤلفاته : الاشتقاق ، المقصور والممدود ، الجمهرة ، المجتنى ، الخ.

٣٥٧

بالسحاب في السير وفي النشط أيضا ، في بعض الأوقات ؛ لا أنه أراد أنّ المراد من الإبل السحاب حقيقة. وقد جاء في أشعار العرب تشبيه السحاب بالإبل كثيرا ، وقد شبهه ابن دريد أيضا بالسّحاب في قصيدته. وقرأ أبيّ بن كعب وعائشة رضي الله عنهما الإبل بتشديد اللام. قال أبو عمرو وهو اسم للسحاب الذي يحمل الماء ، والله أعلم.

٣٥٨

سورة الفجر

[١١٩٢] فإن قيل : كيف نكر الليالي العشر دون سائر ما أقسم به ، وهلّا عرّفها بلام العهد وهي ليالي معلومة معهودة فإنها ليالي عشر ذي الحجة في قول الجمهور؟

قلنا : لأنها مخصوصة من بين جنس الليالي العشر بفضيلة ليست لغيرها فلم يجمع بينها وبين غيرها بلام الجنس ، وإنما لم تعرف بلام العهد لأن التنكير أدل على التفخيم والتعظيم بدليل قوله تعالى : (وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ) [البقرة : ١٦٣] ونظيره قوله تعالى : (لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ) [البلد : ١] فعرفه ثم قال : (وَوالِدٍ) [البلد : ٣] فنكره ، والمراد به آدم وإبراهيم أو محمد صلّى الله عليهم أجمعين ، ولأن الأحسن أن تكون اللامات كلها متجانسة ، ليكون الكلام أبعد عن الألغاز والتعمية ، وهي في الباقي للجنس.

[١١٩٣] فإن قيل : كيف ذم الله تعالى الإنسان على قوله : (رَبِّي أَكْرَمَنِ) [الفجر : ١٥] ، مع أنّه صادق فيما قال : لأنّ الله تعالى أكرمه ، بدليل قوله تعالى : (فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ) [الفجر : ١٥] ، كيف وأن هذا تحدث بالنعمة وهو مأمور به؟

قلنا : المراد به أن يقول ذلك مفتخرا على غيره ، ومتطاولا به عليه ، ومعتقدا استحقاق ذلك على ربّه ، كما في قوله تعالى : (إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي) [القصص : ٧٨] ومستدلا به على علو منزلته في الدار الآخرة ؛ وكل ذلك منهي عنه. وأما إذا قاله على وجه الشكر والتحدث بنعمة الله فليس بمذموم ولا منهي عنه.

[١١٩٤] فإن قيل : كيف قال الله تعالى في الجملة الأولى : (فَأَكْرَمَهُ) [الفجر : ١٥] ولم يقل في الجملة الثانية فأهانه؟

قلنا : لأن بسط الرزق إكرام ، لأنه إنعام وإفضال من غير سابقة ؛ وقبضه ليس بإهانة ؛ لأن ترك الإنعام والإفضال لا يكون إهانة ، بل هو واسطة بين الإكرام والإهانة ؛ فإن المولى قد يكرم عبده وقد يهينه ، وقد لا يكرمه ولا يهينه. وتضييق الرزق ليس إلّا عبارة عن ترك إعطاء القدر الزائد ، ألا ترى أنه يحسن أن تقول زيد أكرمني إذا أهدى لك هدية ، ولا يحسن أن تقول أهانني إذا لم يهد لك.

[١١٩٥] فإن قيل : كيف قال تعالى : (وَجاءَ رَبُّكَ) [الفجر : ٢٢] والحركة والانتقال على الله محالان ؛ لأنهما من خواص الكائن في جهة؟

٣٥٩

سورة البلد

قلنا : قال ابن عباس رضي الله عنهما : وجاء أمر ربك لأن في القيامة تظهر جلائل آيات الله تعالى ؛ ونظيره قوله تعالى : (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ) [الأنعام : ١٥٨] وقيل : معناه وجاء ظهور ربك لضرورة معرفته يوم القيامة. ومعرفة الشيء بالضرورة تقوم مقام ظهوره ورؤيته ، فمعناه : زالت الشكوك وارتفعت الشبه كما ترتفع عند مجيء الشيء الذي كان يشك فيه.

٣٦٠