أسئلة القرآن المجيد وأجوبتها

محمّد بن أبي بكر بن عبدالقادر الرازي

أسئلة القرآن المجيد وأجوبتها

المؤلف:

محمّد بن أبي بكر بن عبدالقادر الرازي


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: المكتبة العصريّة
الطبعة: ١
ISBN: 9953-34-026-9
الصفحات: ٤٠٨

[٦٧٣] فإن قيل : كيف زاد موسى على حرف الجواب وليس ذلك من شيمة البلغاء خصوصا في مخاطبة الملك الأعلى؟

قلنا : قال ابن عباس رضي الله عنهما إنه لما قال عصاي سئل سؤالا ثانيا ، فقيل ما تصنع بها؟ فأجاب بباقي الآية.

الثاني : أنه إنما عدد فوائدها وبين حاجته إليها خوفا من أن يؤمر بإلقائها كما أمر بإلقاء النعلين!!

الثالث : أنه ذكر ذلك لئلا ينسب إلى العبث في حملها.

[٦٧٤] فإن قيل : قد نقل أنها كانت تضيء له بالليل وتدفع عنه الهوام ، وتثمر له إذا اشتهى الثمار فيغرسها في الأرض فتثمر من ساعتها ، ويركزها فينبع الماء من مركزها ، فإذا رفعها نضب ، وكان يستقي بها فتطول بطول البئر وتقصر بقصرها ، فهلا عدد هذه المنافع.

قلنا : كره أن يشتغل عن سماع كلام الله تعالى بتفصيل منافعها ، ففصل البعض وأجمل الباقي بقوله : (وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى) [طه : ١٨] والله أعلم بما أجمله.

الثاني : أنه ذكر المنافع التي هي ألزم له وحاجته إليها أمس ، وإن كانت المنافع التي أجملها أعجب وأغرب.

[٦٧٥] فإن قيل : قد ذكر الله تعالى عصا موسى عليه‌السلام بلفظ الحية والثعبان والجان ، وبين الثعبان والجان تناف ؛ لأن الجان الحية الصغيرة كذا قاله ابن عرفة ، والثعبان الحية العظيمة ، كذا نقله الأزهري عن الزجاج وقطرب.

قلنا : أراد أنها في صورة الثعبان العظيم وخفة الحية الصغيرة وحركتها ويؤيد قوله : (فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌ) [النمل : ١٠].

الثاني : أنها كانت في أوّل انقلابها تنقلب حية صغيرة صفراء دقيقة ثم تتورم ويتزايد جرمها حتى تصير ثعبانا ، فأريد بالجان أول حالها ، وبالثعبان مآلها.

__________________

[٦٧٥] ابن عرفه : لعلّ المراد هو علي بن المظفر بن إبراهيم الكندي الوداعي ، علاء الدين ، ويقال له ابن عرفة. أديب وشاعر. له علم بالحديث والقراءات. ولد سنة ٦٤٠ ه‍ وتوفي ٧١٦ ه‍ بدمشق. وأصله من مصر. من مؤلفاته : التذكرة الكندية ، وديوان شعر.

ـ قطرب : هو محمد بن المستنير بن أحمد أبو علي ، الشهير بقطرب. نحوي وأديب ولغوي ، بصري معتزلي. توفي سنة ٢٠٦ ه‍ ، أخذ عن سيبويه. من مؤلفاته : المثلث ، معاني القرآن ، النوادر ، الأزمنة ، الأضداد ، ما خالف فيه الإنسان البهيمة من الوحوش وصفاتها ، الخ.

٢٠١

[٦٧٦] فإن قيل : ما فائدة قول تعالى : (إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى) [طه : ٣٨] وهذا لا بيان فيه ، لأنه مجمل ، فما فائدته؟

قلنا : فائدته الإشارة إلى أنه ليس كل الأمور مما يوحى إلى النساء كالنبوة ونحوها ؛ بل بعضها.

الثاني : أنه للتأكيد كقوله تعالى : (فَغَشَّاها ما غَشَّى) [النجم : ٥٤] كأنه قال : إذ أوحينا إلى أمك إيحاء.

الثالث : أنه أبهمه أولا للتفخيم والتعظيم ، ثم بينه وأوضحه بقوله تعالى : (أَنِ اقْذِفِيهِ) [طه : ٣٩] الآية.

[٦٧٧] فإن قيل : كيف قدم هارون على موسى عليهما‌السلام في قوله تعالى : (فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى) [طه : ٧٠] وهارون كان وزيرا لموسى عليهما‌السلام وتبعا له ، قال الله تعالى : (وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيراً) [الفرقان : ٣٥].

قلنا : إنما قدمه ليقع موسى مؤخرا في اللفظ فيناسب الفواصل أعني رءوس الآيات.

[٦٧٨] فإن قيل : كيف قال الله تعالى : (لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى) [طه : ٧٤] والموت والحياة صفتان من صفات الإنسان وهما نقيضان ، فكيف يرتفعان؟

قلنا : المراد لا يموت فيها موتا يستريح به ، ولا يحيا حياة تنفعه ويستلذ بها.

الثاني : أن المراد لا يموت فيها موتا متصلا ولا يحيا حياة متصلة ؛ بل كلما مات من شدة العذاب أعيد حيّا ؛ ليذوق العذاب هكذا سبعين مرة في مقدار كل يوم من أيام الدنيا.

[٦٧٩] فإن قيل : الخوف والخشية واحد في اللغة ، فكيف قال تعالى : (لا تَخافُ دَرَكاً وَلا تَخْشى) [طه : ٧٧]؟

قلنا : معناه لا تخاف دركا : أي لحاقا من فرعون ، ولا تخشى غرقا في البحر ، كما تقول : لا تخاف زيدا ولا تخشى عمرا ، ولو قلت ولا عمرا صح وكان أوجز ، ولكن إذا أعدت الفعل كان آكد. وأما في الآية فلما لم يكن مفعول الخشية مذكورا ذكر الفعل ثانيا ليكون دليلا عليه ، وخولف بين اللفظين رعاية للبلاغة.

وقيل معناه : لا تخاف دركا على نفسك ، ولا تخشى دركا على قومك. والأول عندي أرجح.

[٦٨٠] فإن قيل : قوله تعالى : (وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ) [طه : ٧٩] يغني عن قوله تعالى : (وَما هَدى) [طه : ٧٩] ومفيد فوق فائدته فكيف ذكر معه؟

٢٠٢

قلنا : معناه : وما هداهم بعد ما أضلهم ، فإن المضل قد يهدي بعد إضلاله.

الثاني : أن معناه : وأضل قومه وما هدى نفسه.

الثالث : أن معناه : وأضل فرعون قومه عن الدين وما هداهم طريقا في البحر.

الرابع : أن قوله : (وَما هَدى) [طه : ٧٩] تهكم به في قوله لقومه (وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ) [غافر : ٤٠].

[٦٨١] فإن قيل : كيف قال الله تعالى : (يا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ) [طه : ٨٠] أضاف المواعدة إليهم ، والمواعدة إنما كانت لموسى عليه‌السلام ، واعده الله تعالى جانب الطور الأيمن لإتيانه التوراة؟

قلنا : المواعدة وإن كانت لموسى عليه‌السلام ولكنها لما كانت لإنزال كتاب بسبب بني إسرائيل ، وفيه بيان شريعتهم وأحكامهم وصلاح معاشهم ومعادهم ، أضيفت إليهم المواعدة بهذه الملابسة والاتصال.

[٦٨٢] فإن قيل : قوله تعالى : (وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى) [طه : ٨٣] سؤال عن سبب العجلة ، فإن موسى عليه‌السلام لما واعده الله تعالى بإنزال التوراة عليه بجانب الطور الأيمن وأراد الخروج إلى ميعاد ربه اختار من قومه سبعين رجلا يصحبونه إلى ذلك المكان ثم سبقهم شوقا إلى ربه وأمرهم بلحاقه ، فعوتب على ذلك وكان الجواب المطابق أن يقول : طلبت زيادة رضاك أو الشوق إلى لقائك وتنجيز وعدك ، فكيف قدم ما لا يطابق السؤال وهو قوله : (هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي) [طه : ٨٤]؟

قلنا : ما واجهه ربه به تضمن شيئين : إنكار العجلة في نفسها والسؤال عن سببها ، فبدأ موسى عليه‌السلام بالاعتذار عما أنكره تعالى عليه بأنه لم يوجد منه إلا تقدم يسير لا يعتد به في العادة ، كما يتقدم المقدم جماعته وأتباعه ، ثم عقب العذر بجواب السؤال عن السبب بقوله : (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى) [طه : ٨٤].

[٦٨٣] فإن قيل : أليس أن أئمة اللغة قالوا : العوج بالكسر في المعاني ، وبالفتح

__________________

[٦٨٣] ابن السكيت : هو يعقوب بن إسحاق ، أبو يوسف ، ابن السكيت. أحد أئمة اللّغة والأدب.

أصله من خوزستان. أخذ العلم ببغداد. ولد سنة ١٨٦ ه‍. وتوفي مقتولا على يد المتوكل العباسي سنة ٢٤٤ ه‍. وسبب قتل المتوكل له أنه كان عهد إليه بتعليم ابنيه المعتز والمؤيد ، فسأله يوما : أهما أحب إليك أم الحسن والحسين؟ فأجاب : ابن السكيت قائلا : والله إن نعل قنبر خادم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب خير منك ومن ولديك! فأمر المتوكل أعلاجه فداسوه وسلّوا لسانه رحمه‌الله.

من مؤلفاته : إصلاح المنطق ، الألفاظ ، الأضداد ، القلب والإبدال ، شرح ديوان عروة بن الورد ، الأجناس ، الخ.

٢٠٣

في الأعيان ، ولهذا قال ثعلب : وتقول في الأمر والدين عوج وفي العصا ونحوها عوج ، كالجبال والأرض ، فكيف صح فيها المكسور في قوله تعالى : (لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً) [طه : ١٠٧]؟

قلنا : قال ابن السكيت : كل ما كان مما ينتصب كالحائط والعود قيل فيه عوج بالفتح ، والعوج بالكسر ما كان في أرض أو دين أو معاش ، فعلى هذا لا إشكال.

الثاني : أنه أراد به نفي الاعوجاج الذي يدرك بالقياس الهندسي ولا يدرك بحاسة البصر ، وذلك اعوجاج لاحق بالمعاني ، فلذلك قال فيه عوج بالكسر ، ومما يوضح هذا أنك لو سويت قطعة أرض غاية التسوية بمقتضى نظر العين بموافقة جماعة من البصراء ، واتفقتم على أنه لم يبق فيها عوج قط ، ثم أمرت المهندس أن يعتبرها بالمقاييس الهندسية وجد فيها عوجا في غير موضع ؛ ولكنه عوج لا يدرك بحاسة البصر. فنفى الله تعالى ذلك العوج لما لطف ودق عن الإدراك ، فكان لدقته وخفائه ملحقا بالمعاني.

[٦٨٤] فإن قيل : إن الله تعالى أخبر أن آدم عليه‌السلام نسي عهد الله ووصيته ، وأكل من الشجرة بقوله تعالى : (وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ) [طه : ١١٥] وإذا كان فعل ذلك ناسيا فكيف وصفه بالعصيان والغواية بقوله تعالى : (وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى) [طه : ١٢١] فعاقبه عليه بأعظم أنواع العقوبة ، وهو الإخراج من الجنة؟

قلنا : النسيان هنا بمعنى الترك كما في قوله تعالى : (إِنَّا نَسِيناكُمْ) [السجدة : ١٤] أي تركناكم في العذاب ، وقوله تعالى : (نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ) [التوبة : ٦٧] فمعناه أنه ترك عهد الله ووصيته ، فكيف يكون من النسيان الذي هو ضد الذكر ، وقد جرى بينه وبين إبليس من المجادلة والمناظرة في أكل الشجرة فصول كثيرة منها قوله : (ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ) [الأعراف : ٢٠] الآية فكيف يبقى مع هذا نسيان؟

[٦٨٥] فإن قيل : كيف قال الله تعالى : (فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى) [طه :

١١٧] ولم يقل فتشقيا ، والخطاب لآدم وحواء عليهما‌السلام؟

قلنا : لوجوه :

أحدها : أن الرجل قيم أهله وأميرهم ، فشقاؤه يتضمن شقاءهم كما أن معاداته تتضمن معاداتهم ، فاختصر الكلام بإسناد الشقاء إليه دونها لما كان متضمنا له.

الثاني : أنه إنما أسنده إليه دونها للمحافظة على الفاصلة.

__________________

[٦٨٤] تفسير المصنف النسيان هنا بمعنى الترك ، في حق آدم عليه‌السلام ، فيه جرأة على مقام الأنبياء ، ولا ندري ما الذي ألجأه إليه.

٢٠٤

الثالث : أنه أراد بالشقاء : الشقاء في طلب القوت وإصلاح المعاش ، وذلك وظيفة الرجل دون المرأة ، قال سعيد بن جبير أهبط إلى آدم عليه‌السلام ثور أحمر فكان يحرث عليه ويمسح العرق عن جبينه فذلك شقاؤه.

[٦٨٦] فإن قيل : هل يجوز أن يقال : كان آدم عاصيا غاويا أخذا من قوله تعالى : (وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى) [طه : ١٢١]؟

قلنا : يجوز أن يقال عصى آدم كما قال الله تعالى ، ولا يجوز أن يقال كان آدم عاصيا ، لأنه لا يلزم من جواز إطلاق الفعل جواز إطلاق اسم الفاعل ؛ ألا ترى أنه يجوز أن يقال تبارك الله ، ولا يجوز أن يقال الله تبارك ويجوز أن يقال تاب الله على آدم ، ولا يجوز أن يقال الله تائب ، ونظائره كثيرة.

[٦٨٧] فإن قيل : أسماء الله تعالى وصفاته توقيفية لا مدخل للقياس فيها ؛ ولهذا يقال الله عالم ، ولا يقال علامة ؛ وإن كان هذا اللفظ أبلغ في الدلالة على معنى العلم ، فأما أسماء البشر وصفاتهم فقياسية ؛ فلم لا يجرى فيها على القياس المطرد؟

قلنا : هذا القياس ليس بمطرد في صفات البشر أيضا ألا ترى أنّهم قالوا ذره ودعه بمعنى اتركه ، وفلان يذر ويدع ، ولم يقولوا منهما وذر ولا واذر ، ولا ودع ولا وادع ، فاستعملوا منها الأمر والمضارع فقط.

ولقائل أن يقول : هذا شاذ في كلام العرب ونادر ، فلا يترك لأجله القياس المطرد ، بل يجري على مقتضى القياس.

[٦٨٨] فإن قيل : كيف قال تعالى : (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي) [طه : ١٢٤] أي عن موعظتي أو عن القرآن فلم يؤمن به ولم يتبعه (فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً) [طه : ١٢٤] أي حياة في ضيق وشدة ، ونحن نرى المعرضين عن الإيمان والقرآن في أخصب معيشة وأرغدها؟

قلنا : قال ابن عباس رضي الله عنهما : المراد بالمعيشة الضنك الحياة في المعصية وإن كان في رخاء ونعمة. وروي عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنها عذاب القبر.

الثاني : أن المراد بها عيشته في جهنم في الآخرة.

الثالث : أن المراد بها عيشة مع الحرص الشديد على الدنيا وأسبابها ، وهذه الآية في مقابلة قوله في سورة النحل : (مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً) [النحل : ٩٧] فكل ما ذكرناه في تفسير الحياة الطيبة فضده وارد في المعيشة الضنك.

[٦٨٩] فإن قيل : أي الكلمات التي سبقت من الله فكانت مانعة من تعذيب هذه

__________________

[٦٨٩] هذه كلمة من حديث قدسي ، انظر : مسند أحمد ٢ / ٢٤٢.

٢٠٥

الأمة في الدنيا عذاب الاستئصال ، حتّى قال تعالى : (وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً) [طه : ١٢٩].

قلنا : قيل هي قوله تعالى : «سبقت رحمتي غضبي» ويرد عليه أنه لا اختصاص لهذه الأمة بهذه الكلمة ، وقيل هي قوله تعالى للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : (وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ) [الأنفال : ٣٣] وقيل في قوله تعالى : (وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ) [الأنبياء : ١٠٧] يعني لعالمي أمته بتأخير العذاب عنهم ، وقيل في الآية تقديم وتأخير تقديره : ولو لا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمّى ، وهو الأجل الذي قدر الله تعالى بقاء العالم وأهله إلى انقضائه لكان العذاب لزاما ، أي لازما لهم كما لزم الأمم التي قبلهم.

[٦٩٠] فإن قيل : أصحاب الصراط السوي والمهتدون واحد ، فما فائدة التكرار في قوله تعالى : (فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى) [طه : ١٣٥].

قلنا : المراد بأصحاب الصراط السوي السالكون الصراط المستقيم السائرون عليه ، والمراد بالمهتدين الواصلون إلى المنزل. وقيل : أصحاب الصراط السوي هم الذين ما زالوا على الصراط المستقيم ، والمهتدون هم الذين لم يكونوا على الطريق المستقيم ثم صاروا عليه. وقيل : المراد بأصحاب الصراط السوي أهل دين الحق في الدنيا ، والمراد بمن اهتدى المهتدون إلى طريق الجنة في العقبى ؛ فكأنه قال : فستعلمون من المحق في الدنيا والفائز في الآخرة.

٢٠٦

سورة الأنبياء

[٦٩١] فإن قيل : كيف قال تعالى : (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ) [الأنبياء : ١] وصفه بالقرب وقد مضى من وقت هذا الإخبار أكثر من ستمائة عام ، ولم يوجد يوم الحساب بعد؟

قلنا : معناه أنه قريب عند الله تعالى وإن كان بعيدا عند الناس ، كما قال تعالى : (إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَراهُ قَرِيباً) [المعارج : ٦ ، ٧] وقال تعالى : (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) [الحج : ٤٧].

الثاني : أن معناه أنه قريب بالنسبة إلى ما مضى من الزمان ، كما قال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إن مثل ما بقي من الدنيا في جنب ما مضى كمثل خيط في ثوب».

الثالث : أن المراد به قرب حساب كل واحد في قبره إذا مات ، ويؤيده قوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «من مات فقد قامت قيامته».

الرابع : أن كل آت قريب وإن طالت أوقات استقباله وترقبه ، وإنما البعيد الذي وجد وانقرض ، ولهذا يقول الناس إذا سافروا من بلد إلى بلد بعد ما ولوا ظهورهم البلد الأول : البلد الثاني أقرب وإن كان أبعد مسافة.

[٦٩٢] فإن قيل : كيف قال تعالى : (ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ) [الأنبياء : ٢] والذكر الآتي من الله تعالى هو القرآن وهو قديم لا محدث؟

قلنا : المراد محدث إنزاله.

الثاني : أن المراد به ذكر يكون غير القرآن من مواعظ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم وغيره ؛ ونسب إلى الله تعالى ؛ لأن موعظة كل واعظ بإلهامه وهدايته.

الثالث : أن المراد بالذكر الذاكر وهو الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ويؤيده قوله تعالى ، في سياق الآية : (هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) [الأنبياء : ٣] وعلى هذا يكون معنى قوله : (إِلَّا اسْتَمَعُوهُ) [الأنبياء : ٢] أي إلا استمعوا ذكره وموعظته.

[٦٩٣] فإن قيل : النجوى المسارّة ، فما معنى قوله تعالى : (وَأَسَرُّوا النَّجْوى) [طه : ٦٢]؟

__________________

[٦٩١] قوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إنّ مثل ما بقي من الدنيا ...» في مسند أحمد : ٣ / ١٩.

ـ قوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «من مات فقد قامت قيامته» ، كشف الخفاء : ٢ / ٣٨٦.

٢٠٧

قلنا : معناه بالغوا في إخفاء المسارة بحيث لم يفطن أحد لتناجيهم ومسارتهم تفصيلا ولا إجمالا ، فإن الإنسان قد يرى اثنين يتساران فيعلم من حيث الإجمال أنهما يتساران ، وإن لم يعلم تفصيل ما يتساران به ، وقد يتساران في مكان لا يراهما أحد.

[٦٩٤] فإن قيل : كيف قال تعالى لمشركي مكة (فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ) [الأنبياء : ٧] يعني فسئلوا أهل الكتاب عمن مضى من الرسل ، هل كانوا بشرا أم ملائكة؟ مع أن المشركين قالوا : (لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ) [سبأ : ٣١]؟

قلنا : هم وإن لم يؤمنوا بكتاب أهل الكتاب ، ولكن النقل المتواتر من أهل الكتاب في القضية العقلية يفيد العلم لمن يؤمن بكتابهم ولمن لا يؤمن به.

[٦٩٥] فإن قيل : كيف قال تعالى : (وَلا يَسْتَحْسِرُونَ) [الأنبياء : ١٩] والاستحسار مبالغة في الحسور وهو الإعياء ، فكان الأبلغ في وصفهم أن ينفي عنهم أدنى الحسور أو مطلقه لا أقصاه؟

قلنا : إنما ذكر الاستحسار إشارة إلى أن ما هم فيه من التسبيح الدائم والعبادة المتصلة يوجب غاية الحسور وأقصاه.

[٦٩٦] فإن قيل : قوله تعالى في وصف الملائكة : (بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ) [الأنبياء : ٢٦] إلى قوله تعالى : (مُشْفِقُونَ) يدل على أنهم لا يعصون الله ما أمرهم ، فإذا كانوا لا يعصون الله تعالى فلم يخافون حتى قال تعالى : (وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ) [الأنبياء : ٢٨]؟

قلنا : لما رأوا ما جرى على إبليس وعلى هاروت وماروت من القضاء والقدر خافوا من مثل ذلك.

الثاني : أن زيادة معرفتهم بالله وقربهم في محل كرامته يوجب مزيد خوفهم ، ولهذا قال أهل التحقيق : من كان بالله أعرف كان من الله أخوف ، ومن كان إلى الله أقرب كان من الله أرهب. وقال بعضهم : يا عجبا من مطيع آمن ومن عاص خائف.

[٦٩٧] فإن قيل : كيف قال تعالى : (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما) [الأنبياء : ٣٠] وهم لم يروا ذلك؟

قلنا : معناه أولم يعلموا ذلك بأخبار من قبلهم أو بوروده في القرآن الذي هو معجزة في نفسه ، ونظيره قوله تعالى للنبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم : (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) [النور : ٤١] وقوله تعالى : (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُزْجِي سَحاباً) [النور : ٤٣] الآية ، ونظائره كثيرة.

[٦٩٨] فإن قيل : كيف قال تعالى : (وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍ) [الأنبياء : ٣٠] ؛ مع أن الملائكة أحياء والجن أحياء ، وليسوا مخلوقين من الماء بل من النور

٢٠٨

والنار كما قال تعالى : (وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ) [الرحمن : ١٥] وكذا آدم مخلوق من التراب وناقة صالح مخلوقة من الحجر؟

قلنا : المراد به البعض وهو الحيوان كما في قوله تعالى : (وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) [النمل : ٢٣] وقوله تعالى : (وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ) [يونس : ٢٢] ونظائره كثيرة.

الثاني : أن الكل مخلوقون من الماء ، ولكن البعض بواسطة والبعض بغير واسطة ، ولهذا قيل إنه تعالى خلق الملائكة من ريح خلقها من الماء ، وخلق الجن من نار خلقها من الماء ، وخلق آدم من تراب خلقه من الماء.

[٦٩٩] فإن قيل : كيف قال تعالى : (فَلا تَسْتَعْجِلُونِ) [الأنبياء : ٣٧] بعد قوله : (خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ) [الأنبياء : ٣٧] وكأنه تكليف بما لا يطاق؟

قلنا : هذا كما ركب فيه الشهوة وأمره أن يغلبها ، لأنه أعطاه القدرة التي يستطيع بها قمع الشهوة وترك العجلة.

[٧٠٠] فإن قيل : كيف قال تعالى : (وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ) [الأنبياء : ٤٥] ؛ مع أن الصمّ لا يسمعون الدّعاء إذا ما يبشرون أيضا؟

قلنا : اللام في الصم إشارة للمنذرين السابق ذكرهم بقوله تعالى : (قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ) [الأنبياء : ٤٥] فهي لام العهد لا لام الجنس.

[٧٠١] فإن قيل : كيف قال إبراهيم صلوات الله عليه : (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا) [الأنبياء : ٦٣] أحال كسر الأصنام على الصنم الكبير ، وكان إبراهيم هو الكاسر لها؟

قلنا : قاله على طريق الاستهزاء والتهكم بهم ، لا على طريق الجد.

الثاني : أنه لما كان الحامل له على كسرها اغتياظه من رؤيتها مصفوفة مرتبة للعبادة مبجلة معظمة ، وكان اغتياظه من كبيرها أعظم لمزيد تعظيمهم له أسند الفعل إليه كما أسند إلى سببه ، وإلى الحامل عليه.

الثالث : أنه أسنده إليه معلقا بشرط منتف ، لا مطلقا ؛ تقديره : فعله كبيرهم هذا إن كانوا ينطقون فاسألوهم.

[٧٠٢] فإن قيل : كيف صح مخاطبة النار بقوله تعالى : (قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ) [الأنبياء : ٦٩] والخطاب إنما يكون مع من يعقل؟

قلنا : خطاب التحويل والتكوين لا يختص بمن يعقل ، قال الله تعالى : (يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ) [سبأ : ١٠] وقال تعالى : (فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً) [فصلت : ١١] وقال تعالى : (وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ) [هود : ٤٤].

[٧٠٣] فإن قيل : كيف وصف الله تعالى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بكونهم

٢٠٩

من الصالحين بقوله تعالى : (وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ) [الأنبياء : ٨٥] الآية ، مع أن أكثر المؤمنين صالحون خصوصا في الزمن الأول؟

قلنا : معناه أنهم من الصالحين للإدخال في الرحمة التي أريد بها النبوة على ما فسره مقاتل ، أو الجنة على ما فسره ابن عباس ، رضي الله عنهما ؛ ويؤيد ذلك قول سليمان صلوات الله عليه : (وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ) [النمل : ١٩] أي الصالحين للعمل المرضيّ الذي سبق سؤاله.

[٧٠٤] فإن قيل : كيف قال تعالى هنا : (وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا) [الأنبياء : ٩١] وقال في سورة التحريم : (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا) [التحريم : ١٢]؟

قلنا : حيث أنّث أراد النفخ في ذاتها ، وإن كان مبدأ النفخ من الفرج الذي هو مخرج الولد أو جيب درعها على اختلاف القولين ، لأنه فرجة ، وكل فرجة بين شيئين تسمى فرجا في اللغة ، وهذا أبلغ في الثناء عليها لأنها إذا منعت جيب درعها مما لا يحل كانت لنفسها أمنع ، وحيث ذكّر فظاهر.

[٧٠٥] فإن قيل : قوله تعالى : (وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ) [الأنبياء : ٩٥] بدل على أنه يجب أن يرجعوا ، لأن كل ما حرم أن لا يوجد وجب أن يوجد فكيف معنى الآية؟

قلنا : معناه وواجب على أهل قرية عزمنا على إهلاكهم أو قدّرنا إهلاكهم أنهم لا يرجعون عن الكفر إلى الإيمان ، أو أنهم لا يرجعون بعد إهلاكهم إلى الدنيا ، فالحرام هنا بمعنى الواجب ، كذا قاله ابن عباس رضي الله عنهما ، ويؤيده قول الشاعر :

فإنّ حراما لا أرى الدّهر باكيا

على شجوة إلّا بكيت على عمرو

وقيل لفظ الحرام على ظاهره ، ولا زائدة ، والمعنى ما سبق ذكره ، والحرمة هنا بمعنى المنع كما في قوله تعالى : (وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ) [القصص : ١٢] وقوله تعالى : (إِنَّ اللهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ) [الأعراف : ٥٠].

[٧٠٦] فإن قيل : قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ) [الأنبياء : ١٠١] وقال في موضع آخر : (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها) [مريم : ٧١] وواردها يكون قريبا منها لا بعيدا.

قلنا : معناه مبعدون عن ألمها وعذابها مع كونهم وارديها ، أو معناه

__________________

[٧٠٥] البيت ينسب إلى الخنساء وليس في ديوانها. وقافية البيت في رواية أخرى على صخر بدل على عمرو.

٢١٠

مبعدون عنها بعد ورودها بالإنجاء المذكور بعد الورود ، فلا تنافي بينهما.

[٧٠٧] فإن قيل : كيف قال تعالى : (وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ) [الأنبياء : ١٠٧] مع أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم لم يكن رحمة للكافرين الذين ماتوا على كفرهم بل نقمة ؛ لأنه لو لا إرساله إليهم لما عذبوا بكفرهم لقوله تعالى : (وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) [الإسراء : ١٥].

قلنا : بل كان رحمة للكافرين أيضا من حيث أن عذاب الاستئصال أخر عنهم بسببه.

الثاني : أنه كان رحمة عامة من حيث أنه جاء بما يسعدهم إن اتبعوه ، ومن لم يتبعه فهو الذي قصر في حقّ نفسه وضيع نصيبه من الرّحمة ؛ ومثله صلى‌الله‌عليه‌وسلم كمثل عين ماء عذبة فجرها الله تعالى ، فسقى ناس زروعهم ومواشيهم منها فأفلحوا ، وفرّط ناس في السقي منها فضيعوا ، فالعين في نفسها نعمة من الله تعالى للفريقين ورحمة ، وإن قصر البعض وفرطوا.

الثالث : أن المراد بالرحمة الرحيم ؛ وهو صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان رحيما للفريقين ؛ ألا ترى أنهم لما شجّوه يوم أحد وكسروا رباعيته حتى خر مغشيا عليه ، فلما أفاق قال : اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون؟

[٧٠٨] فإن قيل : كيف قال تعالى : (وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ) [الأنبياء : ١٠٩] مع إخباره تعالى إياهم بقرب الساعة بقوله تعالى : (أَتى أَمْرُ اللهِ) [النحل : ١] وقوله تعالى : (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ) [القمر : ١] ونحوهما؟

قلنا : معناه ما أدري أن العذاب الذي توعدونه وتهدون به ينزل بكم عاجلا أو آجلا ، وليس المراد به قيام الساعة. ويرد على هذا الجواب أنه قريب على كل تقدير ؛ لأنه إن كان قبل قيام الساعة فظاهر ، وإن كان بعد قيام الساعة فهو كالمتصل بها لسرعة زمن الحساب ، فيكون قريبا أيضا.

[٧٠٩] فإن قيل : إذا كان المؤمنون يعتقدون أن الله تعالى لا يحكم إلا بالحق ، فما فائدة الأمر والإخبار المتعلق بهما بقوله تعالى : (قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِ) [الأنبياء : ١١٢]؟

قلنا : ليس المراد بالحق هنا ما هو نقيض الباطل ؛ بل المراد به ما وعده الله تعالى إياه من نصر المؤمنين وخذلان الكافرين ، ووعده لا يكون إلا حقا ، فكأنه قال : عجل لنا وعدك وأنجزه ، ونظيره قوله تعالى : (رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ) [الأعراف : ٨٩].

الثاني : أنه تأكيد لما في التصريح بالصفة من المبالغة وإن كانت لازمة للفعل ، ونظيره في عكسه من صفة الذم قوله تعالى : (وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍ) [آل عمران : ١١٢].

٢١١

سورة الحج

[٧١٠] فإن قيل : قوله تعالى : (إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ) [الحج : ١] يدل على أن المعدوم شيء.

قلنا : لا نسلم ، ومستنده أن المراد أنها إذا وجدت كانت شيئا لا أنها شيء الآن ، ويؤيد هذا قوله تعالى : (عَظِيمٌ) مع أن المعدوم لا يوصف بالعظم.

[٧١١] فإن قيل : كيف قال تعالى أوّلا : (يَوْمَ تَرَوْنَها) [الحج : ٢] بلفظ الجمع ، ثم أفرد فقال : (وَتَرَى النَّاسَ) [الحج : ٢]؟

قلنا : لأن الرؤية أوّلا علقت بالزلزلة ، فجعل الناس كلهم رائين لها وعلقت آخرا بكون الناس على هيئة السكارى ، فلا بد أن يجعل كل واحد منهم رائيا لسائرهم.

[٧١٢] فإن قيل : كيف قال تعالى في حقّ النضر بن الحارث (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ) [الحج : ٣] إلى أن قال : (لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ) [الحج : ٩] وهو ما كان غرضه في جداله الضلال عن سبيل الله ، فكيف علل جداله به وما كان أيضا مهتديا حتى إذا جادل خرج بالجدال من الهدى إلى الضلال؟

قلنا : هذه لام العاقبة والصيرورة ، وقد سبق ذكرها غير مرة ، ولما كان الهدى معرّضا له فتركه وأعرض عنه وأقبل على الجدال بالباطل جعل كالخارج من الهدى إلى الضلال.

[٧١٣] فإن قيل : النفع والضر منفيان عن الأصنام مثبتان لها في الآيتين ، فكيف التوفيق بينهما؟

قلنا : معناه يعبد من دون الله ما لا يضره بنفسه إن لم يعبده ، ولا ينفعه بنفسه إن عبده ، ثم قال : يعبد من يضره الله بسبب عبادته ، وإنما أضاف الضرر إليه لحصوله بسببه.

[٧١٤] فإن قيل : قوله تعالى : (أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ) [الحج : ١٣] يدل على أن في عبادة الصنم نفعا وإن كان فيها ضرر؟

قلنا : معناه أقرب من النفع المنسوب إليه في زعمهم ، وهو اعتقادهم أنه يشفع لهم.

٢١٢

[٧١٥] فإن قيل : كيف قال تعالى : (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا) [الحج : ٣٩] أي بسبب كونهم مظلومين ، ولم يبيّن ما الشيء الذي أذن لهم فيه؟

قلنا : تقديره : أذن للذين يقاتلون في القتال ، وإنما حذف لدلالة يقاتلون عليه ولدلالة الحال أيضا ، فإن كفار مكة كانوا يؤذون المؤمنين بأنواع الأذى وهم يستأذنون النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم في قتالهم ، فيقول : لم يؤذن لي في ذلك ، حتى هاجر إلى المدينة فنزلت هذه الآية ، وهي أول آية نزلت في الإذن في القتال ، فنسخت سبعين آية ناهية عن القتال ، كذا قاله ابن عباس رضي الله عنهما ؛ فكان المأذون فيه ظاهرا لكونه مترقبا منتظرا.

[٧١٦] فإن قيل : كيف قال تعالى : (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ) [الحج : ٣٩] مع أنهم ما كانوا يقاتلون قبل نزول هذه الآية؟

قلنا : معناه أذن للذين يريدون أن يقاتلوا ، سماهم مقاتلين مجازا باعتبار ما يئولون إليه كما في النظائر ، وقرئ : (لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ) بفتح التاء ، ولا إشكال على تلك القراءة.

[٧١٧] فإن قيل : كيف صح الاستثناء في قوله تعالى : (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ) [الحج : ٤٠]؟

قلنا : هو استثناء منقطع تقديره : لكن أخرجوا بقولهم ربنا الله.

الثاني : أنه بمنزلة قول الشاعر :

ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم

بهنّ فلول من قراع الكتائب

تقديره : إن كان فيهم عيب فهو هذا ، وليس بعيب فلا يكون هذا فيهم عيبا.

[٧١٨] فإن قيل : أي منّة على المؤمنين في حفظ الصوامع والبيع والصلوات ، أي الكنائس عن الهدم حتى امتن عليهم بذلك في قوله تعالى : (وَلَوْ لا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ) [الحج : ٤٠] الآية؟

قلنا : المنة في ذلك أن الصوامع والبيع والكنائس في حرم المسلمين وحراستهم وحفظهم ، لأن أهلها ذمة للمسلمين.

الثاني : أن المراد به لهدمت صوامع وبيع في زمن عيسى صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وصلوات ، أي كنائس في زمن موسى صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ومساجد في زمن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فالامتنان على أهل الأديان الثلاثة لا على المؤمنين خاصة.

__________________

[٧١٧] البيت للنابغة الذبياني وقد تقدّم.

٢١٣

[٧١٩] فإن قيل : كيف قال تعالى : (وَكُذِّبَ مُوسى) [الحج : ٤٤] ولم يقل وقوم موسى ، كما قال الله تعالى فيما قبله؟

قلنا : لأن موسى عليه‌السلام ما كذبه قومه بنو إسرائيل ، وإنما كذبه غير قومه وهم القبط.

الثاني : أن يكون التنكير والإبهام للتفخيم والتعظيم كأنه قال تعالى بعد ما ذكر تكذيب كل قوم رسولهم : وكذب موسى أيضا مع وضوح آياته وعظم معجزاته فما ظنك بغيره.

[٧٢٠] فإن قيل : ما فائدة قوله تعالى : (وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) [الحج : ٤٦]؟

قلنا : فائدته المبالغة في التأكيد كما في قوله تعالى : (وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ) [الأنعام : ٣٨] وقوله تعالى : (يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ) [الفتح : ١١] وما أشبه ذلك.

الثاني : أن القلب هنا يستعمل بمعنى العقل ، ومنه قوله تعالى : (إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ) [ق : ٣٧] أي عقل في أحد القولين ، فكان التقييد احترازا على قول من زعم أن العقل في الرأس.

[٧٢١] فإن قيل : المغفرة إنما تكون لمن يعمل السيئات لا لمن يعمل الصالحات والحسنات ، فكيف قال تعالى : (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ) [فاطر : ٧]؟

قلنا : المراد بالعمل الصالح هنا الإخلاص في الإيمان. قال الكلبي : كل موضع جاء في القرآن (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) [البقرة : ٨٢] فالمراد به الإخلاص في الإيمان ، فيصير المعنى : فالذين آمنوا عن إخلاص تغفر لهم سيئاتهم.

[٧٢٢] فإن قيل : ما الفرق بين الرّسول والنبي ؛ مع أن كليهما مرسل بدليل قوله تعالى : (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍ) [الحج : ٥٢].

قلنا : الفرق بينهما أن الرّسول من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من جمع له بين

__________________

[٧٢١] الكلبي : لعل المراد هو محمد بن السائب بن بشر بن عمرو بن الحارث الكلبي ، أبو النضر.

وهو نسّابة وراوية ومفسّر توفي سنة ١٤٦ ه‍.

[٧٢٢] البيت لعبد الله بن الزّبعري في ديوانه. وانظر الكامل للمبرّد ، شرح المرصفي : ٣ / ٢٣٤.

والبيت من الشواهد. ويروى ب «يا ليت» بدل «رأيت».

والتقدير : حاملا رمحا ، فحذف الفعل لأنه معروف بالسلاح الذي هو الرمح ونصبها بضمير الحمل المقدّر.

٢١٤

المعجزة وأنزل الكتاب عليه ، والنبي فقط من لم ينزل عليه كتاب ، وإنما أمر أن يدعو أمته إلى شريعة من قبله. وقيل : الرسول من كانت له معجزة من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، والنبي من لم تكن له منهم معجزة ، وفي هذا نظر. وقيل : الرسول من كان مبعوثا إلى أمة ، والنبي فقط من لم يكن مبعوثا إلى أحد مع كونه نبيا. والجواب عن الآية على هذا القول أن فيه إضمارا تقديره : وما أرسلنا من رسول ولا نبأنا من نبي أو ولا كان من نبي ، ونظيره قول الشاعر :

ورأيت زوجك في الوغى

متقلّدا سيفا ورمحا

أي ومتعلقا رمحا أو حاملا رمحا.

[٧٢٣] فإن قيل : أين المثل المضروب في قوله تعالى : (يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ) [الحج : ٧٣] والمذكور بعده وهو قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ) [الحج : ٧٣] إلى آخره ليس بمثل ، بل هو كلام مبتدأ مستقل بنفسه؟

قلنا : الصفة والقصة الغريبة أو المستحسنة تسمى مثلا ، ومنه قوله تعالى : (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً) [البقرة : ١٧] فالمعنى يثبت بصفة ، وهي عجز الصنم عن خلق الذباب واستنقاذ ما يسلبه ، وقيل : هو إشارة إلى قوله تعالى : (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً) [العنكبوت : ٤١] وإنما أبهمه هنا لأنهم كانوا لا يصغون إلى سماع القرآن ، ولهذا قالوا : (لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ) [فصلت : ٤١] وكانوا يحبون الأمثال ، فذكر لفظ المثل استدراجا لهم إلى سماع القرآن والإصغاء إليه.

[٧٢٤] فإن قيل : كيف قال تعالى : (وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) [الحج : ٧٨] مع أن قطع اليد التي تساوي خمسة آلاف درهم بسبب سرقة عشرة دراهم حرج في الدين ؛ وكذا رجم المحصن بسبب الوطء مرة واحدة ، ووجوب صوم شهرين متتابعين بسبب إفطار يوم واحد من رمضان بوطء ، والمخاطرة بالنفس والمال في الحج والعمرة ، كل ذلك حرج بيّن؟

قلنا : المراد بالدين كلمة التوحيد ، فإنها تكفر شرك سبعين سنة ، ولا يتوقف تأثيرها على الإيمان والإخلاص سبعين سنة ، ولا على أن يكون الإتيان بها في بيت الله تعالى أو في زمان أو مكان معين. وقيل : المراد به أن كل ما يقع فيه الإنسان من الذنوب والمعاصي يجد له مخرجا في الشرع بتوبة أو كفارة أو رخصة. وقيل : المراد به فتح باب التوبة للمذنبين ، وفتح أبواب الرخص للمعذورين ، وشروع الكفارات والأروش والديات. وقيل : المراد به نفي الحرج الذي كان على بني إسرائيل من الإصر والتشديد.

٢١٥

[٧٢٥] فإن قيل : كيف قال تعالى : (مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ) [الحج : ٧٨] وإبراهيم صلوات الله عليه لم يكن أبا للأمة كلها؟

قلنا : هو أبو رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فكان أبا لأمته! لأن أمة الرسول بمنزلة أولاده من جهة العطف والشفقة ، هذا إن كان الخطاب لعامة المسلمين ، وإن كان للعرب خاصة فإبراهيم أبو العرب قاطبة.

[٧٢٦] فإن قيل : متى سمانا إبراهيم صلوات الله عليه المسلمين من قبل حتى قال الله تعالى : (هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ) [الحج : ٧٨]؟

قلنا : وقت دعائه عند بناء الكعبة حيث قال : (رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ) [البقرة : ١٢٨] فكل من أسلم من هذه الأمة فهو ببركة دعوة إبراهيم عليه‌السلام ، وهذا السؤال سئلت عنه في المنام وأجبت بهذا الجواب في المنام إلهاما من الله سبحانه وتعالى.

٢١٦

سورة المؤمنون

[٧٢٧] فإن قيل : كيف قال تعالى : (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ) [المؤمنون : ٥ ، ٦] وحفظ الفرج إنما يعدى بعن لا بعلى ، يقال فلان يحفظ فرجه عن الحرام ، ولا يقال على الحرام؟

قلنا : «على» هنا بمعنى عن ، كما في قول الشاعر :

إذا رضيت عليّ بنو قشير

لعمر الله أعجبني رضاها

الثاني : أنه متعلق بمحذوف تقديره : فلا يرسلونها إلا على أزواجهم.

[٧٢٨] فإن قيل : كيف قال تعالى : (أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ) [المؤمنون : ٦] ولم يقل أو من ملكت أيمانهم ، مع أن المراد من يعقل؟

قلنا : لأنه أراد من جنس العقلاء ما يجري مجرى غير العقلاء وهم الإناث.

[٧٢٩] فإن قيل : قوله تعالى (ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ) [المؤمنون : ١٥ ، ١٦] كيف خص الإخبار عن الموت الذي لم ينكره الكفار بلام التأكيد دون الإخبار عن البعث الذي أنكروه ، والظاهر يقتضي عكس ذلك؟

قلنا : لما كان العطف يقتضي الاشتراك في الحكم استغنى به عن إعادة لفظ اللام الموجبة لزيادة التأكيد ، فإنها ثابتة معنى بقضية العطف ، ولا يلزم على هذا عدم إعادة أن لأنها الأصل في التأكيد ، ولأنها أقوى والحاجة إليها أمس.

[٧٣٠] فإن قيل : كيف قال تعالى : (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ) [المؤمنون :

٢٠] والمراد بها شجرة الزيتون. وهي تخرج من الجبل الذي يسمى طور سيناء ومن غيره؟

قلنا : قيل إن أصل شجرة الزيتون من طور سيناء : ثم نقلت إلى سائر المواضع.

وقيل : إنما أضيفت إلى ذلك الجبل لأن خروجها فيه أكثر من خروجها في غيره من المواضع.

__________________

[٧٢٧] البيت للقحيف العقيلي ، وهو في الجنى الداني : ٤٤٥ ، وخزانة الأدب ١٠ / ١٣٢.

والوجه في جواز استعمال عن محل على عند ابن قتيبة أن عن يستعمل أعم من على ؛ لأنه يستعمل في الجهات الست. ووجهه ابن منظور في اللّسان بأن التعدية بعلى جازت لأنها إذا رضيت عنه أحبّته وأقبلت عليه ، ولذلك استعمل على بمعنى عن ، ولا يخفى ما فيه من التكلف.

٢١٧

[٧٣١] فإن قيل : قوله تعالى : (أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ) خبر عن كفار مكة ، فكيف قال تعالى : (بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِ) أي بالتوحيد أو بالقرآن (وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ) [المؤمنون : ٧٠] ولم يقل وكلهم ، مع أن كلهم كانوا للتوحيد كارهين بدليل قولهم (بِهِ جِنَّةٌ) [المؤمنون : ٧٠]

قلنا : كان فيهم من ترك الإيمان به أنفة واستنكافا من توبيخ قومه ؛ لئلا يقولوا ترك دين آبائه لا كراهة للحق ، كما يحكى عن أبي طالب وغيره.

[٧٣٢] فإن قيل : كيف جمع فقال : (رَبِّ ارْجِعُونِ) [المؤمنون : ٩٩] ولم يقل ارجعني ، والمخاطب واحد وهو الله تعالى؟

قلنا : هو جمع للتفخيم والتعظيم كقوله تعالى : (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى) [يس : ١٢] وأشباهه.

[٧٣٣] فإن قيل : كيف قال تعالى : (فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ) [المؤمنون : ١٠١] وقال ، في موضع آخر : (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ)؟ [الصافات : ٢٧].

قلنا : يوم القيامة مقدار خمسين ألف سنة ، ففيه أحوال مختلفة ، ففي بعضها يتساءلون ، وفي بعضها لا ينطقون لشدة الهول والفزع.

٢١٨

سورة النور

[٧٣٤] فإن قيل : كيف قدّمت المرأة في آية حدّ الزنا ، وقدّم الرجل في حد السرقة؟

قلنا : لأن الزنا إنما يتولد من شهوة الوقاع ، وشهوة المرأة أقوى وأكثر ، والسرقة إنما تتولد من الجسارة والجراءة والقوة ، وذلك في الرجل أكثر وأقوى.

[٧٣٥] فإن قيل : كيف قدم الرجل في قوله تعالى : (الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ) [النور : ٣].

قلنا : لأن الآية الأولى سبقت لعقوبتهما على ما جنيا ، والمرأة هي الأصل في تلك الجناية لما ذكرنا. والآية الثانية سبقت لذكر النكاح ، والرجل هو الأصل فيه عرفا ؛ لأنه هو الراغب والخاطب والبادئ بالطلب ، بخلاف الزنا فإن الأمر فيه بالعكس غالبا.

[٧٣٦] فإن قيل : كيف قال تعالى : (الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً) ، أي لا يتزوج (وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ) [النور : ٣] ونحن نرى الزاني ينكح العفيفة والمسلمة ، والزانية ينكحها العفيف والمسلم؟

قلنا : قال عكرمة نزلت هذه الآية في بغايا موسرات كنّ بمكة ، وكانت بيوتهن تسمى في الجاهلية المرضية ، وكان لا يدخل عليهن إلا زان من أهل القبلة ، أو مشرك من أهل الأوثان ، فأراد جماعة من فقراء المهاجرين أن ينكحوهن فنزلت هذه الآية زجرا لهم عن ذلك.

[٧٣٧] فإن قيل : ما فائدة دخول «من» في غض البصر دون حفظ الفرج في قوله تعالى : (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ) [النور : ٣٠].

__________________

[٧٣٦] عكرمة : هو عكرمة بن عبد الله البربري المدني ، أبو عبد الله ، مولى ابن عباس. تابعي ولد سنة ٢٥ ه‍ وتوفي سنة ١٠٥ ه‍. حدّث كثيرا عن مولاه عبد الله بن عباس. كان من الخوارج ، وذهب إلى نجدة الحروري فأقام عنده ، ثم رجع يحدث عنه. ذهب إلى بلاد المغرب وعنه أخذ بعضهم مذهب الصفرية من الخوارج. كان مبغضا لأهل البيت. عاش آخر أيامه بالمدينة. وضعّفه كثير من علماء رجال الحديث.

٢١٩

قلنا : فائدته الدلالة على أن أمر النظر أوسع من أمر الفرج ، ولهذا يحل النظر في ذوات المحارم والإماء المستعرضات إلى عدة من أعضائهن ، ولا يحل شيء من فروجهن.

[٧٣٨] فإن قيل : ما حكمة ترك الله ذكر الأعمام والأخوال في قوله تعالى : (وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَ) يعني الزينة الخفية (إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَ) [النور : ٣١] الآية ، وهم من المحارم وحكمهم حكم من استثنى في الآية؟

قلنا : سئل الشعبي عن ذلك فقال : لئلا يصفها العم عند ابنه وهو ليس بمحرم لها ، وكذا الحال فيفضي إلى الفتنة ، والمعنى فيه أن كل من استثنى يشترك هو وابنه في المحرمية ، إلا العم والخال ، وهذا من الدلالة البليغة على وجوب الاحتياط في سترهن. ولقائل أن يقول : هذه المفسدة محتملة في آباء بعولتهن ، لاحتمال أن يذكرها أبو البعل عند ابنه الآخر ، وهو ليس بمحرم لها ، وأبو البعل أيضا نقض على قولهم إن كل من استثني يشترك هو وابنه في المحرمية.

[٧٣٩] فإن قيل : كيف قال تعالى : (وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً) [النور : ٣٣] مع أن إكراههن على الزنا حرام في كل حال؟

قلنا : لأن سبب نزول الآية أن الجاهلية كانوا يكرهون إماءهم على الزنا مع إرادتهن التحصن ، فورد النهي على السبب وإن لم يكن شرطا فيه.

الثاني : أنه تعالى إنما شرط إرادة التحصن لأن الإكراه لا يتصور إلا عند إرادة التحصن ، لأن الأمة إذا لم ترد التحصن فإنها تزني بالطبع ؛ لأن إرادتها الجماع مستمرة في جميع الأحوال طبعا ، ولا بد له من أحد الطريقين.

الثالث : أن «إن» بمعنى إذ كما في قوله تعالى : (وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) [البقرة : ٢٧٨] وقوله تعالى : (وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) [آل عمران : ١٣٩].

الرابع : أنّ في الكلام تقديما وتأخيرا تقديره : وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن أردن تحصنا ويبقى قوله : (وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ) [النور : ٣٣] مطلقا غير معلق.

[٧٤٠] فإن قيل : كيف مثل الله تعالى نوره ، أي معرفته وهداه في قلب المؤمن بنور المصباح في قوله تعالى : (مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ) [النور : ٣٥] ولم يمثله بنور الشمس ، مع أن نورها أتم وأكمل؟

قلنا : المراد تمثيل النور في القلب ، والقلب في الصدر ، والصدر في البدن

٢٢٠