أسئلة القرآن المجيد وأجوبتها

محمّد بن أبي بكر بن عبدالقادر الرازي

أسئلة القرآن المجيد وأجوبتها

المؤلف:

محمّد بن أبي بكر بن عبدالقادر الرازي


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: المكتبة العصريّة
الطبعة: ١
ISBN: 9953-34-026-9
الصفحات: ٤٠٨

وقال آخر :

رماني بأمر كنت ووالدي

بريئا ومن أجل الطّوي رماني

الثاني : أنّ فعيلا يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع ، قال الله تعالى : (وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ) [التحريم : ٤] وقيل : إنما لم يقل قعيدان رعاية لفواصل السورة.

[١٠٢٦] فإن قيل : كيف قال تعالى : (أَلْقِيا) [ق : ٢٤] ، والخطاب لواحد ، وهو مالك خازن النار؟

قلنا : فيه وجوه :

أحدها : ما قاله المبرّد أنّ تثنية الفاعل أقيمت مقام تثنية الفعل للتأكيد باتحادهما حكما ، كأنه قال : ألق ألق ؛ ونظيره قول امرئ القيس :

* قفا نبك ...

أي قف قف.

الثاني : أن العرب كثيرا ما يرافق الرجل منهم اثنين ، على ألسنتهم خطاب الاثنين فقالوا : خليلي وصاحبي وقفا واسمدا وعوجا ونحو ذلك. قال الفراء : سمعت ذلك من العرب كثيرا. قال وأنشدني بعضهم :

فقلت لصاحبيّ لا تحبسانا

بنزع أصوله واجتزّ شيحا

فقال لا تحبسانا والخطاب لواحد ، بدليل قوله لصاحبيّ. قال : وأنشدني أبو ثور :

فإن تزجراني يا ابن عفّان أنزجر

وإن تدعاني أحم عرضا ممنّعا

وقال امرؤ القيس :

خليليّ مرّا بي على أمّ جندب

نقضي لبانات الفؤاد المعذّب

ثم قال :

ألم تر أنّي كلّما جئت طارقا

وجدت بها طيبا وإن لم تطيّب

__________________

[١٠٢٦] كلمة امرئ القيس من مطلع معلقته ، وهي في ديوانه.

ـ الشواهد الواردة في الوجه الثاني ينقلها الرّازي عن الفرّاء ، في معاني القرآن : ٣ / ٧٨ ـ ٧٩.

ولم ينسب الفرّاء البيت الذي أوّله : فقلت لصاحبي لا تحبسانا / واكتفى بالقول : «وأنشدني بعضهم» وينسب البيت إلى المضرّس بن ربعي الفقعسي. ويروى عجز البيت كما ذكر الفرّاء : «واجدزّ» بدل «واجتز» وهو من باب إبدال الدال من التاء ، ومنه لازم كما في ازدجر ، وادّكر ، وأصلهما : اذتكر ، واذتجر. ومنه جائز ، كما في الشاهد.

ـ قوله ـ حكاية لقول الفرّاء ـ وأنشدني أبو ثوبان ، في معاني القرآن : أبو ثروان.

ـ البيتان الأخيران لامرئ القيس في ديوانه : ٤١.

٣٠١

الثالث : أنه أمر للملكين اللذين سبق ذكرهما بقوله تعالى : (وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ) [ق : ٢١].

[١٠٢٧] فإن قيل : كيف قال تعالى : (غَيْرَ بَعِيدٍ) [ق : ٣١] ، ولم يقل غير بعيدة وهو وصف للجنة؟

قلنا : لأنه على زنة المصادر كالزبير والصليل ، والمصادر يستوي في الوصف بها المذكر والمؤنث ، أو على حذف الموصوف ، أي مكانا غير بعيد ، وكلا الجوابين للزمخشري رحمه‌الله تعالى.

[١٠٢٨] فإن قيل : ما فائدة قوله تعالى : (غَيْرَ بَعِيدٍ) بعد قوله : (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ) [ق : ٣١] بمعنى قربت؟

قلنا : فائدته التأكيد ، كقولهم : هو قريب غير بعيد ، وعزيز غير ذليل.

[١٠٢٩] فإن قيل : كيف قال تعالى : (إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ) [ق : ٣٧] ، وكل إنسان له قلب ؛ بل كل حيوان؟

قلنا : المراد بالقلب هنا العقل ، كذا قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. قال ابن قتيبة : لما كان القلب موضعا للعقل كنى به عن.

الثاني : أنّ المراد لمن كان له قلب واع ؛ لأن من لا يعي قلبه ، فكأنّه لا قلب له ؛ ويؤيد ذلك قوله تعالى : (وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ) [الأعراف : ١٧٩] الآية.

٣٠٢

سورة الذاريات

[١٠٣٠] فإن قيل : كيف قال تعالى : (إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ) [الذاريات : ٥] ، والصادق وصف القائل لا وصف الوعد؟

قلنا : قيل صادق بمعنى مصدوق ك (عِيشَةٍ راضِيَةٍ) [الحاقة : ٢١] و (ماءٍ دافِقٍ) [الطارق : ٦] وقيل معناه لصدق ، فإن المصدر قد جاء على وزن اسم الفاعل كقولهم : قمت قائما ، وقولهم : لحقت بهم اللائمة ، أي اللّوم.

[١٠٣١] فإن قيل : كيف قال تعالى : (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ) [الذاريات : ١٥] والمتقون لا يكونون في الجنة في العيون؟

قلنا : معناه أنهم في الجنات والعيون الكثيرة محدقة بهم من كل ناحية وهم في مجموعها لا في كل عين ، ونظيره قوله تعالى : (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ) [القمر : ٥٤] لأنه بمعنى أنهار ، إلا أنه عدل عنها رعاية للفواصل.

[١٠٣٢] فإن قيل : كيف قال تعالى : (وَتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ الْعَذابَ الْأَلِيمَ) [الذاريات : ٣٧] أي في قرى قوم لوط ، وقرى قوم لوط ليست موجودة ، فكيف توجد فيها العلامة؟

قلنا : الضمير في قوله فيها عائد إلى تلك الناحية والبقعة لا إلى مدائن قوم لوط.

الثاني : أنه عائد إليها ، ولكن «في» بمعنى من ، كما في قوله تعالى : (وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً) [النحل : ٨٩] وقوله تعالى : (وَارْزُقُوهُمْ فِيها) [النساء : ٥] ويؤيد هذا الوجه مجيئه مصرحا به في سورة العنكبوت بلفظ من في قوله تعالى : (وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) [العنكبوت : ٣٥] ثم قيل الآية آثار منازلهم الخربة. وقيل هي الحجارة التي أبقاها الله تعالى حتى أدركها أوائل هذه الأمة. وقيل هي الماء الأسود الذي يخرج من الأرض.

[١٠٣٣] فإن قيل : كيف قال الله تعالى : (وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ) [الذاريات : ٤٩] أي صنفين ، مع أن العرش والكرسي والقلم واللوح لم يخلق منها إلا واحد؟

قلنا : قيل معناه ومن كل حيوان خلقنا ذكرا أو أنثى. وقيل معناه : ومن كل شيء تشاهدونه خلقنا صنفين كالليل والنهار ، والصيف والشتاء ، والنور والظلمة ، والخير والشر ،

٣٠٣

والحياة والموت ، والبحر والبر ، والسماء والأرض ، والشمس والقمر ، ونحو ذلك.

[١٠٣٤] فإن قيل : كيف قال تعالى هنا (فَفِرُّوا إِلَى اللهِ) [الذاريات : ٥٠] وقال سبحانه في موضع آخر (وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ) [آل عمران : ٢٨]؟

قلنا : معنى قوله : (فَفِرُّوا إِلَى اللهِ) أي الجئوا إليه بالتوبة. وقيل معناه : ففروا من عقوبته إلى رحمته ، ومعنى قوله : (وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ) أي يخوفكم عذاب نفسه أو عقاب نفسه. وقال الزجاج : معنى نفسه إياه كأنه قال : ويحذركم الله إياه ، كما قال سبحانه وتعالى : (يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) [الكهف : ٢٨] ، أي إيّاه ؛ فظهر أنه لا تناقض بين الآيتين.

[١٠٣٥] فإن قيل : كيف قال تعالى : (وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات : ٥٦] ، وإذا قلنا ، خلقهم للعبادة كان مريدا لها منهم ؛ فكيف أرادها منهم ولم توجد منهم؟

قلنا : فيه وجوه :

أحدها : أنه عام أريد به الخاص وهم المؤمنون ؛ بدليل خروج البعض منه بقوله تعالى : (وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ) ومن خلق لجهنم لا يكون مخلوقا للعبادة.

الثاني : أنه على عمومه ، والمراد بالعبادة التوحيد ، وقد وحده الكل يوم أخذ الميثاق ، وهذا الجواب يختص بالإنس ، لأنّ أخذ الميثاق مخصوص بهم بالآية. وقيل معناه : إلا ليكونوا عبيدا لي.

وقيل : معناه إلا ليذلوا ويخضعوا وينقادوا لما قضيته وقدّرته عليهم فلا يخرج عنه أحد منهم.

وقيل : معناه إلا ليعبدون إن اختاروا العبادة لا قسرا وإلجاء.

وقيل : إلا ليعبدون العبادة المرادة في قوله تعالى : (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً) [الرعد : ١٥] والعموم ثابت في الوجوه الخمسة.

[١٠٣٦] فإن قيل : ما فائدة قوله تعالى : (وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ) [الذاريات : ٥٧] ، بعد قوله : (ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ) [الذاريات : ٥٧]؟

قلنا : معناه ما أريد منهم من رزق لأنفسهم ، وما أريد أن يطعمون ، أي أن يطعموا عبيدي ؛ وإنما أضاف الإطعام إلى ذاته المقدسة ؛ لأن الخلق عياله وعبيده ، ومن أطعم عيال غيره فكأنه أطعمه ، ويؤيده ما جاء في الحديث الصحيح : «إنّ الله عزوجل يقول ، يوم القيامة : يا ابن آدم! استطعمتك فلم تطعمني» ، أي استطعمك عبدي فلم تطعمه.

٣٠٤

سورة الطور

[١٠٣٧] فإن قيل : كيف قال تعالى : (وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ) [الطور : ٢٠] ؛ مع أنّ الحور العين في الجنة مملوكات ملك يمين لا ملك نكاح؟

قلنا : معناه قرناهم بهنّ ، من قولهم زوّجت إبلي ، أي قرنت بعضها إلى بعض ؛ وليس من التزويج الذي هو عقد النكاح ، ويؤيده أنّ ذلك لا يعدّى بالباء ؛ بل بنفسه ، كما قال تعالى : (زَوَّجْناكَها) [الأحزاب : ٣٧]. ويقال زوجه امرأة. ولا يقال بامرأة.

[١٠٣٨] فإن قيل : كيف قال الله تعالى في وصف أهل الجنة (كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ) [الطور : ٢١] أي مرهون في النار بعمله؟

قلنا : قال الزمخشري : كأن نفس كل عبد ترهن عند الله تعالى بالعمل الصالح الذي هو مطالب به ، كما يرهن الرجل عبده بدين عليه ، فإن عمل صالحا فكها وخلصها وإلا أوبقها. وقال غيره : هذه جملة من صفات أهل النار وقعت معترضة في صفات أهل الجنة ، ويؤيده ما روي عن مقاتل أنه قال معناه : كل امرئ كافر بما عمل من الكفر مرتهن في النار ، والمؤمن لا يكون مرتهنا لقوله تعالى : (كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ فِي جَنَّاتٍ) [المدثر : ٣٨ ، ٣٩ ، ٤٠].

[١٠٣٩] فإن قيل : كيف قال تعالى ، في حقّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : (فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ) [الطور : ٢٩] وكل واحد غيره كذلك لا يكون كاهنا ولا مجنونا ، بنعمة الله تعالى؟

قلنا : معناه فما أنت بحمد الله وإنعامه عليك بالصدق والنبوة بكاهن ولا مجنون كما يقول الكفار. وقيل : الباء هنا بمعنى مع ، كما في قوله تعالى : (تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ) [المؤمنون : ٢٠] ، وقوله تعالى : (فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ) [الإسراء : ٥٢]. ويقال : أكلت الخبز بالتمر ، أي معه.

[١٠٤٠] فإن قيل : ما معنى الجمع في قوله تعالى : (فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا) [الطور : ٤٨]؟

قلنا : معناه التفخيم والتعظيم ، والمراد بحيث نراك ونحفظك ؛ ونظيره في معنى العين قوله تعالى : (وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي) [طه : ٣٩] ؛ ونظيره في الجمع للتفخيم والتعظيم قوله تعالى : (تَجْرِي بِأَعْيُنِنا) [القمر : ١٤] ، وقوله تعالى : (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً) [يس : ٧١].

٣٠٥

سورة النجم

[١٠٤١] فإن قيل : الضلال والغواية واحدة ، فما فائدة قوله تعالى : (ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى) [النجم : ٢]؟

قلنا : قيل إن بينهما فرقا لأن الضلال ضد الهدى والغي ضد الرشد وهما مختلفتان مع تقاربهما. وقيل معناه ما ضل في قوله ولا غوى في فعله ، ولو ثبت اتحاد معناهما يكون من باب التأكيد باللفظ المخالف ، مع اتحاد المعنى.

[١٠٤٢] فإن قيل : كيف قال تعالى : (فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى) [النجم : ٩] ، أدخل كلمة الشك ، والشك محال على الله تعالى؟

قلنا : أو هنا للتخيير لا للشك ، كأنه قال سبحانه وتعالى : إن شئتم قدروا ذلك القرب بقاب قوسين ، وإن شئتم قدروه بأدنى منهما. وقيل معناه : بل أدنى. وقيل هو خطاب لهم بما هو معهود بينهم. وقيل هو تشكيك لهم لئلّا يعلموا قدر ذلك القرب ، ونظيره قوله تعالى : (وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ) [الصافات : ١٤٧] والكلام فيهما واحد.

[١٠٤٣] فإن قيل : قوله تعالى : (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى) [النجم : ١٩ ، ٢٠] من رؤية القلب لا من رؤية البصر ، فأين مفعولها الثاني؟

قلنا : هو محذوف تقديره : أفرأيتموها بنات الله وأنداده ، فإنهم كانوا يزعمون أن الملائكة وهذه الأصنام بنات الله عزوجل.

[١٠٤٤] فإن قيل : كيف قال الله تعالى : (الثَّالِثَةَ الْأُخْرى) [النجم : ٢٠] فوصف الثالثة بالأخرى والعرب إنما تصف بالأخرى الثانية لا الثالثة ، فظاهر اللفظ يقتضي أن يكون قد سبق ثالثة أولى ، ثم لحقتها الثالثة الأخرى فتكون ثالثتان؟

قلنا : الأخرى نعت للعزى ، تقديره : أفرأيتم اللات والعزى الأخرى ومناة الثالثة ؛ لأنها ثالثة الصنمين في الذكر ؛ وإنما أخّر الأخرى رعاية للفواصل ، كما قال : (وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى) [طه : ١٨] ، ولم يقل أخر ، رعاية للفواصل.

[١٠٤٥] فإن قيل : كيف قال تعالى : (وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً) [النجم : ٢٨] أي لا يقوم مقام العلم ، مع أنه يقوم مقام العلم في صورة القياس؟

٣٠٦

قلنا : المراد به هنا الظن الحاصل من اتباع الهوى دون الظن الحاصل من النظر والاستدلال ، ويؤيده قوله تعالى قبل هذا (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ) [النجم : ٢٣].

[١٠٤٦] فإن قيل : كيف قال تعالى : (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى) [النجم : ٣٩] وقد صح في الأخبار وصول ثواب الصدقة والقراءة والحج وغيرها إلى الميت؟

قلنا : فيه وجوه :

أحدها : ما قاله ابن عباس رضي الله عنهما أنها منسوخة بقوله تعالى : (وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) [الطور : ٢١] ، معناه أنه أدخل الأبناء الجنة بصلاح الآباء ، قالوا وهذا لا يصح ؛ لأن الآيتين خبر ولا نسخ في الخبر.

الثاني : أنّ ذلك مخصوص بقوم إبراهيم وموسى عليهم الصلاة والسلام ، وهو حكاية ما في صحفهم ، فأمّا هذه الأمة فلها ما سعت وما سعي لها.

الثالث : أنه على ظاهره ، ولكن دعاء ولده وصديقه وقراءتهما وصدقتهما عنه من سعيه أيضا ؛ بواسطة اكتسابه للقرابة أو الصداقة أو المحبة من الناس بسبب التقوى والعمل الصالح.

[١٠٤٧] فإن قيل : كيف قال تعالى بعد تعديد النقم (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى) [النجم : ٥٥] والآلاء النعم؟

قلنا : إنما قال سبحانه بعد تعديد النعم والنقم ، والنعم نعم لما فيها من الزّواجر والمواعظ فمعناه : فبأي نعم ربك الدالة على وحدانيته تشك يا وليد بن المغيرة؟

٣٠٧

سورة القمر

[١٠٤٨] فإن قيل : ما فائدة إعادة التكذيب في قوله تعالى : (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا) [القمر : ٩] وهلّا قال تعالى كذّبت قبلهم قوم نوح عبدنا؟

قلنا : معناه كذبوا تكذيبا بعد تكذيب. وقيل : إن التكذيب الأول منهم بالتوحيد ، والثاني بالرسالة. وقيل : التكذيب الأول منهم لله تعالى ، والثاني لرسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

[١٠٤٩] فإن قيل : كيف قال تعالى في وصف ماء الأرض والسماء (فَالْتَقَى الْماءُ) [القمر : ١٢] ولم يقل فالتقى الماءان؟

قلنا : أراد به جنس المياه.

[١٠٥٠] فإن قيل : الجزاء إنما يكون للكافر لا للمكفور ، فكيف قال تعالى : (جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ) [القمر : ١٤].

قلنا : جزاء مفعول له فمعناه : ففتحنا أبواب السماء وما بعده مما كان يسبب إغراقهم جزاء لله تعالى ؛ لأنه مكفور به ، فحذف الجار وأوصل الفعل بنفسه ، كقوله تعالى : (وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ) [الأعراف : ١٥٥]. والجزاء يضاف إلى الفاعل وإلى المفعول كسائر المصادر.

الثاني : أنه نوح عليه‌السلام إما لأنه مكفور به بحذف الجار كما مر من الكفر الذي هو ضد الإيمان ، أو لأن كل نبي نعمة من الله على قومه ، ومنه قوله تعالى : (وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ) [الأنبياء : ١٠٧] وقال رجل للرشيد : الحمد لله عليك ، فقال ما معنى هذا : فقال أنت نعمة حمدت الله عليها ، فكأنه قال : جزاء لهذه النعمة المكفورة ، وكفران النعمة يتعدى بنفسه قال الله تعالى : (وَلا تَكْفُرُونِ) [البقرة : ١٥٢].

الثالث : أن «من» بمعنى ما فمعناه : جزاء لما كان كفر من نعم الله تعالى على العموم. وقرأ قتادة كفر بالفتح ، أي جزاء للكافرين.

[١٠٥١] فإن قيل : كيف قال الله تعالى : (أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ) [القمر : ٢٠] ، أي منقلع ، ولم يقل منقعرة؟

٣٠٨

قلنا : إنما ذكر الصفة ؛ لأن الموصوف ، وهو النخل ، مذكر اللفظ ليس فيه علامة تأنيث ، فاعتبر اللفظ وفي موضع آخر اعتبر المعنى وهو كونه جمعا فقال : (أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ) [الحاقة : ٧] ونظيرهما قوله تعالى : (لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ) [الواقعة : ٥٢ ـ ٥٤] وقال أبو عبيدة : النخل يذكر ويؤنث ، فجمع القرآن اللغتين. وقيل : إنّما ذكر رعاية للفواصل.

٣٠٩

سورة الرّحمن عزوجل

[١٠٥٢] فإن قيل : أيّ مناسبة بين رفع السماء ووضع الميزان ؛ حتى قرن بينهما؟

قلنا : لما صدّر هذه السورة بتعديد نعمه سبحانه على عبيده ، ذكر من جملتها وضع الميزان الذي به نظام العالم وقوامه ؛ لا سيما أن المراد بالميزان العدل في قول الأكثرين ، والقرآن في قول ، وكل ما تعرف به المقادير في قول ، كالمكيال والميزان والذراع المعروف ونحوها.

[١٠٥٣] فإن قيل : قوله تعالى : (أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ) [الرحمن : ٨] ، أي لا تجاوزوا فيه العدل مغن عما بعده من الجملتين فما فائدتهما؟

قلنا : المراد بالطغيان فيه أخذ الزائد ، وبالإخسار فيه إعطاء الناقص وأمر بالتّوسط الذي هو إقامة الوزن بالقسط ؛ ونهى عن الطرفين المذمومين.

[١٠٥٤] فإن قيل : كيف قال تعالى هنا (خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ) [الرحمن : ١٤] وهو الطين اليابس الذي لم يطبخ ؛ لكن له صلصلة ، أي صوت إذا نقر ، وقال تعالى ، في موضع آخر : (مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ) [الحجر : ٢٦]. وقال تعالى : (مِنْ طِينٍ لازِبٍ) [الصافات : ١١]. وقال تعالى : (مِنْ تُرابٍ) [الروم : ٢٠]؟

قلنا : الآيات كلها متفقة في المعنى ؛ لأنه تعالى خلقه من تراب ثم جعله طينا ثم حمأ مسنونا ثم صلصالا.

[١٠٥٥] فإن قيل : كيف قال تعالى : (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ) [الرحمن : ١٧] فكرر ذكر الرب ولم يكرره في سورة المعارج بل أفرده فقال تعالى : (فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ) [المعارج : ٤٠] وكذا في سورة المزمل (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) [المزمل : ٩] (لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً) [المزمل : ٩]؟

قلنا : إنما ذكر الرب تأكيدا ، فكان التأكيد بهذا الموضع أليق منه بذينك الموضعين ؛ لأنه موضع الامتنان وتعديد النعم ، ولأن الخطاب فيه مع جنسين وهما الإنس والجن.

[١٠٥٦] فإن قيل : بعض الجمل المذكورة في هذه السورة ليست من النعم كقوله تعالى : (كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ) [الرحمن : ٢٦] وقوله تعالى : (يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ

٣١٠

وَنُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ) [الرحمن : ٣٥] فكيف حسن الامتنان بعدها بقوله تعالى : (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ) [الرحمن : ١٣]؟

قلنا : من جملة الآلاء دفع البلاء وتأخير العقاب ، فإبقاء من هو مخلوق للفناء نعمة. وتأخير العقاب عن العصاة أيضا نعمة فلهذا امتن علينا بذلك.

[١٠٥٧] فإن قيل : كيف قال تعالى : (سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ) [الرحمن : ٣١] ، والله تعالى لا يشغله شيء؟

قلنا : قال الزّجّاج : الفراغ في اللغة على ضربين : أحدهما الفراغ من شغل ، والآخر القصد للشيء والإقبال عليه ، وهو تهديد ووعيد ، ومنه قولهم : سأتفرغ لفلان ، أي سأجعله قصدي ؛ فمعنى الآية سنقصد لعقابكم وعذابكم وحسابكم.

[١٠٥٨] فإن قيل : كيف وعد سبحانه الخائف جنتين فقط؟

قلنا : لأن الخطاب للثقلين ، فكأنه قيل لكل خائفين من الثقلين جنتان ، جنة للخائف الإنسي ، وجنة للخائف الجني. وقيل : المراد به أن لكل خائف جنتين ، جنة لفعل الطاعات ، وجنة لترك المعاصي. وقيل : جنة يثاب بها ، وجنة يتفضل بها عليه زيادة لقوله تعالى : (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ) [يونس : ٢٦] أي الجنة وزيادة.

[١٠٥٩] فإن قيل : كيف قال تعالى : (فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ) [الرحمن : ٥٥] ولم يقل فيهما ، والضمير للجنتين؟

قلنا : الضمير لمجموع الآلاء المعدودة من الجنتين والعينين والفاكهة وغيرهما مما سبق ذكره. وقيل : هو للجنتين ، وإنما جمعه لاشتمال الجنتين على قصور ومنازل. وقيل : الضمير للمنازل والقصور التي دلّ عليها ذكر الجنتين. وقيل : الضمير لمجموع الجنان التي دل عليها ذكر الجنتين. وقيل : الضمير عائد إلى الفرش ، لأنها أقرب ؛ وعلى هذا القول «في» بمعنى على ، كما في قوله تعالى : (أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ) [الطور : ٣٨].

[١٠٦٠] فإن قيل : كيف قال الله تعالى : (لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌ) [الرحمن : ٥٦] أي لم يفتضهن ، ونساء الدّنيا لا يفتضهن الجان ، فما فائدة تخصيص الحور بذلك؟

قلنا : معناه أن تلك القاصرات الطرف إنسيات للإنس وجنيات للجن ، فلم يطمث الإنسيات إنسي ، ولا الجنيات جني ، وهذه الآية دليل على أن الجن يواقعون كما يواقع الإنس. وقيل : فيها دليل على أن الجني يغشى الإنسية في الدّنيا.

٣١١

سورة الواقعة

[١٠٦١] فإن قيل : ما فائدة التكرار في قوله تعالى : (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ) [الواقعة : ١٠]؟

قلنا : فيه وجهان :

أحدهما : أنه تأكيد مقابل لما سبقه من التأكيد في (فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ) [الواقعة : ٨ ، ٩] ؛ كأنه قال تعالى : والسابقون هم المعروف حالهم المشهور وصفهم ، ونظيره قول أبي النجم :

أنا أبو النجم وشعري شعري

الثاني : أن معناه : والسابقون إلى طاعة الله هم السابقون إلى جنته وكرامته. ثم قيل المراد بهم السابقون إلى الإيمان من كل أمة. وقيل الذين صلوا إلى القبلتين.

وقيل : أهل القرآن. وقيل : السابقون إلى المساجد إلى الخروج في سبيل الله. وقيل : هم الأنبياء صلوات الله عليهم ، فهذه خمسة أقوال.

[١٠٦٢] فإن قيل : كيف قال تعالى : (يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ) [الواقعة : ١٧] ؛ مع أنّ التخليد ليس صفة مخصوصة بالولدان في الجنة ؛ بل كل أهل الجنة مخلدون فيها لا يشيبون ولا يهرمون ؛ بل يبقى كل واحد أبدا على صفته التي دخل الجنة عليها؟

قلنا : معناه أنهم لا يتحولون عن شكل الوالدان وهي الوصافة. وقيل : مقرطون. وقيل مسورون ، ولا إشكال على هذين القولين.

[١٠٦٣] فإن قيل : كيف قال تعالى : (لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ) [الواقعة : ٥٢ ـ ٥٤] أنث ضمير الشجر ثم ذكّره؟

قلنا : قد سبق جوابه في سورة القمر.

[١٠٦٤] فإن قيل : كيف قال تعالى : (نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْ لا تُصَدِّقُونَ) [الواقعة : ٥٧] ، أي فهلّا تصدقون ؛ مع أنهم مصدقون أنه خلقهم ، بدليل قوله تعالى : (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ) [الزخرف : ٨٧].

قلنا : هم وإن كانوا مصدقين بألسنتهم إلا أنهم لما كان مذهبهم على خلاف ما يقتضيه التصديق فكأنهم مكذبون به.

٣١٢

الثاني : أنه تخصيص على التصديق بالبعث بعد الموت بالاستدلال بالخلق الأول ، فكأنه قال تعالى : هو الذي خلقكم أوّلا باعترافكم ، فلا يمتنع عليه أن يعيدكم ثانيا ، فهلا تصدقون بذلك.

[١٠٦٥] فإن قيل : كيف قال تعالى ، في الزرع : (لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً) [الواقعة : ٦٥] باللام وقال تعالى في الماء : (لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً) [الواقعة : ٧٠] بغير لام؟

قلنا : الأصل أن تذكر اللام في الموضعين ، إذ لا بد منها في جواب «لو» إلا أنها حذفت في الثاني اختصارا ، وهي مؤدية لدلالة الأولى عليها.

الثاني : أن أصل هذه اللام للتأكيد ، فذكرت مع المطعوم دون المشروب ، لأنّ المطعوم مقدم وجودا ورتبة ، لأنه إنما لا يحتاج إلى الماء تبعا له ، ولهذا قدمت آية المطعوم على آية المشروب ، فلما كان الوعيد بفقد المطعوم أشد وأصعب أكد تلك الجملة مبالغة ، في التهديد.

[١٠٦٦] فإن قيل : التسبيح التنزيه عن السوء ، فما معنى باسم في قوله تعالى : (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) [الواقعة : ٧٤] وهلّا قال تعالى فسبح ربك العظيم؟

قلنا : فيه وجوه :

أحدها : أن الباء زائدة والاسم بمعنى الذّات ، فصار المعنى ما قلتم.

الثاني : أن الاسم بمعنى الذكر ، فمعناه فسبح بذكر ربك.

الثالث : أن الذكر فيه مضمر ، فمعناه فأحدث التسبيح بذكر اسم ربك.

الرابع : قال الضحّاك : معناه فصلّ باسم ربك ، أي افتتح الصلاة بالتكبير.

[١٠٦٧] فإن قيل : إذا كان القرآن صفة من صفات الله تعالى قديمة قائمة بذاته المقدسة ، فكيف قال تعالى : (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ) [الواقعة : ٧٧ ، ٧٨] أي اللوح المحفوظ أو المصحف على اختلاف القولين؟

قلنا : معناه مكتوب في كتاب مكنون ، ولا يلزم من كتابة القرآن في الكتاب أن يكون القرآن حالا في الكتاب ، كما لو كتب إنسان على كفه ألف دينار لا يلزم منه وجود ألف دينار في كفه ، وكذا لو كتب في كفه العرش أو الكرسي ، وكذا وكذا ، قال تعالى في صفة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : (يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ) [الأعراف : ١٥٧].

الثاني : أن القرآن لو كان حالا في المصحف فإما أن يكون جميعه حالا في مصحف واحد ، أو في كل مصحف ، أو في بعضه ، ولا سبيل إلى الأول ، لأن المصاحف كلها سواء في الحكم في كتابته فيها ؛ ولأن البعض ليس أولى بذلك من

٣١٣

البعض ، ولا سبيل إلى الثاني وإلا يلزم تعدد القرآن وأنه متحد ، ولا سبيل إلى الثالث ؛ لأنه كله مكتوب في كل مصحف ، ولأن هذا المصحف ليس أولى بهذا البعض من ذلك المصحف ، وكذا الباقي ، فثبت أنه ليس حالا في شيء منها ؛ بل هو كلام الله تعالى وكلامه صفة قديمة قائمة به لا تفارقه!!

[١٠٦٨] فإن قيل : فإذا لم تفارقه فكيف سماه تعالى منزلا وتنزيلا ، وقال سبحانه : (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ) [الشعراء : ٩٣] ونظائره كثيرة ، وإذا فارقه وباينه يكون مخلوقا ، لأن كل مباين له فهو غيره ، وكل ما هو غيره فهو مخلوق؟

قلنا : معنى إنزاله أنه سبحانه وتعالى علمه لجبريل فحفظه ، وأمره أن يعلمه للنبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ويأمره أن يعلمه لأمته ، مع أنه لم يزل ولا يزال صفة لله تعالى قائمة به لا تفارقه!!

٣١٤

سورة الحديد

[١٠٦٩] فإن قيل : كيف قال تعالى : (وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللهِ) [الحديد : ٨] ثم قال سبحانه : (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) [الحديد : ٨]؟

قلنا : معناه إن كنتم مؤمنين بموسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام ، فإن شريعتهما تقتضي الإيمان بمحمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

الثاني : إن كنتم مؤمنين بالميثاق الذي أخذه عليكم يوم أخرجكم من ظهر آدم عليه‌السلام.

الثالث : أن معناه ، أي عذر لكم في ترك الإيمان والرسول يدعوكم إليه ويتلو عليكم الكتاب الناطق بالبراهين والحجج ، وقد ركب الله تعالى فيكم العقول ونصب لكم الأدلة ومكنكم من النظر وأزاح عللكم ، فما لكم لا تؤمنون إن كنتم مؤمنين بموجب ما ، فإنّ هذا الموجب لا مزيد عليه.

[١٠٧٠] فإن قيل : كيف قال تعالى : (لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ) [الحديد : ١٠] ولم يذكر مع من لا يستوي ، والاستواء لا يتم إلا بذكر اثنين ، كقوله تعالى : (قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ) [المائدة : ١٠٠] (لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ) [الحشر : ٢٠٠]؟

قلنا : هو محذوف تقديره : ومن أنفق وقاتل من بعد الفتح ، وإنّما حذف لدلالة ما بعده عليه.

[١٠٧١] فإن قيل : كيف يقال إن أعلى الدرجات بعد درجة الأنبياء درجة الصديقين ، والله تعالى قد حكم لكل مؤمن بكونه صدّيقا بقوله تعالى : (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ) [الحديد : ١٩]؟

قلنا : قال ابن مسعود ومجاهد : كل مؤمن صديق.

الثاني : أن الصديق هو كثير الصدق ، وهو الذي كل أقواله وأفعاله وأحواله صدق ، فعلى هذا يكون المراد به بعض المؤمنين لا كلهم. وقد روي عن الضحاك أنها نزلت في ثمانية نفر سبقوا أهل الأرض في زمانهم إلى الإسلام ، وهم أبو بكر وعثمان وعلي وحمزة بن عبد المطلب وطلحة والزبير وسعد وزيد ، وألحق بهم عمر رضي الله عنهم فصاروا تسعة.

٣١٥

[١٠٧٢] فإن قيل : كيف ذكر سبحانه هؤلاء المذكورين بكونهم شهداء ومنهم من لم يقتل؟

قلنا : معناه أن لهم أجر الشهداء.

الثاني : أنه جمع شهيد بمعنى شاهد ، فمعناه أنهم شاهدون عند ربهم على أنفسهم بالإيمان.

الثالث : أنه مبتدأ منقطع عما قبله لا معطوف عليه ؛ معناه : والشّهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم.

[١٠٧٣] فإن قيل : كيف قال تعالى : (سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) [الحديد : ٢١] والمسابقة من المفاعلة التي لا تكون إلا بين اثنين كقولك : سابق زيد عمرا؟

قلنا : قيل معناه سارعوا مسارعة المسابقين لأقرانهم في الميدان ، ويؤيد هذا القول مجيئه بلفظ المسارعة في سورة آل عمران. وقيل : سابقوا ملك الموت قبل أن يقطعكم بالموت عن الأعمال التي توصلكم إلى الجنة. وقيل : سابقوا إبليس قبل أن يصدكم بغروره وخداعه عن ذلك.

[١٠٧٤] فإن قيل : كيف قال تعالى : (وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ) [الحديد : ٢١] وقال تعالى ، في سورة آل عمران : (وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ) [النساء : ١٣٣] فكيف يكون عرضها كعرض السماء الواحدة وكعرض السموات السبع؟

قلنا : المراد بالسماء جنس السموات لا سماء واحدة ، كما أن المراد بالأرض في الآيتين جنس الأرضين ، فصار التشبيه في الآيتين بعرض السموات السبع والأرضين السبع.

[١٠٧٥] فإن قيل : كيف قال تعالى : (لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ) [الحديد : ٢٣] ولا أحد يملك نفسه عند مضرة تناله أن لا يحزن ، ولا عند منفعة تناله أن لا يفرح ، وليرجع كل واحد منا في ذلك إلى نفسه؟

قلنا : ليس المراد بذلك الحزن والفرح الذي لا ينفك عنه الإنسان بطبعه قسرا وقهرا ؛ بل المراد به الحزن المخرج لصاحبه إلى الذهول عن الصبر والتسليم لأمر الله تعالى ورجاء ثواب الصابرين ، والفرح المطغي الملهي عن الشكر ، نعوذ بالله منهما.

[١٠٧٦] فإن قيل : كيف قال تعالى : (وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ) [الحديد : ٢٥] ، والميزان لم ينزل من السماء؟

قلنا : قيل المراد بالميزان هنا العدل. وقيل العقل : وقيل السلسلة التي أنزلها الله تعالى على داود عليه‌السلام. وقيل : هو الميزان المعروف أنزله جبريل فدفعه إلى نوح عليه‌السلام وقال له : مر قومك يزنوا به.

٣١٦

[١٠٧٧] فإن قيل : كيف قال تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ) [الحديد : ٢٨] ؛ مع أن المؤمنين مؤمنون برسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم؟

قلنا : معناه يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى عليهما‌السلام آمنوا بمحمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فيكون خطابا لليهود والنصارى خاصة ، وعليه الأكثرون. وقيل معناه : يا أيها الذين آمنوا يوم الميثاق اتقوا الله وآمنوا برسوله اليوم. وقيل معناه : يا أيها الذين آمنوا بالله في العلانية باللسان اتقوا الله وآمنوا برسوله في السر بتصديق القلب.

٣١٧

سورة المجادلة

[١٠٧٨] فإن قيل : لأي معنى خصّ الله تعالى الثّلاثة والخمسة بالذّكر في النجوى ، دون غيرهما من الأعداد ، في قوله تعالى : (ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ) [المجادلة : ٧] الآية؟

قلنا : لأنّ قوما من المنافقين تخلفوا للتناجي على هذين العددين مغايظة للمؤمنين ، فنزلت الآية على صفة حالهم تعريضا بهم وتسميعا لهم وزيد فيها ما يتناول كل متناجيين غير تلك الطائفتين ، وهو قوله تعالى : (وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ) [المجادلة : ٧].

[١٠٧٩] فإن قيل : ما فائدة قوله تعالى : (وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) [المجادلة : ١٤]؟

قلنا : فائدته الإخبار عن المنافقين أنهم يحلفون على أنهم ما سبوا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأصحابه مع اليهود كاذبين متعمدين للكذب فهي اليمين الغموس ، فكان ذلك نهاية في بيان ذمهم.

٣١٨

سورة الحشر

[١٠٨٠] فإن قيل : كيف قال تعالى : (وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ) [الحشر : ٩] والإيمان ليس مكانا يتبوأ لأنّ معنى التبوء اتخاذ المكان منزلا؟

قلنا : فيه إضمار تقديره : وأخلصوا الإيمان ، كقول الشاعر :

علفتها تبنا وماء باردا

أي وسقيتها ماء باردا.

الثاني : أنّه على ظاهره بغير إضمار ولكنه مجاز ، فمعناه أنهم جعلوا الإيمان مستقرا وموطنا لتمكنهم منه واستقامتهم عليه ، كما جعلوا دار الهجرة كذلك وهي المدينة.

[١٠٨١] فإن قيل : كيف قال تعالى : (وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ) [الحشر : ١٢] بعد الإخبار بأنهم لا ينصرونهم وحرف الشرط إنما يدخل على ما يحتمل وجوده وعدمه.

قلنا : معناه : ولئن نصروهم على الفرض والتقدير كقوله تعالى للنّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) [الزمر : ٦٥] وقوله تعالى : (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتا) [الأنبياء : ٢٢] والله تعالى كما يعلم ما يكون قبل كونه ، فهو يعلم ما لا يكون أن لو كان كيف يكون.

[١٠٨٢] فإن قيل : ما معنى قوله تعالى للمؤمنين : (لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللهِ) [الحشر : ١٣] ، أي في صدور المنافقين أو اليهود على اختلاف القولين ، وظاهره لأنتم أشدّ خوفا من الله ؛ فإن كان «من» متعلقا بأشد لزم ثبوت الخوف لله

__________________

[١٠٨٠] تمام البيت :

علفتها تبنا وماء باردا

حتى شتت همّالة عيناها

وهو في خزانة الأدب : ١ / ٤٩٩.

ولعلّ أوّل من استشهد بهذا البيت الفرّاء ، وعنه نقل غيره. فقد أورده الفرّاء في معاني القرآن مرّة في الجزء الأول ص ١٤ ، وقال هناك : «وأنشدني بعض بني أسد يصف فرسه» ثم ذكر البيت ولم يسم قائله. وذكره مرة أخرى في الجزء الثالث ص ١٢٤ ، وقال : «وأنشدني بعض بني دبير» ثم ذكر البيت.

٣١٩

تعالى ، كما تقول : زيد أشدّ خوفا في الدار من عمرو ، وذلك محال ، وإن كان من الله متعلقا بالخوف فأين الذي فضل عليه المخاطبون ، وأيضا فإن الآية تقتضي إثبات زيادة الخوف للمؤمنين ؛ وليس المراد ذلك باتفاق المفسرين؟

قلنا : رهبة مصدر رهب مبنيا لما لم يسم فاعله ، فكأنه قيل أشد مرهوبية ، يعني أنكم في صدورهم أهيب من الله فيها ، كذا فسره ابن عباس رضي الله عنهما ، ونظيره قولك : زيد أشد ضربا في الدار من عمرو ، يعني مضروبية.

[١٠٨٣] فإن قيل : كيف يستقيم التفضيل بأشدية الرّهبة ، مع أنّهم كانوا لا يرهبون الله ، لأنهم لو رهبوه لتركوا النفاق والكفر؟

قلنا : معناه أن رهبتهم في السر منكم أشدّ من رهبتهم من الله التي يظهرونها لكم ، وكانوا يظهرون للمؤمنين رهبة شديدة من الله تعالى.

[١٠٨٤] فإن قيل : كيف قال إبليس : (إِنِّي أَخافُ اللهَ) [الحشر : ١٦] وهو لا يخاف الله تعالى ؛ لأنه لو خافه لما خالفه ثم أضل عبيده؟

قلنا : قد سبق هذا السؤال وجوابه في سورة الأنفال.

[١٠٨٥] فإن قيل : ما فائدة تنكير النفس والغد في قوله تعالى : (وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ) [الحشر : ١٨]؟

قلنا : أما تنكير النفس فلاستقلال الأنفس النواظر فيما قدمت للآخرة كأنه قال : ولتنظر نفس واحدة في ذلك ، وأين تلك النفس. وأما تنكير الغد فلعظمته وإبهام أمره كأنه قال لغد لا يعرف كنهه لعظمه.

[١٠٨٦] فإن قيل : كيف قال تعالى : (لِغَدٍ) [الحشر : ١٨] وأراد به يوم القيامة ، والغد عبارة عن يوم بينه وبيننا ليلة واحدة؟

قلنا : الغد له مفهومان : أحدهما ما ذكرتم. والثاني مطلق الزمان المستقبل ، ومنه قول الشاعر :

وأعلم ما في اليوم والأمس قبله

ولكنّني عن علم ما في غد عمي

وأراد به مطلق الزّمان المستقبل ، كما أراد بالأمس مطلق الزمان الماضي ؛ فصار لكل واحد منهما مفهومان. ويؤيده أيضا قوله تعالى : (كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ) [يونس : ٢٤] وقيل إنما أطلق على يوم القيامة اسم الغد تقريبا له كقوله تعالى : (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ) [القمر : ١] وهو قوله تعالى : (وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ) [النحل :

__________________

[١٠٨٦] البيت لزهير بن أبي سلمى ، وهو في ديوانه : ٣٥.

٣٢٠