🚖

الامام الكاظم عليه السلام سيّد بغداد

الشيخ علي الكوراني العاملي

الامام الكاظم عليه السلام سيّد بغداد

المؤلف:

الشيخ علي الكوراني العاملي


الموضوع : سيرة النبي (ص) وأهل البيت (ع)
🚖 نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

ثم ذكر أن الفضل رد يوماً على جعفر فاستنكر عليه عم هارون سليمان بن المنصور : « فغضب الرشيد لإنكار سليمان وقال : ما دخولك بين أخي ومولاي ؟ كالراضي بما كان من الفضل » !

أما لماذا قتله وصلبه واكتفى بسجن الفضل فلعله بسبب أن الفضل كان أخاه من الرضاعة دون جعفر ، أو لم يبلغ ذنبه برأيه الجريمة التي ارتكبها أخوه جعفر !

٤ ـ العباس بن محمد الذي وكله هارون بجلد وزيره الفضل

قال ابن الجوزي في كتابه المدهش / ٦٧ : « ومن العجائب أنه سلم على الرشيد بالخلافة عمه سليمان بن المنصور ، وعم أبيه المهدي وهو العباس بن محمد ، وعم جده المنصور وهو عبد الصمد بن علي ! وقال له عبد الصمد يوماً : يا أمير المؤمنين هذا مجلس فيه أمير المؤمنين وعم أمير المؤمنين وعم عم أمير المؤمنين وعم عم عمه ، وذلك أن سليمان بن أبي جعفر عم الرشيد ، والعباس عم سليمان وعبد الصمد عم العباس » !

وقال ابن الجوزي في المنتظم : ٩ / ١٢٤ : « ولي العباس بن محمد الذي إليه العباسية الجزيرة وصار إلى الرقة وأمر الرشيد ففرش له في قصر الإمارة له فيه الآلات وشحن بالرقيق وحمل إليه خمسة آلاف ألف درهم ! وفي سنة ست ومائة توفي العباس ببغداد » وتاريخ بغداد : ١٢ / ١٢٤ ، ومآثر الإنافة : ٣ / ٣٥٧ ، وشذرات الذهب : ١ / ٢٧٤ .

وفي شرح نهج البلاغة : ١٩ / ٣٥١ : « قيل لخديجة بنت الرشيد : رسل العباس بن محمد على الباب ، معهم زنبيل يحمله رجلان ! فقالت : تراه بعث إلى باقلاء ! فكشف

٢٤١

الزنبيل عن جرة مملوءة غالية فيها مسحاة من ذهب ، وإذا برقعة : هذه جرة أصيبت هي وأختها في خزائن بني أمية ! فأما أختها فغلب عليها الخلفاء وأما هذه فلم أر أحداً أحق بها منك » !

وفي نهاية ابن كثير : ١٠ / ٢٣٢ : « وكان ابن أبي مريم هو الذي يضحكه ، وكان عنده فضيلة بأخبار الحجاز وغيرها ، وكان الرشيد قد أنزله في قصره وخلطه بأهله ... ودخل يوماً العباس بن محمد على الرشيد ومعه برنية من فضة فيها غالية من أحسن الطيب فجعل يمدحها ويزيد في شكرها ، وسأل من الرشيد أن يقبلها منه فقبلها فاستوهبها منه ابن أبي مريم فوهبها له ، فقال له العباس : ويحك ! جئت بشئ منعته نفسي وأهلي وآثرت به أمير المؤمنين سيدي فأخذته ! فحلف ابن أبي مريم ليطيبن به استه ! ثم أخذ منها شيئاً فطلى به إسته ودهن جوارحه كلها منها ، والرشيد لا يتمالك نفسه من الضحك ! ثم قال لخادم قائم عندهم يقال له خاقان : أطلب لي غلامي ، فقال الرشيد : ادع له غلامه ، فقال له : خذ هذه الغالية واذهب بها إلى ستك فمرها فلتطيب منها إستها حتى أرجع إليها ف ...! فذهب الضحك بالرشيد كل مذهب ، ثم أقبل ابن أبي مريم على العباس بن محمد فقال له : جئت بهذه الغالية تمدحها عند أمير المؤمنين ، الذي ما تمطر السماء شيئاً ولا تنبت الأرض شيئاً إلا وهو تحت تصرفه وفي يده ! وأعجب من هذا أن قيل لملك الموت : ما أمرك به هذا فأنفذه ! وأنت تمدح هذه الغالية عنده كأنه بقال أو خباز أو طباخ أو تمار ! فكاد الرشيد يهلك من شدة الضحك ! ثم أمر لابن أبي مريم بمائة ألف درهم » !

٢٤٢

٥ ـ السندي بن شاهك رئيس شرطة هارون

شكى المنصور لأحدهم ضعف حُجَّابه ، فقال له : « إستخدم قوماً وِقَاحاً ! قال : ومن هم ؟ قال : إشتر قوماً من اليمامة فإنهم يربون الملاقيط ( اللقطاء الذين لا آباء لهم ) !

فاشترى المنصور حاجبه الربيع ! والسندي بن شاهك من هذا النوع ، مع فرق بينهما أن الربيع شرطي سياسي يحتاج الى فهم اجتماعي ولباقة ولياقة ، بينما السندي شرطي عسكري يحتاج الى شدة في تنفيذ أوامر الخليفة بقسوة بدون رحمة حتى لو كانت على أقارب الخليفة وأولاده ووزرائه !

وهو لقيط عرف باسم أمه السندية شاهك : « وسبى ذراريهم ( السند ) فكان من ذلك السبي مهرويه وخَلَد ، وقرابتهما شاهك وكانت على مائدة شهريار ، وهي أم السندي بن شاهك ، وكان منهم الحرث بن بسخنز ، وجميع هؤلاء الموالي الرازيين » . ( طبقات الأطباء / ٢٢١ ، ونهاية الأرب / ٦٢٣ ) .

وقد عرف بنسبته الى أمه وليس الى أب ! ورباه المنصور تربية عباسية غليظة فكان السندي يتعجب من تفضيل المأمون علياً عليه‌السلام على العباس ، فقال للفضل بن الربيع : «ما ظننت أني أعيش حتى أسمع عباسياً يقول هذا ! فقال الفضل له : تعجب من هذا ، هذا والله كان قول أبيه قبله» ! ( كتاب بغداد لطيفور / ١٧ ) .

وفي تذكرة ابن حمدون : ٢ / ٣٦٤ : أن السندي « أحضر رجلاً ادعيَ عليه الرفض فقال له : ما تقول في أبي بكر ؟ فأثنى عليه ، قال : فعمر ؟ قال : لا أحبه ، فاخترط السندي سيفه وقال : لمَ ويلك ؟ قال : لأنه جعل الشورى في ستة من المهاجرين وأخرج العباس منهم ، فشامَ سيفه ورضي عنه » !

٢٤٣

وكان السند بن شاهك يكلف بالمهمات التي تحتاج إلى قمع وتجسس !

قال في وفيات الأعيان : ١ / ٣٣٨ : « ثم دعا ( هارون الرشيد ) السندي بن شاهك فأمره بالمضي إلى بغداد والتوكل بالبرامكة وكتَّابهم وقراباتهم ، وأن يكون ذلك سراً ففعل السندي ذلك » .

لهذا السبب أمر هارون بنقل سجن الإمام الكاظم عليه‌السلام من عند الفضل بن يحيى الى السندي بن شاهك ، لأنه أشد وأقسى ، وخالف بذلك العرف السياسي بأن تسجن الشخصيات القرشية والهاشمية عند وزراء الخليفة وشخصيات دولته ، فقد حبس الإمام الكاظم عليه‌السلام أولاً عند عمه عيسى بن جعفر والي البصرة ، ثم عند وزيره الفضل بن الربيع ، ثم عند وزيره الفضل بن يحيى ، فتأثموا أن يقتلوه فأمر بحبسه عند السندي بن شاهك الشرطي القاسي ، وأمره أن يقتله !

وبعد قتل الإمام عليه‌السلام أعطى هارون للسندي جائزة فجعله والي دمشق !

قال عنه الذهبي في تاريخه : ١٤ / ١٨٥ : « السندي بن شاهك . الأمير أبو نصر ، مولى أبي جعفر المنصور ، ولي إمرة دمشق للرشيد ، ثم وليها بعد المائتين ، وكان ذميم الخلق ، سندياً يجعل القول قول المدعي» ! أي يحكم له تصديقاً لقوله بدون بينة !

وقال المؤرخ البغدادي ابن الطقطقي في الفخري / ١٣٧ : « فحبسه عند السندي بن شاهك ، وكان الرشيد بالرقة فأمر بقتله ، فقتل قتلاً خفياً ، ثم أدخلوا عليه جماعة من العدول بالكرخ ليشاهدوه ، إظهاراً أنه مات حتف أنفه » .

ونلاحظ أن الإمام الكاظم عليه‌السلام عبر عن السندي بالرجس ، وأوصى أن لايتولى غسله وتكفينه ! « دعا بالمسيب وذلك قبل وفاته بثلاثة أيام وكان موكلاً به ، فقال

٢٤٤

له : يا مسيب إن هذا الرجس السندي شاهك سيزعم أنه يتولى غسلي ودفني ، هيهات هيهات أن يكون ذلك أبداً » ! ( عيون أخبار الرضا عليه‌السلام : ٢ / ٩٥ ) .

٦ ـ السندية بنت شاهك خير من أخيها !

روى في تاريخ بغداد : ١٣ / ٣٢ ، عن عمار بن أبان قال : «حبس أبو الحسن موسى بن جعفر عند السندي بن شاهك ، فسألته أخته أن تتولى حبسه ، وكانت تتدين ، ففعل ، فكانت تلي خدمته ، فحكيَ لنا أنها قالت : كان إذا صلى العتمة حمد الله ومجده ودعاه ، فلم يزل كذلك حتى يزول الليل ، فإذا زال الليل قام يصلي حتى يصلي الصبح ، ثم يذكر قليلاً حتى تطلع الشمس ، ثم يقعد إلى ارتفاع الضحى ، ثم يتهيأ ويستاك ويأكل ، ثم يرقد إلى قبل الزوال ، ثم يتوضأ ويصلي حتى يصلي العصر ، ثم يذكر في القبلة حتى يصلي المغرب ، ثم يصلي مابين المغرب والعتمة . فكان هذا دأبه !

فكانت أخت السندي إذا نظرت إليه قالت : خاب قوم تعرضوا لهذا الرجل ! وكان عبداً صالحاً » وسير الذهبي : ٦ / ٢٧٣ ، وتاريخ أبي الفداء / ٢٩٣ ، ومصادر كثيرة .

٧ ـ سجن السندي أشد سجون الإمام الكاظم عليه‌السلام

استمر سجن الإمام عليه‌السلام في المرة الثانية نحو أربع سنوات ، وتنقل في أربعة سجون ، أولها سجن البصرة وكان في بيت الوالي عيسى بن جعفر بن المنصور والثاني في بغداد عند وزير الرشيد الفضل بن الربيع ، والثالث عند الوزير الفضل

٢٤٥

بن يحيى البرمكي ، والرابع عند رئيس شرطة الرشيد السندي بن شاهك ، وكان أصعب السجون عليه ، فقد زادوا عليه القيود وشددوا عليه .

ففي عيون أخبار الرضا عليه‌السلام : ٢ / ٨٢ : « فحبسه عيسى بيت من بيوت المجلس الذي كان يجلس فيه وأقفل عليه ، وشغله العيد عنه فكان لا يفتح عنه الباب إلا حالتين حالة يخرج فيها إلى الطهور وحالة يدخل فيها الطعام » .

« وصيره إلى بغداد وسُلِّمَ إلى الفضل بن الربيع ، وبقي عنده مدة طويلة ، ثم أراده الرشيد على شئ من أمره فأبى ! فأمر بتسليمه إلى الفضل بن يحيى فجعله في بعض دوره ووضع عليه الرصد ، فكان عليه‌السلام مشغولاً بالعبادة يُحيي الليل كله صلاة وقراءةً للقرآن ، ويصوم النهار في أكثر الأيام ، ولا يصرف وجهه عن المحراب ، فوسع عليه الفضل بن يحيى وأكرمه ، فبلغ ذلك الرشيد وهو بالرقة فكتب إليه يأمره بقتله فتوقف عن ذلك ! فاغتاظ الرشيد لذلك وتغير عليه » . ( إعلام الورى : ٢ / ٣٣ ، ومقاتل الطالبيين / ٣٣٤ ) .

*  *

٢٤٦

الفصل الثاني عشر

شهادة الإمام الكاظم عليه‌السلام ومراسم تشييعه

١ ـ أخبر الإمام عليه‌السلام بشهادته وأوصى بتجهيزه

١ ـ في عيون أخبار الرضا عليه‌السلام : ٢ / ٩٥ : « دعا بالمسيب ، وذلك قبل وفاته بثلاثة أيام وكان موكلاً به ، فقال له : يا مسيب ، قال : لبيك يا مولاي . قال : إني ظاعنٌ هذه الليلة إلى المدينة مدينة جدي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لأعهد إلى عليٍّ ابني ما عهده إليَّ أبي ، وأجعله وصيي وخليفتي ، وآمره أمري !

فقال لي : إرفع رأسك يا مسيب ، واعلم أني راحل إلى الله عز وجل في ثالث هذا اليوم ! قال : فبكيت ، فقال لي : لا تبك يا مسيب ، فإن علياً ابني هو إمامك ومولاك بعدي فاستمسك بولايته ، فإنك لن تضل ما لزمته . فقلت : الحمد لله .

قال : ثم إن سيدي دعاني في ليلة اليوم الثالث فقال لي : إني على ما عرفتك من الرحيل إلى الله عز وجل ، فإذا دعوت بشربة من ماء فشربتها ورأيتني قد انتفخت وارتفع بطني واصْفَرَّ لوني واحْمَرَّ واخْضَرَّ وتلون ألواناً ، فخبر الطاغية بوفاتي ، فإذا رأيت بي هذا الحدث فإياك أن تظهر عليه أحداً ولا من عندي إلا بعد وفاتي !

قال المسيب بن زهير : فلم أزل أرقب وعده ، حتى دعا بالشربة فشربها ، ثم دعاني فقال لي : يا مسيب إن هذا الرجس السندي شاهك سيزعم أنه يتولى غسلي ودفني ، هيهات هيهات أن يكون ذلك أبداً ! فإذا حملت إلى المقبرة المعروفة بمقابر

٢٤٧

قريش فألحدوني بها ، ولا ترفعوا قبري فوق أربع أصابع مفرجات ، ولا تأخذوا من تربتي شيئاً لتتبركوا به ، فإن كل تربة لنا محرمة إلا تربة جدي الحسين بن علي ، فإن الله تعالى جعلها شفاءً لشيعتنا وأوليائنا .

قال : ثم رأيت شخصاً أشبه الأشخاص به جالساً إلى جانبه ، وكان عهدي بسيدي الرضا عليه‌السلام وهو غلام ، فأردت سؤاله فصاح بي سيدي موسى عليه‌السلام فقال : أليس قد نهيتك يا مسيب ؟! فلم أزل صابراً حتى مضى وغاب الشخص !

ثم أنهيت الخبر إلى الرشيد ، فوافى السندي بن شاهك ، فوالله لقد رأيتهم بعيني وهم يظنون أنهم يغسلونه فلا تصل أيديهم إليه ، ويظنون أنهم يحنطونه ويكفنونه وأراهم لا يصنعون به شيئاً ! ورأيت ذلك الشخص يتولى غسله وتحنيطه وتكفينه وهو يظهر المعاونة لهم وهم لا يعرفونه !

فلما فرغ من أمره قال لي ذلك الشخص : يا مسيب مهما شككت فيه فلا تشكن فيَّ فإني أمامك ومولاك وحجة الله عليك بعد أبي ، يا مسيب مثلي مثل يوسف الصديق ، ومثلهم مثل إخوته حين دخلوا فعرفهم وهم له منكرون !

ثم حمُل عليه‌السلام حتى دفن في مقابر قريش ، ولم يرفع قبره أكثر مما أمر به ، ثم رفعوا قبره بعد ذلك ، وبنوا عليه » .

ملاحظات :

أ. قال في تاريخ بغداد عن المسيب بن زهير ( ١٣ / ١٣٨ ) : « كان من رجالات الدولة العباسية ، وولي شرطة بغداد في أيام المنصور والمهدي والرشيد ، وقد كان ولي خراسان أيام المهدي » .

٢٤٨

وفي معارف ابن قتيبة / ٤١٣ : « هو من ولد ضرار بن عمرو الضبي ، وبنو ضرار من سادة ضبة ، وكان على شُرَط أبي جعفر وولاه المهدي خراسان ، وولي شرطة موسى . وابنه عبد الله بن المسيب ولي مصر وفارس والجزيرة ، ومحمد بن المسيب ولي شرطة محمد الأمين ، والعباس بن المسيب ولي شرطة المأمون ، وزهير بن المسيب ولي كرمان لهارون ، وكان للمسيب بن زهير أخ يقال له عمرو بن زهير ولي لأبي جعفر الكوفة » . وتاريخ خليفة / ٣٨٠ ، وابن خلدون : ٣ / ٢١٢ .

وقال الطبري ( ٦ / ٣٠٢ ) إنه كان صديقاً ليحيى بن خالد البرمكي ، لكن المسيب كان يميل الى العلويين ويتصف بالجرأة ! ففي مروج الذهب ( ١ / ٤٨٠ ) : « ذكر أن المنصور قال يوماً لجلسائه بعد قتل محمد وإبراهيم ( الحسنيين ) : تالله ما رأيتُ رجلاً أنصح من الحجاج لبني مروان ! فقام المسيب بن زهير الضبي فقال : يا أمير المؤمنين ما سبقَنَا الحجاج بأمر تخلَّفْنَا عنه ، والله ما خلق الله على جديد الأرض خلقاً أعز علينا من نبينا ، وقد أمرتَنَا بقتل أولاده فأطعناك وفعلنا ذلك فهل نصحناك أم لا ؟ فقال له المنصور : أجلس لاجلست » !

نلاحظ أن كلمة المسيب لو قالها غيره لكان جزاؤه القتل ، لكن المنصور اكتفى بالغضب والدعاء عليه بسبب دوره التاريخي وولائه للعباسيين ! ورووا عنه من موضوعات العباسيين أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله أوصى بالخلافة لعمه العباس لكن روى عنه الحاكم ( ٣ / ١٤٢ ) والخوارزمي ( المناقب / ٣٦١ ) أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله قال : « النظر إلى وجه علي عبادة » ، وهو يؤكد ميله الى العلويين .

وكان المسيب مسؤولاً عن سجن الإمام الكاظم عليه‌السلام ويظهر أن ذلك في حبسه الأول سنة سبعين ومائة ، فهداه الله على يده . وكان مسؤولاً في المرة الأخيرة

٢٤٩

بنحو ما مع مسؤولية السندي المباشرة . وكان عند شهادة الإمام عليه‌السلام كبير السن ، فأحضره لإيمانه ومكانته في الدولة ليخبر هارون وحاشيته بما قاله له عليه‌السلام .

وذكر في تاريخ بغداد ( ١ / ١٣٩ ) أنه توفي سنة ست وسبعين ومائة ، وهو ابن ست وسبعين سنة ، وبما أن شهادة الإمام الكاظم عليه‌السلام كانت سنة ثلاث وثمانين ومائة ، فالظاهر أن وفاة المسيب في ست وتسعين ، ووقع تصحيف بين السبع والتسع وهو كثير ، أو يكون الذي دعاه الإمام عليه‌السلام وأوصاه ابنه محمد بن المسيب ، ففي تاريخ بغداد : ٤ / ٦٥ ، أنه : « ولي الشرطة للرشيد والأمين ، ومات ببغداد » .

ب ـ نلفت الى شهادة المسيب بأن الذي غسل الإمام عليه‌السلام وكفنه وصلى عليه ابنه الإمام الرضا عليه‌السلام على قاعدة أن المعصوم لا يغسله إلا معصوم ، وهو يدل على قدم المسيب الراسخ في التشيع .

وروى في الكافي : ١ / ٣٨٤ « عن أحمد بن عمر الحلال عن الرضا عليه‌السلام : قلت له : إنهم يحاجونا يقولون إن الإمام لا يغسله إلا الإمام ! قال فقال عليه‌السلام : ما يدريهم من غسله ، فما قلت لهم ؟ قال : فقلت : جعلت فداك قلت لهم : إن قال مولاي إنه غسله تحت عرش ربي فقد صدق ، وإن قال غسله في تخوم الأرض فقد صدق ، قال : لا هكذا ، فقلت : فما أقول لهم ؟ قال : قل لهم إني غسلته ، فقلت : أقول لهم إنك غسلته ؟ فقال : نعم ... عن طلحة قال قلت للرضا عليه‌السلام : إن الإمام لا يغسله إلا الإمام ؟ فقال : أما تدرون من حضر لغسله ؟ قد حضره خير ممن غاب عنه : الذين حضروا يوسف في الجب حين غاب عنه أبواه وأهل بيته » .

٢٥٠

وفي الخرائج : ١ / ٢٦٤ ، عن الإمام الباقر عليه‌السلام قال : « كان فيما أوصى به إلي أبي علي بن الحسين أن قال : يا بني إذا أنا مت فلا يلي غسلي غيرك ، فإن الإمام لا يغسله إلا إمام مثله » وبمعناه الكافي : ١ / ٤٥٩ ، و : ٣ / ١٥٩ ، ومناقب آل أبي طالب : ٣ / ٣٥١ و٤٨٠ .

ج ـ قوله عليه‌السلام : « ولا تأخذوا من تربتي شيئاً لتتبركوا به ، فإن كل تربة لنا محرمة إلا تربة جدي الحسين بن علي عليه‌السلام ، فإن الله تعالى جعلها شفاءً لشيعتنا وأوليائنا » .

يدل على أنه يعرف إيمان شيعته به ، وأنهم سيزورون قبره ، وربما أخذوا من ترابه للتبرك ، فأراد أن يحافظ على الخصوصية الشرعية لتربة جده الحسين عليه‌السلام .

وقد بحث الفقهاء هذه المسألة ، وأفتوا بحرمة أكل التراب باستثناء شئ يسير من تربة الإمام الحسين عليه‌السلام . قال الشيخ الطوسي في النهاية / ٥٩٠ : «ولا يجوز أكل شئ من الطين على اختلاف أجناسه ، إلا طين قبر الحسين بن علي عليهما‌السلام ، فإنه يجوز أن يؤكل منه اليسير للاستشفاء به ، ولا يجوز الإكثار منه على حال » .

وقال صاحب الجواهر ( ٣٦ / ٣٦٨ ) : « وعلى كل حال فظاهر الفتاوى الإقتصار على استثناء قبر الحسين من بين قبورهم عليهم‌السلام حتى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله . بل المعروف كون ذلك من خواصه عليه‌السلام كما ورد به بعض النصوص »

وفي صحيح إسحاق بن عمار رحمه‌الله عن الإمام الصادق عليه‌السلام قال : « إن لموضع قبر الحسين بن علي حرمة معلومة من عرفها واستجار بها أجير . قلت : فصف لي موضعها جعلت فداك . قال : إمسح من موضع قبره اليوم فامسح خمسة وعشرين ذراعاً من ناحية رجليه وخمسة وعشرين ذراعاً من خلفه ، وخمسة وعشرين ذراعاً مما يلي وجهه ، وخمسة وعشرين ذراعاً من ناحية رأسه ، وموضع قبره منذ يوم دفن

٢٥١

روضة من رياض الجنة ، ومنه معراج يعرج فيه بأعمال زواره إلى السماء ، فليس ملك ولا نبي في السماوات إلا وهم يسألون الله أن يأذن لهم في زيارة قبر الحسين ، ففوج ينزل وفوج يعرج » . ( الكافي : ٤ / ٥٨٨ ) .

د ـ تقدم أن يحيى بن خالد الأب الرضاعي لهارون ، كان معه في الرقة وشاهد غضب هارون على ابنه الفضل بن يحيى حتى أمر الناس بلعنه لأنه عصاه ولم يقتل الإمام الكاظم عليه‌السلام ، فهدأه يحيى وتكفل له بأنه يعالج أمر ابنه وينفذ أمره ، فجاء الى بغداد على البريد بسرعة ورتب أمر سُمِّ الإمام الكاظم عليه‌السلام !

وقال المفيد في الإرشاد : ٢ / ٢٤٣ : « ثم خرج يحيى بن خالد على البريد حتى وافى بغداد ، فماج الناس وأرجفوا بكل شئ ، وأظهر أنه ورد لتعديل السواد والنظر في أمر العمال ، وتشاغل ببعض ذلك أياماً ، ثم دعا السندي فأمره فيه بأمره فامتثله ، وكان الذي تولى به السندي قتله عليه‌السلام سُمّاً جعله في طعام قدمه إليه ، ويقال إنه جعله في رطب أكل منه فأحس بالسم ، ولبث ثلاثاً بعده موعوكاً منه ، ثم مات في اليوم الثالث » . « وكانت وفاته عليه‌السلام في مسجد هارون الرشيد وهو المعروف بمسجد المسيب ، وهو في الجانب الغربي من باب الكوفة ، لأنه نقل إليه من دار تعرف بدار عمرويه » . ومناقب آل أبي طالب : ٣ / ٤٣٨ .

« وروي : أنه عليه‌السلام لما حضرته الوفاة ، سأل السندي بن شاهك أن يحضره مولى له مدنياً ينزل عند دار العباس بن محمد في مشرعة القصب ليتولى غسله وتكفينه ، ففعل ذلك . قال السندي بن شاهك : وكنت أسأله في الإذن لي في أن أكفنه فأبى وقال : إنا أهل بيت مهور نسائنا وحج صرورتنا وأكفان موتانا من طاهر أموالنا ،

٢٥٢

وعندي كفن وأريد أن يتولى غسلي وجهازي مولاي فلان ، فتولى ذلك منه » . ( الإرشاد : ٢ / ٢٤٣ ، والفقيه : ١ / ١٨٩ ) .

٢ ـ المكان الذي استشهد فيه الإمام عليه‌السلام

عرف السجن الذي كان فيه الإمام عليه‌السلام باسم حبس المسيب ، لأن المسيب بن زهير كان رئيس الشرطة قبل السندي ، قال في دلائل الإمامة / ٣٠٥ : « وكانت وفاته عليه‌السلام في حبس المسيب ، وهو المسجد الذي بباب الكوفة الذي فيه السدرة » .

وفي عيون أخبار الرضا عليه‌السلام : ٢ / ٩٢ : « عن جماعه من مشايخ أهل المدينة قالوا لما مضى خمسة عشر سنة من ملك الرشيد استشهد ولي الله موسى بن جعفر عليهما‌السلام مسموماً ، سمه السندي بن شاهك بأمر الرشيد في الحبس المعروف بدار المسيب بباب الكوفة وفيه السدرة . ومضى إلى رضوان الله تعالى وكرامته يوم الجمعة لخمس خلون من رجب سنه ثلاث وثمانين ومائه من الهجرة ، وقد تم عمره أربعاً وخمسين سنه ، وتربته بمدينة السلام في الجانب الغربي بباب التبن في المقبرة المعروفة بمقابر قريش » .

وفي عيون المعجزات / ٩١ : « عن أحمد بن محمد بن السمط قال : سمعت من أصحاب الحديث والرواة المذكورين ، أن موسى بن جعفر عليه‌السلام كان في حبس هارون الرشيد وهو في المسجد المعروف بمسجد المسيب من جانب الغربي بباب الكوفة ، لأنه قد نقل الموضع إليه من دار السندي بن شاهك ، وهي الدار المعروفة بدار أبي عمرويه » .

٢٥٣

وفي المستجاد من الإرشاد / ٢١٣ ، والثاقب في المناقب / ٥١٢ : « وقد روى أكثر الناس أنه لما توجه أبو جعفر عليه‌السلام من بغداد منصرفاً من عند المأمون ، ومعه أم الفضل ابنة المأمون قاصداً بها المدينة ، صار إلى شارع باب الكوفة ومعه الناس يشيعونه فانتهى إلى دار المسيب عند مغيب الشمس فنزل ودخل المسجد وكان في صحنه نبقة لم تحمل بعد ، فدعا بكوز فيه ماء فتوضأ في أصل النبقة وقام وصلى بالناس صلاة المغرب فقرأ في الأولى منها الحمد وإذا جاء نصر الله ، وقرأ في الثانية الحمد وقل هو الله ، وقنت قبل ركوعه فيها وصل الثالثة وتشهد وسلم ، ثم جلس هنيهة يذكر الله جل اسمه ، وقام من غير أن يعقب فصلى النوافل أربع ركعات وعقب تعقيبها ، وسجد سجدتي الشكر ثم خرج ، فلما انتهى إلى النبقة رآها الناس وقد حملت حملاً حسناً ! فتعجبوا من ذلك وأكلوا منها فوجدوها نبقاً حلواً لا عجم له ! وودعوه ومضى من وقته إلى المدينة » .

٢٥٤

٣ ـ إهانة هارون لجنازة الإمام عليه‌السلام وتكريم عمه لها

قال الطبرسي في إعلام الورى : ٢ / ٣٤ : « ولما استشهد صلوات الله عليه أدخل السندي عليه الفقهاء ووجوه الناس من أهل بغداد وفيهم الهيثم بن عدي ، فنظروا إليه لا أثر به من جراح ولا خنق ، ثم وضعه على الجسر ببغداد ، وأمر يحيى بن خالد فنودي : هذا موسى بن جعفر الذي تزعم الرافضة أنه لا يموت ، قد مات فانظروا إليه ، فجعل الناس يتفرسون في وجهه وهو ميت ، ثم حمل فدفن في مقابر قريش ، وكانت هذه المقبرة لبني هاشم والأشراف من الناس قديماً » .

وروى الصدوق رحمه‌الله في كمال الدين / ٣٨ : « عن الحسن بن عبد الله الصيرفي عن أبيه قال : توفي موسى بن جعفر عليهما‌السلام في يد السندي بن شاهك فحمل على نعش ونودي عليه : هذا إمام الرافضة فاعرفوه ! فلما أتيَ به مجلس الشرطة ، أقام أربعة نفر فنادوا : ألا من أراد أن ينظر إلى الخبيث بن الخبيث موسى بن جعفر فليخرج ! فخرج سليمان بن أبي جعفر من قصره إلى الشط فسمع الصياح والضوضاء فقال لولده وغلمانه : ما هذا ؟ قالوا : السندي بن شاهك ينادي على موسى بن جعفر على نعش ، فقال لولده وغلمانه : يوشك أن يفعل به هذا في الجانب الغربي ، فإذا عبر به فأنزلوا مع غلمانكم فخذوه من أيديهم فإن مانعوكم فاضربوهم وخرقوا ما عليهم من السواد ! قال : فلما عبروا به نزلوا إليهم فأخذوه من أيديهم وضربوهم وخرقوا عليهم سوادهم ووضعوه في مفرق أربع طرق ، وأقام المنادين ينادون : ألا مَن أراد أن ينظر إلى الطيب بن الطيب موسى بن جعفر فليخرج ! وحضر الخلق وغسله وحنطه بحنوط وكفنه بكفن فيه حبرة استعملت

٢٥٥

له بألفي وخمس مائة دينار مكتوباً عليها القرآن كله ! واحتفى ( خلع نعليه ) ومشى في جنازته متسلباً مشقوق الجيب ، إلى مقابر قريش فدفنه هناك . وكتب بخبره إلى الرشيد فكتب إلى سليمان بن أبي جعفر : وصلت رحمك يا عم ، وأحسن الله جزاك والله ما فعل السندي بن شاهك لعنه الله ما فعله عن أمرنا » ! والعيون : ٢ / ٩٣ .

وفي الغيبة للطوسي / ٢٣ : « فروى يونس بن عبد الرحمن قال : حضر الحسين بن علي الرواسي جنازة أبي إبراهيم عليه‌السلام فما وضع على شفير القبر إذا رسول من سندي بن شاهك قد أتى أبا المضا خليفته وكان مع الجنازة ، أن أكشف وجهه للناس قبل أن تدفنه حتى يروه صحيحاً ، لم يحدث به حدث قال : وكشف عن وجه مولاي حتى رأيته وعرفته ثم غطي وجهه وأدخل قبره صلى الله عليه » .

وفي عيون أخبار الرضا عليه‌السلام : ٢ / ٩٦ : « عن سليمان بن حفص المروزي قال : إن هارون الرشيد قبض على موسى بن جعفر عليه‌السلام سنه تسع وسبعين ومائة وتوفي في حبسه ببغداد لخمس ليال بقين من رجب سنه ثلاث وثمانين ومائة وهو ابن سبع وأربعين سنة ، ودفن في مقابر قريش ، وكانت إمامته خمساً وثلاثين سنة وأشهراً وأمه أم ولد ، يقال لها : حميدة وهي أم أخويه إسحاق ومحمد ابني جعفر بن محمد عليهما‌السلام ونص على ابنه علي بن موسى الرضا عليه‌السلام بالإمامة بعده » .

وفي مناقب آل أبي طالب : ٣ / ٤٤١ : « قال القاضي :

وهارونكم أردى بغير جريرة

نجوم تُقَىً مثل النجوم الكواكب

ومأمونكم سم الرضا بعد بيعة

فآدت له شم الجبال الرواسب ..

وقال الناشي :

ببغداد وإن ملئت قصورا

قبور أغشت الآفاق نورا

٢٥٦

ضريح السابع المعصوم موسى

إمام يحتوي مجداً وخيرا

بأكناف المقابر من قريش

له جدث غدا بهجاً نضيرا

وقبر محمد في ظهر موسى

يغشى نور بهجته الحضورا

هما بحران من علم وحلم

تجاوز في نفاستها البحورا

إذا غارت جواهر كل بحر

فجوهرها ينزه أن يغورا

يلوح على السواحل من بغاه

تحصل كفه الدر الخطيرا » .

٤ ـ سليمان بن أبي جعفر عم هارون

قال عنه في تاريخ بغداد : ٩ / ٢٥ : « سليمان بن أبي جعفر المنصور ، وهو عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب ، يكنى أبا أيوب ، حدث عن أبيه روت عنه ابنته زينب وإليه ينسب درب سليمان ببغداد . » . ثم ذكر أنه مات سنة تسع وتسعين وعمره خمسون سنة ، فعمره قريب من عمر هارون .

وتزوج هارون العباسة بنت سليمان سنة ١٨٧ ، وتزوج عزيزة مطلقة سليمان وهي بنت خال هارون . ( الطبري : ٦ / ٥٤٠ ) .

وكان سليمان وبنته زينب يرويان أن جدهم ابن عباس قال لابنه : « يا بني إذا أفضى هذا الأمر إلى ولدك فسكنوا السواد ولبسوا السواد ، وكان شيعتهم أهل خراسان لم يخرج هذا الأمر منهم إلا إلى عيسى بن مريم » ! ( تاريخ بغداد : ١٤ / ٤٣٥ ، وتاريخ دمشق : ٢٢ / ٣٣٦ ) .

وكان سليمان أحد القادة الثلاثة الذين أرسلهم موسى الهادي لقمع ثورة العلويين في مكة بقيادة الحسين بن علي صاحب فخ رحمه‌الله ، والآخران : العباس بن محمد بن علي ، وموسى بن عيسى ( تاريخ اليعقوبي : ٢ / ٤٠٤ ، والوافي : ١٢ / ٢٨٢ ) .

٢٥٧

وهجا أبو سماعة سليمان فأمر هارون بحلق رأسه ولحيته ! ( تاريخ دمشق : ١٦ / ٨ ) . وكان سليمان والياً على الكوفة عندما خرج محمد بن إبراهيم بن طباطبا وأبو السرايا فهزموا جيش الدولة وملكوا الكوفة ، ثم عاود العباسيون حملتهم لما مات ابن طباطبا ، واسترجعوا الكوفة سنة ١٩٩ . ( الطبري : ٧ / ١١٧ ) .

كما كان سليمان : « أمير دمشق ، وليها للرشيد ثم للأمين مرتين ، وولي إمرة البصرة مرتين أيضاً » . ( الأعلام : ٣ / ١٢٨ ) . وفي عهد ولايته للشام خرج شخص من ذرية يزيد وادَّعى أنه السفياني : « وكان بنو أمية يروون فيه الروايات ويذكرون أن فيه علامات السفياني .. وطرد عنها سليمان بن أبي جعفر بعد حصره إياه بدمشق فلم يفلت منهم إلا بعد اليأس ولحقه الغوغاء والرعاع ونهبوا أواخر عسكره » ( تاريخ دمشق : ٤٣ / ٢٩ ) .

وقال في الأعلام : ٤ / ٣٠٣ ، عن هذا السفياني : « كان من أهل العلم والرواية يقول حين يفاخر : أنا ابن شيخيْ صفين ! لأن أمه حفيدة علي بن أبي طالب ، وأباه حفيد معاوية ، ويلقبه خصومه بأبي العميطر وهو الحرذون ... فدعا إلى نفسه وطرد عامل الأمين على دمشق الأمير سليمان بن أبي جعفر المنصور ، وامتلكها سنة ١٩٥ وبويع بالخلافة وهو ابن تسعين سنة ، وكان أصحابه يجولون في أسواق دمشق ويقولون للناس : قوموا بايعوا مهدي الله » !

و « كان الركيبي يأخذ البيعة لأبي العميطر على الناس في الأسواق ، وكان يدور على منازل أهل دمشق فمن خرج إليه أخذ عليه البيعة ، ومن لم يخرج يقول : يا غلام سَمِّر بابه وأشمت به جاره » ! ( تاريخ دمشق : ٢١ / ٩٧ )

٢٥٨

وذكر في الأعلام أنه خرج بعده مسلمة المرواني وزعم أنه السفياني وقبض على السفياني العميطر وحبسه ! ثم هاجم القيسية مسلمة فهرب في ثياب النساء ، وبايع أهل الشام للمأمون .

وكان سليمان المذكور مع الأمين في حربه مع أخيه المأمون ، ولما ضعف أمره راسل سليمان المأمون ! « وكان محمد قد حبس سليمان بن أبي جعفر وإبراهيم بن المهدي لأمر بلغه ، فلما صار هرثمة على باب بغداد أخرجهما من الحبس ، ووجه بهما مع جماعة » ( اليعقوبي : ٢ / ٤٤١ ) . راجع في حياته : اليعقوبي : ٢ / ١٤٠٩ ، وتاريخ خليفة / ٣٦٦ ، وتاريخ بغداد : ١ / ١٠٥ ، و١٠٧ ، والوافي : ١٦ / ٣٨٣ وتاريخ دمشق : ٢٢ / ٣٣٧ ، و : ٣٨ / ١١٧ ، و : ٤٣ / ٢٧ ، و : ٤٨ / ٢٣٦ ، و : ٦٠ / ٣٥٢ ، والطبري : ٦ / ٤٨٥ ، و : ٧ / ٢٥ ، و ٥٠ ، و : ٧ / ٧٧ ) .

أقول : يدل تاريخ سليمان بن أبي جعفر المنصور ، على أنه قام بتكريم جنازة الإمام الكاظم عليه‌السلام لمصلحة العباسيين ، حتى لاتتفاقم عليهم نقمة الناس ، خاصة وأن العلويين كانوا ثائرين في عدة مناطق .

٥ ـ صار قبر الإمام عليه‌السلام مزاراً ومشهداً من أول يوم

قال الذهبي في سير أعلام النبلاء : ٦ / ٢٧٣ : « قلت : له مشهد عظيم مشهور ببغداد ، دفن معه فيه حفيده الجواد . ولولده علي بن موسى مشهد عظيم بطوس . وكانت وفاة موسى الكاظم في رجب سنة ثلاث وثمانين ومئة . عاش خمساً وخمسين سنة »

٢٥٩

وقال أبو الفداء / ٢٨٣ : « وتوفي في هذه السنة أعني سنة ثلاث وثمانين ومائة ، لخمس بقين من رجب ببغداد ، وقبره مشهور هناك ، وعليه مشهد عظيم في الجانب الغربي من بغداد » .

وقال السمعاني في الأنساب : ٥ / ٤٠٥ : « الموسوي : بضم الميم والسين المهملة المفتوحة بين الواوين ، هذه النسبة لجماعة من السادة العلوية ينتسبون إلى موسى الكاظم ، وهو موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وفيهم كثرة .. ومشهده ببغداد مشهور يزار ، يقال له مشهد باب التبن ويقال له مقابر قريش أيضاً ، زرته غير مرة ، مع ابن ابنه محمد بن الرضا » .

وقال في وفيات الأعيان : ٥ / ٣١٠ : « قال الخطيب : توفي في الحبس ودفن في مقابر الشونيزيين خارج القبة ، وقبره هناك مشهور يزار وعليه مشهد عظيم فيه قناديل الذهب والفضة وأنواع الآلات والفرش ما لا يحد ، وهو في الجانب الغربي » .

« قال الرضا عليه‌السلام : من زار قبر أبي ببغداد كمن زار قبر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وقبر أمير المؤمنين عليه‌السلام إلا أن لرسول الله ولأمير المؤمنين صلوات الله عليهما فضلهما » ( الكافي : ٤ / ٥٨٣ ) .

*  *

٢٦٠