أسئلة القرآن المجيد وأجوبتها

محمّد بن أبي بكر بن عبدالقادر الرازي

أسئلة القرآن المجيد وأجوبتها

المؤلف:

محمّد بن أبي بكر بن عبدالقادر الرازي


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: المكتبة العصريّة
الطبعة: ١
ISBN: 9953-34-026-9
الصفحات: ٤٠٨

قلنا : يجوز أن يكون قد أجاب دعوتها ودعوة أبيها لوجه الله تعالى على سبيل البر والمعروف ابتداء لا على سبيل الإجزاء وإن سمته هي إجزاء ، ويؤيد هذا ما روي أنه لما قدم إليه الطعام امتنع وقال : إنا أهل بيت لا نبيع ديننا بطلاع الأرض ذهبا ، ولا نأخذ على المعروف أجرا حتى قال له شعيب عليه‌السلام : هذه عادتنا مع كل من ينزل بنا.

[٨١٨] فإن قيل : كيف قال له شعيب عليه‌السلام : (إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ) [القصص : ٢٧] ومثل هذا النكاح لا يصح لجهالة المنكوح ، والنبي عليه‌السلام لا ينكح نكاحا فاسدا ، ولا يعتد به؟

قلنا : إنما كان ذلك وعدا بنكاح معينة عند الواعد وإن كانت مجهولة عند الموعود ومثله جائز ، ويكون التعيين عند إنجاز الوعد كما وقع منه.

[٨١٩] فإن قيل : كيف قال تعالى هنا (وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ) [القصص : ٣٢] فجعل الجناح هنا مضموما وقال في سورة طه (وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ) [طه : ٢٢] فجعل الجناح هناك مضموما إليه والقصة واحدة؟

قلنا : المراد بالجناح المضموم هنا هو اليد اليمنى ، والمراد بالجناح المضموم إليه في سورة طه ما بين العضد إلى الإبط من اليد اليسرى فلا تناقض بينهما.

[٨٢٠] فإن قيل : ما معنى قوله تعالى : (وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ)؟

قلنا : لما رهب من الحية أمره الله تعالى أن يضم إليه جناحه ليذهب عنه الفزع ، وإنما قال تعالى : (مِنَ الرَّهْبِ) ؛ لأنه جعل الرهب الذي أصابه علة وسببا لما أمر به من ضم الجناح. قال مجاهد : كل من فزع من شيء فضم جناحه إليه ذهب عنه الفزع. وقيل : حقيقة ضم الجناح غير مرادة ؛ بل هو مجاز عن تسكين الروع وتثبيت

__________________

[٨٢٠] أبو علي : لعلّ المراد هو أبو علي الفارسي أو هو إسماعيل بن القاسم بن عيذون بن هارون بن عيسى بن محمد بن سليمان ، أبو علي القالي ، حافظ للغة والشعر والأدب. ولد في منازجرد سنة ٢٨٨ ه‍. رحل إلى العراق ، ودرس في بغداد ، وأقام بها ربع قرن. ثم ، رحل إلى المغرب سنة ٣٢٨ ه‍ ، ودخل الأندلس واستوطنها على أيام عبد الرحمن الناصر. توفي بقرطبة سنة ٣٥٦ ه‍. من مؤلفاته : النوادر (وهو المعروف بأمالي القالي) ، البارع ، المقصور ، والممدود والمهموز ، الأمثال ، الخ.

ـ هذا الشطر من جملة أبيات تمثّل بها أمير المؤمنين علي ليلة ضربه ابن ملجم ـ عليه لعنة الله ـ بالسّيف غدرا. وتمام البيت :

اشدد حيازيمك للمو

ت فإن الموت لاقيك

وبعده :

ولا تجزع من المو

ت إذا حلّ بناديك

٢٤١

الجأش. قال أبو علي : لم يرد به الضم بين شيئين ، وإنما أمر بالعزم والجد في الإتيان بما طلب منه ، ومثله قولهم :

اشدد حيازيمك للموت

 .......................

فليس فيه شد حقيقة.

وقيل : في الآية تقديم وتأخير تقديره : ولّى مدبرا من الرّهب.

[٨٢١] فإن قيل : أيّ فائدة في تصديق هارون لموسى عليهما‌السلام ؛ حتّى قال : (فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي) [القصص : ٣٤]؟

قلنا : ليس مراده بقوله ردءا يصدقني أن يقول له صدقت في دعوى الرسالة فإن ذلك لا يفيده عند فرعون وقومه الذين كانوا لا يصدقونه مع وجود تلك الآية الباهرة والمعجزات الظاهرة ؛ بل مراده أن يلخص حججه بلسانه ، ويبسط القول فيها ببيانه ، ويجادل عنه بالحق ، فيكون ذلك سببا لتصديقه. ألا ترى إلى قوله : (وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي) [القصص : ٣٤]. وفضل الفصاحة إنما يحتاج إليه لما قلنا لا لقوله صدقت ، فإن سحبان وائل وباقلا في ذلك سواء.

[٨٢٢] فإن قيل : قوله تعالى : (وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ) [القصص : ٤٤] أي أحكمنا إليه الوحي مغن عن قوله تعالى : (وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ) [القصص : ٤٤] أي من الحاضرين عند ذلك؟

قلنا : معناه وما كنت من الشاهدين قصته مع شعيب عليه‌السلام فاختلفت القضيتان.

[٨٢٣] فإن قيل : كيف قال تعالى : (إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) [القصص : ٥٠] وكم رأينا من الظالمين بالكفر والكبائر من قد هداه الله للإسلام والتوبة؟

قلنا : قد سبق مثل هذا السؤال وجوابه في سورة المائدة.

[٨٢٤] فإن قيل : كيف قال تعالى : (وَرَأَوُا الْعَذابَ لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ) [القصص : ٦٤] وإنما يرى العذاب من كان ضالا لا مهتديا.

قلنا : جواب لو محذوف تقديره ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون لما اتبعوهم أو لما رأوا العذاب.

[٨٢٥] فإن قيل : كيف قال تعالى في آخر آية الليل (بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ) [القصص : ٧١] وقال في آخر آية النهار (بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ) [القصص : ٧٢]؟

قلنا : السماع والإبصار المذكوران لا تعلق لهما بظلمة الليل ولا بضياء النهار ، فلذلك لم يقرن الإبصار بالضياء ؛ وبيانه أن معنى الآيتين أفلا يسمعون القرآن سماع

٢٤٢

تأمل وتدبر فيستدلوا بما فيه من الحجج على توحيد الله تعالى ، أفلا تبصرون ما أنتم عليه من الخطأ والضلالة.

[٨٢٦] فإن قيل : كيف وجه صحة الاستثناء في قوله تعالى : (إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ) [القصص : ٨٦]؟

قلنا : قال الفراء : هو استثناء منقطع تقديره رحمة من ربك ، أي للرحمة.

٢٤٣

سورة العنكبوت

[٨٢٧] فإن قيل : قال تعالى : (وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ) [العنكبوت : ١٢] ثم قال : (وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالاً مَعَ أَثْقالِهِمْ) [العنكبوت : ١٣]؟

قلنا : معناه وما الكافرون بحاملين شيئا من خطايا المؤمنين التي ضمنوا حملها ، وليحملن الكافرون أثقال أنفسهم وهي ذنوب ضلالهم ، وأثقالا مع أثقالهم وهى ذنوب إضلالهم غيرهم من الكفار ، لا خطايا المؤمنين التي نفى عنهم حملها ؛ وقد سبق نظير هذا في قوله تعالى : (وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) [الأنعام : ١٦٤] في سورة الأنعام وفي سورة بني إسرائيل.

[٨٢٨] فإن قيل : ما فائدة العدول عن قوله «تسعمائة وخمسين عاما» إلى قوله : (أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً) [العنكبوت : ١٤] مع أن عادة أهل الحساب هو اللفظ الأول؟

قلنا : لما كانت القصة مسوقة لتسلية النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بذكر ما ابتلي به نوح عليه‌السلام من أمّته وكابده من طول مصابرتهم ، كان ذكر أقصى العدد الذي لا عقد أكثر منه في مراتب العدد أفخم وأعظم إلى الغرض المقصود ، وهو استطالة السامع مدة صبره. وفيه فائدة أخرى وهي نفي وهم إرادة المجاز بإطلاق لفظ التسعمائة والخمسين على أكثرها ، فإن هذا الوهم مع ذكر الألف والاستثناء منتف أو هو أبعد.

[٨٢٩] فإن قيل : كيف جاء المميز أولا بلفظ السنة والثاني بلفظ العام؟

قلنا : لأن تكرار اللفظ الواحد مجتنب في مذهب الفصحاء والبلغاء إلا أن يكون لغرض تفخيم أو تهويل أو تنويه أو نحو ذلك.

[٨٣٠] فإن قيل : كيف نكر الرزق ثم عرفه في قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ) [العنكبوت : ١٧]؟

قلنا : لأنه أراد أنهم لا يستطيعون أن يرزقوكم شيئا من الرزق فابتغوا عند الله الرزق كله ، فإنه هو الرازق وحده لا يرزق غيره.

[٨٣١] فإن قيل : كيف أضمر اسمه تعالى في قوله عزوجل : (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ) [العنكبوت : ٢٠] ثم أظهره في قوله تعالى : (ثُمَّ اللهُ

٢٤٤

يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ) [العنكبوت : ٢٠] وكان القياس كيف بدأ الله الخلق ثم ينشئ النشأة الآخرة؟

قلنا : إنما عدل إلى ما ذكر لتأكيد الإخبار عن الإعادة التي كانت هي المنكرة عندهم بالإفصاح باسمه تعالى في ذكرها وجعله مبتدأ لزيادة الاهتمام بشأنها؟

[٨٣٢] فإن قيل : كيف قال تعالى : (وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا) [العنكبوت : ٢٧] في معرض المدح أو في معرض الامتنان عليه ، وأجر الدنيا فإن منقطع ، بخلاف أجر الآخرة فإنه النعيم المقيم الباقي ، فكان الأولى بالذكر؟

قلنا : المراد به : وآتيناه أجره في الدنيا مضموما إلى أجره في الآخرة من غير أن ينقص من أجر الآخرة شيئا. قال ابن جرير : وإليه الإشارة بقوله تعالى : (وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) [العنكبوت : ٢٧] يعني له في الآخرة جزاء الصالحين وافيا كاملا. وأجره في الدنيا ، قيل : هو الثناء الحسن من الناس والمحبة من أهل الأديان. وقيل : هي البركة التي بارك الله فيه وفي ذريته.

[٨٣٣] فإن قيل : كيف قالوا : (إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ) [العنكبوت : ٣١] يعنون مدينة قوم لوط عليه‌السلام ، ولم يقولوا تلك القرية ، مع أن مدينة قوم لوط كانت بعيدة عن موضع إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه ، غائبة عند وقت هذا الخطاب؟

قلنا : إنما قالوا هذه القرية لأنها كانت قريبة حاضرة بالنسبة إليهم وإن كانت بعيدة بالنسبة إلى إبراهيم عليه‌السلام.

[٨٣٤] فإن قيل : كيف قالوا : (أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ) [العنكبوت : ٣١] ولم يقولوا أهل هذه القرى؟ مع أن مدائن قوم لوط كانت خمسا فأهلكوا منها أربعا؟

قلنا : إنما اقتصروا في الذكر على قرية واحدة لأنها كانت أكبر وأقرب وهي سدوم مدينة لوط عليه‌السلام ، فجعلوا ما وراءها تبعا لها في الذكر.

[٨٣٥] فإن قيل : كيف قال الله تعالى : (وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ) [العنكبوت : ٣٨] أي ذوي بصائر ، يقال فلان مستبصر : إذا كان عاقلا لبيبا صحيح النظر ، ولو كانوا كذلك لما عدلوا عن طريق الهدى إلى طريق الضلال؟

قلنا : معناه وكانوا مستبصرين في أمور الدنيا ، وقيل : معناه وكانوا عارفين الحق بوضوح الحجج والدلائل ؛ ولكنهم كانوا ينكرونه متابعة للهوى ؛ لقوله تعالى : (وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا) [النمل : ١٤]. وقيل : معناه وكانوا مستبصرين لو نظروا نظر تدبر وتفكر.

٢٤٥

[٨٣٦] فإن قيل : كيف قال تعالى : (وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ) [العنكبوت : ٤١] وكل أحد يعلم أن أضعف بيوت يتخذها الهوام بيت العنكبوت؟

قلنا : معناه لو كانوا يعلمون أن اتخاذهم الأصنام أولياء من دون الله مثل اتخاذ العنكبوت بيتا لما اتخذوها.

[٨٣٧] فإن قيل : كيف قال تعالى : (وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) [العنكبوت : ٤٦] وكل أهل الكتاب ظالمون ؛ لأنهم كافرون ، ولا ظلم أشد من الكفر ، ويؤيده قوله تعالى : (وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ) [البقرة : ٢٥٤].

قلنا : المراد بالظلم هنا الامتناع عن قبول عقد الذمة وأداء الجزية أو نقض العهد بعد قبوله.

الثاني : أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى : (قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ) [التوبة : ٢٩] الآية.

[٨٣٨] فإن قيل : ما فائدة قوله تعالى : (وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ) [٤٨]؟

قلنا : فائدته تأكيد النفي ، كما يقال في الإثبات للتأكيد. هذا الكتاب مما كتبه فلان بيده وبيمينه ، ورأيت فلانا بعيني ، وسمعت هذا الحديث بأذني ونحو ذلك.

[٨٣٩] فإن قيل : كيف لم يؤكد سبحانه وتعالى في التلاوة ولم يقل وما كنت تتلو من قبله من كتاب بلسانك؟

قلنا : الأصل في الكلام عدم الزيادة ، وكل ما جاء على الأصل لا يحتاج إلى العلة ؛ إنما يحتاج إلى العلة ما جاء على خلاف الأصل.

[٨٤٠] فإن قيل : كيف قال تعالى : (وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) [العنكبوت : ٦٩] ومعلوم أن المجاهدة في دين الله تعالى أو في حقّ الله تعالى مع النفس الأمارة بالسوء أو مع الشيطان أو مع أعداء الدين ؛ كل ذلك إنما يكون بعد تقدم الهداية من الله تعالى ، فكيف جعل الهداية من ثمرات المجاهدة؟

قلنا : معناه والذين جاهدوا في طلب التعلم لنهدينهم سبلنا بمعرفة الأحكام وحقائقها. وقيل : معناه لنهدينهم طريق الجنة. وقيل : معناه والذين جاهدوا لتحصيل درجة لنهدينّهم إلى درجة أخرى أعلى منها. وحاصله : لنزيدنهم هداية وتوفيقا للخيرات كقوله تعالى : (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً) [محمد : ١٧] وقوله تعالى : (وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً) [مريم : ٧٦]. وقال أبو سليمان الداراني رحمة الله عليه : معناه والذين جاهدوا فيما علموا لنهدينهم إلى ما لم يعلموا. وعن بعض الحكماء : من عمل بما علم وفق لما لا يعلم. وقيل : إن الذي نرى من جهلنا بما لا نعلم هو من تقصيرنا فيما نعلم.

٢٤٦

سورة الروم

[٨٤١] فإن قيل : كيف ذكر الضمير في قوله تعالى : (وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) [الروم : ٢٧] ، والمراد به الإعادة لسبق قوله : (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ) [الروم : ٢٧]؟

قلنا : معناه ورجعه أو وردّه أهون عليه ، فأعاد الضمير على المعنى لا على اللفظ ، كما في قوله تعالى : (لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً) [الفرقان : ٤٩] أي بلدا أو مكانا.

[٨٤٢] فإن قيل : كيف أخرت الصلة في قوله تعالى : (وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) [الروم : ٢٧] وقدمت في قوله تعالى : (هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ) [مريم : ٢١]؟

قلنا : لأنّ هناك قصد الاختصاص وهو يحسن الكلام ، فقيل هو عليّ هين وإن كان مستصعبا عندكم أن يولد بين همّ وعاقر ، وأما هنا فلا معنى للاختصاص فجرى على أصله ، والأمر مبني على ما يعقل الناس من أن الإعادة أسهل من الابتداء ، فلو قدمت الصلة لتغير المعنى.

[٨٤٣] فإن قيل : كيف قال تعالى : (وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) [الروم : ٢٧] ، والأفعال كلها بالنسبة إلى قدرة الله تعالى في السهولة سواء ، وإنما تتفاوت في السهولة والصعوبة بالنسبة إلى قدرتنا؟

قلنا : معناه وهو هين عليه ، وقد جاء في كلام العرب أفعل بمعنى اسم الفاعل من غير تفضيل ، ومنه قولهم في الأذان الله أكبر ، أي الله كبير في قول بعضهم ، وقال الفرزدق :

إنّ الّذي سمك السماء بنى لنا

بيتا دعائمه أعزّ وأطول

أي عزيزة طويلة ، وقال معن بن أوس المزني :

لعمرك ما أدري وإني لأوجل

على أيّنا تعدو المنية أوّل

__________________

[٨٤٣] البيت في ديوان الفرزدق : ٤٨٩.

ـ سمك : أي رفع.

ـ البيت الثاني في ديوان معن بن أوس المزني : ٩٣.

ـ البيت الثالث للأحوص. انظر مجموع شعره ص : ١٥٢.

ـ البيت الرابع لم نقف على نسبته.

٢٤٧

أي وإني لوجل. وقال آخر :

أصبحت أمنحك الصّدود وإنّني

قسما إليك مع الصّدود لأميل

أي لمائل ، وقال آخر :

تمنّى رجال أن أموت وإن أمت

فتلك سبيل لست فيها بأوحد

أي بواحد.

الثاني : أن معناه ، وهو أهون عليه في تقديركم وحكمكم ؛ لأنكم تزعمون وتعتقدون فيما بينكم أن الإعادة أهون من الابتداء ، كيف وأن الابتداء من ماء والإعادة من تراب ، وتركيب الصورة من التراب أهون عندكم.

الثالث : أن الضمير في قوله تعالى : (وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) [الروم : ٢٧] راجع إلى المخلوق لا إلى الله تعالى ، معناه : أنه لا صعوبة على المخلوق فيه ولا إبطاء ؛ لأنه يعاد دفعة واحدة بقوله تعالى : (كُنْ فَيَكُونُ) [يس : ٨٢] وفي الابتداء خلق نطفة ، ثم نقل إلى مضغة ، ثم إلى عظام ، ثم إلى كسوة اللحم.

الرابع : أن الابتداء من قبيل التفضل الذي لا مقتضي لوجوبه ، والإعادة من قبيل الواجب ؛ لأنها لا بدّ منها لجزاء الأعمال. وجزاؤها واجب بحكم وعده سبحانه وتعالى.

[٨٤٤] فإن قيل : ما معنى قوله : (وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً) [الروم : ٣٩] ، الآية ؛ على اختلاف القراءتين بالمد والقصر.

قلنا : قال الحسن رحمه‌الله : المراد به الربا المحرم والخطاب لدافعي الربا لا لآخذيه. معناه : وما أعطيتم أكلة الربا من زيادة لتربو وتزكو في أموالهم فلا تزكو عند الله ولا يبارك فيها ، ونظيره قوله تعالى : (يَمْحَقُ اللهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ) [البقرة : ٢٧٦] لا فرق بينهما. وقال ابن عباس رضي الله عنهما والجمهور : المراد به أن يهب الرجل غيره هبة أو يهدي إليه هدية على قصد أن يعوّضه أكثر منها. وقالوا : وليس في ذلك أجر ولا وزر ، وإنما سماه ربا لأنه مدفوع لاجتلاب الربا وهو الزيادة فكان سببا لها فسمي باسمها ، ومعنى قراءة المد ظاهر ، وأما قراءة القصر فمعناها : وما جئتم ، أي وما فعلتم من إعطاء ربا ، كما تقول أتيت خطأ وأتيت صوابا ، أي فعلت ؛ وقوله تعالى : (فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ) [الروم : ٣٩] أي ذوو الأضعاف من الحسنات ، وهو التفات عن الخطاب إلى الغيبة.

[٨٤٥] فإن قيل : ما فائدة قوله تعالى : (مِنْ قَبْلِهِ) [الروم : ٤٩] بعد قوله تعالى : (مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ) [الروم : ٤٩]؟

قلنا : فائدته التأكيد كما في قوله تعالى : (فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ)

٢٤٨

[الحجر : ٣٠]. وقيل : الضمير لإرسال الرياح أو السحاب فلا تكرار.

[٨٤٦] فإن قيل : كيف قال تعالى : (اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ) [الروم : ٥٤] والضعف صفة الشيء الضعيف ، فكيف يخلق الإنسان من تلك الصفة ؛ مع علمنا أنه خلق من عين وهو الماء أو التراب لا من صفة.

قلنا : أطلق المصدر وهو الضعف ، وأراد به اسم الفاعل وهو الضعيف كقولهم رجل عدل ، أي عادل ونحوه ؛ فمعناه من ضعيف وهو النطفة. وقيل : معناه على ضعف ، فمن بمعنى على ، كما في قوله تعالى : (وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا) [الأنبياء : ٧٧] والمراد به ضعف جثة الطفل حال طفوليته.

[٨٤٧] فإن قيل : كيف قال تعالى : (لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ) [الروم : ٥٦] وهم إنما لبثوا في الأرض في قبورهم؟

قلنا : معناه لقد لبثتم في قبوركم على ما في علم كتاب الله أو في خبر كتاب الله. وقيل : معناه في قضاء الله. وقيل : فيه تقديم وتأخير تقديره : وقال الذين أوتوا العلم في كتاب الله الذين علموه وفهموه ، وذلك كقوله تعالى : (وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) [المؤمنون : ١٠٠].

[٨٤٨] فإن قيل : كيف قال تعالى هنا (وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ) [الروم : ٥٧] وقال في موضع آخر (وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ) [فصلت : ٢٤] فجعلهم مرّة طالبين الإعتاب ومرة مطلوبا منهم الإعتاب؟

قلنا : معنى قوله تعالى : (وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ) [الروم : ٥٧] أي ولا هم يقالون عثراتهم بالرد إلى الدنيا ، ومعنى قوله تعالى : (وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ) [فصلت : ٢٤] ، أي وإن يستقيلوا فما هم من المقالين ، هذا ملخص الجواب وحاصله ، وقد أوضحنا معناه في شرح غريب القرآن.

٢٤٩

سورة لقمان

[٨٤٩] فإن قيل : كيف يحل الغناء بعد قوله : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ) [لقمان : ٦] الآية ، وقد قال الواحدي في تفسير وسيطه : أكثر المفسرين على أن المراد بلهو الحديث الغناء. وروى هو أيضا عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه قال : «والّذي نفسي بيده ما رفع رجل قطّ عقيرته يتغنّى إلّا ارتدّ فيه شيطانان يضربان بأرجلهما على ظهره وصدره حتّى يسكت». وقال سعيد بن جبير ومجاهد وابن مسعود رضي الله عنهم : لهو الحديث هو والله الغناء واشتراء المغني والمغنية بالمال. وروى أيضا حديثا آخر عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم مسندا «أنه قال في هذه الآية : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ) [لقمان : ٦] اللّعب والباطل كثير النفقة سمح فيه ؛ لا تطيب نفسه بدرهم يتصدّق به».

وروى أيضا حديثا آخر مسندا عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه قال : «من ملأ سمعه من غناء لم يؤذن له أن يسمع صوت الرّوحانيين يوم القيامة. قيل : وما الرّوحانيون؟ قال : قرّاء أهل الجنّة».

قال أهل المعاني : ويدخل في هذا كلّ من اختار اللهو واللعب والمزامير والمعازف على القرآن وإن كان اللفظ ورد بالاشتراء ، لأنّ هذا اللفظ يذكر في الاستبدال والاختيار كثيرا. وقال قتادة رحمه‌الله : حسب المرء من الضلالة أن يختار حديث الباطل على حديث الحق. هذا كله نقله الواحدي رحمه‌الله ، وكان من كبار السلف في العلم والعمل.

وقال غيره : قال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة وقتادة : المراد بلهو الحديث الغناء. وعن الحسن رحمه‌الله تعالى أنه كل ما ألهى عن الله تعالى. وفي معنى يشتري قولان : أحدهما : أنه الشراء بالمال. والثاني ، أنه الاختيار كما مرّ.

وقيل : الغناء منفدة للمال ، مفسدة للقلب ، مسخطة للرب.

قلنا : جوابه أنهم يؤولون هذه الآية ونظائرها ، وهذه الأحاديث ونظائرها ، فيصرفونها عن ظاهرها متابعة للهوى وميلا إلى الشهوات ، ولو نظروا بعقولهم فيما ينشأ عن جمعيات السماع في زماننا هذا من المفاسد لعلموا حرمته بلا خلاف بين المسلمين ، فإن شروط إباحة السماع عند من أباحه لا تجتمع في زماننا هذا على ما هو

٢٥٠

مسطور في كتب المشايخ وأرباب الطريق ، ولو اشتغلنا بتفصيل مفاسده وعدد شروطه عند من أباحه لخرجنا عن مقصود كتابنا هذا.

[٨٥٠] فإن قيل : كيف وقع قوله تعالى : (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ) [لقمان : ١٤] الآيتين ، في أثناء وصية لقمان لابنه ، وما الجامع بينهما؟

قلنا : هي جملة وقعت معترضة على سبيل الاستطراد تأكيدا لما في وصية لقمان من النهي عن الشرك.

[٨٥١] فإن قيل : قوله تعالى : (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ) [لقمان : ١٤] كيف اعترض بين الوصية ومفعولها؟

قلنا : لما وصّى بالوالدين ذكر ما تكابده الأم خاصة وتعانيه من المشاق والمتاعب تخصيصا لها بتأكيد الوصية وتذكير تعظيم حقها بإفرادها بالذّكر ، ومن هنا قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لمن قال له : من أبر؟ قال : «أمّك ثمّ أمّك ثمّ أمّك» ، ثم قال بعد ذلك «ثمّ أباك».

[٨٥٢] فإن قيل : كيف قال تعالى : (إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ) [لقمان : ١٩] فجمع الأصوات وأفرد صوت الحمير.

قلنا : ليس المراد ذكر صوت كل واحد من آحاد هذا الجنس ، حتّى يجمع ، وإنما المراد أن كل جنس من الحيوان الناطق وغيره له صوت ؛ وأنكر الأصوات من هذه الأجناس صوت هذا الجنس ؛ فوجب إفراده لئلّا يظن أن الاجتماع شرط في ذلك.

[٨٥٣] فإن قيل : قوله تعالى (وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ) [لقمان : ٢٧] يطابقه وما في الأبحر من ماء مداد فكيف عدل عنه إلى قوله : (وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ) [لقمان : ٢٧]؟

قلنا : استغنى عن ذكر المداد بقوله يمده ، لأنه من قولك مد الدواة وأمدها : أي زادها مدادا ، فجعل البحر المحيط بمنزلة الدواة ، والأبحر السبعة مملوءة مدادا تصب فيه أبدا صبا لا ينقطع ، فصار نظير ما ذكرتم ، ونظيره قوله تعالى : (قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي) [الكهف : ١٠٩] الآية.

[٨٥٤] فإن قيل : كيف قال : (مِنْ شَجَرَةٍ) [لقمان : ٢٧] ولم يقل من شجر؟

قلنا : لأنه أراد تفصيل الشجر وتقصيها شجرة شجرة حتى لا يبقى من جنس الشجر شجرة واحدة إلا وقد بريت أقلاما.

__________________

[٨٥١] الحديث في مسند أحمد : ٥ / ٣.

٢٥١

[٨٥٥] فإن قيل : الكلمات جمع قلّة والمقصود التفخيم والتعظيم ، فكان جمع الكثرة وهو الكلم أشد مناسبة؟

قلنا : جمع القلّة هنا أبلغ فيما ذكرتم من المقصود ؛ لأن جمع القلة إذا لم يفن بتلك الأقلام وذلك المداد ، فكيف يفنى جمع الكثرة.

[٨٥٦] فإن قيل : في قوله تعالى : (إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ) [لقمان : ١. ٥ ،] الآية كيف أضاف فيها العلم إلى نفسه في الأمور الثلاثة من الخمسة المغيبات ، ونفى العلم عن العباد في الأمرين الآخرين ، مع أنه الأمور الخمسة سواء في اختصاص الله تعالى بعلمها وانتفاء علم العباد بها؟

قلنا : إنما خص الأمور الثلاثة الأول بالإضافة إليه تعظيما لها وتفخيما ؛ لأنها أجل وأعظم ، وإنما خص الأمرين والآخرين بنفي علميهما عن العباد ، لأنهما من صفاتهم وأحوالهم ، فإذا انتفى علم علمهما كان انتفاء علم ما عداهما من الأمور الخمسة أولى.

[٨٥٧] فإن قيل : كيف قال تعالى : (وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ) [لقمان : ٣٤] ولم يقل بأي وقت تموت وكلاهما غير معلوم ، بل نفي العلم بالزمان أولى ، لأن من الناس من يدّعي علمه وهم المنجمون ، بخلاف المكان فإن أحد لا يدعي علمه؟

قلنا : إنما خص المكان بنفي علمه لوجهين :

أحدهما : أن الكون في مكان دون مكان في وسع الإنسان واختياره ، فيكون اعتقاده علم مكان الموت أقرب بخلاف الزمان.

الثاني : أن للمكان تأثيرا في جنب الصحة والسقم بخلاف الزمان ، أو تأثير المكان في ذلك أكثر.

٢٥٢

سورة السجدة

[٨٥٨] فإن قيل : كيف قال تعالى ، هنا : (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) [السجدة : ٥] ، وقال تعالى ، في سورة المعارج : (تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) [المعارج : ٤]؟

قلنا : المراد بالأول مسافة عروج الملائكة من الأرض إلى السطح الأعلى من سماء الدنيا وذلك ألف سنة ، خمسمائة سنة مسافة ما بين السماء والأرض وخمسمائة سنة مسافة سمك سماء الدنيا ، والمراد بالثاني مسافة عروج الملائكة من الأرض إلى العرش.

الثّاني : أن المراد به في الآيتين يوم القيامة ، ومقداره ألف سنة من حساب أهل الدنيا لقوله تعالى : (وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) [الحج : ٤٧] ومعنى قوله تعالى : (خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) [المعارج : ٤] ، أي لو تولى فيه حساب الخلق غير الله تعالى.

الثّالث : أنه كألف سنة في حقّ عوام المؤمنين ، والخمسين ألف سنة في حق الكافرين لشدة ما يكابدون فيه من الأهوال والمحن ، وكساعة من أيام الدنيا في حق خواص المؤمنين. ويؤيده ما روي أنه قيل : «يا رسول الله يوم مقداره خمسون ألف سنة ما أطوله ، فقال : والذي نفسي بيده ليخفف على المؤمنين حتى يكون عليه أخف من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا». وروي أن ابن عباس رضي الله عنهما سئل عن هاتين الآيتين؟ فقال : يومان ذكرهما الله تعالى في كتابه ، وإني أكره أن أقول في كتاب الله بما لا أعلم.

[٨٥٩] فإن قيل : كيف قال تعالى : (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ) [السجدة : ٧] أو (كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ) [السجدة : ٧] على اختلاف القراءتين ، ومقتضى القراءتين أن لا يكون في مخلوقات الله تعالى شيء قبيح والواقع خلافه ، ولو لم يكن إلا الشرور والمعاصي فإنها مخلوقة لله تعالى عند أهل السنة والجماعة مع أنها قبيحة؟

__________________

[٨٥٩] كلمة الإمام عليّ في نهج البلاغة ، قصار الحكم ، رقم ٨١.

٢٥٣

قلنا : أحسن بمعنى أحكم وأتقن ، وهذا الجواب يعم القراءتين.

الثاني : أن فيه إضمارا تقديره : أحسن إلى كل شيء خلقه.

الثالث : أن أحسن بمعنى علم كما يقال فلان لا يحسن شيئا : أي لا يعلم شيئا.

وقال علي كرّم الله وجهه : «قيمة كلّ امرئ ما يحسنه» ، أي ما يعلمه ؛ فمعناه أنه علم خلق كل شيء ، أو علم كل شيء خلقه ولم يتعلمه من أحد ؛ وهذان الجوابان يخصّان بقراءة فتح اللام.

[٨٦٠] فإن قيل : كيف قال تعالى ، هنا : (مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ) [السجدة : ٨] ، وقال ، في موضع آخر : (مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ) [المؤمنون : ١٢].

قلنا : المذكور هنا صفة ذرية آدم ، والمذكور هناك صفة آدم عليه‌السلام يعلم ذلك من أول الآيتين فلا تنافي.

[٨٦١] فإن قيل : كيف قال. الله تعالى : (وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ) [السجدة : ٩] والله تعالى منزه عن الروح؟

قلنا : معناه نفخ فيه من روح مضافة إلى الله بالخلق والإيجاد لا بوجه آخر.

[٨٦٢] فإن قيل : كيف قال تعالى ، هنا : (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ) [السجدة : ١١] ، وقال تعالى : في موضع آخر : (تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا) [الأنعام : ٦١] ، وقال تعالى : في موضع آخر : (اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها) [الزمر : ٤٢]؟

قلنا : الله تعالى هو المتوفي بخلق الموت وأمر الوسائط بنزع الروح ، والملائكة المتوفون أعوان ملك الموت ، وهم يجذبون الروح من الأظفار إلى الحلقوم ، وملك الموت يتناول الروح من الحلقوم ، فصحت الإضافات كلها.

[٨٦٣] فإن قيل : كيف قال تعالى : (إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّداً) [السجدة : ١٥] الآية ، وليس المؤمنون منحصرين فيمن هو موصوف بهذه الصفة ولا هذه الصفة شرط في تحقق الإيمان؟

قلنا : المراد بقوله تعالى : (ذُكِّرُوا بِها) [السجدة : ١٥] أي وعظوا ، والمراد بالسجود الخشوع والخضوع والتواضع في قبول الموعظة بآيات الله تعالى ، وهذه الصفة شرط في تحقق الإيمان. ونظيره قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً) [الإسراء : ١٠٧] الآية.

الثاني : أن معناه إنما يؤمن بآياتنا إيمانا كاملا من اتصف بهذه الصفة ، وقيل المراد بالآيات فرائض الصلوات الخمس ، والمراد التذكير بها بالأذان والإقامة.

[٨٦٤] فإن قيل : قوله تعالى : (أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ) [السجدة : ١٨] يدل على أن الفاسق لا يكون مؤمنا؟

٢٥٤

قلنا : الفاسق هنا بمعنى الكافر بدليل قوله تعالى بعده (وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ) [السجدة : ٢٠] والتقسيم يقتضي كون الفاسق المذكور هنا كافرا ، لا كون كل فاسق كافرا ، ونظيره قوله تعالى : (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ) [القلم : ٣٥] وقوله تعالى : (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) [الجاثية : ٢١] ولم يلزم من ذلك أن كلّ مجرم كافر ، ولا أن كلّ مسيء كافر.

[٨٦٥] فإن قيل : ما فائدة العدول عن قوله تعالى : (فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ) [الزخرف : ٤١] في قوله تعالى : (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ) [السجدة : ٢٢] الآية؟

قلنا : لما جعله أظلم الظلمة ثم توعد كل المجرمين بالانتقام منه دل على أن الأظلم يصيبه النصيب الأوفر من الانتقام ، ولو قاله بالضمير لم يفد هذه الفائدة.

[٨٦٦] فإن قيل : قوله تعالى : (وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ) [السجدة : ٢٨] سؤال عن وقت الفتح ، وهو يوم القضاء بين المؤمنين والكافرين ، يعني يوم القيامة ، فكيف طابقه ما بعده جوابا؟

قلنا : لما كان سؤالهم سؤال تكذيب واستهزاء بيوم القيامة لا سؤال استفهام أجيبوا بالتهديد المطابق للتكذيب والاستهزاء لا ببيان حقيقة الوقت.

[٨٦٧] فإن قيل : على قول من فسر الفتح بفتح مكة أو بفتح يوم بدر ، كيف وجه الجواب عن قوله : (قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا) [السجدة : ٢٩] الآية ، وقد نفع بعض الكفار إيمانهم في ذينك اليومين وهم الطلقاء الذين آمنوا؟

قلنا : المراد أن المقتولين منهم لا ينفعهم إيمانهم في حال القتل ، كما لم ينفع فرعون إيمانه عند إدراك الغرق.

٢٥٥

سورة الأحزاب

[٨٦٨] فإن قيل : كيف قال تعالى : (يا أَيُّهَا النَّبِيُ) [الأحزاب : ٢٨] ولم يقل يا محمد كما قال تعالى يا موسى ، يا عيسى ، يا داود ونحوه؟

قلنا : إنما عدل عن ندائه باسمه إلى ندائه بالنبي والرسول إجلالا له وتعظيما كما قال تعالى : (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ) [التحريم : ١] (يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ) [المائدة : ٦٧].

[٨٦٩] فإن قيل : لو كان ذلك كما ذكرتم لعدل عن اسمه إلى نعته في الإخبار عنه كما عدل في النداء في قوله تعالى : (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ) [الفتح : ٢٩] وقوله تعالى : (وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ) [آل عمران : ١٤٤].

قلنا : إنما عدل عن نعته في هذين الموضعين لتعليم الناس أنه رسول الله وتلقينهم أن يسموه بذلك ويدعوه به ، ولذلك ذكره بنعته لا باسمه في غير هذين الموضعين من مواضع الإخبار ، كما ذكره في النداء (لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ) [التوبة : ١٢٨] (وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِ) [الفرقان : ٣٠] (لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) [الأحزاب : ٢١] (وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ) [التوبة : ٦٢] (النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) [الأحزاب : ٦] (إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِ) [الأحزاب : ٥٦] (وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالنَّبِيِ) [المائدة : ٨١] ونظائره كثيرة.

[٨٧٠] فإن قيل : ما فائدة ذكر الجوف في قوله تعالى : (ما جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ) [الأحزاب : ٤]؟

قلنا : قد سبق مثل هذا السؤال وجوابه في سورة الحج في قوله تعالى : (وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) [الحج : ٤٦].

[٨٧١] فإن قيل : ما معنى قولهم : أنت عليّ كظهر أمي؟

قلنا : أرادوا أن يقولوا أنت عليّ حرام كبطن أمي ، فكنوا عن البطن بالظهر لئلا يذكروا البطن الذي يقارب ذكره ذكر الفرج ، وإنما كنوا عن البطن بالظهر لوجهين :

أحدهما : أنه عمود البطن ، ويؤيّده قول عمر رضي الله تعالى عنه : «يجيء به أحدهم على عمود بطنه» أي على ظهره.

٢٥٦

الثاني : إتيان المرأة من قبل ظهرها كان محرما عندهم ، وكانوا يعتقدون أنّها إذا أتيت من قبل ظهرها جاء الولد أحول ، فكان المطلق في الجاهلية إذا قصد تغليظ الطلاق قال أنت عليّ كظهر أمي.

[٨٧٢] فإن قيل : كيف قال الله تعالى : (وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ) [الأحزاب : ٣٣] جعل أزواج النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم بمنزلة أمهات المؤمنين حكما ، أي في الحرمة والاحترام وما جعل النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم بمنزلة أبيهم حتى قال تعالى : (ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ) [الأحزاب : ٤٠]؟

قلنا : أراد الله بقوله تبارك وتعالى : (وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ) [الأحزاب : ٦] أن أمته يدعون أزواجه بأشرف الأسماء ، وأشرف أسماء النساء الأمّ وأشرف أسماء النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم رسول الله لا الأب.

الثاني : أنّه تعالى جعلهن أمهات المؤمنين تحريما لهن ، إجلالا وتعظيما له صلى‌الله‌عليه‌وسلم كيلا يطمع أحد في نكاحهن بعده. فلو جعل النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم أبا للمؤمنين لكان أبا للمؤمنات أيضا ، فلم يجعل له نكاح امرأة من المؤمنات ؛ بل يحرمن عليه ، وذلك ينافي إجلاله وتعظيمه. وقد جعله أعظم من الأب في القرب والحرمة بقوله تعالى : (النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) [الأحزاب : ٦] فجعل صلى‌الله‌عليه‌وسلم أقرب إليهم من أنفسهم ، وكثير من الآباء يتبرأ من ابنه ويتبرأ منه ابنه أيضا ، وليس أحد يتبرأ من نفسه.

[٨٧٣] فإن قيل : كيف قدم النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم على نوح ومن بعده في قوله تعالى : (وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ) [الأحزاب : ٧]؟

قلنا : لأن هذا العطف من باب عطف الخاص على العام الذي هو جزء منه لبيان التفضيل والتخصيص بذكر مشاهير الأنبياء وذراريهم ؛ فلما كان النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم أفضل هؤلاء المفضلين قدم عليهم. وفي الميثاق المأخوذ قولان :

أحدهما : أنه تعالى أخذ منهم الميثاق يوم أخذ الميثاق بأن يصدق بعضهم بعضا.

والثاني : أخذ منهم الميثاق أن يوحدوا الله تعالى ويدعوا إلى توحيده ويصدق بعضهم بعضا.

[٨٧٤] فإن قيل : فكيف قدم نوح عليه‌السلام في نظير هذه الآية وهي قوله تعالى : (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ) [الشورى : ١٣]؟

قلنا : لأن تلك الآية سيقت لوصف دين الإسلام بالأصالة والاستقامة ، كأنه قال : شرع لكم الدين الأصيل الذي بعث عليه نوح عليه‌السلام في العهد القديم ، وبعث عليه محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم في العهد الحديث ، وبعث عليه من توسطهما من الأنبياء المشاهير ،

٢٥٧

فكان تقديم نوح عليه‌السلام أشد مناسبة بالمقصود من سوق الآية.

[٨٧٥] فإن قيل : ما فائدة إعادة أخذ الميثاق في قوله تعالى : (وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً) [الأحزاب : ٧]؟

قلنا : فائدته التأكيد ووصف الميثاق المذكور أوّلا بالجلالة والعظم استعاذة من وصف الأجرام به. وقيل : إن المراد بالميثاق الغليظ اليمين بالله تعالى على الوفاء بما حملوا ، فلا إعادة لاختلاف الميثاقين.

[٨٧٦] فإن قيل : كيف قال تعالى وصف حال المؤمنين التي امتن عليهم فيها : (وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ) [الأحزاب : ١٠] ، ولو بلغت القلوب الحناجر لماتوا ولم يبق للامتنان وجه؟

قلنا : قال ابن قتيبة : معناه كادت القلوب تبلغ الحناجر من الخوف ، فهو مثل في اضطراب القلوب ووجيبها. ورده ابن الأنباري فقال : العرب لا تضمن كاد ولا تعرف معناه ما لم تنطق به. وقال الفراء : معناه أنهم جبنوا وجزعوا ، والجبان إذا اشتد خوفه انتفخت رئته فرفعت قلبه إلى حنجرته ، وهي جوف الحلقوم وأقصاه ؛ وكذلك إذا اشتد الغضب أو الغم ، وهذا المعنى مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما ، ومن هنا قيل للجبان : انتفخ منخره.

[٨٧٧] فإن قيل : كيف علّق الله تعالى عذاب المنافقين بمشيئته بقوله تعالى : (وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ) [الأحزاب : ٢٤] وعذابهم متيقن مقطوع به لقوله تعالى : (إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ) [النساء : ١٤٥]؟

قلنا : إن شاء تعذيبهم بإماتتهم على النفاق. وقيل : معناه إن شاء ذلك وقد شاءه.

[٨٧٨] فإن قيل : ما حقيقة قوله تعالى : (لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) [الأحزاب : ٢١]؟

قلنا : فيه وجهان :

أحدهما : أنه نفسه أسوة حسنة ، أي قدوة ، والأسوة اسم للمتأسى به ، أي المقتدى به ، كما تقول : في البيضة عشرون منّا حديدا ، أي هي في نفسها هذا المقدار.

الثاني : أن فيه خصلة من حقها أن يتأسّى بها وتتبع ، وهي مواساته بنفسه أصحابه وصبره على الجهاد وثباته يوم أحد حين كسرت رباعيته وشجّ وجهه.

[٨٧٩] فإن قيل : كيف أظهر تعالى الاسمين ؛ مع تقدم ذكرهما في قوله تعالى : (وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ) [الأحزاب : ٢٢]؟

٢٥٨

قلنا : لئلا يكون الضمير الواحد عائدا على الله تعالى وغيره.

[٨٨٠] فإن قيل : كيف قال تعالى في وصف بني قريظة : (وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها) [الأحزاب : ٢٧] والله تعالى إنما ملكهم أرضهم بعد ما وطئوها وظهروا عليها؟

قلنا : معناه ويورثكم بطريق وضع الماضي موضع المستقبل مبالغة في تحقيق الموعود وتأكيده.

الثاني : أن فيه إضمارا تقديره : وأرضا لهم تطئوها سيورثكم إياها ، يعني أرض مكة ، وقيل أرض فارس والروم ، وقيل أرض خيبر ، وقيل كل أرض ظهر عليها المسلمون بعد ذلك إلى يوم القيامة.

الثالث : أن معناه وأورثكم ذلك كله في الأزل بكتابته لكم في اللّوح المحفوظ.

[٨٨١] فإن قيل : كيف خص الله تعالى نساء النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم بتضعيف العقوبة على الذنب والمثوبة على الطاعة في قوله تعالى : (يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) [الأحزاب : ٣٠] الآية؟

قلنا : أما تضعيف العقوبة فلأنهن يشاهدن من الزواجر الرادعة عن الذنوب ما لا يشاهد غيرهن.

الثاني : أن في معصيتهن أذى لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وذنب من آذى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أعظم من ذنب غيره ، والمراد بالفاحشة النشوز وسوء الخلق ، كذا قاله ابن عباس رضي الله عنهما. وأما تضعيف المثوبة فلأنهن أشرف من سائر النساء بقربهن من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فكانت الطاعة منهن أشرف كما كانت المعصية منهن أقبح ، ونظير ذلك الوزير والنواب في طاعتهما للملك ومعصيتهما.

[٨٨٢] فإن قيل : كيف قال تعالى : (يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ) [الأحزاب : ٣٢] ولم يقل كواحدة من النساء؟

قلنا : قد سبق نظير هذا مرة في آخر سورة البقرة في قوله تعالى : (لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ) [البقرة : ٢٨٥].

[٨٨٣] فإن قيل : كيف أمر الله تعالى نساء النبيّ بالزكاة في قوله تعالى : (وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ) [الأحزاب : ٣٣] ولم يملكن نصابا حولا كاملا؟

قلنا : المراد بالزكاة هنا الصدقة النافلة ، والأمر أمر ندب.

[٨٨٤] فإن قيل : ما الفرق بين المسلم والمؤمن حتى عطف أحدهما على الآخر في قوله تعالى : (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ) [الأحزاب : ٣٥] مع أنهما متحدان شرعا؟

٢٥٩

قلنا : المراد بالمسلم الموحد بلسانه ، وبالمؤمن المصدق بقلبه.

[٨٨٥] فإن قيل : كيف قال تعالى : (ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ) [الأحزاب : ٤٠] ، مع أنه كان أبا للطاهر والطيب والقاسم وإبراهيم عليهم‌السلام؟

قلنا : قوله تعالى : (مِنْ رِجالِكُمْ) [الأحزاب : ٤٠] يخرجهم من حكم النفي من وجهين :

أحدهما : أنهم لم يبلغوا مبلغ الرجال بل ماتوا صبيانا.

والثاني : أنه أضاف الرجال إليهم ، وهم كانوا رجاله لا رجالهم.

[٨٨٦] فإن قيل : كيف قال تعالى : (وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ) [الأحزاب : ٤٠] وعيسى عليه‌السلام ينزل بعده وهو نبي؟

قلنا : معنى كونه خاتم النبيين أنه لا يتنبأ أحد بعده ، وعيسى ممن نبّئ قبله ؛ وحين ينزل ينزل عاملا بشريعة محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم مصليا إلى قبلته كأنّه بعض أمته؟

[٨٨٧] فإن قيل : قوله تعالى : (هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ) [الأحزاب : ٤٣] معناه يرحمكم ويغفر لكم فما معنى قوله تعالى : (وَمَلائِكَتُهُ) [الأحزاب : ٤٣] والرحمة والمغفرة منهم محال؟

قلنا : جعلوا لكونهم مستجابي الدعوة بالرحمة والمغفرة كأنهم فاعلو الرحمة والمغفرة ، ونظيره قولهم : حياك الله ، أي أحياك وأبقاك ، وحيا زيد عمرا : أي دعا له بأن يحييه الله اتكالا منه على إجابة دعوته ، ومثله قوله تعالى : (إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِ) [الأحزاب : ٥٦].

[٨٨٨] فإن قيل : قد فهم من قوله تعالى : (إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَداعِياً إِلَى اللهِ) [الأحزاب : ٤٥ ، ٤٦] أنه مأذون له في الدعاء إلى الله تعالى ، فما فائدة قوله تعالى : (بِإِذْنِهِ)؟

قلنا : معناه بتسهيله وتيسيره ، وقيل : معناه بأمره لا أنك تدعوهم من تلقاء نفسك.

[٨٨٩] فإن قيل : كيف شبه الله تعالى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالسّراج دون الشمس ، والشمس أتم وأكمل في قوله تعالى : (وَسِراجاً مُنِيراً) [الأحزاب : ٤٦]؟

قلنا : قيل إن المراد بالسراج هنا الشمس كما في قوله تعالى : (وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً) [نوح : ١٦] وقيل : إنما شبه بالسراج لأن السراج يتفرع ويتولد منه سرج لا تعد ولا تحصى بخلاف الشمس ، والنبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم تفرع منه بواسطة إرشاده وهدايته جميع العلماء من عصره إلى يومنا هذا ، وهلم جرا إلى يوم القيامة. وقيل : إنما شبهه بالسراج لأنه بعثه في زمان يشبه الليل بظلمات الكفر والجهل والضلال.

٢٦٠