🚘

آراء المستشرقين حول القرآن الكريم وتفسيره - ج ١

د. عمر بن إبراهيم رضوان

آراء المستشرقين حول القرآن الكريم وتفسيره - ج ١

المؤلف:

د. عمر بن إبراهيم رضوان


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٨٠
🚘 الجزء ١ 🚘 الجزء ٢
🚘 نسخة غير مصححة

عرف بالصلاح والمراد أنك كنت في الزهد كهارون. فما الذي صيرك لهذا.

وهذا قول قتادة ، وكعب ، وابن زيد والمغيرة بن شعبة (١).

٢ ـ أن هارون هو أخو موسى بن عمران كليم الله عليه‌السلام. إذ كانت من أعقابه. وإنما قيل أخت هارون كما يقال : يا أخا همدان ، ويا أخا العرب أي يا واحدا منهم.

٣ ـ أنه كان رجلا مشهورا بالفسق ، فنسبت إليه بمعنى التشبيه لا بمعنى النسبة.

٤ ـ أنه كان لها أخ يسمى هارون ، من صلحاء بني إسرائيل فذكرت به والراجح هو القول الثاني لما جاء عن الرسول ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ أنه هارون أخو موسى قال ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ لعلي بن أبي طالب عند ما أخره في المدينة : (ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى)(٢).

ولما جاء في إنجيل برنابا [كان في أيام هيرودس ملك اليهودية كاهن اسمه زكريا من فرقة أبيا وامرأته من بنات هارون واسمها اليصابات وكان كلاهما بارين أمام الله ساكنين في جميع وصايا الرب وأحكامه بلا لوم](٣).

فهذه الرواية في إنجيل برنابا توضح أن امرأة زكريا (اليصابات) كانت من نسل هارون أخي موسى عليهما‌السلام.

ومعلوم أن اليصابات وحنة كانتا أختين أما زكريا فهو زوج خالة مريم عليها‌السلام.

وبالتالي فتكون نسبت مريم إلى جدها الأعلى هارون عليه‌السلام ، وقولهم

__________________

(١) التفسير الكبير للإمام الرازي ٢١ / ٢٠٧ ـ ٢٠٨.

(٢) انظر الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني ٢ / ٥٠١.

(٣) انظر إنجيل برنابا الإصحاح الأول.

٣٠١

هذا من باب التشنيع عليها كيف تكون من سلالة الأنبياء وتحمل من غير أن يكون لها زوج؟ فليس الموضوع خطأ تاريخيا كما زعم «تسدال» ولكنه الأسلوب القرآني المعجز الذي لا يدركه المستشرقون.

ب ـ القسم الثاني : ما انفرد بذكره القرآن الكريم.

أ ـ القضايا التي ذكرها القرآن الكريم أو السنة النبوية ولم ترد عندهم في الكتاب المقدس وأنكرها «تسدال» من أجل ذلك :

أ ـ كلام عيسى ـ عليه‌السلام ـ في المهد.

ب ـ صنعه من الطين طيرا فيكون طيرا بإذن الله تعالى.

ج ـ قصة المائدة.

د ـ عدم صلب المسيح عليه‌السلام.

ه ـ رجوع عيسى عليه‌السلام آخر الزمان.

ب ـ قضايا أخرى :

١ ـ التبشير برسول الله ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ.

٢ ـ قصة خلق آدم عليه‌السلام من تراب.

٣ ـ الميزان.

٤ ـ الأعراف.

٥ ـ التوافق في معنى آية وحديث بين القرآن والإنجيل.

بالنسبة لهذه النقاط عقد «تسدال» المقارنة فيها بين القرآن والكتاب المقدس ولما وجدها وردت في القرآن فقط ولم ترد في الإنجيل ، أنكرها.

قلت : القرآن الكريم هو الكتاب السماوي الوحيد الذي حفظه الله تعالى من التحريف والتبديل ، والزيادة والنقصان ، قال تعالى : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ)(١).

__________________

(١) سورة الحجر آية (٩).

٣٠٢

فهذه الآية العظيمة جاءت ردا على «تسدال» وزمرته من السابقين من كفار قريش واللاحقين ممن جاء بعدهم كأمثال هؤلاء المستشرقين القائلين : إنه من صنع محمد وأن فيه اضطرابا وخللا فالله سبحانه بعلو شأنه ذكر أنه نزل هذا القرآن من لدنه على محمد ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ بواسطة أمين الوحي جبريل عليه‌السلام. ونسب حفظه في الماضي والمستقبل لنفسه سبحانه ليسلم من الزيادة والنقصان والتحريف والتبديل ، وجعله معجزا مباينا لكلام البشر بحيث لا يخفى تغيير نظمه على أهل اللسان بخلاف الكتب المتقدمة فإنه لم يتول حفظها ، وإنما استحفظها الربانيون والأحبار فاختلفوا فيما بينهم بغيا قال تعالى : (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ. يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ ..) الآية (١).

لذا أصبح بين أيديهم أكثر من توراة وأكثر من إنجيل.

فتوراة السومريين مثلا غيرها عن العهد القديم. كما أن الأناجيل مئات وتناقضها واضح وبين لكل من اطلع عليها. كما أنه قد اختفى كثير منها كإنجيل الطفولة والولادة ومريم ، وإنجيل السبعين وإنجيل مرقيون ، وإنجيل ريصان ، وإنجيل التذكرة ، وإنجيل سيرين ، وأنكر بعضها ونسب صنعه للمسلمين كما هو الحال مع «إنجيل برنابا» وبقي من بين هذه المئات من الأناجيل أربعة وهي إنجيل متى ، ويوحنا ، ومرقص ، وإنجيل لوقا.

ولكنها كغيرها لم تسلم فدخل محتواها مبالغات وأوهام وتزيين وسجلوا فيها كل ما سمعوه من روايات ومسموعات ونقولات وتوهمات (٢) سببتها الظروف التي مرت فيها النصرانية.

ويعتبر النصارى اليوم كل ما عدا هذه الأربعة منحولا ودخيلا ومزورا وقد أشار لهذا بولس في رسالته لأهل غلاطية [إني أتعجب أنكم تنتقلون هكذا سريعا

__________________

(١) سورة المائدة آية (٤٤).

(٢) انظر القرآن والمبشرون ص ٥٩.

٣٠٣

عن الذي دعاكم بنعمة المسيح إلى إنجيل آخر ليس هو آخر غير أنه يوجد قوم يزعجونكم ويريدون أن يحولوا إنجيل المسيح](١).

والذي نعتقده أن ما ورد في القرآن مما أثاره «تسدال» كقصة كلام عيسى عليه‌السلام في المهد وغيره مما لم يرد في الأناجيل المتداولة اليوم ، أو مما لم يرد فيها بصراحة قطعية قد ورد في النسخة الأصلية من الإنجيل من قراطيس وأناجيل كانت متداولة في أيدي النصارى أو بعض فرقهم ، وضاعت ، أو أبيدت فيما ضاع أو أبيد.

والآيات القرآنية كانت تتلى جهرة على الناس ، ويسمعها كثير من النصارى كما حصل مع [النجاشي وبطارقته حين سمعوها من المسلمين المهاجرين لديارهم فبكى النجاشي حتى أخضلت لحيته وبكت أساقفته حتى بللوا مصاحفهم ، حين سمعوا ما تلي عليهم من الحق الموافق لما عندهم. وأكد هذا النجاشي حين قال لمن حوله : (إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة)](٢).

وكما سمعه وفد نصارى نجران حين قابلوا وسألوا رسول الله ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ عما أرادوا ثم دعاهم رسول الله ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ للإسلام وتلا عليهم القرآن فلما سمعوه فاضت أعينهم من الدمع ثم استجابوا لله وآمنوا به وصدقوه وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره (٣).

فإذا خلت الأناجيل اليوم من مثل هذه الأمور التي ذكرها القرآن فقد ذكرتها أناجيل أخرى لم يعتمدها النصارى اليوم أو كتب سير وتواريخ صحيحة.

ومن هذه الأناجيل التي اندثرت وذكرتها ، إنجيل الطفولة العربي الذي نص عليها بقوله : (تكلم في المهد صبيا ، وحين كان له سنة واحدة قال لأمه : يا مريم أنا يسوع ابن الله الذي ولدتني كما بشرك جبريل الملك ، وإني أرسلني لخلاص العالم).

__________________

(١) الكتاب المقدس ـ رسالة بولس لأهل غلاطية ـ الإصحاح الأول : (٦ ـ ٧.

(٢) انظر سيرة ابن هشام ١ / ٣٦٠.

(٣) انظر سيرة ابن هشام ٢ / ٣٢.

٣٠٤

كما أن بعض المصادر اليهودية أشارت لعيسى الكلام في المهد حيث جاء عندهم (أخذ الرضيع في المشي فخطا سبع خطوات إلى الأمام وسبع خطوات إلى الخلف وتكلم كما يتكلم الكهل ثم ذهب لينام في مهده بكل تعقل) وإن عد بعضهم هذا من الأساطير.

فإذا أخذنا بعين الاعتبار تاريخ الأناجيل وتدوينها والظروف التي مرت بها وأثرت عليها أدركنا أن ما ذكره القرآن الكريم هو العمدة والمعول عليه ، فما وافقه من الأناجيل أو الكتب النصرانية يكون صحيحا ، وما خالف القرآن منها يكون قد دخله التحريف والتبديل ، والزيادة والنقص. والمسلمون قد انعقد إجماعهم على قيام عيسى بعدد من المعجزات ، منها ما جرى لها ذكر في القرآن فاعتبر المسلمون أن الاعتقاد بها ملزم ومنها ما عرفوه من المصادر المسيحية فلم يدفعوها في الغالب كما لم يدافعوا عنها. وكما أن القرآن ـ مثله في ذلك مثل أناجيل الطفولة ـ لا يميز بين المعجزات التي حققها عيسى قبل البعثة وبين المعجزات التي حققها زمن الدعوة فإن المصادر لا تقوم كذلك بهذا التمييز وتضعها جميعا في نفس المستوى.

ومن هذه المعجزات التي ذكرها القرآن ولم تذكرها المصادر النصرانية المعتمدة عندهم اليوم (١).

أ ـ كلام عيسى ـ عليه‌السلام ـ في المهد :

زعم «تسدال» أن هذه القصة مكذوبة مأخوذة من الأقباط وحصل عليها محمد عن طريق مارية القبطية. أما كلام عيسى فقد تم بعد سن الثلاثين من عمره ـ عليه‌السلام ـ على حد زعم تسدال ـ وكلامه كان لشجرة التين عند ما لم يجد عليها ثمرا في الوقت الذي يجب أن تكون مثمرة فخاطبها (لا يكن منك ثمر بعد إلى الأبد) (٢) فيبست التينة في الحال. هذا هو سبب توهم محمد لكلام

__________________

(١) انظر الفكر الإسلامي في الرد على النصارى ص ٢٦٨ ـ ٢٦٩.

(٢) إنجيل متى ـ الإصحاح الحادي والعشرون فقرة ١٩.

٣٠٥

عيسى ـ عليه‌السلام ـ في المهد (١).

قلت : إن ما زعمه «تسدال» من تعلم رسول الله ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ من مارية القبطية أم ابنه إبراهيم جهل منه وذلك لأن مارية سرية رسول الله ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ أهديت له سنة سبع من الهجرة والمعروف أن سورة مريم قد نزلت قبل قدومها حيث قرأت على النجاشي أثناء هجرة المسلمين للحبشة.

ولم يعلم تاريخيا أن مارية كانت عالمة بالنصرانية ولا عندها اهتمام بنشر تعاليم النصرانية بل إن الله سبحانه شرح صدرها للإسلام وأسلمت من أول أمرها (٢).

أما صرف الكلام في المهد لشجرة التين فهذا أمر لا يقول به عاقل حيث كلامه بعد الثلاثين أمر ليس فيه خلاف وخطابه لشجرة التين أمر شهده بعض تلاميذه كما في نفس الإنجيل وهو من جملة معجزاته المشهودة والكثيرة.

أما أمر كلامه في المهد الذي أنكره «تسدال» فهو حقيقة لا توهم. ومن يعرف حقيقة النصرانية ، وولعها الشديد بالدعاوي التي ترى أنها في صالح فرية تأليه المسيح ـ عليه‌السلام ـ من يعرف ذلك يستغرب إهمال كتب النصارى التي بين أيديهم اليوم الواقعة مثل واقعة كلامه ـ عليه‌السلام ـ في المهد يوم أن برأ ساحة أمه البتول الطاهرة مما رماها به المفترون يوم أن أكرمها الله سبحانه بأن تكون أما لأحد أولي العزم من الرسل ، ويوم أن اصطفاها وطهرها على نساء العالمين ، ورفع ذكرها وأعلى مقامها في الملأ الأعلى وفي جنات النعيم.

إن النصارى يصرون على أن يجعلوا من رسول الله عيسى ـ عليه‌السلام ـ إلها أو ابن إله ، وهم لا يدخرون وسعا لإثبات ذلك حتى وإن اصطدم مع البداهة ، وعارض كل منطق أو حجة. فلما ذا إذا لم تذكر واقعة حديثه في المهد

__________________

(١) انظر مصادر الإسلام لتسدال ص ١٢٤.

(٢) انظر الإصابة في تمييز الصحابة ٤ / ٣٩١.

٣٠٦

في أناجيلهم المزعومة. إذا ما رجعنا إلى قضية لا تحتمل التضارب والخلاف ، فقد رأينا كيف اختلفت الأناجيل في نسب عيسى ـ عليه‌السلام ـ الذي اختاروه له ، ثم تخبطوا فيه بشكل لا يترك أي مجال للشك في حقيقة أن هذه الكتب لا يمكن أن تكون وحيا ولا كلام رسول من الرسل. والتي لا يمكن الاعتماد عليها في مجال العقائد. وبالتالي يتبين أن إسقاطها خبرا من الأخبار ، وإهمالها قضية من القضايا مهما بلغت أهميتها ليس بالأمر المستبعد وقد يقع ذلك لمجرد طبيعة هذا النوع من المراجع ، أو لسبب يبيته كتابها ولأمر يقدرونه وحساب يحسبونه.

وعلى ضوء هذه المقدمة التي ذكرتها يمكن أن يعلل وجود قضايا ذكرها القرآن الكريم ولم تذكرها كتب النصرانية ككلامه ـ عليه‌السلام ـ في المهد ونعلل كثيرا منها :

١ ـ أن الأناجيل قد كتبت في وقت كان اليهود والرومان يضطهدون فيه أتباع المسيح ـ عليه‌السلام ـ ويلاحقونهم بالأذى ، وكانوا يطلقون ألسنتهم في المسيح وأمه وفي المعجزات التي وقعت منه ويتهمونه بأبشع التهم وأشنعها فليس معقولا ـ والأمر كذلك ـ أن يفتح كتاب الأناجيل جبهة جديدة للعرب بينهم وبين اليهود والرومان ، وأن يلقوا إلى النار المشبوبة وقودا جديدا يزيدها ضراما ولهيبا ، ويزيد اليهود سفاهة فيه ، وتطاولا عليه ، وتكذيبا له ـ عليه‌السلام ـ.

٢ ـ إذا علمنا أن كلام المسيح ـ عليه‌السلام ـ في المهد ، كان للحظة عابرة ولم يكن معجزة مستمرة تعيش بين الناس أمدا طويلا ، وأنه إنما حدث للحظات أطفأ بها ثورة عامرة قامت على أمه الصديقة الطاهرة ـ رضي الله عنها ـ رماها فيها قومها بأسوإ فرية ، فبرأها الله على لسان ابنها وهو في مهده ، وإذا علمنا أن هذا المولود عاد إلى طبيعته كطفل له كل ما للأطفال من الحاجات ، ويفعل كل ما يفعل الأطفال ـ ليس إلا ـ فإذا ما أضفنا إلى ذلك كله قلة الذين سمعوه فالمتصور أن الذين كانوا حولها في تلك الحال ما هم إلا نفر من ذويها ، مهما كثر عددهم ، فلن يزيدوا عن أن يكونوا مجموعة ممن يهمهم أمرها ، وفي ضوء ظروف كالتي وصفناها آنفا فهم إذا ما خبروا عن هذا الذي كان من

٣٠٧

الطفل ، ثم حضر المرتاب إليه ليسمع ما يصدق الخبر وجد الطفل لا حول له ولا قوة وهو في مهده وهكذا كان هذا سببا من أسباب صمتهم عن ذكر نطقه ـ عليه‌السلام ـ في المهد فلما كان وقت كتابة الأناجيل كانت تلك الحادثة قد ضاعت في طوفان الأحداث التي اتصلت بحياة المسيح ـ عليه‌السلام ـ والتي انتهت كما هو معلوم بمطاردته لقتله لو لا أن نجاه الله سبحانه وتعالى (١) وقد ذكر القرآن الكريم كلام عيسى ـ عليه‌السلام ـ في المهد بقوله : (.. فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي (٢) إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا. فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا. يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا. فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا. قالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا. وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا. وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا. وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا)(٢).

كما ذكرت الأحاديث النبوية الصحيحة كلام عيسى عليه‌السلام في المهد.

ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ قال : (لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة : عيسى ، ثم ذكر قصة جريج ، وقصة المرأة من بني إسرائيل التي تمنت أن يكون ولدها مثل ذي الشارة فقالت : اللهم اجعل ابني مثله ، فترك ثديها وأقبل على الراكب فقال : اللهم لا تجعلني مثله. ثم أقبل على ثديها يمصه .. ثم مر بأمة : فقالت [أي أمه] : اللهم لا تجعل ابني مثل هذه فترك ثديها فقال : اللهم اجعلني مثلها فقالت : لم ذاك فقال : الراكب جبار من الجبابرة ، وهذه الأمة يقولون سرقت ، زنت ، ولم تفعل) (٣).

وروى ابن عباس أن من تكلم في المهد أربعة وهم صغار :

__________________

(١) انظر رسالة (ميلاد عيسى عليه‌السلام) لزميلي مسعود الغامدي ص ٥١٦ ـ ٥١٩. وانظر المسيح في القرآن والإنجيل عبد الكريم الخطيب ص.

(٢) سورة مريم : (٢٦ ـ ٣٣).

(٣) انظر صحيح البخاري كتاب الأنبياء ٦ / ٤٧٦.

٣٠٨

(.. ابن ماشطة بنت فرعون ، وشاهد يوسف ، وصاحب جريج ، وعيسى بن مريم عليه‌السلام) (١).

ومشاركة عيسى ـ عليه‌السلام ـ في الكلام اثنين أو ثلاثة يدل على إمكانية حصول مثل هذا الأمر لحصوله في فترات مختلفة وأماكن مختلفة.

وغير ممتنع عندنا أن يكمل تعالى عقل الصبي في حال صغره ويبلغه في الفصل مبلغ الأنبياء ، كما لا يمتنع أن يخلق تعالى البشر في الابتداء كامل العقل كما فعله تعالى في خلق آدم عليه‌السلام (٢).

كما أن المصادر التاريخية أشارت إلى كلام عيسى ـ عليه‌السلام ـ كما أشارت لكلام حصل لغيره في مرحلة طفولته (٣).

ب ـ صنعه من الطين طيرا فيكون طيرا بإذن الله تعالى :

زعم «تسدال» أن هذه القصة وصلت لمحمد ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ من كتاب يوناني ساقط اسمه «بشارة توما الإسرائيلي» (٤).

قلت : تشير كتب السير والتفسير أن عيسى عليه‌السلام ظهرت عليه القدرة منذ كان في الكتاب صبيا لا كالصبيان. وتحقق على يديه في هذه الفترة ثلاث معجزات :

١ ـ خلقه من الطين طيرا بإذن الله تعالى.

٢ ـ إخبار الغلمان بما في بيوتهم.

٣ ـ مسخهم خنازير (٥).

__________________

(١) انظر تفسير الطبري ١٢ / ١٩٣.

(٢) انظر الفكر الإسلامي في الرد على النصارى ص ٢٧٣ نقلا عن المغني في العراب والتوحيد والعدل.

(٣) انظر الكامل في التاريخ ١ / ١٧٧.

(٤) انظر مصادر الإسلام ص ١٢٦.

(٥) انظر سيرة ابن هشام ١ / ١٨٩ ، ٢٢٤ ، ٢٣٢ ، وانظر الفكر الإسلامي في الرد على النصارى ص ٢٧٤.

٣٠٩

والقصة أن عيسى ـ عليه‌السلام ـ جلس يوما مع غلمان من الكتاب فأخذ طينا ثم قال : أجعل لكم هذا الطين طيرا. قالوا : وتستطيع ذلك قال : نعم. بإذن ربي. ثم هيأه حتى إذا جعله في هيئة الطير نفخ فيه ثم قال كن طائرا بإذن الله. فخرج يطير بين كفيه. فخرج الغلمان بذلك من أمره فذكروه لمعلمهم فأفشوه في الناس وترعرع ..) (١).

والمسلمون لا ينكرون ولا يستغربون مثل هذه الآيات كما وقع في ذلك النصارى لأنهم مؤمنون بالله وقدرته ورسله وما يسرّ لهم من معجزات فعيسى ـ عليه‌السلام ـ رسول من الله عزوجل وأيد بمثل هذه المعجزات دلالة على صدقه ، والمعجزات خارجة عن نواميس البشر المعروفة عندهم دالة على صدقه في البلاغ عن ربه ، والمنكر عليه أن يأتي بمثلها وإلا فليسلم.

وعدم ثباتها عندهم ، عهدته على مصادرهم التي دخلها النقصان والزيادة والتحريف والتبديل أما كتابنا الذي ينطق بالحق فقد حفظ من كل ذلك كما سبق أن بينت.

وخلق عيسى من الطين طيرا لا يوصله لأن يكون إلها كما ظنت النصارى وصرح بذلك قساوستهم وذلك لأن هناك فروقا بين خلق الخالق والمخلوق : ـ ١ ـ أن صنعة البشر حين يخلق ، فإنما يخلق من موجود ، أما الله تعالى فحين يخلق فإنما يخلق من عدم ، وهذا ما حصل مع عيسى ـ عليه‌السلام ـ.

٢ ـ الله تعالى حين يخلق يعطي خلقه سرا لا يستطيع البشر إعطاءه لما يخلقونه ، يعطيه سر الحياة التي بها النمو والتكاثر (٢) وعيسى ـ عليه‌السلام ـ كان يخلق بإذن الله الذي هو صاحب هذا السر وهذا ما نص عليه القرآن الكريم والله يمنح نعمه وإفضاله لمن شاء من خلقه.

__________________

(١) انظر تفسير الطبري ٣ / ٢٧٥ ، وإنجيل الطفولة العربي ـ ١١٠ نقلا عن مصادر الإسلام ص ١٢٥.

(٢) مريم والمسيح ص ٤٦.

٣١٠

فعيسى ـ عليه‌السلام ـ لما كان يشكل ويصنع من الطين طيرا كان هذا الطير يبقى جامدا على حاله حتى يدب الله سبحانه فيه الحياة ويكون طيرا بإذن الله تعالى.

وإيراد القرآن لمثل هذه المعجزات التي لعيسى ـ عليه‌السلام ـ شبيهة بإحيائه الأموات والذي هو وارد عندهم في الإنجيل في أكثر من مكان ولأكثر من واحد لدليل على صدق هذا الكتاب وما جاء فيه وحفظه من أن يمس بأي تغيير أو تبديل.

وخلق الطير من الطين فيكون طيرا بإذن الله تعالى لا يبعد كثيرا عن إحيائه لمن سلب سر الحياة فيعود حيا مرة ثانية فكلاهما إحياء لميت (١).

والأمر ليس بهذه الدرجة من الغرابة كما يتصور المستشرقون فأي إنسان يستطيع أن يشكل طيرا من الطين ، لكن المعجزة في بقية الآية (فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللهِ)(٢) تعالى فليس كل واحد بعد ذلك ينفخ فيما شكله فيكون طيرا بإذن الله تعالى لكنها خاصية لرسل الله عليهم‌السلام.

وإذا استغرب «تسدال» مثل هذا العمل فقد وقع لإبراهيم ـ عليه‌السلام ـ مثله في بعض الحيوانات حيث شقها نصفين كالأربعة من الطير التي ذكرها القرآن فعادت كما كانت (٣). وإن كان في العهد القديم الأمر إشارة لهذا فقط دون تمام القصة (٤).

وقد اعترف بهذه المعجزة القس «فندر» أحد علماء النصرانية الذين كانوا في الهند مشتغلين بالجرح والطعن في الإسلام في كتابه (ميزان الحق) حيث استدل بها على ألوهية المسيح لأن صفة الخلق من صفات الله تعالى وحده (٥) وقد

__________________

(١) انظر إنجيل متى الإصحاح (١٩) فقرة ١٨ ـ ٣٦.

(٢) سورة آل عمران (٤٩).

(٣) سورة البقرة : (٢٦٠).

(٤) انظر الكتاب المقدس ـ سفر التكوين الإصحاح الخامس عشر فقرة ١١ ، وما بعدها.

(٥) انظر أدلة اليقين. ص ٣٦٢ ـ ٣٦٣.

٣١١

بينت الفرق بين خلق الخالق والمخلوق.

فالعجيب من أحوال هؤلاء المستشرقين والمبشرين على السواء أنهم إذا أرادوا أن يطعنوا في القرآن أنكروا مثل هذه المعجزات ، وإذا أرادوا إثبات شيء منها لصالحهم أتوا بهذه المعجزات مسلمين لها ولصحتها ليدعموا بذلك آراءهم!!.

ج ـ قصة المائدة :

زعم «تسدال» أن منشأ وأصل حكاية المائدة في القرآن عدم فهم محمد ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ للقصة من الكتاب المقدس وتوهمه العشاء الرباني بأنه المائدة (١).

قلت : لقد طابق القرآن ما جاء في الأناجيل في نسخه الأصلية الصحيحة مثل : تطهير البرص ، وإحياء الموتى ، وإعطاء بصر للعميان ، لكنه خالف في أمر المائدة حيث قال تعالى : (إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ. قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ. قالَ اللهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ)(٢).

والمسلمون لا يصرفون القرآن الكريم وما جاء فيه لمقتضى ما ورد في الكتاب المقدس الذي لم يسلم من التغيير كما بينت.

لذا ما جاء في كتاب الله سبحانه هو الحق من نزول هذه المائدة من السماء حقيقة وليست هي رؤيا «بطرس» التي ذكرها «تسدال» (٣).

__________________

(١) انظر مصادر الإسلام ص ١٢٨ ـ ١٣٠.

(٢) سورة المائدة آية : ١١٢ ـ ١١٥.

(٣) مصادر الإسلام ص ١٢٩ ، وانظر الرؤيا في أعمال الرسل ـ الإصحاح العاشر فقره ٩ ـ ١٦.

٣١٢

وليست وهما وهمه المسلمون وخطأ فهموه ولكنه نور الله من كتابه استرشدوه. ونصها كما في كتاب الله سبحانه : (إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ..) ولا شك أن بعض المسلمين قد فهم من الآيات أنها لم تنزل إما :

١ ـ لأنهم فهموا أنها مثل ضربه الله تعالى لخلقه نهاهم به عن مسألة نبي الله الآيات.

٢ ـ أو أن القوم لما قيل لهم : (فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ)(١) استعفوا منها فلم تنزل (٢).

والصحيح الذي عليه جمهور المسلمين وأئمتهم أنها قد نزلت (٣) ولكنهم اختلفوا في كيفية ذلك وما كان عليها من طعام.

أما إنكار النصارى أمر المائدة ذلك لأنها قادمة من القرآن الكريم وهذه المعجزة كغيرها من المعجزات مما أيد الله سبحانه بها عيسى ـ عليه‌السلام ـ والمعجزات كلها من قبل الله سبحانه وآيات إلهية تحصل بقدرته وحده سبحانه تجري على يد النبي وإجراؤها على يد العبد في معرض التشريف والتقريب هداية لقوم وإضلالا لآخرين ، وهذا لا يلزم أن يكون الذي ظهر على يديه شيء من هذه المعجزات إلها ، كما زعمت النصارى.

والنصارى ينكرون هذه المعجزة مع اعترافهم بما هو أكبر منها وهي معجزة إحيائه للموتى ـ عليه‌السلام ـ (٤).

كما أنهم ذكروا أكثر من مائدة بورك فيها الطعام على يدي عيسى ـ عليه

__________________

(١) سورة المائدة آية ١١٢ ـ ١١٥.

(٢) الفكر الإسلامي في الرد على النصارى ص ٢٧٥.

(٣) تفسير أبي السعود ٣ / ٩٩.

(٤) انظر إنجيل مرقص الإصحاح السادس فقرة (٢٥ ـ ٢٨).

٣١٣

السلام ـ كإطعامه خمسة آلاف شخص بخمسة أرغفة وسمكتين (١).

ثم ذكروا نزول هذه المائدة من السماء بناء على دعاء بطرس حيث نزل إناء مثل ملاءة عظيمة مربوطة أطرافه ومدلاة على الأرض وكان في المائدة كل دواب الأرض والوحوش والزحافات وطيور السماء وطلب منه أن يذبح ويأكل ما شاء ثم ارتفع الإناء إلى السماء. ولكنهم اعتبروها رؤيا رآها بطرس لا حقيقة (٢).

وهذا يشير أن ما ذكره القرآن صحيحا وله أصل.

أما التغيير والتبديل والتحريف والزيادة والنقصان عهدته على هذه الأناجيل التي لعبت فيها أيدي الكتبة وعامل الوقت بتغيير صورتها. والنصارى في جملتهم لا يألون جهدا في تكذيب نبينا ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ وقرآنه وهي القاعدة التي بنوا عليها أمر دينهم وقد صرح بذلك أحد كبار النصرانية في القرن السابع وأكده كثير من المستشرقين والمبشرين في القرن العشرين.

سأل الإمام الرازي هذا النصراني : [.. ألا أخبرتني عن قاعدة أساس دينك ..].

قال النصراني : قاعدة ديننا مبنية على تكذيب محمد والعمل على عداوته حتى لو وجد في عصرنا لقتلناه أنجس قتلة ، ولو أظفرنا الله بملوك أمته وعلمائهم وأئمتهم لتقربنا إلى الله تعالى بذبحهم وسلخ جلودهم ، وجلود عبّادهم وزهادهم ، وسائر صلحائهم. ولو وقع بأيدينا كل كتاب لهم من الكتب التي يسمونها بالعلم والحكمة والمعرفة ، وكتب التفسير والحديث ، وصحف القرآن لمزقنا الجميع وألقيناها في سنادس البول والغائط ، ونحن فمتى لم نعتقد أن فعل ذلك من أعظم

__________________

(١) انظر إنجيل متى الإصحاح ١٤ فقرة ٣ ـ ٢٢ ، ومرقص الإصحاح ٦ فقرة ٣١ ـ ٤٤ ولوقا الإصحاح ٩ فقرة ١٠ ـ ١٧ ، ويوحنا الإصحاح ٦ فقرة ٥ ـ ١.

(٢) انظر أعمال الرسل الإصحاح العاشر فقرة ٩ ـ ١٦.

٣١٤

العبادات وأفضل القربات لم يصح لنا دين النصرانية ، ولا نتحقق بشيء منه ، كل ذلك لتغالينا في ديننا ، ولاعتقادنا صحته وسقم غيره ..](١).

ومن هنا يظهر سبب إخفاء بعض الحقائق القرآنية التي وردت في القرآن الكريم ولم ترد في الكتب السابقة كالكتاب المقدس.

د ـ عقيدة صلب عيسى ـ عليه‌السلام ـ وعقيدة الفداء :

حيث نفاه القرآن الكريم وأثبتته كتب النصارى المعتمدة.

زعم «تسدال» أن محمدا ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ أخذ هذا المذهب من أشياع وأتباع «باسيليديس» ومريديه الذي كان يعلمهم مثل هذه البدعة ـ على حد زعمه ـ وفي ذلك يكون محمد ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ قد خالف جميع تعاليم الأنبياء والحواريين في ذلك لأنه لا بد أن المسيح الموعود به يبذل حياته الكريمة الثمينة ويكفر كفارة تامة كاملة عن خطايا جميع النوع الإنساني. وشهد الحواريون أنهم كانوا حاضرين وشاهدوا بأعينهم مخلصهم مصلوبا (٢).

هذا ما ذكره «تسدال» في أمر هذه الشبهة.

قلت : إن النهاية المأساوية لحياة المسيح ، وعلى نحو غير منتظر بالنسبة إلى المسيح عند اليهود ، كانت نقطة الانطلاق لعملية تأويلية واسعة النطاق سعت إلى تبرير كل الأحداث في السنوات الثلاث الأخيرة من حياته عليه‌السلام ؛ لهذا السبب ارتبط الاعتقاد بأن تعرض عيسى ـ عليه‌السلام ـ لهذا الموت الشنيع بصلبه كان رغبة منه في فداء الجنس البشري من الخطيئة التي ارتكبها آدم بعصيانه لله سبحانه بأكله من الشجرة التي نهي عن الأكل منها لذا تم الاعتقاد بألوهيته وفي علاقته الفريدة بالله ووجد هذا الإيمان صيغته النهائية في قانون نيقية (SymboleDenicee) الذي نص على أنه (من أجل خلاصنا نزل من السماء

__________________

(١) مناظرة في الرد على النصارى ص ٥١ ـ ٥٢.

(٢) انظر مصادر الإسلام ص ١٣٢ ـ ١٣٣.

٣١٥

وتجسد من روح القدس ومن مريم البتول وصار إنسانا .. وأخذ وصلب وقتل أمام «بيلاطس» ومات ودفن وقام في اليوم الثالث كما هو مكتوب ، وصعد إلى السماء وجلس على يمين أبيه ، وهو مستعد للمجيء تارة أخرى للقضاء بين الأموات والأحياء) (١).

هذه هي فلسفة عقيدة الصلب والفداء في النصرانية والعجيب أن النصارى لم تجمع على قضية عندهم كما أجمعوا على قضية الصلب والفداء.

والقرآن الكريم آخذ اليهود على كفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ) ثم بين كذب هذه الدعوى بقوله سبحانه : (وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ)(٢).

ووضح أنه ما قتل ولا صلب بأيد يهودية ولا غيرها عليه‌السلام ببيان أن الله سبحانه قد تاب على أبينا آدم عليه‌السلام قال تعالى في ذلك : (.. وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى. ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى)(٣).

هذا من جهة. وأنه لا معنى لإرث أبنائه خطيئة لم يرتكبوها ومن جهة أخرى حيث قال سبحانه : (وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى)(٤).

وبناء على عقيدتهم وتصورهم للذات الإلهية اختلفوا في الصلب والقتل : (فزعمت النسطورية أن الصلب وقع على المسيح من جهة ناسوته لا من جهة لاهوته. وزعم أكثر الملكانية أن الصلب وقع على المسيح بكماله ، والمسيح هو اللاهوت والناسوت.

وزعم أكثر اليعقوبية أن الصلب والقتل وقعا في الجوهر الواحد الكائن من الجوهرين هما الإله والإنسان ، وهو المسيح على الحقيقة ، وهو الإله ، وبه حلت

__________________

(١) الفكر الإسلامي في الرد على النصارى ص ٣٧٧.

(٢) سورة النساء آية : ١٥٦ ـ ١٥٨.

(٣) سورة طه آية : ١٢١ ـ ١٢٢.

(٤) سورة الأنعام آية : ١٦٤.

٣١٦

الآلام ..) (١).

ولكن بعض النصارى وفقه الله للحق وذكر أنه لا يمتنع أن يكون قد ألقي شبه عيسى على ذلك المصلوب .. وتعليلهم لذلك بقولهم لأن الزمان كان زمان نبي يجوز نقض العادة فيه ، ويكون معجزا لذلك النبي (٢).

أما «برنابا» فقد صرح برفعه إلى السماء وعدم صلبه. قال برنابا : (ولما دنت الجنود مع يهوذا من المحل الذي كان فيه يسوع ، سمع يسوع دنو جم غفير فلذلك انسحب إلى البيت خائفا وكان الأحد عشر نياما. فلما رأى الله الخطر على عبده أمر جبريل وميخائيل ورفائيل وأوريل سفراءه أن يأخذوا يسوع من العالم فجاء الملائكة الأطهار ، وأخذوا يسوع من النافذة المشرفة على الجنوب فحملوه ووضعوه في السماء الثالثة في صحبة الملائكة التي تسبح الله إلى الأبد) (٣).

وهذا ما جاء في القرآن الكريم الحق المبين أن عيسى ـ عليه‌السلام ـ لم يصلب (وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ) فيجب الاعتماد في هذه القضية وأمثالها على القرآن الكريم المنزل من عند الله سبحانه المحفوظ من التغيير بعكس الأناجيل الأربعة فكل واحد منها رواية آحاد من وضع متى ، ومرقس ، ولوقا ، ويوحنا ، وخبر الأربعة لا يفيد القطع ولا يؤمن عليه التواطؤ على الكذب. وإن كنا لا نطعن في حواري عيسى عليهم‌السلام لتزكية الله لهم. ولكن الأمر لم يتسلسل تواترا فقد يكون دخل عليه النقص من بعدهم بنسيان أو تعمد حيث فعل مثل هذا بولس الذي أدخل الفلسفة الإغريقية التي فيها كثير من الوثنيات للنصرانية (٤) كما أن المتتبع لروايات الصلب في الأناجيل يجد اضطرابها ويجد فيها كلاما لا يصح أن يوصف به نبي من أولي العزم.

__________________

(١) الفكر الإسلامي في الرد على النصارى ص ٣٨٣.

(٢) الفكر الإسلامي في الرد على النصارى ص ٣٨٥.

(٣) انظر رسالة بولس وتأثيره في المسيحية ص ٩٦ ـ ٩٨ ، وإنجيل برنابا ص ٢١٥ ـ ٢١٦ ـ ٢١٧.

(٤) انظر إنجيل برنابا ص ٢١٥ : ١ ـ ٨.

٣١٧

وسأذكر بعض تناقض الأناجيل في هذه القصة لأبين أن هناك أكثر من ناحية ترد هذه العقيدة الباطلة.

فمن ناحية النصوص هي مردودة لاضطراب الأناجيل والكتب النصرانية فيها. من ذلك :

١ ـ جاء في إنجيل متى أنهم أعطوه خلا ممزوجا بمرارة في موضع يقال له : جلجثة وهو المسمى موضع الجمجمة. بينما إنجيل مرقس يرى أنهم أسقوه الخل وهو مصلوب في الساعة التاسعة (١).

كما أنه معروف من سيرته ـ عليه‌السلام ـ أنه كان يصبر عن الجوع والعطش أربعين فكيف هذا وهنا لم يصبر من الصباح للمساء؟!.

٢ ـ ذكر إنجيل مرقس أن عيسى ـ عليه‌السلام ـ صرخ بصوت عظيم وهو مصلوب قائلا الوي .. الوي .. لما شبقتني؟. الذي تفسيره (إلهي .. إلهي .. لما ذا تركتني؟) (٢).

هذه العبارة تقتضي عدم الرضا بالقضاء وعدم التسليم لأمر الله تعالى مع أنه ـ بزعمهم ـ أنه جاء ليفدي البشرية من عذابها ووصمة الخطيئة. وهذا يتنزه عنه مقام النبوة ولا يقبل في حق هذا النبي ـ عليه‌السلام ـ الذي هو من أولي العزم من الرسل.

٣ ـ ذكر إنجيل متى : أن يهوذا الأسخريوطي أخذ ثلاثين من الفضة ليسلمه لهم ويدلهم عليه (٣) مع أن نفس الإنجيل ذكر أنه كان يخالطهم في مجامعهم وهياكلهم ويناظرهم حتى كانوا يقولون : أليس هذا ابن يوسف؟ أليست أمه

__________________

(١) انظر إنجيل متى الإصحاح السابع والعشرون فقرة ٣٢ ـ ٣٥. وإنجيل مرقس الإصحاح الخامس عشر فقرة ٣٣ ـ ٣٦.

(٢) إنجيل مرقس ـ الإصحاح الخامس عشر فقرة ٢٤.

(٣) إنجيل متى الإصحاح الخامس والعشرون فقرة ١٤ ـ ١٦.

٣١٨

مريم؟ أليس أخواه عندنا؟ فمن أين له هذه الحكمة؟ (١) ليس هذا يدل على تناقض.

الناحية التاريخية تبطل قضية الصلب والفداء :

المعروف أن خبر الصلب لم ينتشر إلا بعد نحو مائتين وثلاثين سنة من صلب عيسى ـ على حسب زعمهم ـ وهذا لا يسير مع حجم الحدث وهي مردودة كذلك من :

الناحية العقلية : من ذلك :

١ ـ إذا كان الله سبحانه لم يرد الانتقام من آدم ـ عليه‌السلام ـ لمعصيته فمن باب أولى أن يعفو عن الذنب ويتوب عن المذنب ، ولا يحمله لغيره من باب العدل الإلهي.

٢ ـ النصارى تقول إن عيسى ـ عليه‌السلام ـ إله فكيف يوقع الإله عقوبة على الذي هو إله مثله أو هو جزء منه.

٣ ـ النصارى يعتقدون أن الصلب وقع على الناسوت فقط وهم يقولون إن الناسوت في اللاهوت كالماء في اللبن جوهران أصبحا جوهرا واحدا فكيف يعقل هذا؟!.

٤ ـ الله سبحانه «العدل» فكيف يعاقب إنسانا عن ذنب غيره فهل هذا يتمشى مع روح العدل الإلهي سبحانه.

٥ ـ لما ذا لم تذكر التوراة أمر لصوق الخطيئة ببني آدم وفيهم الأنبياء وقد ذكرت ما هو أدنى من ذلك مع أن هذا الأمر من الأهمية بمكان. كيف لا وهو قد حكم على جميع بني آدم بالجحيم حتى الأنبياء لتوارثهم خطيئة أبيهم حتى جاء عيسى ـ عليه‌السلام ـ ليخلصهم من ذلك.

__________________

(١) انظر كتاب بين المسيحية والإسلام ص ١٦٤ ـ ١٦٨.

٣١٩

٦ ـ إذا كان عيسى ـ عليه‌السلام ـ إلها وقد صلب ودفن كما يقولون فمن الذي أمسك السموات من السقوط والأرض أن تميد ومن دبر شئون الخلق في هذه اللحظات التي غاب فيها الإله.

إن هذا إلا افتراء تعالى الله سبحانه علوا كبيرا عما يقولون.

وفي خاتمة هذا الرد أريد أن أسجل اعترافا لهم يدينهم من إنجيلهم وهو أن عيسى ـ عليه‌السلام ـ أشار قبل رفعه إلى هذا الرفع وهو ما تبطل به عقيدة الصلب.

ذكر مرقس في إنجيله أن رئيس الكهنة سأل عيسى ـ عليه‌السلام ـ [.. أنت المسيح بن المبارك؟ فقال يسوع : أنا هو. وسوف تبصرون ابن الإنسان جالسا عن يمين القوة وآتيا في سحاب السماء](١).

أليس هذا نصا في الإنجيل الذي به يعتقدون ويقولون : إنه كلمة الله الصحيحة. فكيف بكم تخالفونه ، وتعتقدون سوى ذلك ، وتكذبون أخبار نبيكم عيسى ـ عليه‌السلام ـ بهذا الأمر. فهذا النص وأمثاله يثبت ما نعتقده في حق الإنجيل أنه غير الإنجيل الذي نزل على عيسى ـ عليه‌السلام ـ لما فيه من اضطراب ، وما اعتراه من تحريف لا يصح أن يكون كلمة الله.

وإن كان بقي فيه بعض الصحة كهذه الفقرة التي وافقت ما جاء في القرآن الكريم من عدم صلبه ـ عليه‌السلام ـ بل رفعه الله سبحانه تعظيما لشأن هذا النبي ولأمر قدره في عودته ليرفع راية الإسلام ويهلك عدو الله المسيح الدجال. كما أن عيسى أخبر تلاميذه أنه سيرفع ويذهب إلى أبيه وأبيهم (٢).

فبهذه الردود نكون قد نقضنا هذه العقيدة الزائفة ، والفكرة المفتراة. والدعوى الباطلة وظهر هيمنة القرآن في كل ما أخبر به عن الكتب السابقة وأخبار

__________________

(١) إنجيل مرقس الإصحاح ١٤ فقرة ٦١ ـ ٦٣.

(٢) إنجيل يوحنا الإصحاح ١٤ فقرة ١٦.

٣٢٠