🚘

آراء المستشرقين حول القرآن الكريم وتفسيره - ج ١

د. عمر بن إبراهيم رضوان

آراء المستشرقين حول القرآن الكريم وتفسيره - ج ١

المؤلف:

د. عمر بن إبراهيم رضوان


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٨٠
🚘 الجزء ١ 🚘 الجزء ٢
🚘 نسخة غير مصححة

التواريخ المقارنة لإمبراطوريات الأرض](١).

هذه النظرة لكتاب اليهود الأول وهو العهد القديم بما فيه من اضطراب في السند والمتن والمخالفة للعقل والمنطق والضعف في العبارة والأسلوب. فكتاب هذا شأنه لو قارنه أي إنسان عاقل محايد فسينطق بالحق أنه لا يصلح أن يكون مصدرا للكتابات التاريخية فكيف يصلح حسب زعمهم أن يكون مصدرا للقرآن العظيم الذي يتحدى البشرية عامة أن يثبتوا له مرجعا غير إلهي.

أما المصدر الثاني لليهودية فهو كتاب «التلمود» والذي لنا معه وقفة قصيرة ليظهر زيفه وبطلانه.

الفرنسيون من اليهود يرون أن التوراة ليست هي كل الكتب المقدسة وإنما هناك بجانبها روايات شفوية تناقلها الحاخامات من جيل إلى جيل .. وتلك الروايات التي هي تعرف بالتلمود التي جمعها «يوحناس» في كتاب سماه (المشنا) أي الشريعة. زيد عليها بعد ذلك زيادات كثيرة جمعها (الربي) يهوذا سنة ٢١٦ م ودونها. كتب عليها حواشي وشروحات سميت (جمارا) فمن (المشنا والجمارا) يتكون التلمود (٢).

والتلمود لا يقل في أخطائه عن الأخطاء التي في الكتاب المقدس فالتلمود يروي أن الله ندم لما أنزله باليهود وبالهيكل. ومما يرويه التلمود عن الله قوله : «تبا لي لأني صرحت بخراب بيتي وإحراق الهيكل ونهب أولادي» والتلمود لا يجعل العصمة من صفات الله ويجعل هذا الكتاب مصدر الشر هو الله كما يعتبره مصدر الخير إلى غير ذلك من الأخطاء (٣).

أما ما بنوا عليه من زعم يصلح في نظرهم لتكون اليهودية مصدرا للإسلام

__________________

(١) قيمة التاريخ جوزاف هورس ص ٣١.

(٢) كتاب اليهودية ص ٢٦٥ ـ ٢٦٦.

(٣) نفس المرجع ص ٢٦٧.

٣٤١

للتشابه في القصص أو في بعض التشريعات وغيرها فهو زعم باطل لعدة أسباب منها :

١ ـ التاريخ يشهد أن اليهود لم يسكتوا لحظة في عدائهم لرسول الله ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ ومحاربتهم له بكل أنواع الأسلحة الدعائية العدائية ، وترويج الإشاعات في الوسط المسلم ، وتحريض قريش عليه ، ووصل الأمر في نهايته لحمل السلاح ضد الإسلام من قبلهم ، لذا لو كان محمد ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ أخذ شيئا من كتبهم ، فما الذي سيسكتهم عن كشفه وبيان عوار دعوته وفضح ادعائه ، وبيان عدم صدقه في دعوته ، فلما لم يكن هذا منهم بطل زعم «تسدال» وزمرته.

٢ ـ الكتاب المقدس كله لا يصلح أن يكون مرجعا لدعوة بشرية حتى يكون مصدرا لدعوة إلهية كدعوة نبينا محمد ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ لما فيه من فساد اعتقاد وتعد على جناب الله سبحانه ، وسوء أدب مع أنبيائه سبحانه ، ولما فيه من اضطراب وتناقض ، وتحريف ونقض واضح ، وسقوط للإسناد إلى غير ذلك مما بينته من قبل.

٣ ـ أن زعمهم أخذ محمد لكثير من قصصه من الكتاب المقدس عن طريق الأرقاء من أهل الكتاب ، أو عن طريق من أسلم من أحبارهم ، أو من القبائل اليهودية ، التي كانت تسكن في المدينة المنورة ، بين هذه الشبهة خير بيان «الإمام الباقلاني» ـ رحمه‌الله تعالى ـ [إن ما انطوى عليه القرآن من قصص الأولين ، وسير الماضين ، وأحاديث المتقدمين وذكر ما شجر بينهم ، مما لا يجوز علمه إلا لمن كثر لقاؤه ، لأهل السير ودرسه لها وعنايته بها ، ومجالسته لأهلها ، وكان ممن يتلو الكتب ويستخرجها ، مع العلم بأن النبي ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ لم يكن يتلو كتابا ولا يخطه بيمينه ، وأنه لم يلد ممن يعرف بدراسة الكتب ومجالسة أهل السير والأخذ عنهم ، ولا لقى إلا من لقوه ، ولا عرف إلا من عرفوه ، وأنهم يعرفون منشأة وتصرفه في إقامته بينهم وظعنه عنهم فإن ذلك المخبر عن هذه الأمور هو الله

٣٤٢

سبحانه وتعالى علام الغيوب](١).

٤ ـ الناظر في القصص المذكور في القرآن الكريم مقارنا بقصص العهد القديم يجد بينها فرقا واضحا في المحتوى والغرض والأسلوب. فالقصة القرآنية دعوة للتوحيد ، ومكارم الأخلاق ، وإظهار الأنبياء ، بأجمل صورة تليق بمقامهم من العصمة ، ومكارم الأخلاق ، وسلامة الفطرة ، وغير ذلك. هذا كله بعكس القصص في الكتاب المقدس.

فالدارس للكتاب المقدس يجد فاتحة التوراة أول ما عنيت بتدوين التاريخ فأول سفر من أسفارها وهو (سفر التكوين) سرد لتاريخ الخلق منذ بدء الخليقة إلى موت يوسف ـ عليه‌السلام ـ كما أن فواتح الأناجيل الأربعة دونت تاريخ المسيح ـ عليه‌السلام ـ وسيرته أما القرآن فعلى عكس ذلك فقد أشارت فاتحته لتوحيد الله ـ عزوجل ـ وبيان طرق عبوديته ، وأن نهاية كل حي أن يقف بين يدي الله مالك يوم الدين ، وصنفت الناس إلى فريقين حسب استقامتهم تبعا لأوامر الله أو مخالفتهم لها.

والقصص القرآني تاريخي وصادق غير مثقل بالجزئيات والتفاصيل التي تصرف الفكر عن التدبر والاعتبار (٢) بعكس القصص في الكتاب المقدس.

والقرآن الكريم لم يسرد كل قصص الأنبياء والمرسلين كما فعل الكتاب المقدس. بل اختار بعضهم بما يتفق وحال الدعوة الإسلامية مركزا على جانب العظة والعبرة في قصصهم. واتخاذ طريق الأنبياء السابقين على طريق الدعوة أسوة يقتدى بهم.

لذا جاء القرآن ليبين حقيقة حالهم ، ورفعهم لمكانتهم المختارة من الله ـ عز

__________________

(١) إعجاز القرآن ص ٥١ ، طبعة مصر ١٩٥٤ م.

(٢) كتاب سيكلوجية القصة في القرآن ص ٧٠.

٣٤٣

وجل ـ وإزاحة كل تهمة ألصقها بهم بنو يهود (١).

فلو تتبعت وجه الشبه والخلاف بين القرآن الكريم والكتاب المقدس لطال بنا المقام وليس هذا مكانه في هذه الرسالة وإنما سألقي بعض الملاحظات التي لا بد منها :

١ ـ لقد أساء اليهود كل إساءة مع ذات الله سبحانه وصفاته حيث تصوروه كبشر وعاملوه كبشر فقد نسبوا له التعب تشبيها له بالإنسان فهذا أحد النصوص يصف الله سبحانه وتعالى بالتعب : [فأكملت السموات والأرض وكل جندها ، وفرغ الله في اليوم السابع من عمله الذي عمله](٢).

وتقول التوراة : [وسمعا صوت الرب الإله ماشيا في الجنة عند هبوب ريح النهار فاختبأ آدم وامرأته من وجه الرب الإله في وسط شجر الجنة فنادى الرب الإله آدم وقال له : أين أنت](٣).

كما أساء اليهود لأنبياء الله ـ عزوجل ـ ووضعوهم بما لا يليق بمقامهم فوقعوا بساحة الأنبياء بتشويه صفحتهم الناصعة في بياضها ، باتهامهم بالكذب تارة ، وبقلة المروءة تارة أخرى ، ورميهم بالفاحشة في موطن آخر ، كل هذا ليصلوا لأغراضهم الدنيئة على ظهر الأنبياء.

فجاء القرآن ليفضح أباطيلهم ، ويكشف زيغهم وانحرافهم وليحمي شرف الوحي ، وجلال النبوة. واليهود لم يتركوا نبيا من الأنبياء إلا وجهوا له مطعنا أو سوءا وسأضرب بعض الأمثلة التي تجلي الأمر :

١ ـ فشيخ الأنبياء نوح ـ عليه‌السلام ـ الصبور الشاكر الداعية لرب العالمين يصورونه سكيرا ، يشرب الخمر ، ويتعرى داخل خبائه فيدخل عليه ابنه

__________________

(١) كتاب اليهود في القرآن ـ طبارة ص ٢٦٠.

(٢) سفر التكوين ٢ / ١.

(٣) نفس المرجع ٣ / ٨.

٣٤٤

الصغير فيرى عورته فيسخر منه ، ويذهب فيخبر أخاه الأكبر منه ، فيحضر ويغطي سوأة أبيه ويعلم أبوهم الخبر فيدعو على الصغير أن يجعله وذريته عبيدا لسام وذريته.

فجاء القرآن ليكشف هذه الأباطيل ويردها ويبرئ نبي الله نوح ـ عليه‌السلام ـ ويرد زيفهم ويكشف ما قصدوه وراء هذا الافتراء وهو أسطورة كونهم شعب الله المختار الذي ينبغي أن يخضع لهم من أجله غيرهم (١).

٢ ـ وهذا لوط ـ عليه‌السلام ـ النبي الكريم الذي آتاه الله حكما وعلما ، يحيكون حوله أبشع التهم من مؤامرة ابنتيه عليه حتى سقتاه خمرا ، وضاجعتاه ، وهو لا يدري فحملتا منه سفاحا ، فجاء منهما المؤابيون وبنو عمون إلى اليوم (٢).

ولكن الله سبحانه يأبي أن تلوث سيرة نبي من أنبيائه وولي من أوليائه بمثل هذه الصورة فأنزل صفته وسيرته وعفته وإيمان أهل بيته إلا امرأته بآيات تتلى شهادة من رب العالمين على فضح مخططات اليهود لنشر الرذيلة والفاحشة بين بني الإنسان لتدمير أخلاقهم وجعلهم عبيدا للجنس قاتلهم الله أنى يؤفكون. (٣).

٣ ـ أما أبو الأنبياء إبراهيم ـ عليه‌السلام ـ فيقدمون له صورة كئيبة مادية وهو يتاجر في زوجته الجميلة عند الملوك ليربح ويأكل ، كما يفعل المرابون اليهود إلى يومنا هذا.

فبرأ الله نبيه أبا الأنبياء ـ عليه‌السلام ـ داعية التوحيد الذي كان لوحده أمة قانتا لله ـ عزوجل ـ من هذا البهتان العظيم قال تعالى : (إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ

__________________

(١) انظر كتاب معركة الوجود ص ١٥٥ ـ ١٥٨.

(٢) انظر سفر التكوين ـ الإصحاح ص ١٩.

(٣) انظر سورة الأنبياء الآيات (٧٤ ـ ٧٥).

٣٤٥

أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)(١).

وقد ذكرت سيرة هذا النبي العطرة في أكثر من موطن في قرآنه مثل سورة الأنبياء وغيرها (٢).

٤ ـ دنس اليهود سيرة أبيهم يعقوب «إسرائيل» ـ عليه‌السلام ـ فصوروه سارقا للنبوة من أخيه ومستغلا استغفال أبيه ، والكذب عليه إلى درجة التمثيل الساذج والتلاعب البين الذي لا يخرج عن أساطير الصغار ، وهزل الصبيان (٣).

أما القرآن فصوره بأجمل صورة للوفاء ولحبه لابنه وبأتم عقل ونور بصيرة. كما أنه وصف ابنه يوسف ـ عليه‌السلام ـ بأجمل وصف وأتم عقل كما جاء ذلك في سورة يوسفعليه‌السلام.

٥ ـ أما النبي الصالح داود ـ عليه‌السلام ـ الذي ينشدون مملكته اليوم فقد خصوه وأهل بيته بأوجع نصيب من التهم الباطلة المخلة للشرف والعفة. فجعلوا منهم أسرة تعيث في الخطايا والدنس بكل ألوانه!. فهم يرمونه ـ عليه‌السلام ـ ابتداء بارتكاب فاحشة الزنا مع زوجة قائده «أوريا» فحملت منه سفاحا «بسليمان» ـ عليه‌السلام ـ ولم يكتف داود بذلك بل تخلص من هذا القائد بوضعه في مقدمة الجند وأمرهم بالرجوع عنه وعن القلة الذين معه حتى قتل وتزوج زوجته. فعاقب الله ـ عزوجل ـ داود ـ عليه‌السلام ـ بأن سلط عليه ابنه «أبشالوم» فنزع منه ملكه وزنا «بسراري أبيه» أمام جميع بني إسرائيل.

وقبل هذا الحادث كان «أبشالوم» قد قتل أخاه «أمتون بن داود» لأنه

__________________

(١) سورة النحل الآية (١٢٠).

(٢) انظر سورة الأنبياء من (٥١ ـ ٧٠).

(٣) انظر سفر التكوين ـ الإصحاح (٢٧) وما بعدها ، وانظر معركة الوجود ص ١٥٧.

٣٤٦

زنا ب «ثامار» شقيقة «أبشالوم» (١).

كما أنهم صوروا داود ـ عليه‌السلام ـ لاه عن ربه ـ عزوجل ـ مشغول بنسائه وسراريه (٢).

لذا جاء القرآن الكريم ليطهر ساحة هذا النبي الكريم ويبرئه وأهله من تهمة الفواحش المنسوبة إليهم فصوره قانتا منيبا راكعا ، عابدا عدلا بأفضل سيرة وأنقى سريرة بعكس ما جاء في التوراة.

قال تعالى : (اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ. إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ. وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ. وَشَدَدْنا مُلْكَهُ وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ)(٣).

٦ ـ أما سليمان ـ عليه‌السلام ـ النبي المجاهد العادل صاحب الهيكل الذي يتباكون عليه اليوم فقد نسبوا إليه كل خطيئة ورذيلة وفجور فقد اعتبروه ابن زنا كما تقدم ، راكضا وراء شهواته ، لاه عن عبادة ربه كأبيه ، كما نسبوا له «نشيد الإنشاد» ذلك الغزل الداعر الذي يعتبرونه وحيا يتعبدون بتلاوته.

لعمري ما هو إلا وحي شيطان نفثه على لسان خليع ماجن من شعراء بني إسرائيل(٤).

فجاء القرآن ليبين حقيقة سيرة هذا النبي الكريم الشاكر لأنعم الله الأواب العابد المجاهد قال تعالى : (وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ)(٥).

أما الثناء على آل داود فقد جاء ذكره بقوله : (.. اعْمَلُوا آلَ داوُدَ

__________________

(١) معركة الوجود ص ١٥٨.

(٢) انظر سفر صمويل الثاني ٢ / ١١ وما بعدها.

(٣) انظر سورة ص الآيات (١٧ ـ ٢٠).

(٤) انظر سفر الملوك الأول ـ الإصحاح ١ ، وسفر نشيد الإنشاد وهو «ثمانية إصحاحات».

(٥) سورة ص الآية ٣٠.

٣٤٧

شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ)(١).

فمن هنا يظهر حقيقة دعاوى اليهود في «مملكة داود» و «هيكل سليمان» أنها تجارة بائرة باسم الأنبياء ، للاستيلاء على فلسطين أرض الإسلام ومهد الأنبياء ومسجدها أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين.

ومن هنا يظهر كذلك أن نجاحهم في إطلاق السعار الجنسي ، والانحلال الشهواني في العالم المعاصر لا يوقف كل هذا المد إلا «رجال مؤمنون» بهم يحق الحق وترسخ أصول الأخلاق ، وتحقق الهدايات الربانية وتدحض خطط اليهود في إشاعة الفاحشة (٢).

٧ ـ أما زعم «تسدال» أن قصة قابيل وهابيل ليست موجودة في التوراة وإنما هي في كتاب اسمه (بيرك رابي وليزر) فهو زعم باطل حيث ذكرت في سفر التكوين الإصحاح الرابع الفقرة ١ ـ ١٦ وهي مذكورة في القرآن في سورة المائدة من الآية ٢٧ ـ ٣٢.

أما ذكرهما في المصدرين وذلك لوحدة المصدر ثم لبيان أن شريعة القصاص أزلية وأن القتل شنيع في كل الديانات.

٨ ـ أما إنكار «تسدال» لقصة رفع الجبل فوق رأس بني إسرائيل كأنه ظلة في قصة موسى ـ عليه‌السلام ـ حيث زعم «تسدال» أن القصة ليست في العهد القديم إنما أخذها محمد ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ من كتاب (الأكسودس) (٣).

قلت : هذه القصة لم تصرح التوراة بها بصراحة ولكنها أشارت إليها في سفر الخروج حيث جاء فيها : [.. فانحدر موسى من الجبل إلى الشعب وقدس الشعب وغسلوا ثيابهم وقال للشعب كونوا مستعدين لليوم الثالث لا تقربوا

__________________

(١) سورة سبأ الآية ١٣.

(٢) معركة الوجود ص ١٦٠ ـ ١٦١.

(٣) انظر مصادر الإسلام ص ١٤ وما بعدها.

٣٤٨

امرأة. وحدث في اليوم الثالث لما كان الصباح أنه صارت رعودا وبروقا وسحابا ثقيلا على الجبل وصوت بوق شديد جدا فارتعد كل الشعب الذي في المحلة لملاقاة الله فوقفوا في أسفل الجبل ، وكان جبل سيناء ، كله يدخن من أجل أن الرب نزل عليه بالنار. وصعد دخانه كدخان الأتون ، وارتجف كل الجبل جدا فكان صوت البوق يزداد اشتدادا جدا وموسى يتكلم والله يجيبه بصوت](١).

وعبارة «تحت الجبل» (٢) تحتمل المعنيين :

الأول : على سفحه وفي أسفله.

والثاني : تحت بمعنى أن الجبل صار كأنه ظلة فوقهم وهو ما أشار إليه القرآن الكريم.

وما جاء في التوراة في سفر الخروج ليس بعيدا عن هذا ، بل هو نفسه لأن وصف الجبل بهذه الصورة من الحركة والارتجاف الشديد مقدمة للنتق ويكون عندئذ كلام «تسدال» وراءه نواياه المبيتة بالكيد للإسلام وقلب الحقائق. وحتى لو فرضنا أن التوراة ولا أي مصدر يهودي ذكر القصة ولم يذكرها إلا القرآن الكريم فيكون ذلك ميزة لهذا الكتاب العظيم على غيره من كتب السماء ، حيث ذكر قصة نبي من الأنبياء عانى من قومه أكثر مما عاناه أي نبي آخر حتى وهم يظهرون أنهم سائرون معه طائعون لأمره. وقصة الجبل تبين نفسية هؤلاء القوم حيث صورتهم على حقيقتهم أنهم لا يتوبون إلا بالعصا ، ولا يخافون حتى يروا العذاب الأليم.

فهؤلاء هم اليهود يسمعون كلام موسى لربهم ومع هذا يطلبون رؤية الله جهرة فأخذتهم صاعقة الموت ردعا لهم ولكن أنى يرتدعون أما ما ذكره «تسدال» أن القصة أسطورة هندية فهو مجرد ادعاء حيث لم يبين لنا «تسدال»

__________________

(١) العهد القديم سفر الخروج ١٩ / ١٤ ـ ١٩.

(٢) مصادر الإسلام ص ٤٠ وما بعدها.

٣٤٩

أين ذكرت هذه القصة عندهم ولا في أي مرجع هندي. والذي يعرف أسلوب «تسدال» في قلب الحقائق الواضحة لا يأمنه في أقواله كلها وحتى لو وردت القصة عند أمم أخرى فهي عندنا حقيقة لا مجال للشك فيها لأنها أخبار من رب العالمين في أصدق كتاب مبين قال تعالى : (وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)(١).

وقلع الجبل فوقهم هو المتبادر من الآية بمعونة السياق وهي صريحة فيه.

وهذه المسألة من الممكنات العقلية فالله صاحب القدرة والسلطان لذا بعد كل هذا البيان من نصوص التوراة والقرآن والأدلة العقلية لا داعي «لتسدال» وزمرته الإنكار والتشكيك في القرآن وزعمه أنها أسطورة وخرافة. بل عليهم التسليم والإذعان بصحة ما جاء في هذا القرآن الكريم وهذا شأن العقلاء من العلماء المخلصين.

٩ ـ أما زعم «تسدال» أن المسلمين ذكروا نزول القرآن من اللوح المحفوظ ، وحفظه فيه تقليدا لوضع موسى الألواح في التابوت وظنا منهم أن التابوت هو اللوح المحفوظ (٢).

قلت : هذا من خبث هؤلاء المستشرقين فهم عند ما يريدون أن يجعلوا محمدا ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ مؤلفا للقرآن الكريم يصفوه بالذكي الألمعي الذي استطاع بجلسات قصيرة ومحدودة مع أحبار اليهود ورهبان النصارى وتلاميذ المجوسية وكهان السامرائية أن يؤلف كل هذه العقائد والشرائع. وعند ما يريدون تقرير أغاليط كهذه يصفوا أتباعه بالبساطة والسذاجة لقبولهم كل هذه الأمور حيث لم يعرف محمد ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ هذا اللوح أهو تابوت موسى ـ عليه‌السلام ـ أم

__________________

(١) سورة الأعراف الآية (١٧١).

(٢) مصادر الإسلام ص ٤٠ وما بعدها.

٣٥٠

اللوح السماوي المحفوظ بالملائكة عند الله ـ سبحانه ـ وهذا نابع من عدم إيمان هؤلاء المستشرقين بالنبوات والرسل وإلا لما أساءوا هذا الفهم وحملوه لرسول الله ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ.

روى البخاري في صحيحه محاجة آدم وموسى ـ عليهما‌السلام ـ حيث قال : «.. روى طاوس قال : سمعت أبا هريرة عن النبي ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ قال : احتج آدم وموسى. فقال له موسى : يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة. قال له آدم : يا موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك بيده ، أتلومني على أمر قدره الله عليّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة فحج آدم موسى ثلاثا» (١).

فهذا التقدير كان مكتوبا على آدم ـ عليه‌السلام ـ في اللوح المحفوظ هذا بنص الأحاديث الشريفة الصحيحة وهي كثيرة.

أما تابوت موسى ـ عليه‌السلام ـ فهو مذكور كذلك في القرآن الكريم قال تعالى : (وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)(٢).

فهذا تصريح آدم ـ عليه‌السلام ـ أن خطيئته كتبت عليه قبل خلقه بأربعين سنة وقد حج بهذا موسى ـ عليه‌السلام ـ وكتابتها عليه كانت في اللوح المحفوظ ، وهو غير تابوت موسى ـ عليه‌السلام ـ كما هو واضح في السياق.

قال الإمام النووي ـ رحمه‌الله ـ : [المراد بتقديرها كتبه في اللوح المحفوظ أو في التوراة أو (في) الألواح](٣).

__________________

(١) صحيح البخاري ج ٧ ، ص ٢١٤ ، كتاب القدر ، باب (١١) تحاج آدم وموسى عند الله عزوجل.

(٢) سورة البقرة الآية (٢٤٨).

(٣) فتح الباري شرح صحيح البخاري ١١ / ٥٠٨ ـ ٥٠٩.

٣٥١

وكونه في التوراة أو الألواح أنه كتب عليّ العمل الذي عملته قبل أن أخلق؟ قال : بأربعين سنة ، قال فكيف تلومني عليه ويزيد بن هرمز [فهل وجدت فيها (وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى)(١) قال : نعم].

هذا يوضح جليا أن اللوح المحفوظ غير التوراة والألواح اللذين كانا في التابوت. والله أعلم.

أما كون الآجال والأعمال والتقادير مكتوبة في اللوح المحفوظ قبل خلق السموات والأرض فقد ذكرتها آيات منها قوله تعالى : (لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ)(٢). حيث حمل المحو والإثبات من الصحف التي في أيدي الملائكة وأن قوله : (وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ) أي أصله وهو اللوح المحفوظ. ويحمل الكتاب المبين على اللوح المحفوظ في قوله تعالى : (وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ)(٣). قال تعالى : (وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ)(٤).

١٠ ـ أما قصة العجل الذهبي الذي عبده بنو إسرائيل فقد أنكرها «تسدال» وذلك لأن القرآن ذكر أن صانعه هو السامري الذي ظن «تسدال» أنه من السامرة التي لم توجد إلا بعد موسى بأربعمائة سنة (٥).

قلت : هذه القصة التي أنكرها «تسدال» للمدة الطويلة الفاصلة بين موسى ـ عليه‌السلام ـ والسامري المنسوب للسامرة.

__________________

(١) سورة طه : (١٢١).

(٢) سورة الرعد : (٣٨ ـ ٣٩).

(٣) سورة الأنعام : (٥٩).

(٤) سورة الأعراف : (١٤٥).

(٥) مصادر الإسلام ص ٣٧ وما بعدها.

٣٥٢

هذا جهل منه للمقصود الحقيقي بشخص السامري والقصة قد ذكرت في العهد القديم حيث قال : [فانصرف موسى ونزل من الجبل ولوحا الشهادة في يده .. وسمع يشوع صوت الشعب في هتافه فقال لموسى صوت قتال في المحلة .. وكان عند ما اقترب لي المحلة أنه أبصر العجل والرقص. فحمى غضب موسى وطرح اللوحين من يديه وكسرهما في أسفل الجبل. ثم أخذ العجل الذي صنعوا وأحرقه بالنار وطحنه حتى صار ناعما وذراه على وجه الماء وسقى بني إسرائيل وقال موسى لهارون : ما ذا صنع بك هذا الشعب حتى جلبت عليه خطية عظيمة؟! فقال هارون لا يحم غضب سيدي. أنت تعرف الشعب أنه في شر. فقالوا لي اصنع لنا آلهة تسير أمامنا. لأن هذا موسى الرجل الذي أصعدنا من أرض مصر لا نعلم ما ذا أصابه فقلت لهم من له ذهب فلينزعه ويعطيني. فطرحته في النار فخرج هذا العجل](١).

مع الخلاف لصانع العجل بين القرآن والتوراة إلا أنها قصة واحدة في المصدرين حيث نصت التوراة المحرفة زورا وبهتانا وكذبا أنه هارون ـ عليه‌السلام ـ حاشاه أن يكفر بالله نبي من أنبيائه.

أما القرآن فقد برأ نبي الله هارون ـ عليه‌السلام ـ ورد الأمر لحقيقته أن صانعه هو سامري موسى ـ عليه‌السلام ـ وليس سامري السامرة كما ظن ذلك «تسدال» مما جعله ينكر هذه القصة.

والمعروف أن بني إسرائيل لم تكن أنفس أكثرهم مرتاحة بالإيمان وأنهم كانوا ذوي جهالة حيث لم يحصلوا على الثقافة الكافية لخصون عقائدهم من الزيغ. والقوم عاشوا في مصر وألفوا أن يروا عبادة المصريين للعجل «أبيس» وكان للمصريين عناية فائقة بعبادة هذا العجل وكانت العجول المؤلهة إذا ماتت حنطوها ـ كما كان يحنط الآدمي ـ بما يحفظ جسمها من التلف ، وكانت تدفن

__________________

(١) العهد القديم ـ سفر الخروج ٢٣ / ١٥ ـ ٢٦.

٣٥٣

في مقبرة خاصة في جهة سقارة تسمى «سرابيوم».

وقوم كانت بساطتهم وفهمهم للوثنية بهذا الشكل سهل كرجل ماكر كالسامري (١) أن يصنع لهم عجلا من الحلي له خوار.

أما وجه إنكار «تسدال» للقصة لذكر القرآن الكريم السامري على أنه صانع العجل.

قال الأستاذ «عبد الوهاب النجار» موضحا هذه الشبهة :

[أن السامري ليس منسوبا إلى «سامره» في مدينة «نابلس» في فلسطين بل إلى «شامر» بالشين في اللغة العبرية.

ويغلب أن تكون «الشين» في العبرية «سينا» في العربية فهو سامر كما ينطقها سبط أفرايم بن يوسف ـ عليه‌السلام ـ وقد كان رجال سبط يهوذا في بعض الحروب يمتحنون الرجل ليعرف هل هو من سبط يهوذا أو أفرايمي؟ بأن يأمروه بأن ينطق «شبولت» ـ سنبله ـ فإذا قال «سبولت» علم أنه أفرايمي ومعنى «شامر» أو سامر كما هو في النطق العربي والأفرايمي «حارس» فالسامري نسبة إلى سامر ونطقها العبرية «شومير» من مادة شمر أى حرس.

جاء في سفر التكوين : [فقال الرب لقابيل أين هابيل أخوك؟ فقال : لا أعلم. (ه شومير حى أنواخي؟)](٢) وترجمتها «أحارس أنا لأخي» (٣).

ومن هنا يبطل الالتباس الذي حصل «لتسدال» في شخص السامري ويبقى «تسدال» دون مستند تاريخي لإبطال القصة ويظهر بطلان دعوى التوراة كون هارون ـ عليه‌السلام ـ هو صانع العجل. ويظهر جليا أن ما رمي به

__________________

(١) قصص الأنبياء للنجار ص ٢١٨.

(٢) سفر التكوين ـ الإصحاح الرابع الآية (٩).

(٣) قصص القرآن ـ النجار ص ٢٢٤.

٣٥٤

نبي الله هارون ـ عليه‌السلام ـ هو مما رمي به الأنبياء الآخرون من الافتراء والكذب عليهم. ولكن معاذ الله أن يكفر نبي من أنبياء الله بعد إيمان. بل أنبياء الله رأس المؤمنين وصفوتهم وقد حماهم الله بعصمته من كل ذنب فهم الهداة والقدوة لأقوالهم. وخير من دافع عن نبي الله هارون القرآن الكريم قال تعالى راسما صورة جليلة واضحة لهذا النبي العظيم وقومه : (وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ. أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ. وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ. وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْواحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)(١).

هذه هي الصورة الحقيقية التي كانت ، كما رسمها القرآن الكريم ، أن عزم لنبي الله هارون ـ عليه‌السلام ـ فقد عزم القوم على صنع العجل وعبادته ووقف هارون ـ عليه‌السلام ـ أمامهم يمنعهم إلا أنهم كانوا كثرة وهو واحد وكادوا يقتلونه فسكت وهو مغلوب على أمره لا كما زعمت التوراة أنه كان سبب ضلال بني إسرائيل وعبادتهم للعجل وظهر الصانع الحقيقي وسبب ضلال القوم سامري موسى وقال تعالى : (فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً. قالَ يا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي. قالُوا ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْناها فَكَذلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ. فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً. وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ

__________________

(١) سورة الأعراف (١٤٨ ـ ١٥٠).

٣٥٥

فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي)(١).

بهذا الوضوح وضح القرآن موقف هارون عليه‌السلام وأصالة الحقائق القرآنية وثباتها وصحتها في حين يظهر موقف التوراة التي حرفوها من أنبياء الله وزيفها في مثل هذه المواقف كما يظهر موقف المستشرقين الفاضح في تزييفهم للحقائق ..

أما إنكار «تسدال» لقصة صعق شيوخ بني إسرائيل (٢) فقد قلت :

هذه القصة مما انفرد به القرآن الكريم عن غيره من الكتب السماوية مما يبقيه المهيمن على غيره من الكتب في صدقه ، ودقته وكشفه عن المستور.

ولا شك أن هذه القصة مما أخفاه بنو إسرائيل وذلك لأنه يمس شيوخهم ورؤساءهم. أما القرآن فقد وضح ما حصل منهم بأجلى صورة لما رأى وبين أن القوم قد ظلموا أنفسهم وقارفوا إثما كبيرا بعبادة العجل : اختار موسى من القوم سبعين رجلا يذهبون معه إلى الجبل الذي اعتاد أن يناجي الله فيه ليقدموا الطاعة والندم على ما اقترفوا من الإثم ويتوبوا إلى الله مما جنوه من عبادة العجل ، فلما كلم الله تعالى موسى وهم شهود يسمعون كلام الله عاودت جماعة منهم جبلة التمرد والعصيان ، فلم يؤمنوا أن الله تعالى هو الذي يكلم موسى وأنه أعطاه التوراة فقط وقالوا له : لن نؤمن لك أن الله نبأك وأعطاك الكتاب حتى نرى الله تعالى جهرة بأعيننا لا يحجبه حجاب ولا يستره ساتر .. وعلى إثر هذا الطلب من القوم أخذتهم الصاعقة وهم ينظر بعضهم إلى بعض ، يتهافتون على أديم الأرض ليكون ذلك برهانا فعليا لديهم على أن ما أصابهم حق لا شبهة فيه ، ثم بعثهم الله تعالى بعد موتهم بعد التضرع والتذلل من موسى بن عمران ـ عليه‌السلام ـ

__________________

(١) سورة طه الآيات (٨٦ ـ ٩٠).

(٢) انظر مصادر الإسلام ص ٣٠ وما بعدها.

٣٥٦

وطلبه العفو عما صدر من سفائهم والغفران لزلتهم ، فغفر الله لهم ذلك وأعادهم بمشيئته وقدرته سبحانه (١).

وصدق الله إذ يقول : (وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ* ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)(٢).

أما التوراة فقد أشارت لهذه القصة إشارة خفية عند ما تحدثت عن خروج السبعين مع موسى ـ عليه‌السلام ـ لميقات الله سبحانه حيث جاء فيها : [وكان جميع الشعب يرون الرعود والبروق وصوت البوق والجبل يدخن ولما رأى الشعب ارتعدوا ووقفوا من بعيد وقالوا لموسى : تكلم أنت معنا فنسمع ولا يتكلم معنا الله لئلا نموت فقال موسى للشعب لا تخافوا ..](٣).

والشاهد قولهم : (ولا يتكلم معنا الله لئلا نموت).

فالعبارة تشير إلى أن من يتكلم مع الله لشدة الموقف ولعظمة الخالق سبحانه عن أن يدركه بصر الإنسان القاصر وهذا ما سبب الصعق لموسى ـ عليه‌السلام ـ حيث تجلى ربه ـ سبحانه ـ للجبل. وهذا لا يمنع من صعقهم كذلك بسبب طلبهم الرؤية ولتجلي الرب ـ سبحانه ـ على الجبل وهم حاضرون. والذي يقرأ تاريخ بني إسرائيل لا يستغرب طلبا منهم كهذا والله سبحانه صاحب القدرة على أن يحيي الموتى ولذلك أكثر من شاهد.

ويشهد لهذا ما ذكره (أتسلم تورميدا) الذي أسلم بعد أن كان نصرانيا في القرن التاسع وسمى نفسه أبا محمد عبد الله بن عبد الله بن عبد الله الترجمان الميورقي ، أبو محمد ذكر في كتابه : «تحفة الأريب في الرد على أهل الصليب» مؤكدا ما جاء في القرآن الكريم حيث قال : [وإن قلتم أن عيسى إله لأجل الآيات

__________________

(١) قصص الأنبياء ص ٢٩٣.

(٢) سورة البقرة (٥٥ ـ ٥٦).

(٣) سفر الخروج الإصحاح ٢ / ١٨ ـ ٢٠.

٣٥٧

الخارقة التي ظهرت على يديه فعلماؤكم يعلمون أن اليسع النبي ـ عليه‌السلام ـ أحيا ميتا في حياته وميتا بعد وفاته والتصرف بمعجزة الإحياء في البرزخ بعد الموت أعجب منها قبل الموت. وإلياس النبي ـ عليه‌السلام ـ أحيا أيضا ميتا .. إلخ](١).

ومن قصص الإحياء بعد الإماتة عندهم ، أن مات اليشع وأوتي بميت ووضع في نفس القبر مع اليشع فعادت الحياة إلى جسم ذلك الميت حالما مس جثمانه عظام النبي](٢).

فلا داعي إذن لاستغراب «تسدال» لمثل هذه الواقعة واستنكارها وعدها من باب الخرافة مع ذكر ما ذكرته من كتبهم ومع أن كثيرا من المستشرقين يعتمدون هذا الكتاب (تحفة الأريب في الرد على أهل الصليب) منهم «أمسين بلانيوس» و «مايكل ابيلزا» (٣).

٢ ـ أما بالنسبة لما استدل به (تسدال) وغيره لشبهتهم في مصدرية اليهودية للإسلام للتشابه ببعض العبادات كالصلاة والصوم وبعض المناسك.

أو في بعض القضايا العقدية.

ـ كالإشارة لوجود عرش الله على الماء.

ـ عدم الإشراك بالله سبحانه.

ـ وأن لجهنم أميرا وهو خازن النار الذي سماه القرآن «مالك».

ـ وقصة استراق الشيطان للسمع وطردهم بالشهب.

ـ ومخاطبة الرب سبحانه لجهنم بسؤالها : هل امتلأت؟.

ـ والإخبار أن الأرض يرثها عبادي الصالحون.

والتشابه كذلك في الحث على مكارم الأخلاق ويقصد :

__________________

(١) تحفة الأريب في الرد على أهل الصليب ص ١٥٣ ـ ١٥٤.

(٢) انظر قاموس الكتاب المقدس ص ١١١ ـ ١١٢ نقلا عن تحفة الأريب ص ١٥٤.

(٣) انظر مجلة الحوادث ص ٦٢ عدد ١٢٧٤ عام ١٩٨١ نقلا عن حاشية تحفة الأريب ص ٢٣.

٣٥٨

كالنهي عن الكذب ، والإحسان للفقراء والمساكين ، وعدم مضايقة وإيذاء الآخرين ، وعدم الحقد ، وأن تحب الآخرين كحب ذلك لنفسك ، وعدم الانتقام والإحسان للوالدين .. إلخ.

والتشابه في بعض التشريعات ويقصد : كحرمة السرقة والقتل ، وعدم الاعتداء ، والجور في القضاء ، وحرمة الزنا ، وحرمة شهادة الزور ، وحرمة التطفيف في الكيل والميزان .. إلخ (١).

هذه القضايا المشتركة بين الديانتين لاتحاد المصدرية لهما حيث إن كليهما نزل من السماء لكونهما رسالتين سماويتين.

أما بخصوص الصلاة والصيام والحج فهي عبادات في كل الديانات السماوية أو التي لها شبهة كتاب سماوي سواء سبقت الإسلام أو سبقت اليهودية والنصرانية كالمجوسية والصابئة والزرادشتية وغيرها من الديانات إذن فهذا الأمر لا يصلح دليلا لشبهة «تسدال» وغيره.

أما ما أريد الإشارة إليه مما زعمه «تسدال» أن صلاة المسلمين في غير المساجد كانت تأثرا بفعل اليهود ذلك في زوايا الشوارع.

هذا الكلام مردود عليه من الناحية التاريخية حيث لم يعرف عن اليهود والنصارى الصلاة إلا في الأماكن المخصصة لها كالكنائس ، والبيع ، والأديرة ، وغيرها ، وهذا الفعل خاصية لرسول الله ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ ولم تعط لأحد من قبله.

جاء في الصحيحين عن جابر عن النبي ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ قال : «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي ، نصرت بالرعب مسيرة شهر ، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل .. الحديث» (٢).

__________________

(١) مصادر الإسلام ص ١٣ وما بعدها.

(٢) انظر صحيح البخاري ١ / ٨٦ ، كتاب التيمم وباب قوله فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا.

٣٥٩

ومما استدل به «تسدال» على أخذ الإسلام من اليهودية التشابه في الوصايا العشر وزعم أن هذه الوصايا قد أخذها الإسلام من كتاب «جيمارا» (١).

قلت : هذا شأن هؤلاء المستشرقين دائما إذا أرادوا إثبات أخذ الإسلام من التوراة استشهدوا بما يحكم عليه في موطن آخر ببطلانه. وإذا أراد إثبات أخذ الإسلام من مصادر غير موثوقة أسقط ما كان اعتبره مصدرا أصيلا في وقت آخر.

ف «تسدال» من هذا القبيل لما أراد إثبات أن سفر التكوين لا يعتد به رده مثبتا أنه قد كتب سنة ٢٢٠ م مع أن هذا يخالف إجماع اليهود والنصارى وهو يدل على أن هذا الكتاب ليس كلمة الله ، لأنه يحتمل دخول النقص والزيادة عليه ولا يؤمن تغييره وتبديله. هذا ليدلل أن محمدا ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ كان يعتمد على مصادر غير أصلية في اليهودية.

مع العلم أن الإسلام دين سماوي لم يعتمد على مصادر يهودية سواء كانت أصلية أو غير أصلية كما هو في أذهان هؤلاء المستشرقين والتشابه كما سبق وأكدنا مرارا لوحدة المصدر السماوي لهما.

فهذه الوصايا الإلهية جاءت بها كل الشرائع ونادت بها رسالات السماء على مر الأجيال فعن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال : «هذه الآيات محكمات لم ينسخهن شيء من جميع الكتب من عمل بهن دخل الجنة ومن كفر بهن دخل النار» (٢).

وعن كعب الأحبار : «والذي نفس كعب بيده إن هذه الآيات لأول شيء في التوراة» (٣).

__________________

(١) مصادر الإسلام ص ١٣ وما بعدها (فصل اليهودية كمصدر).

(٢) انظر تفسير الطبري ٨ / ٦٤ ، مطبعة دار المعرفة.

(٣) انظر تفسير الطبري ٨ / ٦٤.

٣٦٠