🚘

آراء المستشرقين حول القرآن الكريم وتفسيره - ج ٢

د. عمر بن إبراهيم رضوان

آراء المستشرقين حول القرآن الكريم وتفسيره - ج ٢

المؤلف:

د. عمر بن إبراهيم رضوان


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٩٦
🚘 الجزء ١ 🚘 الجزء ٢
🚘 نسخة غير مصححة

على أنهم شاهدون معه غيروا القراءة إلى (شهداء الله) (١) خروجا من هذا الإشكال (٢).

الجواب :

١ ـ أن هذه القراءة التي ذكرها «جولد تسيهر» لم تثبت لذا فهي من القراءات الشاذة.

٢ ـ ويرد هذا الفهم أيضا قوله تعالى في سورة النساء (لكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ)(٣). لأنه لو صح ما قاله «جولد تسيهر» للزم أن يغير القراءة في هذه الآية الثابتة. لأن الشهادة مشتركة من قبل الله وملائكته لصدق ما نزل على محمد ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ.

٣ ـ مناقضة «جولد تسيهر» نفسه حيث قرر هنا أن تغيير القراءة كان لدافع تنزيهي في حين نقض هذا الكلام في ص (٢٨) حيث قال : [ولما كان الحديث هنا عن الله فقد يمكن أن نرى من هذا أن رعاية اجتناب العبارات التي ربما بدت غير لائقة بمقام الألوهية لم تكن مقصودة دائما في اختلاف القراءات](٤).

ب ـ تنزيها للرسل ـ عليهم‌السلام ـ ومثاله قوله تعالى : (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ)(٥).

قال «جولد تسيهر» : [والمعضلة هنا في الكلمات (وظنوا أنهم قد كذبوا)

__________________

(١) مذاهب التفسير الإسلامي جولد تسيهر ص ٣٢ ـ ٣٣.

(٢) هذه القراءة الشاذة أشار إليها أبو حيان في تفسيره البحر المحيط ٢ / ٤٠٣. والزمخشري في الكشاف ١ / ٤١٩.

(٣) سورة النساء آية ١٦٦.

(٤) مذاهب التفسير الإسلامي ص ٢٨.

(٥) سورة يوسف آية : ١١٠.

٤١

بالبناء للمعلوم ، أي صدر عنهم الكذب ، إذ لا شك أن هذه القراءة الأصلية .. بيد أن الأنبياء قد (كذبوا) أي صدر عنهم الكذب أمر لا يستطيع مؤمن صادق الإيمان أن يتحمله ويتقبله .. فقد قرأ بعضهم بدلا من كذبوا بالبناء للمعلوم ، (كذبوا) أو (كذبوا) بالتخفيف والتشديد على البناء للمجهول](١) وقد حاول أن يؤكد كلامه بقصة سعيد بن جبير وسؤال فتى من قريش له حول هذه الآية.

الجواب :

في هذه القراءة أفصح «جولد تسيهر» عن حقيقته العلمية حيث أخذ بالرواية الشاذة (كذبوا) بالبناء للمعلوم وقدمها على القراءات الصحيحة المتواترة مما يدل على عدم نزاهته العلمية ، ولا تجرده في البحث العلمي.

والملاحظ أن «جولد تسيهر» ابتدع لنفسه مصطلحا جديدا للقراءات حيث كان يطلق على ما يرجح منها في نظره بالقراءات (الأصلية) والتي لا ترجح (غير أصلية) وهذا المصطلح لم يصدر عن أحد من علماء القراءات وإنما كانوا يطلقون على القراءة التي تثبت بطرق التواتر (قراءة متواترة) ، والتي تنال ذيوعا واستفاضة وقبولا وصحة في السند (قراءة مشهورة) وغيرهما تعتبر (قراءة شاذة) وهذه لا تعتبر قرآنا.

والقراءة المتواترة في هذه القراءة بناؤها للمجهول بالتخفيف والتشديد.

فقد قرأ عاصم وحمزة والكسائي الكوفيون (كذبوا) بالتخفيف أما الباقون فقد قرءوا (كذبوا) بالتشديد.

وهاتان القراءتان مع تواترهما إلا أن «جولد تسيهر» اعتبرهما قراءتين غير أصليتين.

__________________

(١) مذاهب التفسير الإسلامي ص ٤١ ـ ٤٢.

٤٢

أما القراءة الثالثة وهي التي رجحها «جولد تسيهر» وأطلق عليها القراءة المتواترة (كذبوا) (١) فهي قراءة شاذة ولا تعد قرآنا ، ويحرم القراءة بها. ولا نوجهها لهذا السبب.

أما توجيه القراءتين المتواترتين :

فقراءة التخفيف (كذبوا) تعني أن المرسل إليهم ظنوا أنهم قد كذبوا فيما أتتهم به الرسل ، فالظن بمعنى الشك أو اليقين.

أما قراءة التشديد (كذبوا) فتعني أن الرسل تلقاهم قومهم بالتكذيب.

والظن بمعنى اليقين.

والضمير (هم) في (أنهم) في الأولى تعود على المرسل إليهم وفي الثانية على الرسل(٢).

أما استدلال «جولد تسيهر» لتصويب القراءة الشاذة وترجيحها بقصة مسلم بن يسار مع سعيد بن جبير أنه سأله كيف تقرأ هذا الحرف فإني إذا أتيت عليه تمنيت ألا أقرأ هذه السورة. فلما أجابه فرح وقام وعانقه لأنه كان يظن أن فاعل التكذيب الرسل لا المشركون.

فمسلم بن يسار إذن كان سائلا لسعيد بن جبير (٣) عن شبهة علقت في ذهنه لسوء فهمه لهذه الآية الكريمة وهي أن الله أخلف وعده لرسله وذلك بإعادة الضمير في (ظنوا) للرسل. فأجابه مزيلا شبهته أن المرسل إليهم هم الذين ظنوا أن الرسل كذبتهم. ففاعل الظن المشركون لا الرسل فلما زالت الشبهة قام مسلم ابن يسار وعانق سعيد بن جبير فلا دليل إذن «لجولد تسيهر» في هذه القصة ولا حجة لشبهته.

__________________

(١) نسب هذه القراءة الشاذة أبو حيان في تفسيره ٥ / ٣٥٥ لكل من ابن عباس ومجاهد والضحاك.

(٢) الكشف عن وجوه القراءات ٢ / ١٥.

(٣) انظر تفسير الطبري ١٣ / ٥٥.

٤٣

وتأكد لنا أن القراءات الصحيحة المتواترة تكون معانيها دقيقة وواضحة كل الوضوح ولا تعارض بينها ولكن قد يصعب فهم سرها على أمثال هؤلاء المستشرقين لجهلهم بهذا العلم الدقيق.

ج ـ تنزيها لنبي من الأنبياء ـ عليهم‌السلام ـ أو لأبنائهم أو أتباعهم مثالها قوله تعالى : (وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَ)(١).

قال «جولد تسيهر» : [إن بعضهم شك في أن النبي عمل عملا لم يخل من المؤاخذة تماما في بعض أمور يفسح المجال لأدنى افتراض ينسب إلى الرسول عملا بقراءة الفعل (يغل) مبنيا للمجهول ..].

الجواب :

هاتان القراءتان متواترتان ثبت قراءتهما عن النبي ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ فقد قرأ بالبناء للمعلوم (يغل) ابن كثير وأبو عمرو وعاصم. وقرأ الباقون بالبناء للمجهول (يغل) ولفظة (الغل) تفيد الخيانة في خفاء.

قال بعض اللغويين هي مأخوذة من الغلل. وهو الماء الجاري في أصول الشجر والدوح.

قال أبو عمرو : تقول العرب : أغل الرجل يغل إغلالا : إذا خان ولم يؤد الأمانة ومنه قول النمر بن تولب :

جزى الله عني جمرة ابنة نوفل

جزاء مغل بالأمانة كاذب

أو تقول من (الغل) الذي هو الضغن. غل يغل بكسر الغين ويقولون في الغلول من الغنيمة غل يغل بضم الغين. والغلول في الآية في كلا القراءتين لا ينسب للرسول ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ كما ظن ذكر «جولد تسيهر» بل لمن أخذ من الغنيمة من المسلمين خفاء قال ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير : فقدت قطيفة حمراء

__________________

(١) سورة آل عمران : ١٦١.

٤٤

من المغانم يوم بدر. فقال بعض مع من كان مع النبي ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ : لعل رسول الله ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ أخذها فنزلت.

وروي أن المفقود سيف. وقيل في نزولها غير ذلك.

فمن قرأ (يغل) بالبناء للمعلوم فحجته في ذلك ما جاء من هذه الصيغة في التنزيل وبالإسناد للفاعل كقوله تعالى : (ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللهِ مِنْ شَيْءٍ)(١).

وقوله تعالى : (وَما كانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ)(٢).

فمعنى الآية على هذه القراءة : ما كان لنبي أن يخون أصحابه فيما أفاء الله عليهم وذلك لأن الغلول معصية. والنبي ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ معصوم من المعاصي فلا يمكن أن يقع في شيء منها.

أما المعنى على القراءة الثانية : يغل بالبناء للمجهول يكون : ما كان لنبي أن يخونه أصحابه في الغنائم يأخذهم منها خفية دون إذنه وقبل القسمة فتكون لنهي الناس عن الغلول في المغانم. وخص النبي ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ بالذكر وإن كان ذلك حراما مع غيره ؛ لأن المعصية بحضرة النبي أشنع لما يجب من تعظيمه وتوقيره كالمعصية بالمكان الشريف واليوم المعظم.

ومن هنا يظهر صحة هاتين القراءتين وسلامة معناهما على غير ما فهمه «جولد تسيهر» وغيره من المستشرقين.

د ـ تنزيها لأبناء الرسل أو أتباعهم. قوله تعالى في حق الحواريين : (إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً ..)(٣).

__________________

(١) سورة يوسف : ٣٨.

(٢) سورة التوبة : ١١٥.

(٣) سورة المائدة : ١١٢.

٤٥

قال «جولد تسيهر» : [ومثل هذا السؤال لا يكون صدر على لسان الحواريين لهذا قرأ بعضهم مع اقتصار للتركيب :

(هل تستطيع ربك) بمعنى هل تستطيع سؤال ربك أي أن تجعله يفعل ذلك بناء على سؤالك إياه](١).

الجواب :

القراءتان سبعيتان متواترتان.

قرأ الكسائي من القراء السبعة (هل تستطيع ربك) بالتاء خطابا لعيسى ونصب لفظ (ربك) وقد قرأ بها علي ومعاذ بن جبل ، وابن عباس ، وعائشة ، وابن جبير ، وجماعة.

والمعنى : هل تستطيع يا عيسى سؤال ربك أن ينزل علينا مائدة وقرأ الباقون : (هل يستطيع ربك) بياء الغيبة ورفع لفظ (ربك) والمعنى : هل يطيع ربك فيجيب سؤالك بإنزال مائدة من السماء.

وليس سؤال الحواريين لعيسى ـ عليه‌السلام ـ سؤال شك بل سؤال اطمئنان وهذا كما يقول الإنسان لصاحبه : هل تستطيع أن تقوم معي وهو يعلم أنه مستطيع له ولكنه يريد هل يسهل عليك.

أو أن الأمر بغاية الوضوح لا يجوز لعاقل أن يشك فيه فالاستفهام يريد التقرير. فلا شك في الاستطاعة (٢). فهم عالمون باستطاعته علم دلالة وخير ، فأرادوا بسؤاله علم معاينة كذلك كما قال إبراهيم ـ عليه‌السلام ـ : (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى)(٣).

__________________

(١) مذاهب التفسير الإسلامي ص ٣٦ ـ ٣٧.

(٢) انظر تفسير البحر المحيط ٤ / ٥٣ ـ ٥٤ ، والجامع لأحكام القرآن ـ للقرطبي ٦ / ٣٦٥. والكشف عن وجوه القراءات السبع ١ / ٤٢٢ ، وانظر تفسير روح المعاني ٤ / ٥٩.

(٣) سورة البقرة : ٢٦٠.

٤٦

فعلى هذا فالقراءتان متواترتان وواضحتان في معانيهما وليس في أحدهما أي شبهة بنسبة الشك للحواريين ـ عليهم‌السلام ـ (١) على ما زعم «جولد تسيهر».

المسألة الثانية :

٢ ـ إقحام بعض الزيادات من أجل مذهب فقهي قاصدين بذلك تحديدا أقرب لأمر تشريعي يبدو غامض التعبير في النص المشهور.

أ ـ مثال ذلك قوله تعالى : (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً)(٢).

فزاد المجيزون لنكاح المتعة بعد قوله : (منهن) [إلى أجل مسمى] لتصبح القراءة : «فما استمتعتم به منهن [إلى أجل مسمى] فأتوهن أجورهن فريضة» تقوية لتأسيس جواز هذا النوع من عقد النكاح (٣).

الجواب :

هذه القراءة منسوبة إلى أبي وابن مسعود وابن عباس ولكنها قد نسخت ، وهي من آحاد التلاوة لم تبلغ التواتر. فهي إذن من قبيل القراءة التفسيرية.

ودليل نسخ هذه القراءة وتحريم زواج المتعة خلافا للشيعة الإمامية. ما رواه مسلم بسنده عن الربيع بن سبرة الجهني ، أن أباه حدثه أنه كان مع رسول الله ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ فقال : «يا أيها الناس إني قد كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء. وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة. فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله ، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا»(٤).

أما من نسب ذلك لابن عباس من إجازته له فذلك لسوء فهمه لفتواه.

__________________

(١) انظر الجامع لأحكام القرآن ٦ / ٣٥٦.

(٢) سورة النساء آية (٢٤).

(٣) مذاهب التفسير الإسلامي ص ٢٣.

(٤) صحيح مسلم ٢ / ١٠٢٥ كتاب النكاح ـ باب نكاح المتعة.

٤٧

لأنه كان يفتي بجوازه للحاجة والضرورة فقط ولم يبحه مطلقا ، وكان إحلاله له مثل ما أحل الله من الميتة والدم ولحم الخنزير في ساعة الاضطرار ، وكان ذلك منه قبل بلوغه التحريم (١).

وقد صار تحريمه أشبه بالإجماع إلا عن بعض الشيعة وهم الإمامية حيث أباحوه مخالفين في إباحته جمهور الأمة ومخالفين في ذلك قواعدهم حيث لا يصح في قواعدهم مخالفة علي ـ رضي الله عنه ـ وقد صح عنه نسخه وتحريمه لنكاح المتعة.

روى مسلم في صحيحه بسنده إلى علي ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ «نهى عن متعة النساء يوم خيبر ، وعن أكل لحوم الحمر الإنسية» (٢).

والآية على نقيض ما ذكره «جولد تسيهر» نزلت في عقد النكاح الصحيح كما يدل عليه سياقها ، وترتبت عليها أحكام فقهية قررها الفقهاء ، فلا علاقة لها بنكاح المتعة المحرم (٣).

ب ـ والمثال الثاني : قوله تعالى في كفارة حنث يمين اللغو : (إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ .. أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ)(٤).

زعم «جولد تسيهر» أن الأحناف أقحموا في النص كلمة (متتابعات) لتأييد رأيهم الفقهي القائل باشتراط التتابع في صيام الكفارة (٥) ثم نسب «جولد تسيهر» هذه القراءة لأبي وابن مسعود ـ رضي الله عنهما ـ.

__________________

(١) انظر فقه السنة ـ السيد سابق ٢ / ٤٢.

(٢) صحيح مسلم ٢ / ١٠٢٧ كتاب النكاح ـ باب نكاح المتعة.

(٣) حاشية مذاهب التفسير الإسلامي ص ٢٣ بقلم الدكتور عبد الحليم النجار.

(٤) سورة المائدة آية : (٨٩).

(٥) مذاهب التفسير الإسلامي ص ٢٦.

٤٨

الجواب :

هذا من غرائب آراء «جولد تسيهر» حيث نص أن هذه الزيادة مما أقحمه الأحناف لتأييد رأيهم الفقهي ، ولبيان ضعف وجهة نظر من تساهل من أصحاب المدارس الأخرى. والمعروف أن هذه القراءة كانت قبل وجود المدارس الفقهية سواء الحنفية أو غيرها.

ومما يؤكد سبقها للمدارس ما ذكره «جولد تسيهر» نفسه أنها قراءة أبي وابن مسعود ـ رضي الله عنهما ـ.

ولكن نقول إذا كان سند هذه القراءة صحيحا فتكون مما استأنس به الأحناف لدعم رأيهم الفقهي لا هم اخترعوها كما زعم «جولد تسيهر» وهذه القراءة لم تصل حد التواتر بل هي تمثل رأي عبد الله بن مسعود الذي بنى الأحناف مدرستهم على أسسه في الأحكام الفقهية.

أما إذا لم يصح سند هذه الرواية لابن مسعود فقد كفينا الرد عليها إلا أن يوجه ذلك بما ذكرنا من أن زياداته كانت تفسيرا لا قرآنا (١).

كل هذا يبطل ظنون وتخيلات «جولد تسيهر».

المسألة الثالثة :

٣ ـ تغيير بعض القراءات مراعاة لبعض القواعد النحوية.

ومثال ذلك قوله تعالى : (وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ)(٢) حيث ضعف «جولد تسيهر» قراءة ابن عامر (زين) مؤيدا قوله بما نقل عن الزمخشري وغيره بتضعيف هذه القراءة للفصل بين المصدر وفاعله المضاف إليه بالمفعول ؛ للتشتيت في التركيب. ناسبا الجهل

__________________

(١) حاشية مذاهب التفسير الإسلامي ص ٢٦.

(٢) سورة الأنعام : ١٣٧.

٤٩

للزمخشري في معرفة أن هذه القراءة متواترة قرأها النبي ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ على جبريل ـ عليه‌السلام ـ.

الجواب :

هاتان القراءتان متواترتان ، صح قراءة رسول الله ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ لهما على جبريل ـ عليه‌السلام ـ كما صح تلقي الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ لهما عنه ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ فقراءة الجمهور : أهل الحرمين وأهل الكوفة وأهل البصرة (زين) بفتح الزاي والياء.

ولم يخالف قراءة الجمهور إلا ابن عامر الذي قرأ (زين) بضم الزاي وكسر الياء. وقراءة ابن عامر على ما لم يسم فاعله (قتل) بالرفع على أنه مفعول لزين (أولادهم) بالنصب أعمل فيه القتل ، (شركائهم) بالخفض على إضافة القتل إليهم لأنهم الفاعلون ، فأضاف الفعل إلى فاعله على ما يجب في الأصل لكنه فرق بين المضاف والمضاف إليه فقدم المفعول وتركه منصوبا على حاله ، إذ كان متأخرا في المعنى ، وأخر المضاف وتركه مخفوضا على حاله إذ كان متقدما بعد القتل.

وقد نسب بعضهم الضعف لهذه القراءة بسبب التفريق بين المضاف والمضاف إليه. ولكنهم جوزوه في الشعر فقط ، وعدوا إجازته في القرآن بعيدا.

وقد نقل الإمام «ابن الجزري» رأي جمهور نحاة البصرة في ذلك على أن التفريق بين المضاف والمضاف إليه لا يجوز إلا في ضرورة الشعر.

أما أهل الكوفة فيجوزون التفريق بين المضاف والمضاف إليه على الإطلاق. وقد ذكروا أن الفصل بينهما فقاعدة صحيحة ، ولكنها قليلة الاستعمال وعليها شواهد عدة (١).

__________________

(١) خزانة الأدب ـ للبغدادي ٢ / ٢٥١ فما بعدها وانظر حاشية حجة القراءات ص ٢٧٣ ، بقلم سعيد الأفغاني.

٥٠

فمن هذه القاعدة تكلم الزمخشري في هذه القراءة. والذي حمله على ذلك كما قال «ابن الجزري» إنه رأى في بعض المصاحف (شركائهم) مكتوبا بالياء. ولو قرأ بجر (الأولاد والشركاء) لكان الشركاء هم الموءودون لأنهم شركاء في النسب والمواريث أو لأنهم قسيموا أنفسهم وأبعاض منها وجد في ذلك مندوحة.

وعلق ابن الجزري على قول الزمخشري قائلا : «والحق في غير ما قاله الزمخشري. ونعوذ بالله من قراءة القرآن بالرأي والتشهي وهل يحل لمسلم القراءة بما يجد في الكتابة من غير نقل؟! بل الصواب جواز مثل هذا الفصل بين المصدر وفاعله والمضاف إليه بالمفعول في الفصيح الشائع لذاته اختيارا ، ولا يختص ذلك بضرورة الشعر. ويكفي على ذلك دليلا هذه القراءة الصحيحة المشهورة التي بلغت التواتر. كيف وقارئها ابن عامر من كبار التابعين الذين أخذوا القراءة عن الصحابة كعثمان بن عفان وأبي الدرداء ـ رضي الله عنهما ـ وهو مع ذلك عربي صريح من صميم العرب ، فكلامه حجة ، وقوله دليل لأنه كان قبل أن يوجد اللحن ويتكلم به ، فكيف وقد قرأ بما تلقى وتلقن وروى وسمع ورأى إذ كانت كذلك في المصحف العثماني المجمع على اتباعه. وقارئها لم يكن خاملا ولا غير متبع ولا في طرف من الأطراف ليس عنده من ينكر عليه إذا خرج عن الصواب فقد كان في دمشق التي هي إذ ذاك دار الخلافة وفيها الملك والمأتي إليها والناس يقصدونها من كل أقطار الأرض في زمن خليفة هو أعدل الخلفاء وأفضلهم بعد الصحابة الإمام «عمر بن عبد العزيز» ـ رضي الله عنه ـ أحد المجتهدين المتبعين الأتقياء العدول.

وهذا الإمام القارئ أعني ابن عامر مقلدا في هذا الزمن الصالح قضاء دمشق ومشيختها وإمامة جامعها الأعظم الجامع الأموي. ولقد بلغنا عن هذا الإمام أنه كان يجلس في حلقته أربعمائة عريف يقومون عنه بالقراءة ولم يبلغنا عن أحد من السلف ـ رضي الله عنهم ـ على اختلاف مذاهبهم وتباين لغاتهم وشدة ورعهم أنه أنكر على ابن عامر شيئا من قراءته ولا طعن فيها ولا أشار إليها بضعف ، ولقد كان الناس بدمشق وسائر بلاد الشام حتى الجزيرة الفراتية

٥١

وأعمالها لا يأخذون إلا بقراءة ابن عامر ولا زال الأمر كذلك إلى صدر الخمسمائة من الهجرة.

وأول من نعلمه أنكر هذه القراءة وغيرها من القراءات الصحيحة وركب هذا المحذور «ابن جرير الطبري» بعد الثلاثمائة ، وقد عد ذلك من سقطات ابن جرير ، حتى قال «السخاوي» : «قال لي شيخنا أبو القاسم الشاطبي : إياك وطعن ابن جرير على ابن عامر».

ولله در إمام النحاة أبي عبد الله بن مالك ـ رحمه‌الله ـ حيث قال في كافيته الشافية :

وحجتي قراءة ابن عامر

فكم لها من عاضد وناصر

وهذا الفصل الذي ورد في هذه القراءة منقول من كلام العرب ، من فصيح كلامهم جيد من جهة المعنى أيضا ، فقد ورد في أشعارهم كثيرا حيث أنشد من ذلك سيبويه والأخفش وأبو عبيد وثعلب وغيرهم ما لا ينكر مما يخرج به كتابنا عن المقصود. وقد صح من كلام رسول الله ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ «فهل أنتم تاركوا لي صاحبي» ففصل بالجار والمجرور بين اسم الفاعل ومفعوله مع ما فيه من الضمير المعنوي ففصل المصدر بخلوه من الضمير أولى بالجواز.

وقرئ : (فَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ)(١).

وأما قوته من جهة المعنى فقد ذكر «ابن مالك» ذلك في ثلاثة أوجه :

أحدها : كون الفاصل فضلة فإنه لذلك صالح لعدم الاعتداد به.

الثاني : أنه غير أجنبي معنى لأنه معمول للمضاف هو والمصدر.

الثالث : أن الفاصل مقدر التأخير لأن المضاف إليه مقدم التقديم.

لأنه فاعل في المعنى ، حتى إن العرب لو لم تستعمل مثل هذا الفصل

__________________

(١) سورة إبراهيم آية : ٤٧.

٥٢

لاقتضى القياس استعماله ؛ لأنهم قد فصلوا في الشعر بالأجنبي كثيرا فاستحق الفصل بغير أجنبي أن يكون له مزية فيحكم بجوازه مطلقا. وإذا كانوا قد فصلوا بين المضافين بالجملة في قول بعض العرب «هو غلام ـ إن شاء الله ـ أخيك ، فالفصل بالمفرد أسهل ..».

أما قراءة الجمهور : (زين) بفتح الزاي والياء على ما يسمى فاعله ، ونصبوا (قتل) ب (زين) وخفضوا (الأولاد) لإضافة (قتل) إليهم ، حيث أضافوه للمفعول. ورفعوا (شركاؤهم) بفعلهم التزيين فهو الأصل ، والمصدر يضاف إلى المفعول به أو إلى الفاعل ، لأنه هو أحدثه ولأنه لا يستغنى عنه ، ويستغني عن المفعول ، وإنما جاز أن يضاف إلى المفعول كما جاز أن يقوم المفعول مقام الفاعل. ولا يحسن أن يرتفع (الشركاء) بالقتل لأن فعل (زين) يبقى بغير فاعل. و (الشركاء) ليسوا قاتلين إنما هم مزينون ، والقاتلون هم المشركون حيث زين لهم شركاؤهم قتل أولادهم (١).

فعلى هذا يظهر لنا صحة القراءتين : أما طعن «جولد تسيهر» بالقراءة السبعية ومن قبله «الزمخشري» ليس بحجة على ثبوت قراءة صحيحة أو عدم ثبوتها فالقراءة عندنا سنة متبعة إن ثبتت لا حجة لأحد لإبطالها عقلا أو لغة أو غير ذلك فالقراءة الصحيحة حجة على اللغة وغيرها لا العكس.

المسألة الرابعة :

٤ ـ التناقض في القراءة لتحقيق إحدى العلاقات التاريخية :

استشهد «جولد تسيهر» لهذه القاعدة بقوله تعالى في سورة الروم : (غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ) حيث قال : [وقد يحدث أن يستبعد المعنى المفهوم من النص المشهور تماما ، ويوضع مكانه ما هو نقيضه. ويقدم مطلع سورة الروم ذكرا لإحدى العلاقات التاريخية

__________________

(١) النشر في القراءات العشر ـ لابن الجزري ٢ / ٢٦٣ ـ ٢٦٥.

٥٣

المعاصرة .. ثم قال : ونرى أن في القراءة المشهورة والقراءة المخالفة لها تأويلين متغايرين تغايرا بعيدا. فالمنتصرون في القراءة المشهورة هم المنهزمون في القراءة المخالفة. والفعل المبني للفاعل في الأولى مبني للمفعول في الثانية ، وإذا فهما قراءتان وتأويلان لجملة واحدة من كلام الله متعارضان إلى أبعد مدى ..].

الجواب :

هذه الآية فيها قراءتان :

الأولى : «غلبت .. سيغلبون» وهذه القراءة متواترة.

أما القراءة الثانية «غلبت .. سيغلبون» فهي قراءة شاذة وهذه القراءة منسوبة للإمام علي بن أبي طالب وأبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنهما ـ.

فمعنى القراءة المتواترة أن الروم الذين هزمهم الفرس موعودون بالنصر في مرة أخرى على أعدائهم.

أما معنى القراءة الشاذة : أن الروم الذين انتصروا على بعض القبائل العربية على الحدود السورية ، سيهزمهم المسلمون في بضع سنين. فالمعنى في كلا القراءتين واضح لا لبس فيه ولا تناقض بينهما كما فهم «جولد تسيهر».

أما الصواب فهو القراءة المتواترة والذي يؤيدها سبب نزولها الذي رواه الإمام الواحدي في كتاب (أسباب النزول) عن ابن أبي حاتم عن ابن شهاب قال : بلغنا أن المشركين كانوا يجادلون المسلمين وهم بمكة قبل أن يخرج رسول الله ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ فيقولون : الروم يشهدون أنهم أهل كتاب وقد غلبهم المجوس وأنتم تزعمون أنكم ستغلبوننا بالكتاب الذي أنزل على نبيكم. فكيف غلب المجوس وهم ليسوا أهل كتاب فسنغلبكم كما غلب فارس الروم فأنزل الله (الم غُلِبَتِ الرُّومُ ..)(١)(٢).

__________________

(١) سورة الروم : ١ ـ ٣.

(٢) أسباب النزول ، الواحدي ٢ / ٣٥.

٥٤

والإخبار في الآية على سبيل القطع واليقين وإخبار الواثق لأنه وحي إلهي كريم يعكس ما ظنه «جولد تسيهر» أنه رجاء وأمل أن يتم ذلك ؛ لذا حدد الفترة التي سيتم فيها النصر ـ في بضع سنين ـ وعدم تحديد سنة بعينها مع علمه بذلك لأن الناس منهم من يحسب بالشمس ، ومنهم من يحسب بالقمر ، ومنهم من يكمل الكسور ، ومنهم من يلغيها ، فكان مقتضى الحكمة التعبير باللفظ الصادق على كل تقدير. ليكون أقطع للشبهة وأبعد عن كل جدل ومكابرة.

فحينئذ تكون الآية من الإخبار بالمستقبل المغيب الخاص علمه بالله تعالى ، وتكون من البراهين الدالة على صدق نبوة سيدنا محمد ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ وصدق المنزل عليه (١).

بعث كسرى جيشا إلى الروم واستعمل عليهم رجلا يسمى (شهريراز) فسار إلى الروم ، بأهل فارس فظهر عليهم فقتلهم ، وخرب مدائنهم ، وقطع زيتونهم ، وقد كان قيصر بعث رجلا يدعى «يحنس» فالتقى مع «شهريراز» بأذرعات وبصرى ، وهي أدنى الشام إلى أرض العرب ، فغلب فارس الروم ، وبلغ ذلك النبي ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ وأصحابه بمكة ، فشق ذلك عليهم ، وكان النبي ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ يكره أن يظهر الأميون من المجوس على أهل الكتاب من الروم ، وفرح كفار مكة وشمتوا ، فلقوا أصحاب النبي ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ فقالوا : إنكم أهل الكتاب ، والنصارى أهل كتاب ، ونحن أميون ، وقد ظهر إخواننا من أهل فارس على إخوانكم من الروم وإنكم إن قاتلتمونا لنظهرن عليكم ، فأنزل الله تعالى : (الم. غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ) إلى آخر الآيات. فخرج أبو بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ إلى الكفار فقال : أفرحتم بظهور إخوانكم على إخواننا فلا تفرحوا ولا يقرن الله أعينكم فو الله ليظهرن الروم على فارس أخبرنا بذلك نبينا ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ فقام إليه أبي بن خلف ، فقال : كذبت يا أبا فضيل ، فقال أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ : أنت أكذب يا عدو الله أناحيك عشر قلائص مني وعشر

__________________

(١) القراءات في نظر المستشرقين والملحدين ص ١١٣ ـ ١١٧.

٥٥

قلائص منك فإن ظهرت الروم على فارس غرمت وإن ظهرت فارس على الروم غرمت إلى ثلاث سنين ثم جاء أبو بكر إلى النبي ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ فأخبره. فقال : ما هكذا ذكرت إنما البضع ما بين الثلاث إلى التسع فزايده في الخطر وماده في الأجل فخرج أبو بكر فلقي أبيا فقال : لعلك ندمت فقال : لا فقال : أزايدك في الخطر وأمادك في الأجل ، فاجعلها مائة قلوص إلى تسع سنين قال : قد فعلت. فأظهر الله الروم على فارس عند رأس البضع سنين وهذا كان من قمارهم الأول ..».

بهذا التوضيح يظهر بطلان زعم «جولد تسيهر» أن القرآن الكريم فيه تناقض وتعارض مراعاة لإحدى العلاقات التاريخية.

المسألة الخامسة :

٥ ـ زيادات دخلت القراءات كتكميلات مفسرة دفعا للاضطراب ، أو لإزالة غامض ، أو لإزالة شبهة دينية ، أو تحديد مسألة فقهية .. إلخ. وقد جعل عمدة هذه الزيادات الصحابيان الجليلان عبد الله بن مسعود ، وأبي بن كعب ـ رضي الله عنهما ـ وقد ذكرت بعض هذه الزيادات في النقطة الأولى والثانية وقد علق «جولد تسيهر» على هذه المسألة قائلا : [وليس بواضح حقا ما قصد من هذه الزيادات : هل قصد أصحابها من ذلك إلى تصحيح حقيقي للنص ، أو إلى إضافة تعليقات موضحة فقط لا تغير النص في شيء .. بل موضحة لنص الوحي](١).

الجواب :

إن مكانة هذين الصحابيين تمنع جهلهما بشيء من هذه القراءات وخاصة أنهما ممن تلقيا من رسول الله ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ القراءة وحث الرسول ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ الناس بتلقي القرآن عنهما قال ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ : «تعلموا القرآن من أربعة : عبد الله بن

__________________

(١) مذاهب التفسير الإسلامي ص ١٦ وما بعدها.

٥٦

مسعود ، وسالم مولى أبي حذيفة ، وأبي بن كعب ، ومعاذ بن جبل» (١).

فمكانتهما العلمية ، وشهادة رسول الله ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ تنزههما عن تغيير نص قرآني ، وما كان منهما أنهما كانا كبقية الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ يحتفظون بنسخ خاصة بهم فيها القرآن المتواتر ، والآحادي ، والزيادة التفسيرية الموضحة للنص ، وهذه الزيادة في القراءة أشبه ما تكون بالمدرج في الحديث.

ومن هذه الأمثلة التي ذكرها «جولد تسيهر» كالقراءة التي نسبها لابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ في قوله تعالى : (وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ)(٢) [وهو قاعد](٣).

وهذه وأمثالها من باب الزيادة التفسيرية ، وهو مفهوم من النص ضمنا وهو ليس قرآنا بل من آحادي التلاوة.

فهذه الأمثلة لا تصلح حجة ل «جولد تسيهر» وغيره من المستشرقين لاتهام الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ بتغيير النص القرآني تشهيا ، أو لحريتهم الفكرية أو لجرأتهم المعهودة.

وإنما الأمر مرده لتلقي الصحابة القراءة عن رسول الله ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ والزيادات منهم كانت كناحية تفسيرية ، أو ضبطا لحكم فقهي ، أو مسألة علمية جعلوا كل هذا نصا قرآنيا جديدا تلاعبت أيدي الصحابة بالنص الأصلي حتى صار هكذا.

__________________

(١) خرجه الإمام البخاري في صحيحه ج ٤ / ٢٨٨ باب مناقب الأنصار ، مناقب أبي بن كعب ١٦ بلفظ (خذوا القرآن من أربعة : من عبد الله بن مسعود ، فبدأ به وسالم مولى أبي حذيفة ومعاذ ابن جبل ، وأبي بن كعب).

(٢) سورة هود : (٧١).

(٣) مذاهب التفسير الإسلامي ص ٢٢.

٥٧

المسألة السادسة :

٦ ـ تغيير في القراءة قصد منها حسم قضية جاءت في النص القرآني غير حاسمة ومثال ذلك قوله تعالى : (اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ)(١) حيث غير الصحابي الجليل منطوق النص بتغيير «مع» إلى «من» (٢).

الجواب :

القراءة المتواترة جاءت ب «مع» أما القراءة الثانية ب «من» فهي قراءة شاذة ، وهي منسوبة لابن عباس وابن مسعود ـ رضي الله عنهما ـ (٣).

فمعنى القراءة المتواترة : اتقوا الله في الدنيا بامتثال أوامره واجتناب نواهيه ، وكونوا مع الصادقين في نواياهم ، المخلصين في أعمالهم لربهم سبحانه لتكونوا مع الصادقين في الجنة.

أما القراءة الثانية فمعناها كونوا مع الصادقين في حديثكم كما كان يتأولها هذان الصحابيان.

و «من» أعم من «مع» فعبر ب «مع» ليظهر فضيلة الصدق ، ومن كان من قوم فهو معهم في المعنى المأمور به ولا ينعكس ذلك. فالإنسان إذا اجتهد بأخلاق الصادقين يصبح الإنسان من الصادقين ثم يصبح مع الصادقين. فهذه القراءة. إذن قراءة آحاد لم تثبت قرآنيتها فهي شاذة ولكنها تفسد معنى تفسيريا لا غير. والمرجع في القراءات كلها النقل والرواية لا أشخاص من قالها.

المسألة السابعة :

٧ ـ تغيير القراءة بلفظ مرادف يحمل نفس المعنى للفظ صحيح.

__________________

(١) سورة التوبة : (١١٩).

(٢) مذاهب التفسير الإسلامي ص ٤٥.

(٣) انظر تفسير البحر المحيط ج ٥ / ١١١.

٥٨

وقد نقل «جولد تسيهر» لهذا مثالا وهو قوله تعالى : (نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ)(١) حيث قرأ أبو السرار (٢) الغنوي «نسمة عن نسمة» (٣).

الجواب :

هذه القراءة من شواذ القراءات ، لم تثبت قرآنيتها. وقارئها أبو السرار الغنوي من الذين لا يؤخذ لهم في القرآن برأي ولا يعد قولهم فقها.

المسألة الثامنة :

٨ ـ تغير بعض القراءات أدى التغيير لمسخ القراءة.

واستشهد «جولد تسيهر» لذلك بقوله تعالى : «يطاف عليهم بكأس من معين. صفراء لذة للشاربين» (٤).

حيث قرأ ابن مسعود بدلا من «بيضاء» «صفراء» واعتبر «جولد تسيهر» هذا التغيير مسخا للقراءة (٥).

الجواب :

ذكر هذه القراءة الشاذة الآلوسي في تفسيره (٦) ونسبها لعبد الله بن مسعود. ولكن الأمر ليس كما تصور «جولد تسيهر» أن قراءة عبد الله مسخت القراءة الأصلية. بل إن قراءة الجمهور «بيضاء» جاءت وصفا إما للكأس الذي يصب فيه خمر الجنة. أو وصف لخمر الجنة قبل عصرها ووصفها بالبياض جاء

__________________

(١) سورة البقرة : (٤٨).

(٢) أبو السرار الغنوي : قال عنه الدكتور عبد الحليم النجار كان أبو السرار الغنوي كرؤبة وغيره من أجلاف العرب ومتأخريهم الذين لا يؤخذ لهم في القرآن برأي ولا يعد قولهم فقها. انظر حاشية مذاهب التفسير الإسلامي ص ٢٧ بقلم الدكتور عبد الحليم النجار.

(٣) مذاهب التفسير الإسلامي ص ٢٦ ـ ٢٧.

(٤) سورة الصافات آية : (٤٥ ـ ٤٦).

(٥) مذاهب التفسير الإسلامي ص ٢٩.

(٦) روح المعاني في تفسير القرآن العظيم ١٢ / ٨٧.

٥٩

على لسان الحسن ـ رضي الله عنه ـ «إن خمر الجنة أشد بياضا من اللبن».

أما قراءة عبد الله «صفراء» فهي وصف لخمر الدنيا بعد المزج وإلا فهي قبله حمراء.

وجاء وصفها بالصفار بقول أبي نواس :

صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها

لو مسها حجر مسته سراء

وجاء وصفها قبل المزج «بالحمار» بقول الشاعر :

وحمراء قبل المزج صفراء بعده

آتت في ثيابي نرجس وشقائق

حكت وجنة المحبوب صرفا فسلطوا

عليها مزاجا فاكتست لون عاشق )

فمن هنا يظهر أن الوصفين جاءا للخمر أحدهما قبل مزجها والآخر بعده فقراءة الجمهور «بيضاء» جاءت لأحدهما ، والوصف الثاني «صفراء» جاء للوصف الثاني منهما.

فلا مسخ للقراءة. والذي يؤخذ به من القراءتين قراءة الجمهور وهي السبعية المتواترة. ولأن القراءة تؤخذ بالرواية لا بالاجتهاد.

أما قراءة ابن مسعود فهي لم تثبت فهي تعتبر آحادية التلاوة «تفسيرية للنص» فلا تعد قرآنا.

بهذا الرد يظهر لنا جليا سوء نوايا «جولد تسيهر» في أقواله في القراءات ، كما يظهر انجرار أصحاب الموسوعة البريطانية خلفه حيث تبنوا أقواله في هذا الأمر الخطير.

والأمر الذي ناقشته كون الاختلاف في القراءات ناتج عن اجتهاد من الصحابة لجرأتهم وحريتهم الفكرية في الخروج عن النص فوضحت أن القراءة «سنة متبعة» لا يجوز فيها الاجتهاد والتشهي وإنما مدارها على النقل والرواية الصحيحة.

__________________

(١) الجامع لأحكام القرآن ١٥ / ٧٨ ، وروح المعاني ١٢ / ٨٧.

٦٠