🚘

آراء المستشرقين حول القرآن الكريم وتفسيره - ج ٢

د. عمر بن إبراهيم رضوان

آراء المستشرقين حول القرآن الكريم وتفسيره - ج ٢

المؤلف:

د. عمر بن إبراهيم رضوان


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٩٦
🚘 الجزء ١ 🚘 الجزء ٢
🚘 نسخة غير مصححة

الفصل السادس

الأسلوب القرآني وشبه المستشرقين حوله

المبحث الأول :

أسلوب المكي والمدني :

الشبهة الأولى :

قالت الموسوعة البريطانية : [.. إن أسلوب الوحي المحمدي جاء نثرا مقفى ، أو ما يسميه العرب بالسجع ، وقد استعمل هذا الأسلوب سابقا من قبل الكهنة ، ومن قبل المنجمين.

فالسور الأولى تتصف آياتها بالقصر وبقوتها الشعرية وبتعبيرها الحيوي. أما السور الأخيرة فجاءت آياتها طويلة ، مفصلة ومعقدة نثرية في مظهرها ولغتها ، ومما تسبب عنها اختلاف في ترقيم الآيات](١).

الجواب :

هذه العبارات تناولت عدة قضايا :

١ ـ الأسلوب المكي والمدني.

٢ ـ صلة هذا الأسلوب بأسلوب الكهان والمنجمين.

٣ ـ الآيات طولا وقصرا.

أما بالنسبة للنقطة الثانية فقد تكلمت عنها بتوسع (٢) خلال ردي على

__________________

(١) قضايا قرآنية في الموسوعة البريطانية ص ٤٢.

(٢) انظر ص ٢٨٢ من الرسالة.

١٠١

شبهات ظاهرة الوحي (الشبهة السادسة) تنظر هناك.

وسأقصر ردي هنا على النقطتين الأولى والثالثة.

أقول وبالله التوفيق ..

أولا : الأسلوب المكي والمدني :

التفرقة بين الأسلوب المكي والمدني أمر كانت له أبعاده ومقدماته ونتائجه ، وهي قضية طالما تعرض لها رجال التبشير والاستشراق على السواء ورددها تلامذتهم كثيرا.

إن الغاية من تقسيم القرآن إلى أسلوبين ـ عند المستشرقين والمبشرين ـ إثبات أن هذا القرآن كان خاضعا للبيئات المختلفة فهو في مكة كان ذا أسلوب شعري يتفق مع لغة القوم وثقافتهم العربية المحدودة ، ولكنه في البيئة المدنية كان متأثرا بأهل الكتاب الذين كانوا هناك من اليهود والذين كان لهم من الثقافة ما لم يكن لهؤلاء ، وعلى هذا فالقرآن كان يخضع لأمزجة مختلفة ، وثقافات متغايرة ، فليس نسقا واحدا ، فآياته في مكة قصيرة ذات أسلوب وإيحاء قوي ، ولكنها في المدينة كانت طويلة ذات أسلوب معقد. وهذه فرية من جملة أكاذيبهم التي لا تقوم على دليل (١).

إن القرآن المكي جاء ليعالج موضوع العقيدة بشكل رئيسي ، وما يتصل بها من أخلاق فاضلة لذا سخر لذلك كل شيء حتى القصص القرآني. أما القرآن المدني فكان تركيزه على إيجاد نظام شامل لكل متطلبات الحياة. واختلاف الموضوع قد ينتج عنه تنوع في الأسلوب من حيثية معينة ولكنه يحافظ على الجودة وحسن الصياغة.

فطبيعة الموضوع نفسه تقتضي شيئا من التغير في العرض فالأسلوب فيهما إذا يمتاز بجودة النظم ، وروعة الأسلوب ، وعلو الشأن وبديع الصنع ، والتناهي

__________________

(١) انظر قضايا قرآنية ص ٤٣ (بتصرف).

١٠٢

في البلاغة .. إلخ (١).

الشبهة الثانية :

زعم بعض المستشرقين [أن أسلوب السور المكية يؤدي إلى تقطيع الفكرة ، واقتضاب المعاني (٢). ووصف أصحاب الموسوعة البريطانية السور المدنية بأنها تتناول مواضيع مختلفة تتحدث عنها مواضع مختلفة من السورة ، وكان القرآن يعطي للقارئ انطباعا بأنه مجرد إنشاء جاء بطريقة عشوائية ، ويؤكد صحة ذلك طريقة ختم هذه الآيات بآيات مثل (فَإِنَّ اللهَ عَلِيمٌ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) وإن هذه الأخيرة لا علاقة لها مع ما قبلها وإنها وضعت فقط لتتميم السجع والقافية](٣).

الجواب :

هذه الفقرات تحتاج مني لوقفتين رئيسيتين مع الأسلوب القرآني.

١ ـ أسلوب القرآن وخصائصه الأدبية.

٢ ـ الفاصلة القرآنية.

القضية الأولى :

أسلوب القرآن وخصائصه الأدبية :

القرآن الكريم نزل في أمة كانت بضاعتها المفضلة الكلام حتى أقامت له أسواقا أدبية يتبارى فيها الأدباء والخطباء والشعراء ويدركون كل هذا بفطرتهم السليمة ، وعقولهم الألمعية الذكية ، وبأذواقهم الرفيعة. ومع كفرهم بالقرآن العظيم إلا أنه كان له على نفوسهم تأثير وهيمنة وسلطان. ولما خشوا من تأثيره عليهم وهم يرونه يسلب اللبيب قلبه ، ويأخذ عليه مجامع نفسه وعقله قال بعضهم

__________________

(١) انظر قضايا قرآنية ص ٤٤ (بتصرف).

(٢) المدخل لدراسة القرآن الكريم ص ٢٣٤.

(٣) قضايا قرآنية في الموسوعة البريطانية ص ٧٤.

١٠٣

لبعض (لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ)(١).

ولله در الأستاذ محمد دراز إذ يقول واصفا هذا الأمر [أما ما يبدو أنه فوق طاقة البشر حقا في الأسلوب القرآني ، فهو أنه لا يخضع للقوانين النفسية التي بمقتضاها نرى العقل والعاطفة لا يعملان إلا بالتبادل وبنسب عكسية. بحيث يؤدي ظهور إحدى القوتين إلى اختفاء الأخرى ففي القرآن لا نرى إلا تعاونا دائما في جميع الموضوعات التي يتناولها بين هاتين النزعتين المتنافرتين.

وبالإضافة إلى الموسيقى الخالدة التي تعلو الأسلوب المتنوع نرى أن الكلمات ذاتها بمعناها المجازي سواء أكانت وصفا أو استدلالا أو عن قاعدة في القانون أو في الأخلاق ـ تسعى بقوة وتجمع في نفس الوقت بين التعليم والإقناع والتأثير ، وتمنح القلب والعقل نصيبه المنشود ، وعلاوة على ذلك فإن هذا الكلام الرباني وهو يؤثر على هذا النحو ، في قوانا المختلفة ، يحتفظ دائما وفي أي موضع بهيبة مدهشة وبجلالة قوية لا تتأرجح ولا تضطرب ...

فالعربي الأصيل الذي تسري في دمه غريزة اللغة ، ليس في حاجة إلى هذا التحليل لكي يقدر بنفسه طابع النص القرآني الفريد. وما يستفاد من هذه الدراسة البطيئة المنطقية ، يدركه هو بفطنته وفطرته فهو يشعر بالقرآن وكأنه آت من السماء ينفذ إلى القلوب ، ويبهر الأبصار. ولقد أدرك الكفار هذا التأثير في عهد الرسول ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ واختلفوا في التماس التفسير والتعليل له ، إذ وجدوه ظاهرة غريبة إلى درجة أن أطلقوا عليه «سحرا» وحتى في عصرنا الحاضر ورغم بعد الزمن واختلاط الأجناس ، وانحراف فطرة اللغة نجد العرب على اختلاف دياناتهم يعترفون بالسمو والجلال والهيبة التي ينفرد بها النص القرآني بالنسبة للأدب العربي بوجه عام ، وبالنسبة لأحاديث الرسول ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ المعروفة ببلاغتها الرفيعة (٢).

والقرآن المكي والمدني على حد سواء في متانة الأسلوب ، وترابط المعاني

__________________

(١) سورة فصلت آية : ٢٦.

(٢) مدخل إلى القرآن الكريم ص ١١٧.

١٠٤

وأداء المعنى الكثير في اللفظ القليل دون تقليل يخل أو تطويل يمل.

والقرآن الكريم كما هو معجز في حقائقه العلمية والتاريخية هو معجز في أسلوبه وبيانه الذي يظهر في حسن ترتيب السورة وإحكام نسقها.

وهذا أمر فطن له علماء أفذاذ منذ القدم ، لذلك كانت لهم عناية في كشف اللثام عن متانة الترابط ، وإحكام الصلة بين أجزاء كل سورة من سور القرآن العظيم. من هؤلاء : العالم الجليل «البقاعي» في كتابه النفيس (نظم الدرر في تناسب الآي والسور) والأستاذ الدكتور محمد عبد الله دراز في كتابه (النبأ العظيم) الذي حلل فيه سورة البقرة مع طولها وأظهر الاتساق بين أجزائها ، وما فيها من وحدة موضوعية.

وشيخي الدكتور فضل حسن عباس في كتابه (إعجاز القرآن) حيث درس فيه عدة سور من القرآن الكريم منها المدني ومنها المكي بنفس الطريقة (١) حيث أظهر ما يربط السور القرآنية من نظام بديع ومعان مترابطة وافية ، ووحدة تامة بين أجزاء السورة الواحدة مع تعدد موضوعاتها كما أن كثيرا من كتب البلاغة والتفسير قد اهتمت بهذا الجانب.

أما المستشرقون فإن فاتهم هذا الإدراك ، وهذا الحس فلبعدهم عن العربية ، ولجهلهم بها وبأساليبها ، وحكمهم عليها كان حكما فطيرا خاليا من التأمل والتروي وقد حاولوا تعليل هذه القضية بعلل غير مقبولة منها : أنه يعود لسذاجة الأسلوب وركاكته ، أو لركاكة المعنى ، أو لخطأ من الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ بأنهم لم يحسنوا ترتيب الموضوعات في السورة الواحدة بل جمعوها بطريقة عشوائية. كل هذه الأقوال تتبدد عند ما يعلم هؤلاء أن سورة كالبقرة نزلت نجوما في عشر سنين ، ومع هذا فهي لوحة فنية تأخذ بالألباب بجمالها ، وروعة أسلوبها ، وترابط أفكارها ، وتمام معانيها ، ووحدة موضوعاتها مع تعدادها وكان الأولى أن يظهر الضعف والإطناب الممل ورداءة الذوق على حد تعبير «دوزي»

__________________

(١) ذكر ذلك في كتاب قضايا قرآنية ص ٨٠.

١٠٥

(أن القرآن كتاب ذو ذوق رديء للغاية ولا جديد فيه إلا القليل ، وفيه إطناب بالغ وممل إلى حد بعيد) (١).

هذا الكلام الملقى جزافا يرفضه عقل الطفل قبل الرجل السوي لأنه الكتاب الذي لا تمله الأسماع ، ولا تعافه النفوس ولا يخلق عن كثرة الرد لأنها تجد فيه متعتها وأنسها وسلوة أحزانها ، وإشباع فكرها ، وصقل ذوقها ، وقوامة أخلاقها ، وكمال حاجتها من الشرائع والقوانين.

الشبهة الثالثة :

زعم بعضهم أن القرآن المكي تأثر بالأوساط التي نزل فيها من حيث التأدب في اللفظ وعدمه. فالمكي تجد فيه الألفاظ النابية أما المدني فتجد فيه رفعة في العبارة وبعدا عن هذه الألفاظ (٢).

إيحاء منهم بالتأثر بالأدب اليهودي في المدينة ـ على حد زعمهم ـ.

الجواب :

هذه الأوصاف التي يطلقها المستشرقون على القرآن الكريم عارية عن الصحة. أما إن قصدوا بها الوعد والوعيد والتقريع والتهديد للكفار في بعض الآيات ، أو صفحا وعفوا في غيرها فهذا النوع من الآيات لا يسمى سبابا ولا شتما بل هو لون من ألوان الأسلوب العربي. والقرآن الكريم نزل بلغة العرب وعلى أساليبهم وأفانين الكلام عندهم.

وهذا النوع من الأسلوب ليس في السور المكية فقط ـ على حد زعمهم ـ بل هو موجود كذلك في السور المدنية قال تعالى في سورة البقرة : (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ

__________________

(١) الاستشراق والخلفية الفكرية ـ د / محمد حمدى زقزوق ص ٩٤ ، وقضايا قرآنية ص ٧٤ ـ ٧٨.

(٢) مناهل العرفان في علوم القرآن ١ / ٢٠٦ ، والمدخل لدراسة القرآن الكريم ص ٢٣٦.

١٠٦

أَلِيمٌ)(١).

أما الأسلوب الرفيع البعيد عن البذاءة ـ على حد تعبيرهم ـ ويقصدون به العفو والصفح وأنه غير موجود في السور المكية فهي مجرد دعوى وآيات العفو والصفح كما هي في السور المدنية فهي في السور المكية ومثال ذلك ما جاء في سورة الأعراف (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ)(٢) وقوله تعالى في سورة فصلت : (وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)(٣) الآية.

فمن هنا يظهر أن مسلك القرآن الكريم في كل هذه الألوان من الأساليب من وعد ووعيد ، وترغيب وترهيب ، وعفو وصفح وتهديد ، راجع لمقتضى المقام وهذا هو الأسلوب الحكيم.

ويرحم الله القائل :

فقسا ليزدجروا ومن يك حازما

فليقس أحيانا على من يرحم

والقائل :

ووضع الندى في موضع السيف بالعلا

مضر كوضع السيف في موضع الندى )

وهناك أمر لا بد من التنبيه عليه وهو أن نزول القرآن بمثل هذا النوع من الأسلوب كان من باب المشاكلة لأقوال المشاركين المعاندين مثال ذلك : نزول سورة المسد كان سبب نزولها أن رسول الله ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ صعد ذات يوم على الصفا فنادى يا صباحاه. فاجتمعت إليه قريش. قال : أرأيتم لو أخبرتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم أكنتم تصدقوني. قالوا : بلى قال : فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. فقال أبو لهب : تبا لك ألهذا جمعتنا؟ فأنزل الله سبحانه وتعالى :

__________________

(١) سورة البقرة آية : ١٧٤.

(٢) سورة الأعراف آية : ١٩٩.

(٣) سورة فصلت آية : ٣٤.

(٤) المدخل لدراسة القرآن الكريم ص ٢٣٦ ـ ٢٣٨.

١٠٧

(تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ..)(١) إلى آخرها (٢).

كما أن من الأسباب الداعية للإكثار من هذا الأسلوب في السور المكية كان بسبب موقف القرشيين من الأوثان والموروثات القديمة وهو التمسك بها والحرص عليها وترك الحق من أجلها مع ذكائهم وشدة فطنتهم فجاءت الآيات المكية قصيرة مؤثرة ، لاذعة لمشاعرهم ، هازة لوجدانهم ، ليستفيقوا من سباتهم ، وتشعر أحاسيسهم فيزول التبلد عنها. من أجل كل هذه الأمور مجتمعة وغيرها كان هذا التنوع في الأسلوب. لا تأثرا بأسلوب الأدب اليهودي كما يزعمون ؛ لأن اليهودية أعجز من أن تأتي بمثل هذا الأسلوب القرآني البديع الرفيع : وردي على هذه الفرية سيكون بتوسع تحت اليهودية كمصدر في باب المصادر (٣).

الشبهة الرابعة :

وصف أصحاب الموسوعة البريطانية أسلوب القرآن بأنه دراماتيكي (٤). أما بعض المستشرقين فقد وصفوا القسم المكي منه بالهروب من المناقشة وبالخلو من المنطق والبراهين والهدوء والإقناع (٥).

الجواب :

يقصد أصحاب الموسوعة بأسلوب دراماتيكي أي أن القرآن الكريم كما يعرض وجهة نظر الخصوم واعتراضاتهم ، ثم يرد عليهم بحجج قوية مناوئة لهم وهذا بحد ذاته يناقض الرأي الثاني الذي وصف القرآن المكي بأنه يتسم بالهروب أما الخصوم وعدم إقامة الحجج عليهم. وهذا الأمر ينقضه أي مسلم يقرأ القرآن ويتمعن فيه. فالقرآن الكريم كان يعرض لقضايا معينة يريد تثبيتها كالتوحيد ،

__________________

(١) سورة المسد.

(٢) انظر إرشاد الساري لشرح البخاري ٧ / ٤٣٧ ، وأسباب النزول للواحدي ص ١٤٧ طبعة عبد الحميد حنفي ـ حاشية على تفسير الجلالين.

(٣) انظر ص ٢٣٧ من الرسالة.

(٤) انظر قضايا قرآنية في الموسوعة البريطانية ص ٥٥.

(٥) المدخل لدراسة القرآن الكريم ص ٢٤١.

١٠٨

والرسالة ، واليوم الآخر وبعض الهدايات والأخلاق الفاضلة. وقد سخر لهذه القضايا عدة أساليب منها أسلوب القصة أو المحاورة ، أو التقرير ، أو التقريع ، أو الترغيب ، أو الترهيب. قد عرضها مع الأدلة التي تثبتها وتؤكدها وكانت هذه الأدلة منتزعة إما من النفس ، أو الكون ، أو المشاهدات ، أو غير ذلك. قال تعالى : (وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ. وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ)(١).

ولقد بلغ القرآن الكريم الذروة في تقرير حجج خصومه بكل دقة وأمانة ، وردها بأبلغ رد وأحكمه وأوفاه وهذا الأمر بعرضه ورده لا يملك منها رسول الله ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ شيئا لأنه كتاب نزل عليه من الله سبحانه قال تعالى : (قُلْ لَوْ (٢) شاءَ اللهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ)(٢) وقال سبحانه : (وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ)(٣).

والقرآن المدني والمكي على حد سواء يعرض أدلته بهدوء وإقناع بالغين.

وما دامت التهمة موجهة للقرآن المكي من قبل المستشرقين فسأعرض آيات من السور المكية فيها الحجة على ما يزعمون.

فهذه سورة النمل مكية عرضت لموقف المشركين من اليوم الآخر وتقيم الأدلة بأسلوب هادئ مقنع على ضرورة الإيمان بالله والانقياد لهذا الإله العظيم. قال تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ)(٤) وضرب لهم مثلا في موقفهم من القرآن بموقف قوم موسى من الحق (فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ. وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ)(٥).

__________________

(١) سورة الذاريات آية : ٢٠ ـ ٢١.

(٢) سورة يونس آية : ١٦.

(٣) سورة القصص آية : ٨٦.

(٤) سورة النمل آية : ٤.

(٥) سورة النمل آية ١٤.

١٠٩

ومن أجل إقناعهم بخطإ موقفهم من القرآن والإيمان أنزل لهم هذه الآيات : (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ. أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أَإِلهٌ مَعَ اللهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً أَإِلهٌ مَعَ اللهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ...)(١) إلى آخر الآيات.

ولتنظر سورة الأنعام ، والأنبياء ، ويس ، والغاشية ، فكلها عرضت الأمر بأسلوب بديع هادئ مقنع للكافرين.

أبعد هذا الأسلوب الهادئ أسلوب؟! وبعد هذه الأدلة المقنعة أدلة؟! ...

أما استشهادهم على قولهم بسورة الكافرين فلا حجة لهم فيها لأن هذه السورة نزلت تيئيسا للكافرين ومفاصلة لهم من عبادة رسول الله ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ لمعبوداتهم عند ما طلبوا منه أن يعبد معبوداتهم سنة ويعبدوا إلهه سنة فنزل قوله تعالى : (قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ. وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ .. لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ)(٢).

في هذا بلاغ وبه الحجة الكافية على هؤلاء المستشرقين المزيفين للحق الحائدين عنه. والله غالب على أمره.

الشبهة الخامسة :

زعموا أن السور المكية خالية من التشريعات والقوانين التفصيلية لضعف الثقافة عند المكيين بعكس السور المدنية فقد ذكرت هذه القضايا تأثرا بالثقافة اليهودية (٣).

__________________

(١) سورة النمل آية ٥٩ ـ ٦١.

(٢) سورة الكافرون.

(٣) المدخل لدراسة القرآن الكريم ص ٢٤٣.

١١٠

الجواب :

قبل الإسلام تمكنت في نفوس العرب شعائر الجاهلية ، ومازجت أرجاسها عقولهم ، وكان العسير اجتثاثها من نفوسهم دفعة واحدة.

فاقتضت الحكمة الإلهية التدرج بهم شيئا فشيئا على مراحل عدة ، وصور متعددة.

وخلاصة الأمر : أن القرآن الكريم وجد قوما في مكة ينكرون أصول العقائد والإيمان فكان أول ما نزل منه يعالج هذا الأمر ، فدعا لتوحيد الله سبحانه وإفراده في الطاعة والعبادة ، وتحذيره من عبادة الأوثان والشرك بالله سبحانه وساق لذلك القصص والشواهد لتثبيت هذه العقيدة الإسلامية بنقائها وصفائها. فلما رسخت العقيدة في النفوس ، وأصبح أصحابها قادرين على تنفيذ أوامر الله سبحانه. خاصة بترك العادات الموروثة كشرب الخمر ، والربا ، والزنا ، وغير ذلك عند هذا الحد نزلت الآيات المتعلقة بأصول الشريعة كالصلاة ، والزكاة ، والصيام ، والأخلاق الفاضلة ، والآداب الحميدة ، وذم سيّئ الأخلاق ، حتى إذا ارتفعت النفوس شيئا فشيئا ، وملكت قوة التقبل والامتثال ، تعاقبت التفاصيل في الشرائع والأحكام الإسلامية.

حتى إذا جاء دور التشريعات الإسلامية العامة كالحدود والقصاص والعلاقات الدولية وكان لا بد لها من سلطة تنفيذية تنفذ الشريعة الإسلامية جاء دور المجتمع المدني ، والقرآن المدني نزل لتنفيذ هذه المرحلة.

فجاءت التشريعات المدنية مسهبة ومستقلة عن أي تأثير بل طبيعة المرحلة هي التي اقتضت ذلك. ولكن بحكم وجود اليهود في المدينة حيث كان لهم تشريعاتهم الخاصة بهم وأسلوبهم الخاص في التعامل مع الناس وقفت الشريعة الإسلامية لتظهر شخصيتها في هذا المقام وتبين موقفها من أخلاق اليهود وأسلوبهم المعوج في التعامل.

١١١

لذا ظن المستشرقون أن التشريعات الإسلامية في المدينة كانت بتأثير من اليهود وهذا مجانب للصواب فالشريعة الإسلامية وقرآنها متميزان في العهدين المكي والمدني على السواء ، (١) ومنشأهما ربانيان دون التأثر بأحد.

وخير ما نذكره من الشواهد على ما ذكرت حديث السيدة عائشة ـ رضي الله عنها ـ «إنما نزل أول ما نزل منه ـ أي القرآن الكريم ـ سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام ، نزل الحلال والحرام. ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر. لقالوا : لا ندع الخمر أبدا ، ولو نزل : لا تزنوا لقالوا : لا ندع الزنا أبدا» (٢).

الشبهة السادسة :

زعموا أن الوسط المكي الساذج أثر على أسلوب القرآن المكي فأكثر من القسم بالمخلوقات الجامدة بما يناسب البيئات الساذجة المتأخرة (٣).

الجواب :

يحاول المستشرقون دائما وصف أهل مكة بالسذاجة والتأخر ليصوروا المجتمع المدني مجتمعا متقدما وذلك لمخالطته اليهود الذين يحاولون أن يصفوا أنفسهم أو يوصفوا من قبل أتباعهم أنهم أهل التقدم ، والذكاء والدهاء وأهل الاصطفاء. من الله سبحانه مع أنهم على غير هذا وبشهادة التاريخ والواقع ، وبوصف القرآن لهم. ووصف أهل مكة بالسذاجة خلاف الواقع فأهل مكة كانوا أذكى عقولا ، وأرهف حسا ، وأوفى ذوقا ، من أهل المدينة. والقرآن الكريم قد بين كثيرا من مناقشاتهم العقلية وقد خرج منهم القائد للجيوش والحاكم للشعوب ، والعالم بكل فن.

__________________

(١) خصائص القرآن الكريم ـ د / فهد الرومي ـ ص ٧٨.

(٢) صحيح البخاري ٦ / ١٠١ ، كتاب فضائل القرآن باب ٦ تأليف القرآن.

(٣) المدخل لدراسة القرآن الكريم ص ٢٤٥.

١١٢

والقرآن الكريم قد أقسم بالمحسوسات والمعقولات والأحياء فأقسم سبحانه بالشمس والملائكة والنفس ، وبحياة الرسول ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ وبذاته سبحانه .. إلخ وقسمه كان كلون من ألوان الخطاب كان دارجا بين المخاطبين والقرآن الكريم نزل بأسلوبهم وعلى طريقة الخطاب عندهم.

فالحال والمقام اقتضى القسم بهما. ثم إن القسم بهذه الأشياء ليس لتعظيمها ـ كما يظن المستشرقون ـ إنما لتنبيههم إلى ما تشتمل عليه من إحكام في الخلق والصنعة ، وما تنطوي عليه من أسرار وعجائب وما تذكر به من نعم وآلاء على المخلوقين. فيؤدي النظر فيها والتمعن للإيمان بخالقها ومنشئها سبحانه ، والإذعان والانقياد لشرعه وتعاليمه حسب ما جاء به رسوله ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ.

ولأهمية هذا الموضوع فقد خصه بعض العلماء بالتأليف كابن القيم في كتابه (التبيان في أقسام القرآن) وغيره (١).

المبحث الثاني :

طول الآيات وقصرها وعدها :

شبههم حول هذا المبحث :

الشبهة الأولى :

ذكرت دائرة المعارف البريطانية في هذا الشأن (أن السور الأولى تتصف آياتها بالقصر ، وبقوتها الشعرية ، وبتعبيرها الحيوي ، أما السور الأخيرة فجاءت آياتها طويلة مفصلة ومعقدة نثرية في مظهرها ولغتها ، بحيث إنه أصبح من الصعب التمييز أين تنتهي الآية ، مما تسبب عنه اختلاف في ترقيم الآيات) (٢).

__________________

(١) المدخل لدراسة القرآن ص ٢٤٦ ـ ٢٤٧.

(٢) قضايا قرآنية في الموسوعة البريطانية ص ٥٠.

١١٣

الجواب :

إن مما يؤسف أن تجد مراجع علمية كالموسوعة البريطانية تكتب أمورا إسلامية ، وقضايا قرآنية دون تمحيص ودقة علمية مما يجعلها تأتي بكل غريب ونشاز.

فقضية قصر الآيات وطولها أمر توقيفي لا اجتهادي عينه المصطفي ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ وكان مراعيا فيه لمقتضى حال المخاطبين وليس لتأثره بالبيئة المكية أو المدنية. وكان مراعيا كذلك أفانين الكلام عند العرب في كلا البيئتين ، حيث كان عندهم أسلوب الإطناب والإيجاز ، فجاءت الآيات على الأسلوبين سواء في مكة أو في المدينة ، وأهل مكة لم يكونوا شعراء فقط بل كانوا كذلك أدباء بلغاء لا يقلون في الإبداع عن كونهم شعراء أفذاذ ، لأن الكلام بضاعتهم في كل نواحيه ، وقد اشتهر منهم في مكة أدباء أصحاب نثر بديع كما اشتهر فيهم شعراء مبدعون.

وهناك أمر هام وهو أن السور المكية لم تكن كلها ذات آيات قصيرة ، وكذلك لم تكن المدنية كلها ذات آيات طويلة كما يظن المستشرقون. فمن السور المكية من آياتها طوال وهي كثيرة العدد أكثر من بعض السور المدنية كما هو الحال في سورة الأنعام ، وغيرها.

ومن السور المدنية قصيرة الآيات ، قليلة العدد كسورتي النصر والإنسان ، وغير ذلك كثير.

إذن فمسألة القصر والطول أمر رباني ومسألة توقيفية روعي فيها مقتضي حال المخاطبين على غير ما يتصوره المستشرقون (١).

كما أن الإتيان بالمعاني العظيمة في الأسلوب الموجز يعتبر أبلغ مما لو جاء بها في الأسلوب المسهب قال السخاوي : [.. والقرآن الكريم على أيهما جاء فهو

__________________

(١) مناهل العرفان في علوم القرآن ١ / ٢٠٩.

١١٤

على قرى واحد ، لا تعثر فيه على اختلاف ، ولا أنت لتقصير واجد ، فلا يشك في صحة نزوله من عند الله ـ عزوجل ـ ذو بصيرة ، ولا قدرة لأحد من البشر أن يأتي بمثله في أحكام معانيه ، وانتظام ألفاظه ، وبديع منهاجه وأسلوبه ..](١).

والقرشيون في مكة كانوا في الذؤابة من قبائل العرب ، ذكاء وألمعية ، وفصاحة ، وبلاغة ، وشرفا ، وشجاعة ، لذا خاطبهم القرآن الكريم بالقصير من سوره وآياته ، ولا يقدح في مزايا المكيين هذه أنهم كانوا أميين لم يستنيروا بثقافة المدنيين ، فللثقافة والاستنارة ميدان ، وللذكاء والتمهر في البيان ميدان آخر. وأما أهل المدينة لم يكونوا على استنارتهم ليبلغوا شأن قريش في تلك الخصائص والمزايا ، وكان منهم أهل كتاب درجوا على ألا يستفيدوا إلا بالتطويل ولا يقنعوا إلا ببسط الكلام ، لذا جاء القرآن المدني طويلا في آياته وسوره. لذا كان كلا الأسلوبين مراعى فيه حال المخاطبين ، وهذا هو عين البلاغة والإبداع ، وتأدية للمهمة التي نزل بها القرآن ألا وهي البلاغ لا كما يتصور المستشرقون ويتخيلون.

فالخلاصة :

أن القوم في مكة كانوا في سبات عميق وغفلة من أمر تدبر ما في السموات والأرض ، أبطرهم المال والجاه.

فجاءت الآيات المكية في صدر الدعوة كالصعق الكهربائي لإعادة التفكير واليقظة إليهم.

لذا جاء الأسلوب يهز العواطف والمشاعر هزا عنيفا لافتا النظر إلى ما يحيط به من بديع النظام الكوني.

أما في المرحلة المدنية فقد كانت تشريعات الدول من المعاملات والاتفاقات الدولية في حالة السلم والحرب وآداب الأسرة وتنظيم سائر شئون الحياة هو

__________________

(١) جمال القرآن وكمال الإقراء ص.

١١٥

الغالب. والمجتمع مجتمع إسلامي عميق الشعور والتفكير في خالق الكون وشرائعه مذهب المتقصي لمثل الأسلوب السابق.

أما القضية الثانية :

قضية عد الآي وعلاقتها بطول الآيات وقصرها فهو تصور خاطئ منهم ، ولا يدل على نضوج علمي بقدر ما يتبع الهوى والتشهي وقصد الإساءة للقرآن الكريم. أما عد الآيات فهو أمر توقيفي لا اجتهاد فيه ، مرجعه رسول الله ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ الذي بينه لصحابته خلال تلاوته للآيات القرآنية أمامهم.

وقد كان رسول الله ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ يبين عدد آيات بعض السور أو تعيين عدد آيات مقطع من سورة معينة مثال ذلك : سورة الملك وتعيين عدد آياتها بالثلاثين ، روى أبو داود في سننه بسنده لأبي هريرة عن النبي ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ قال : «سورة من القرآن ثلاثون آية (١) تشفع لصاحبها حتى يغفر له (تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ)(٢).

وعن عبد الرحمن بن يزيد قال : سألت أبا مسعود وهو يطوف بالبيت فقال : قال رسول الله ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ «من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه» (٣).

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : قال رسول الله ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ : «من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين ، ومن قام بمائة آية كتب من القانتين ، ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين (٤)» (٥) هذا يؤكد أن آيات القرآن الكريم

__________________

(١) سنن أبي داود ٢ / ١١٩ كتاب الصلاة باب في عد الآي.

(٢) سورة الملك : ١.

(٣) سنن أبي داود ٢ / ١١٨ كتاب الصلاة باب تحزيب القرآن.

(٤) المقنطرين : أي أعطي قنطارا من الأجور ، وجاء في الحديث : أن القنطار ألف ومائتا أوقية ، والأوقية خير مما بين السماء والأرض انظر النهاية في غريب الحديث والأثر ٤ / ١١٣.

(٥) انظر سنن أبي داود ٢ / ٥٥.

١١٦

كانت معروفة العدد. وأن ذلك كان بتحديد رسول الله ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ له ، وليس السبب الرئيسي في الخلاف كون الآيات المدنية نثرا معقدا يصعب معرفة نهاياتها لذا صعب عدها على حد تعبيرهم. وإنما هو ناشئ من وقوف النبي ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ أحيانا على بعض الكلمات في آية من الآيات ، فكان يعدها بعضهم رأس آية. فكان لا يقف عندها في قراءة أخرى فلا يعدونها رأس آية لذا كان يقع الخلاف في عدد آيات بعض السور.

والقرآن الكريم كان أخذه بالتلقي لذا كان الصحابي يقرأ كما سمع رسول الله ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ يقرأ ، ويقف مكان وقوفه. وكان الخلاف غير مقتصر على السور المدنية بل كان كذلك في السور المكية على حد سواء. وسأضرب مثالا على ذلك من سورتين واحدة مدنية والأخرى مكية وكلاهما فيه خلاف لأدلل على أن المستشرقين يلقون كلاما غير دقيق لإثبات فكرة في أذهانهم غير مراعين احترام البحث العلمي.

فالسورة الأولى سورة آل عمران التي بلغت مواطن الخلاف فيها سبعة مواضع.

١ ـ اختلافهم في (الم)(١) حيث عدها بعضهم آية وبعضهم لم يعدها كذلك. كما جاء في سورة البقرة.

٢ ـ قوله سبحانه : (وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ)(٢) حيث عدها الأكثرون آية ولكن بعضهم وهو الشامي لم يجعلها آية ولكنه جعلها جزءا من آية.

٣ ـ قوله : (وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ)(٣) عدها غير الكوفي آية ولكن الكوفي جعلها جزءا من آية.

__________________

(١) سورة آل عمران آية : (١).

(٢) سورة آل عمران آية : (٣).

(٣) سورة آل عمران آية : (٤).

١١٧

٤ ـ قوله عن المسيح (وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ)(١) فلقد انفرد الكوفي في عد هذه آية ، وذهب غيره أن هذه جزء من آية.

٥ ـ قوله : (وَرَسُولاً إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ)(٢) فلقد عدها بعضهم آية مثل البصري ، وذهب الأكثرون إلى أنها ليست آية مستقلة.

٦ ـ قوله سبحانه : (لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ)(٣) عدها بعضهم رأس آية ، وذهب آخرون إلى أن الآية تنتهي عند قوله (عَلِيمٌ).

٧ ـ قوله سبحانه : (فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ)(٤) عدّها بعضهم آية ، وذهب الأكثرون إلى أن الآية تنتهي عند قوله سبحانه : (وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ).

أما السورة المكية التي اخترتها سورة الماعون فلقد عد بعضهم قوله سبحانه : (الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ)(٥) آية (وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ)(٦) آية ثانية. وذهب الأكثرون إلى أنهما آية واحدة وليستا بآيتين (٧). والأمثلة غير هذين المثالين كثيرة.

المبحث الثالث :

الفاصلة القرآنية :

زعم المستشرقون كما في دائرة المعارف البريطانية أن القرآن الكريم ألف

__________________

(١) سورة آل عمران آية : (٤٨).

(٢) سورة آل عمران آية : (٤٩).

(٣) سورة آل عمران آية : (٩٢).

(٤) سورة آل عمران آية : (٩٦).

(٥) سورة الماعون آية : (٦).

(٦) سورة الماعون آية : (٧).

(٧) قضايا قرآنية ص ٥٤.

١١٨

بطريقة عشوائية والذي يدل على ذلك ويؤكد صحته ختم آياته بفواصل وضعت لغير حكمة ولا فائدة وإنما وضعت لتتميم السجع والقافية للآيات (١).

الجواب :

الفواصل : حروف متشاكلة في المقاطع توجب حسن إفهام المعاني والفواصل بلاغة ، والأسجاع عيب. وذلك أن الفواصل تابعة للمعاني ، وأما الأسجاع فالمعاني تابعة لها وهو قلب توجبه الحكمة في الدلالة (٢).

وفواصل القرآن كلها بلاغة وحكمة لأنها طريق إلى إفهام المعاني التي يحتاج إليها في أحسن صورة يدل بها عليها.

والفواصل على وجهين : أحدهما على الحروف المتجانسة كقوله تعالى : (طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى)(٣).

والآخر على الحروف المتقاربة فكالميم من النون كقوله تعالى : (الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)(٤) وإنما حسن في الفواصل الحروف المتقاربة. لأنه يكتنف الكلام من البيان ما يدل على المراد في تمييز الفواصل والمقاطع ، لما فيه من البلاغة وحسن العبارة.

وأما القوافي فلا تحتمل ذلك لأنها ليست في الطبقة العليا من البلاغة. وإنما حسن الكلام فيها إقامة الوزن ومجانسة القوافي فلو بطل أحد الشيئين خرج عن ذلك المنهاج ، وبطل ذلك الحسن الذي في الأسماع ، ونقصت رتبته في الأفهام.

والفائدة في الفواصل دلالتها على المقاطع ، وتحسينها الكلام بالتشاكل وإبداؤها في الآي بالنظائر (٥).

__________________

(١) انظر قضايا قرآنية في الموسوعة البريطانية ص ٨٢.

(٢) ثلاث رسائل في إعجاز القرآن للرماني والخطابي وعبد القاهر الجرجاني ص ٨٩.

(٣) سورة طه (١ ـ ٣).

(٤) سورة الفاتحة (٢ ـ ٣).

(٥) ثلاث رسائل ص ٩٠ ـ ٩١.

١١٩

وما ذكرته من نفي السجع في القرآن الكريم هو رأي مجموعة من العلماء كالرماني مثلا ولكن من أجازه في القرآن احتج أن القرآن نزل بلغة العرب وعلى عرفهم ، وعادتهم.

وحمل قول الرماني ومن تابعه أنه جنب القرآن لفظ السجع تنزيها له عن الوصف اللاحق بغيره من الكلام المروي عن الكهنة وغيرهم.

وقد نقل يحيى بن حمزة العلوي في كتابه الطراز موقف العلماء من التسجيع حيث قال : التسجيع فيه مذهبان :

المذهب الأول :

وهذا هو الذي عول عليه علماء أهل البيان ، والحجة على ذلك هي أن كتاب الله تعالى والسنة النبوية وكلام أمير المؤمنين مملوء منه.

والمذهب الثاني :

استكراهه ، وهذا شيء حكاه ابن الأثير ولم أعرف قائله ، ولا وجدته فيما طالعت من كتب البلاغة (١).

فالفاصلة القرآنية إذن هي النهايات التي ختمت بها الآيات وهي تعادل القافية في الشعر. قال الجاحظ : [سمى الله تعالى كتابه اسما مخالفا لما سمى العرب كلامهم على الجمل والتفصيل.

سمى جملته قرآنا كما سموا ديوانا .. وآخرها فاصلة كقافية](٢).

ونظام الفاصلة القرآنية فريد متميز خاضع لنظام رباني دقيق ، فهي متسقة ومتناسبة كل التناسب مع معنى الآية وموضوعها وسياقها الذي تتحدث فيه ، وغرضها الذي جاءت من أجله ، وهي دليل وبرهان صادق أن هذا القرآن تنزيل من حكيم حميد.

__________________

(١) نفس المرجع ص ١٧٦.

(٢) لمحات في علوم القرآن ـ محمد الصباغ المكتب الإسلامي ص ٤٤.

١٢٠