🚘

آراء المستشرقين حول القرآن الكريم وتفسيره - ج ٢

د. عمر بن إبراهيم رضوان

آراء المستشرقين حول القرآن الكريم وتفسيره - ج ٢

المؤلف:

د. عمر بن إبراهيم رضوان


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٩٦
🚘 الجزء ١ 🚘 الجزء ٢
🚘 نسخة غير مصححة

على نفس الرتبة من الفصاحة لا فرق بين مكيه ومدنيه ، ولا آيات عقائده أو آيات تشريعاته .. إلخ.

فلما كان هذا القرآن نسجا واحدا في فصاحته ، وبلاغته ، ونظمه ، وكان كله بالغا حد الإعجاز علم أنه ليس إلا من عند قادر على ما لا يقدر عليه غيره ، عالم بما لا يعلمه أحد سواه ، وهو الله سبحانه وتعالى (١) وعدم وقوف بعض الناس على هذا الجانب في كتاب الله ـ سبحانه ـ عائد لعجزهم وضعفهم وقصور علمهم لا لضعف في كتاب الله ، ولا تدافع وتناقض في آياته.

وعلى رأس هؤلاء الذين أعجزتهم فصاحته ، وغلبت أفهامهم بلاغته ، وأبهرهم حسن نظمه ومعانيه ، المبشرون والمستشرقون ، من أجل ذلك نسبوا له التناقض والتدافع والتعارض بين آياته ليدفعوا جانب الإعجاز فيه فبذلوا وسعهم في الاستدلال على زعمهم بأدلة لم يفهموا معانيها ولم يقدروا على الجمع بين آياتها وسأبين وجه الصواب فيها.

المثال الأول :

قال الله تعالى في سورة النحل عن القرآن : (لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ)(٢). والمبين ما لا يحتاج إلى تأويل.

فنقض ذلك بقوله في سورة آل عمران (٣) أنه فيه آيات متشابهات وأنه لا يعلم تأويله إلا الله (٤).

الجواب :

الآيتان ليس بينهما تناقض فالآيات قسمان :

__________________

(١) الكشاف ١ / ٥٤٦.

(٢) سورة النحل : (١٠٣).

(٣) سورة آل عمران : (٧) وهي قوله تعالى : هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ .. الآية.

(٤) أسرار عن القرآن ص ٣٥ ـ ٤٤.

١٤١

قسم محكم : وهو البين والواضح الذي لا يحتمل تأويلا وهذا يؤيده آية النحل السابقة.

وقسم متشابه : وهو الذي يحتمل أكثر من وجه وهذا الذي يخفى على كثير من الناس ولا يعلم تأويله إلا العالمون. ويؤيده آية آل عمران قال تعالى : (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ ..)(١) فالحكمة اقتضت أن تكون آيات الكتاب قسمين ، قسم يفهمه عامة الناس ، وقسم لا يفهمه إلا العالمون.

والحكمة في تنزيل المتشابه من الآيات لإظهار فضل العلم والعلماء ومن أجل التنافس في تعلم كتاب الله ـ عزوجل ـ وابتلاء واختبارا لإيمان الناس (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ) وأما العالمون المؤمنون به (يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا).

قال الإمام الزمخشري : [فإن قلت فهلا كان القرآن كله محكما؟ قلت لو كان كله محكما لتعلق الناس به لسهولة مأخذه ، ولأعرضوا عما يحتاجون فيه إلى الفحص والتأمل من النظر والاستدلال. ولو فعلوا ذلك لعطلوا الطريق الذي لا يتوصل إلى معرفة الله وتوحيده إلا به. ولما في المتشابه من الابتلاء والتمييز بين الثابت على الحق والمتزلزل فيه ، ولما في تقادح العلماء وإتعابهم القرائح في استخراج معانيه ورده إلى المحكم من الفوائد الجليلة ، والعلوم الجمة ، ونيل الدرجات عند الله ولأن المؤمن المعتقد أنه لا مناقضة في كلام الله ولا اختلاف فيه إذا رأى فيه ما يتناقض في ظاهره وأهمه طلب ما يوفق بينه ويجريه على سنن واحد ، ففكر وراجع نفسه وغيره ، ففتح الله عليه وتبين مطابقة المتشابه المحكم ازداد طمأنينة إلى معتقده وقوة في إيمانه](٢).

__________________

(١) سورة آل عمران : ٧.

(٢) الكشاف ١ / ٤١٢ ـ ٤١٣.

١٤٢

كما أن الله ـ سبحانه وتعالى ـ بين أن في كتابه آيات يحتاج الناس لمن يبينها لهم كبيان رسول الله ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ لصحابته قال تعالى : (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ)(١).

وقد وضح ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ هذا الأمر بقوله : [التفسير على أربعة أوجه : وجه تعرفه العرب من كلامها ، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته وتفسير يعلمه العلماء ، وتفسير لا يعلمه إلا الله تعالى](٢).

وكان يشكل بعض معاني القرآن الكريم على بعض الصحابة فيلتجئون لبعض علماء الصحابة لتوضيح ما غمض وأشكل عليهم فقد روى البخاري بسنده إلى سعيد أن رجلا قال لابن عباس إني أجد في القرآن أشياء تختلف عليّ قال : (فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ) (٣) (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ) (٤) ... فقال ابن عباس : فلا أنساب بينهم في النفخة الأولى ، ثم ينفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ، فلا أنساب بينهم عند ذلك ولا يتساءلون ، ثم في النفخة الآخرة أقبل بعضهم على بعض يتساءلون .. فلا يختلف عليك القرآن فإن كلا من عند الله (٥).

فمن هنا يظهر لنا بطلان شبهة «سال» بما استدل به من تناقض بين هاتين الآيتين.

المثال الثاني :

قال في سورة يونس خطابا لفرعون وقد اتبع بني إسرائيل بغيا حتى أدركه الغرق (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً)(٦).

__________________

(١) سورة النحل : ٤٤.

(٢) تفسير الطبري ـ طبعة دار المعارف ـ مصر ١ / ٧٥.

(٣) سورة المؤمنون : ١٠١.

(٤) سورة الصافات : ٢٧.

(٥) صحيح البخاري ٦ / ٣٥ ـ ٣٦. كتاب التفسير.

(٦) سورة يونس : ٩٢.

١٤٣

ويترتب على هذا الكلام أن الله نجى فرعون من الغرق فنقض ذلك بقوله في سورة الإسراء (فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً)(١) وبقوله في سورة القصص (فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِ)(٢).

فالآية تدل على نجاة فرعون من الغرق بعد ما أشرف عليه حتى يكون آية لمن خلفه من المصريين وهذا هو المعنى الذي أراده القرآن وإن كره المفسرون الذين فسروه أنه ألقى بدنه مجردا من الروح على نجوة ليكون آية لبني إسرائيل ..](٣).

الجواب :

هذه الآيات ليس بينها شيء من التناقض فآيتا سورة الإسراء والقصص صريحتان في موت فرعون غرقا ، أما الآية الثالثة التي وقع فيها اللّبس بالنسبة ل «سال» فهي موافقة لما في الآيتين من المعنى فهذه الآية جاءت لتصور ما كان في نفوس بني إسرائيل لفرعون من مكانة ومهابة حتى إنهم تصوروا أنه لن يغرق لأنه رب ـ على حد زعمه ـ ولم يصدقوا غرقه حتى شاهدوه بأعينهم مقذوفا من البحر على مرتفع من الساحل فكان في ذلك أبلغ العبرة لنصرة الله لهم ، وتأييده للمؤمنين (٤).

فالآية إذن لا توافق فهم «سال» وتعسفه في تفسير النص فيكون معنى (لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ) أي علامة لمن وراءك من بني إسرائيل لأنه طرح على ممرهم من ناحية البحر.

وإذا كان النصارى يمرون بقصة غرق فرعون بصمت ، فإن التوراة قد أشارت لموته فقد جاء في سفر الخروج : [.. فإن ضل فرعون دخلت بمركباته

__________________

(١) سورة الإسراء : ١٠٣.

(٢) سورة القصص : ٤٠.

(٣) أسرار عن القرآن ص ٣٦.

(٤) الكشاف ٢ / ٢٥٢.

١٤٤

وفرسانه إلى البحر ، ورد الرب عليهم ماء البحر ، وأما بنو إسرائيل فمشوا على اليابسة في وسط البحر](١).

وجاء في الإصحاح الخامس عشر من نفس السفر : [.. مركبات فرعون وجيشه ألقاهما في البحر. فغرق أفضل جنوده المركبية في بحر سوف تغطيهم اللجج قد هبطوا في الأعماق كحجر ..].

وفي عبارة أخرى : [كالرصاص في مياه غامرة](٢).

فهذا يؤكد ما جاء في القرآن الكريم حيث أشارت التوراة لغرقهم وعلى رأسهم فرعون الذي كان على رأس جيشه ، كما أشارت أنهم ترسبوا في قاع البحر كالرصاص أو الحجارة التي تستقر في قاع البحر ولكن القرآن هو الذي انفرد بالإشارة لطفو جثة فرعون وإلقائه على ساحل البحر على نجوة من ممرهم لتتحقق الآية في ذلك وهو قدرة الله سبحانه وتفرده في ربوبيته وبطلان دعوى فرعون أنه «رب».

وقد أكد العلم الحديث صدق ما ورد في القرآن الكريم حيث اكتشف علماء الآثار في أواخر القرن التاسع عشر جثث الفراعنة في وادي الملوك في «طيبا» في الضفة المقابلة للأقصر من النيل في مصر ومن بينها جثة فرعون الخروج واسمه «منفتاح» ابن رمسيس الثاني الذي هو فرعون الاضطهاد ، وقد احتفظ بجثة فرعون هذا في صالة المومياء الملكية في المتحف المصري في القاهرة (٣).

وقد قام الأستاذ «موريس بوكاي» مع مجموعة من الأطباء بفحص جثة فرعون فحصا تشريحيا قانونيا ليخرجوا بنتيجة مذهلة وهي وفاة فرعون غرقا ، ونجاة جثته من الرسوب في قاع البحر إلى الطفو والإلقاء على الساحل لتكون آية لمن يأتي بعده من أهل القرآن مخالفا في ذلك لفهم «سال» والأستاذ

__________________

(١) الكتاب المقدس ـ سفر الخروج ـ الإصحاح الرابع عشر.

(٢) الكتاب المقدس ـ سفر الخروج ـ الإصحاح الخامس عشر.

(٣) التوراة والإنجيل والقرآن والعلم ـ موريس بوكاي طبعة دار الكندي ص ٢٠٤.

١٤٥

«كوروايية» الأستاذ في المدرسة التوراتية في القدس حيث قال : [أشار القرآن السورة العاشرة آية ٩ ـ ٩٢] إلى ذلك فرعون مع جيشه قد غرق حسب الأعراف الشعبية [وهو ما لم يقله النص المقدس] واستقر في عمق البحر وتحت سلطة أركان بحريته «الفقمة» (١).

والنص كما في التوراة [.. مركبات فرعون وجيشه ألقاهما في البحر فغرق أفضل جنوده المركبية في بحر سوف تغطيهم اللجج. قد هبطوا في الأعماق كحجر .. وأما بنو إسرائيل فمشوا على اليابسة في وسط البحر](٢).

ولكن أين كلام «سال» و «كوروايية» من كلام الأستاذ «بوكاي» الذي ختم بحثه القيم بقوله عن فرعون [.. الإنسان الذي عرف موسى ، وقاوم عروضه ، ولاحقه في هربه ، ثم فقد حياته في ذلك.

وقد نجت جثته بإرادة الله من العدم ، وأصبحت آية للناس كما قد سجل القرآن ذلك.

يا لها من التماعة عجيبة للآيات القرآنية ، تلك المختصة بجسد فرعون المعروض في صالة المومياءات الملكية للمتحف المصري في القاهرة ، والتي تقدم لكل باحث في معطيات الاكتشافات الحديثة براهين صحة الكتابات المقدسة](٣).

المثال الثالث :

جاء في سورة البقرة : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)(٤) وهذا تصريح بأن من عمل صالحا من أهل الكتاب فهو ناج.

__________________

(١) التوراة والإنجيل والقرآن والعلم ص ٢٠٣.

(٢) انظر سفر الكتاب المقدس ـ سفر الخروج الإصحاح (١٥).

(٣) المرجع السابق ص ٢٠٦.

(٤) سورة البقرة : ٦٢.

١٤٦

وقال فيها أيضا : (لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ)(١) وهذا حظر صريح عن إكراه الناس على الدخول في دين لا يريدون الدخول فيه.

فنقض ذلك بقوله في سورة آل عمران : (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ)(٢).

وبقوله في سورة براءة (٣) وسورة التحريم : (جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ)(٤).

وبقوله في سورة البقرة : (وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ)(٥) والمراد بالفتنة هنا كل دين خالف الإسلام (٦).

الجواب :

هذه الآيات جميعها لا تناقض بينها وإنما تسير مع مرحلية الإيمان والجهاد فالآية الأولى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ....) الآية. تدل على أن العبرة بحقيقة العقيدة لا بعصبية جنس أو قوم ، وذلك طبعا قبل البعثة المحمدية أما بعدها فقد تحدد شكل الإيمان الأخير وهو الإيمان برسالة سيدنا محمد ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ وقبول الدين الذي جاء به وهو الإسلام وعدم اختيار غيره وهذا ما قررته سورة آل عمران التي أشار لها «سال» وهي قوله تعالى : (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ ..) وذلك لأن دينه ناسخ لما قبله من الأديان ، ورسالته خاتمة الرسالات ، لذا قرر سبحانه أن لا قبول لدين ولا لمعتقد بعد رسالة الإسلام إلا للإسلام فلا تعارض إذن بين الآيتين. فالأولى شكل الإيمان قبل البعثة المحمدية

__________________

(١) سورة البقرة : ٢٥٦.

(٢) سورة آل عمران : ٨٥.

(٣) سورة براءة : ٧٣.

(٤) سورة التحريم : ٩.

(٥) سورة البقرة : ١٩٣.

(٦) أسرار عن القرآن ص ٦٢.

١٤٧

والثانية تحديد شكله الأخير بعد البعثة المحمدية. ا ه. (١).

أما الآيات اللاحقة قوله تعالى : (لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ) والآيات الأخرى فقد وقف المستشرقون منها على طرفي نقيض فبعضهم وعلى رأسهم «جرجس سال» يثير أن الإسلام فرض بالسيف في الوقت الذي قرر فيه : أن لا إكراه في الدين ليوحي أن القرآن متناقض ، والإسلام مضطرب في تصرفاته وبعضهم وعلى رأسهم «سيرت» و «أرنولد» صاحب كتاب (الدعوة إلى الإسلام) يتظاهر بأنه يدفع عن الإسلام هذه التهمة ، وهو يحاول في خبث أن يخمد في حس المسلم روح الجهاد ، ويهون من شأن هذه الأداة في تاريخ الإسلام وفي قيامه وانتشاره. ويوحي إلى المسلمين ـ بطريق ملتوية ناعمة ماكرة ـ أن لا ضرورة اليوم أو غدا للاستعانة بهذه الأداة وذلك كله في صورة من يدفع التهمة الجارحة عن الإسلام (٢).

وهؤلاء وهؤلاء كلاهما من المستشرقين الذين يعملون في حقل واحد في حرب الإسلام .. لقد انتضى الإسلام السيف ، وناضل وجاهد في تاريخه الطويل لا ليكره أحدا على الإسلام ولكن ليكفل عدة أهداف كلها تقتضي الجهاد :

١ ـ جاهد الإسلام ليدفع عن المؤمنين الأذى والفتنة التي كانوا يسامونها وليكفل لهم الأمن على أنفسهم وأموالهم وعقيدتهم. وقد كان المسلمون يسامون الفتنة من أجل عقيدتهم ويؤذون ، فقد شهدت كثير من البلاد الإسلامية تعذيبا وحشيا وتقتيلا جماعيا قديما وحديثا من أعداء دينهم كما حصل في الأندلس ، وفلسطين ، والفلبين ، وغيرها من بلاد المسلمين ، فكان لا بد لهم أن يدفعوا هذه الفتنة بالجهاد.

٢ ـ جاهد الإسلام لتقرير حرية الدعوة والعقيدة ، فلا إكراه على عقيدة الإسلام فمن شاء فليؤمن ، ومن شاء فليكفر. ولكن ينبغي قبل ذلك أن تزول

__________________

(١) انظر في ظلال القرآن ـ سيد قطب ١ / ٢٩٠ وما بعدها طبعة دار الشروق.

(٢) نقلا عن (في ظلال القرآن) ١ / ٢٩٣ ـ ٢٩٤.

١٤٨

العقبات من طريق إبلاغ هذا الخير للناس كافة ، كما جاء من عند الله للناس كافة.

٣ ـ جاهد الإسلام ليقيم في الأرض نظامه الخاص ويقرره ويحميه .. الذي يحفظ للإنسان الحرية التامة في جميع أشكالها وصورها والذي يجعل الإنسان عبدا لله وحده ، لا لغيره من بني البشر.

لم يحمل الإسلام السيف إذن ليكره الناس على اعتناق عقيدته ولم ينتشر بالسيف على هذا المعنى كما يريده بعض أعدائه ويتهمونه فالإسلام إنما جاهد ليقيم نظاما آمنا يأمن في ظله أصحاب العقائد جميعا ويعيشون في إطاره خاضعين له وإن لم يعتنقوا عقيدته (١).

وعند ما شرع لهم الجهاد طلب منهم عدم الابتداء بالاعتداء قال تعالى : (وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ)(٢).

فالجهاد إذن أول ما شرع له هو حماية الناس في دينهم وأن لا يتعرضوا لصرف عنه بالقوة والاعتداء والافتتان وهذا ما جاء في قوله تعالى : (وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ)(٣).

ولا بد أن يكون الردع حاسما وقويا لكل الأعداء سواء كانوا من خارجه كالكفار أو من داخله كالمنافقين وهذا ما قررته الآية الكريمة (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ)(٤) إذن فلا تعارض بين هذه الآيات جميعا.

المثال الرابع :

قال في سورة فصلت : (أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي

__________________

(١) في ظلال القرآن ١ / ٢٩٤ ـ ٢٩٥.

(٢) سورة البقرة : (١٩٠).

(٣) سورة البقرة : (١٩٣).

(٤) سورة التحريم : (٩).

١٤٩

يَوْمَيْنِ ..) ـ إلى أن قال ـ (وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ)(١).

فهذا الكلام يتحصل منه أمران :

أحدهما : أنه خلق الأرض والسموات في ثمانية أيام.

والآخر : أنه خلق السماء بعد الأرض لا قبلها لكن الأول منقوض في سبعة مواضع من القرآن بما معناه أنه خلقهما وما بينهما في ستة أيام لا في ثمانية أيام.

والثاني : منقوض بقوله في سورة النازعات : (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها)(٢) فهذا يثبت التناقض في القرآن الكريم (٣) ـ على حد زعم «سال» ـ.

الجواب :

إن الله سبحانه أضاف اليومين اللذين دحى فيهما الأرض ، وأخرج منها ماءها ومرعاها إلى اليومين اللذين خلق فيهما الأرض فصارا أربعة أيام (٤).

وعلى هذا فيكون يوما خلق الأرض من جملة الأربعة بعدهما. والمعنى في تتمة أربعة أيام وهي مع يومي خلق السموات ستة أيام. وتفصيلها يوما الأحد والاثنين لخلق الأرض ، ويوما الثلاثاء والأربعاء للجعل المذكور في الآية ويوما

__________________

(١) سورة فصلت : (١٠ ـ ١٢).

(٢) سورة النازعات : ٢٧ ـ ٣٠.

(٣) أسرار عن القرآن ص ٣٩.

(٤) كشف المعاني في متشابه المثاني لابن جماعة ـ تحقيق عبد الوهاب المشهداني ص ٤١٣ ، رسالة ماجستير مقدمة لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.

١٥٠

الخميس والجمعة لخلق السموات (١) ومثال هذا كما يقول : سرت من البصرة إلى بغداد في عشرة أيام ، وسرت إلى الكوفة في خمسة عشر يوما وهو يعني خمسة عشر مع العشرة التي سار فيها من البصرة إلى بغداد فيخبر فيها عن جملة الأيام وقع فيها السير مجتمعة (٢).

أما شبهته الثانية :

من كون السماء خلقت بعد الأرض لا قبلها مخالفة آية النازعات : (وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها).

الجواب :

إن الله سبحانه خلق جرم الأرض غير مدحوة ، ثم خلق السماء ، ثم دحا الأرض بعد خلق السماء لذا قال سبحانه : (وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها).

وفي إجابة ابن عباس للرجل الذي أخبره أن في القرآن أشياء تختلف عليه ذكر منها قوله تعالى : (أَمِ السَّماءُ بَناها) إلى قوله : (دَحاها) فذكر خلق السماء قبل خلق الأرض ثم قال (أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ) إلى .. (طائِعِينَ).

فذكر خلق الأرض قبل السماء.

أجاب ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ : [أنه خلق الأرض في يومين ثم خلق السماء ، ثم استوى إلى السماء فسواهن في يومين آخرين ثم دحا الأرض ودحوها أن أخرج منها الماء والمرعى وخلق الجبال والآكام ، وما بينهما في يومين آخرين فذلك قوله : (دَحاها)].

__________________

(١) فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن ـ لأبي يحيى زكريا الأنصاري تحقيق الشيخ الصابوني طباعة دار القرآن الكريم ـ بيروت ص ٥٠٤.

(٢) درة التنزيل وغرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات للأردستاني ـ دار الآفاق الجديدة بيروت ص ٤١٦.

١٥١

فلا تعارض بين آيات القرآن الكريم لذا كان آخر وصية ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ للرجل بقوله : [فلا يختلف عليك القرآن فإن كلا من عند الله](١).

ولكن أي اختلاف يظن وقوعه في القرآن فمرده لقصور فهم الإنسان وعدم قدرته على الجمع بين آيات الله سبحانه وهذا هو حال هؤلاء المستشرقين.

المثال الخامس :

النسخ :

الشبهة الأولى :

زعم «سال» وغيره [أن في القرآن آيات متناقضة يحتج المسلمون عنها بحجة النسخ ويدفعون ذلك بقولهم : إن الله أمر بأشياء كثيرة في القرآن إلا أنها نسخت بعد ذلك لعلة أوجبت نسخها](٢).

الجواب :

تعريف النسخ : النسخ هو رفع التلاوة أو الحكم الشرعي أو هما معا بخطاب شرعي.

فالناظر في شبه المستشرقين حول موضوع النسخ يجدها ناتجة لعدم فهمهم لطبيعة هذا الدين ، ولحكمة الشارع من النسخ.

ونظرية النسخ لم ينفرد بها الإسلام العظيم وإنما ذكرت كذلك في اللاهوت اليهودي واللاهوت المسيحي ومع هذا لم نر واحدا منهم نسب الاضطراب للتوراة ولا للإنجيل.

فالتوراة مثلا نسخت أمورا كثيرة منها :

__________________

(١) صحيح البخاري ٦ / ٣٥ ـ ٣٦ كتاب تفسير القرآن.

(٢) أسرار عن القرآن ص ، ومقدمة على القرآن ـ بلاشير ٢٤٢.

١٥٢

إباحة تزوج الإخوة بالأخوات الذي كان مرخصا به في تشريع آدم ـ عليه‌السلام ـ للضرورة الوقتية حيث قالت : «عورة أختك بنت أبيك أو بنت أمك المولودة في البيت أو المولود خارجا لا تكشف عورتها» (١).

وفي الإنجيل فقد ذكر نسخ إباحة الطلاق كما كان ذلك في الشريعة الموسوية بأي سبب كان زنا أو غيره ، وكما نسخ إباحة تزوج المطلقة ففي التوراة : «إذا أخذ رجل امرأة وتزوج بها فإن لم تجد نعمة في عينيه لأنه وجد فيها عيب شيء كتب لها كتاب الطلاق ، ودفعه إلى يدها وأطلقها من بيته. ومتى خرجت ذهبت وصارت لرجل آخر» (٢).

فحرم الإنجيل الطلاق إلا بعلة الزنا ، وحرم تزوج المطلقة قال إنجيل متى : «وقيل من طلق امرأته إلا لعلة الزنا يجعلها تزنى ، ومن يتزوج مطلقة فإنه يزني» (٣).

فمن رحمة الله سبحانه بالإنسانية أن جعل النسخ من التشريعات الإسلامية رحمة ورفقا وتخفيفا واستجابة لتطلعات الدعوة الإسلامية الرشيدة وإلى غير ذلك من الحكم. فالنسخ جاء ليتمشى مع نمو وترقي الأمة الإسلامية من مراحلها الأولى للمراحل الختامية التي تليق بها كأمة قيادية.

فمثلا قد جاء التدرج بحكم الخمر على مراحل أربع ، متدرجا به بما هو ميسور للنفس لما هو ترك بالكامل ليسهل للنفوس الانقياد والامتثال والصبر على تركه فالأجر العظيم على الطاعة في تنفيذ شرع الله سبحانه وأحكامه.

أما إذا كان النسخ من الصعب للسهل فذلك للتخفيف على الناس ، ورحمتهم وإظهار تفضله عليهم : ليزيد حبهم لهذا الدين العظيم الذي يرفع عنهم الإصر والأغلال. أما إذا كان النسخ واقعا بنفس الدرجة بين الناسخ والمنسوخ

__________________

(١) الكتاب المقدس ـ سفر اللاويين ـ الإصحاح الثامن عشر.

(٢) سفر التثنية ـ الإصحاح الرابع والعشرين.

(٣) إنجيل متى ـ الإصحاح الخامس ـ فقرة (٣٢ ـ ٣٣).

١٥٣

فالحكمة في ذلك من أجل ابتلاء واختبار الإيمان ليميز الله المؤمن الصادق من دعي الإيمان. أما إذا كان النسخ في الحكم دون التلاوة فذلك ليعرف الناس أن هذا الدين حق وأنه منزل من الله سبحانه ، زيادة على ذلك ما يكتسبه القارئ لهذه الآيات من الأجر والثواب ، معرفة ما حوته هذه الآيات المنسوخة من بلاغة وحسن بيان. ومن قيام معجزات بيانية أو علمية أو سياسية بها إلى غير ذلك من فوائد.

أما حكمة نسخ التلاوة مع إبقاء الحكم.

فحكمته تظهر في كل آية بما يناسبها فمثلا فالآية المشهورة عن عمر بن الخطاب وأبي بن كعب ـ رضي الله عنهما ـ قالا : كان فيما أنزل من القرآن «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة».

فالحكمة في نزولها أن فيها ردعا شديدا لمن تحدثه نفسه من الشيوخ أن يتلطخ بهذه الجريمة الشنعاء حتى إذا ما تقرر هذا الحكم في النفوس نسخ الله تلاوة هذه الآية وأبقى حكمها لحكمة أخرى وهي للإشارة إلى شناعة هذه الفاحشة وبشاعة صدورها من شيخ وشيخة ، حيث سلكها مسلك ما لا يليق أن يذكر فضلا عن أن يفعل ، وسار بها في طريق يشبه طريق المستحيل الذي لا يقع ، كأنه قال : نزهوا الأسماع عن سماعها ، والألسنة عن ذكرها فضلا عن التلوث برجسها (١).

فمن هنا يظهر أن النسخ لم يكن من أجل الفرار من ظاهرة التناقض في القرآن الكريم كما زعموا ولا ضياع شيء من القرآن الكريم ولكنه شرع لحكم وفوائد خفيت على هؤلاء المستشرقين.

الشبهة الثانية :

ذكر «سال» كلاما يوحي أن القرآن الكريم يقول بنسخ الأخبار حيث

__________________

(١) انظر مناهل العرفان ٢ / ٩٠ ـ ٩٣.

١٥٤

قال : [وإن قلنا تساهلا أنها قد تجوز في الأحكام بالشروط التي ستقف عليها فلا تجوز في الأخبار أبدا ، لأن الخبر لا يقبل النسخ ، وإنما هو أمر جرى على وجه معين ، فإن جعلته على وجهين مختلفين فلا بد من أن يكون أحدهما كاذبا](١).

الجواب :

هذا الكلام الموهم أن في القرآن الكريم أخبارا نسخت مع أنه من المعلوم من أقوال العلماء سلفا وخلفا أن الأخبار لا تنسخ.

فهذا الإمام مكي بن أبي طالب ـ رحمه‌الله ـ ينص على ذلك حيث يقول :

«فأما ما لا يجوز نسخه فهو كل ما أخبرنا الله تعالى عنه أنه سيكون أو أنه كان أو وعدنا به ، أو قص علينا من أخبار الأمم الماضية ، وما نص عليه من أخبار الجنة والنار ، والحساب والعقاب ، والبعث والحشر ، وخلق السموات والأرضين ، وتخليد الكفار في النار والمؤمنين في الجنة ، هذا كله وشبهه من الأخبار لا يجوز نسخه لأنه تعالى يخبر عن الشيء على غير ما هو به ، وكذلك ما أعلمنا به من صفاته لا يجوز في ذلك كله أن ينسخ ببدل منه ، فأما جواز أن ينسخ ذلك كله بإزالة حفظه من الصدور ونعوذ بالله من ذلك ، فذلك جائز في قدرته تعالى يفعل ما يشاء» (٢).

وقال ابن الجوزي : «فأما الأخبار فعلى ضربين :

الأول : ما كان لفظه لفظ الخبر ، ومعناه معنى الأمر كقوله تعالى :

(لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ)(٣) فهذا لاحق بخطاب التكليف في جواز

__________________

(١) أسرار عن القرآن ص ٤١.

(٢) الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ـ لمكي ص ٥٧.

(٣) سورة الواقعة : ٧٩.

١٥٥

النسخ عليه.

والثاني : الخبر الخالص فلا يجوز عليه ، لأنه يؤدي إلى الكذب وذلك محال.

وقد حكي جواز ذلك عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، والسدي وليس بشيء يعول عليه.

وقال أبو جعفر النحاس : وهذا القول عظيم جدا يؤول إلى الكفر لأن قائلا لو قال : قام فلان ثم قال : لم يقم ، فقال : نسخته ، لكان كاذبا.

وقال ابن عقيل : الأخبار لا يدخلها النسخ ، لأن نسخ الأخبار كذب وحوشي القرآن من ذلك. ا ه (١).

وقد ذكر الأستاذ على حسن العريض أن الجمهور لا يجيزون النسخ في الأخبار سواء كانت ماضية أو مستقبلة : والنسخ يجري في واجبات العقول. بل في جائزاتها. والخبر من الواجبات المؤكدة والنسخ فيه يؤدي للكذب (٢).

فالنسخ في الاخبار أمر لا يتصوره العقل وقد وقع بإجازته خطأ بعض العلماء والمفسرين (٣) ومن أجازه من العلماء أرادوا منه المعنى اللغوي لا الاصطلاحي. أو بعض العلماء الذين أرادوا بالأخبار ما فيه الأمر والنهي.

فمن هذا يظهر جليا أن القول الراجح عدم دخول النسخ في الأخبار مما يجعل كلام «سال» لا يراد منه إلا التشكيك في عظمة هذا القرآن وحفظه من التبديل والتغيير.

القضية الثالثة :

نسب «سال» للقرآن الكريم الغلط في بعض الحوادث التاريخية وأسماء

__________________

(١) نواسخ القرآن ـ لابن الجوزي ، طبعة دار الكتب العلمية ـ بيروت ص ٢١ ـ ٢٢.

(٢) فتح المنان في نسخ القرآن ـ طبعة مكتبة الخانجي بمصر ط ١ ١٩٧٣ م ص ٦١ ـ ٦٢ (بتصرف).

(٣) مباحث في علوم القرآن ـ صبحي الصالح ص ٢٧٠.

١٥٦

مشاهير رجالها وجهله من أمور الطبيعة ما لا ينبغي جهله. كل ذلك يدل على أنه ليس من الله في شيء (١).

وضرب لذلك مجموعة من الأمثلة منها :

المثال الأول :

تسمية القرآن لأبي إبراهيم «آزر» مع أن اسمه «تارح».

الجواب :

زعم «سال» أن اسم أبي إبراهيم ـ عليه‌السلام ـ هو «تارح» ولكنه لم يقدم لنا دليلا واحدا صحيحا أنه لا يحتمل إلا هذا الاسم. كما أنه لم يذكر لنا مرجعا إلا التوراة وقد بيّنت في باب المصادر ما أصاب التوراة من تحريف وتبديل ونقص إلى غير ذلك من العيوب التي تفقدها أهلية التوثيق إذا انفردت.

ونحن نقرر أن القرآن هو المصدر الموثوق به بشهادة التاريخ والواقع والعلم الحديث وقد سماه «بآزر».

وعلى فرض صحة رواية التوراة فيمكن تبريرها بما يلى :

١ ـ أن يكون لأبي إبراهيم اسمان الأول «آزر» والثاني «تاريح» أو اسم ولقب «فآزر» اسم و «تارح» لقب. وهذا قول الحسن من المتقدمين.

٢ ـ أن يكون نطق «آزر» في العبرية «تارح» والأعلام قد يختلف بها بين اللغات اختلافا جوهريا «كشاول» في التوراة هو «طالوت» في العربية» و «مكة» «أم القرى» في العربية يطلق عليها «فاران» بالعبرية مع أن المسمى واحد.

وهكذا فلا حجة ل «سال» فيما زعمه.

__________________

(١) أسرار عن القرآن ص ٤٤.

١٥٧

المثال الثاني :

دعا مريم العذراء بنت عمران وأخت هارون وهي في الإنجيل بنت هالي وبين مريم العذراء وعمران أبي موسى ألف وستمائة سنة (١).

الجواب :

كما قلت في المثال السابق أن «سال» لم يأت بدليل صحيح واحد لزعمه سوى الإنجيل. والأناجيل فيها كذلك من الاضطراب الشيء الكثير حتى في نسب من ينبغي أن لا تخطئ فيه وهو عيسى ـ عليه‌السلام ـ وهذا واضح لكل مدقق فيها.

فإنجيل متى مثلا ذكره باسم يسوع بن يوسف النجار بن يعقوب بن متان ابن اليعازر.

وإنجيل لوقا سماه يسوع بن يوسف النجار بن هالي.

وغير ذلك من الأخطاء التي توسعت فيها في «باب المصادر» مما يفقدها الأهلية لأن تقف أمام دقة القرآن فيما جاء فيه من أخبار تاريخية على قلتها.

والقرآن الكريم لم يعتن بهذا الجانب التاريخي إلا بما يحقق غرضه من إنزاله للبشرية أن تكون للعبرة والعظة وأخذ دروس في الهداية منها لا غير. هذا كله من جهة.

ومن جهة أخرى من الذي قال «لسال» : إن القرآن يعتبر «عمران» أبا لمريم ولموسى ـ عليهما‌السلام ـ.

لا .. بل العمرانان مختلفان وإن اتفقا في الاسم ..

فعمران أبو مريم ـ عليهما‌السلام ـ اسمه : عمران بن ماثان بن ألعازار ابن أبي يود بن يوزن .. بن يهوذا بن يعقوب ـ عليه‌السلام ـ.

__________________

(١) أسرار عن القرآن ص ٤٥.

١٥٨

وعمران أبو موسى وهارون ـ عليهما‌السلام ـ اسمه عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب ـ عليه‌السلام ـ وبين العمرانين ألف وثمانمائة سنة (١).

وكذلك على سبيل المثال فإنجيل متى اعتبر المسيح من أولاد سليمان بن داود أما إنجيل لوقا فاعتبره من أولاد ناثان بن داود. وإنجيل متى اعتبر آباءه إلى جلاء بابل سلاطين مشهورين أما لوقا قال إنهم ليسوا سلاطين ولا مشهورين غير داود وناثان.

وفي إنجيل متى عدد الرجال بين المسيح وداود ستة عشر رجلا أما في إنجيل لوقا فعددهم واحد وأربعون رجلا .. إلخ.

وهكذا من الاختلافات والاضطرابات التي تفقد الأناجيل الثقة في أن تكون وثيقة تاريخية يرجع إليها (٢).

وقد كان عمران أبو مريم ـ عليهما‌السلام ـ رجلا عظيما بين علماء بني إسرائيل وقد توفى وابنته ما زالت صغيرة ، فكفلها زوج خالتها زكريا ـ عليه‌السلام ـ وهو المذكور في سورة آل عمران.

لذا فما اعتمد عليه «سال» في تخطئة القرآن الكريم على أساسه ليس بحجة له. فيجب أن يدرك «سال» وزمرته أن القرآن الكريم هو الكتاب السماوي الوحيد الذي حفظ من التبديل والتغيير والأخطاء لأنه سيد الكتب وخاتمها وقائد البشرية لنهاية الحياة الدنيوية وهو المحفوظ من الله عزوجل. لكن أنى للقلوب الحاقدة أن تدرك نور الإسلام وعظمة القرآن الكريم.

المثال الثالث :

تعرض القرآن لتاريخ الإسكندر وقد دعاه بذي القرنين : وقال عنه أنه بلغ

__________________

(١) انظر تفسير البيضاوي ص ٧١.

(٢) قصص الأنبياء ـ النجار ص ٣٧٣ ـ ٣٧٤.

١٥٩

قوما لا يفقهون قولا وأنه بنى سدا من زبر الحديد وغير ذلك مما لا حقيقة له أصلا. وقد اعتمد «سال» في تخطئته للقرآن الكريم على ما كتب قبله من معلومات تاريخية عن ذي القرنين (١).

الجواب :

القرآن الكريم كتاب هداية قبل أن يكون كتابا تاريخيا. لكن مع هذا فمع ما جاء فيه من أمور تاريخية مع قلتها يعتبر من أدق وأوثق الكتب في ذلك. كيف لا وهو كتاب عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم.

وقصة ذي القرنين قد اختلف فيها المؤرخون والعلماء والمفسرون اختلافا بينا :

فمنهم من أرجع تاريخه إلى ما قبل الرسول ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ بثلاثمائة سنة. ومنهم من أرجعه إلى ما قبل ذلك بألفي سنة إلى غير ذلك ومنهم من اعتبره الإسكندر الأكبر ، ومنهم من اعتبره شمّر الحميري ، ومنهم من عده كورش الأخميني الفارسي ، ومنهم من اعتبر السد الذي بناه هو سور الصين العظيم ، ومنهم من قال : بل هو سد مأرب إلى غير ذلك.

ولكن المحققين من علماء الإسلام ومؤرخيهم كالأستاذ «أبو الكلام أزاد» وغيره (٢) اعتبره كورش الأخميني الفارسي ، وهو ما يسميه اليونانيون «ساثرس» وتسميه اليهود «خورس» أو «كورش» (٣) كما في التوراة ويذكره مؤرخو العرب باسم «كيخسرو» ورجحوا ظهوره سنة ٥٥٩ ق. م. و «كورش» هذا كان رجلا موحدا صالحا مؤمنا بالبعث ، على الدين الصحيح لزرادشت.

__________________

(١) أسرار عن القرآن ص ٤٦.

(٢) يسألونك عن ذي القرنين ص ١٢٦ وما بعدها طبعة دار الشعب ـ القاهرة.

(٣) الكتاب المقدس سفر أشعياء الإصحاح (٤٥).

١٦٠