🚘

الشّفاء ـ طبيعيّات

أبو علي حسين بن عبد الله بن سينا [ شيخ الرئيس ابن سينا ]

الشّفاء ـ طبيعيّات

المؤلف:

أبو علي حسين بن عبد الله بن سينا [ شيخ الرئيس ابن سينا ]


المحقق: الدكتور محمود قاسم
الموضوع : العلوم الطبيعيّة
الناشر: منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي
المطبعة: گل‌وردى
الطبعة: ٢
ISBN: 978-600-161-072-1
الصفحات: ٢٧٦
🚘 الجزء ١ 🚘 الجزء ٢ [٢] 🚘 الجزء ٢ [٤] 🚘 الجزء ٢ [٦] 🚘 الجزء ٢ [٨] 🚘 الجزء ٣
🚘 نسخة غير مصححة

ليس فيه شىء مضىء فإنه لا يمنع إدراك المستنير ولا يستر اللون إذا كان موجودا فى الشىء. تأمل كونك فى غار وفيه هواء كله على الصفة التي تظنه أنت مظلما ، فإذا وقع النور فى جسم خارج موضوع فى الهواء الذي تحسبه نيرا فإنك تراه ، ولا يضرك الهواء المظلم الواقف بينك وبينه ، بل الهواء عندك فى الحالين كأنه ليس بشيء ، وأما الظلمة فهى (١) حال أن لا ترى شيئا وهو (٢) أن لا تكون الكيفيات التي إذا كانت موجودة فى الأجرام التي لا تشف صارت مستنيرة فهى مظلمة ، وبالقوة فلا تراها ، ولا ترى الهواء فيتخيل لك ما يتخيل لك إذا أغمضت (٣) عينيك (٤) وسترتهما فتتخيل لك ظلمة مبثوثة تراها ، (٥) كما يكون من حالك وأنت محدق فى هواء مظلم وليس كذلك ، ولا أنت ترى وأنت مغمض هواء مظلما أو ترى ما ترى من الظلمة شيئا فى جفونك إنما ذلك أنك لا ترى.

وبالجملة فإن الظلمة عدم (٦) الضوء فيما من شأنه أن (٧) يستنير ، وهو الشىء الذي قد يرى ، لأن النور مرئى وما يكون فيه النور مرئى ، والشاف لا يرى البته ، فالظلمة هى (٨) فى محل الاستنارة وكلاهما أعنى المحلين جسم لا يشف. فالجسم الذي من شأنه أن يرى لونه إذا كان غير مستنير كان مظلما ، ولم يكن فيه بالحقيقة لون بالفعل ، ولم يكن ما يظن أن هناك ألوانا ولكنها مستورة بشيء فيه بالحقيقة لون بالفعل ، ولم يكن ما يظن أن هناك ألوانا ولكنها مستورة بشيء ، فإن الهواء لا يستر وإن كان على الصفة التي يرى مظلما إذا كانت الألوان بالفعل. لكنه إن سمى إنسان الاستعدادات المختلفة التي تكون فى الأجسام التي إذا استنارت صار واحد منها الشىء الذي تراه بياضا والآخر حمرة ألوانا ، فله ذلك ، إلا أنه يكون باشتراك الاسم. فإن البياض بالحقيقة هو هذا الذي يكون على الصفة التي ترى ، وهذا لا يكون موجودا وبينك وبينه شفاف لا يشف ، (٩) لأن (١٠) (١١) الشفاف قد يكون شفافا بالفعل وقد يكون شفافا بالقوة ، وليس يحتاج فى أن يكون بالفعل إلى استحالة فى نفسه ، بل إلى استحالة فى غيره أو إلى حركة فى غيره. وهذا مثل المسلك والمنفذ فإنه لا يحتاج فى أن يكون بالفعل إلى

__________________

(١) فهى : فهو د ، ف

(٢) وهو : وهى م.

(٣) غمضت : أغمضت ف

(٤) عينيك : العينين د

(٥) تراها : تراهما م.

(٦) فى جفونك ... عدم : ساقطة من م.

(٧) الضوء ... أن : ساقطة من م.

(٨) هى : ساقطة من ف.

(٩) لا يشف : يشف ولا تراه ف.

(١٠) لا يشف لأن : يشف ولا يراه لأن د.

(١١) لأن : ولأن م.

٨١

أمر فى نفسه ، بل إلى وجود السالك والنافذ بالفعل. فأما (١) الاستحالة التي يحتاج إليها الشفاف بالقوة إلى (٢) أن يصير شفافا بالفعل ، فهى استحالة الجسم الملون إلى الاستنارة وحصول لونه بالفعل. وأما الحركة فأن يتحرك الجسم المضيء إليه من غير استحالة فيه ، (٣) وقد عرفت كنه هذا فيما سلف. فإذا حصل أحد هذين (٤) تأدى المرئى (٥) فصار (٦) هذا شفافا بالفعل لوجود غيره. فحرى بنا أن نحقق أمر هذا التأدى ، إلا أن الواجب علينا أن نؤخر الأمر فيه إلى أن نذكر شكوكا تعرض فيما قلناه يسهل (٧) من حلها تصحيح ما قلناه.

__________________

(١) فأما : وأما ك ، م.

(٢) إلى : فى م.

(٣) فيه : إليه د ؛ منه م.

(٤) هذين : + الأمرين ف

(٥) المرئى : + أيضا ك

(٦) فصار : وصار د.

(٧) يسهل : ساقطة من م.

٨٢

الفصل الثاني (١)

فى مذاهب وشكوك فى أمر النور والشعاع. وفى

ان النور ليس بجسم بل هو كيفية تحدث فيه (٢) (٣)

من (٤) الناس من ظن أن النور الذي يشرق من المضيء على الأجسام ليس كيفية تحدث فيها بل (٥) أجساما صغارا تكون منفصلة من المضيء فى الجهات ملازمة لأبعاد مفروضة عنه تنتقل بانتقاله فتقع على الأجسام فتستضيء بها. ومن الناس من ظن أن هذا النور لا معنى له البتة وإنما هو ظهور من الملون ، (٦) بل من الناس من ظن أن الضوء فى الشمس ليس إلا (٧) شدة ظهور لونها ، لكنه يغلب البصر.

فيجب علينا أولا (٨) أن نتأمل الحال فى هذه المذاهب. فنقول : إنه لا يجوز أن يكون هذا النور والشعاع الواقع على الأجسام من الشمس والنار أجساما حاملة لهذه الكيفية المحسوسة ، لأنها إما أن تكون شفافة فلا يخلو إما أن يزول شفيفها بتراكمها كما تكون الأجزاء الصغار من البلور شفافة ويكون الركام منها غير شفاف ، وإما أن لا يزول شفيفها. فإن كانت شفافة لا يزول شفيفها لم تكن مضيئة ، إذ قد فرغنا من الفرق بين الشفاف وبين المضيء ؛ وإن كانت تعود بالارتكام غير شفافة كان ارتكامها يستر ما تحتها ، وكلما ازدادت ارتكاما ازدادت سترا ، والضوء كلما ازداد ارتكاما ـ لو كان له ارتكام ـ

__________________

(١) الفصل الثاني : فصل ٢ ف.

(٢) فى مذاهب ... تحدث فيه : فى أن النور ليس بجسم بل هو كيفية تحدث فيه وفى مذاهب وشكوك فى أمر النور والشعاع ف.

(٣) وفى أن ... فيه : ساقطة من د ، م.

(٤) من (الأولى) : ومن ك.

(٥) بل : + هو ك.

(٦) الملون : اللون م.

(٧) إلا : + من ك.

(٨) أولا : ساقطة من م.

٨٣

ازداد إظهارا للون. (١) وكذلك إذا كانت هذه المضيئات فى الأصل مضيئات غير شفافة ، كالنار وما أشبهها. فبين إن الشعاع المظهر للألوان ليس بجسم ، ثم لا يجوز أن يكون جسما ويتحرك بالطبع إلى جهات مختلفة. ثم إن كانت هى أجساما تنفصل من المضيء وتلقى المستنير ، فإذا غمت الكوة (٢) ثم يخل إما أن يتفق لها أن تعدم أو تستحيل أو تسبق الغام. والقول بسبق الغام اعتساف ، فإن ذلك أمر يكون دفعة. والعدم أيضا بالستر (٣) من ذلك الجنس ، (٤) فإنه كيف يحكم أن جسما إذا تخلل بين جسمين عدم أحدهما. وأما الاستحالة (٥) فتوجب ما قلناه وهى أنها تستنير (٦) بمقابلة النير ، فإذا غم استحالت. فما الحاجة إن كان الأمر على هذا إلى مسافرة أجسام من جهة النير ، (٧) ولم لا تكون هذه الأجسام تستحيل بنفسها بالمقابلة تلك الاستحالة.

وأما الحجة (٨) التي يتعلق بها أصحاب الشعاع فمن ذلك قولهم : إن الشعاع لا محالة ينحدر من عند الشمس ويتجه من عند النار ، وهذه حركة ، ولا حركة (٩) إلا للجسم. (١٠) وأيضا فإن الشعاع ينتقل بانتقال المضيء والانتقال للجسم. وأيضا فإن الشعاع يلقى شيئا فينعكس عنه إلى غيره والانعكاس حركة جسمانية لا محالة. وهذه القياسات كلها فاسدة ، ومقدماتها غير صحيحة ، فإن قولنا : الشعاع ينحدر أو يخرج أو يدخل ، ألفاظ مجازية ليس من ذلك الشىء ، بل الشعاع يحدث فى المقابل دفعة. ولما كان يحدث عن (١١) شىء عال توهم كأنه ينزل ، وأن يكون على سبيل الحدوث فى ظاهر الحال أولى من النزول ، إذ لا يرى البتة فى الطريق ولا يحتاج إلى زمان محسوس. فلا يخلو إما أن يكون البرهان دل على انحداره ، وأنى لهم بذلك ، وإما أن يكون (١٢) الحس هو الدال عليه ،

__________________

(١) للون : للضوء د.

(٢) الكوة : الكرة ك.

(٣) بالستر : بالسبق م

(٤) الجنس : المحتبس م.

(٥) وأما الاستحالة : والاستحالة د.

(٦) تستنير : مستنير م.

(٧) النير المنير ف.

(٨) الحجة : الحجج ف.

(٩) ولا حركة : ساقطة من م.

(١٠) للجسم (الأولى) : الجسم م.

(١١) عن : من ك.

(١٢) البرهان ... يكون : ساقطة من م.

٨٤

وعليه معولهم. وكيف يدل الحس على حركة متحرك لا يحس بزمانه (١) ولا يحس فى وسط (٢) المسافة.

وأما حديث انتقال الشعاع ، فليس هو بأكثر من انتقال الظل. فيجب أن يكون الظل أيضا جسما ينتقل. وليس ولا (٣) واحد منهما بانتقال ، بل بطلان وتجدد. فإنه إذا (٤) تجددت الموازاة تجدد ذلك ، فإن ارتكب مرتكب أن الظل أيضا ينتقل فليس يخلو إما أن ينتقل على النور وإما أن يكون النور ينتقل أمامه وخلفه ، فإن كان ينتقل على النور ويغطى النور ، فلنفرض النور المغشى لجميع الأرض لا انتقال له وإنما يغطيه الظل ، فيكون دعوى انتقال النور قد فسد. وإن كان النور ينتقل أمام الظلمة حتى تنتقل الظلمة فلنفرض المضيء واقفا ، ومعلوم أنه إذا كان وافقا وقف معه النور ، وهذا يدعو (٥) إلى أن تكون حركة ذى الظل سببا لطرد النور ، ويمكن عدة منهم أن يطردوا النور أيضا من الجهات المختلفة والمضيء واقف فيظلم الموضع حينئذ ، أو يكون للنور (٦) إذا هرب من الظل طفر من خلف فعاد إلى حيث فارقه الظل ، وهذه كلها خرافات ، بل لا الظل يفسخ النور ولا هو ولا النور بجسم ، وإن كان لهما انتقال فذلك بالتجدد لا أن (٧) شيئا واحدا بعينه ينتقل.

وانعكاس الشعاع أيضا لفظ مجازى ، فإن من شأن الجسم إذا استنار وكان صقيلا أن يستنير عنه أيضا جسم يحاذيه من غير انتقال البتة. وأما المذهب الآخر وهو المذهب الذي لا يرى لهذا النور معنى ، بل يجعله اللون نفسه إذا ظهر ظهورا بينا ، فإن لأصحابه أن يقولوا : إن الذي يفسر (٨) فى هذا الباب ما يتخيل مع اللون من بريق يلزم الملونات وليس ذلك البريق شيئا فى المرئى نفسه ، بل أمر يعرض للبصر بالمقايسة بين ما هو أقل ضوءا (٩) وما هو أشد ضوءا. وشدة ظهور اللون لشدة تأثير الشىء المضيء ، فإن الإنارة التي من السراج أقل قليلا من الإنارة التي من القمر ، والإنارة التي من القمر الذي هو (١٠) الفخت أقل قليلا من الإنارة التي

__________________

(١) بزمانه ولا يحس : ساقطة من د.

(٢) ولا يحس فى وسط : ولا فى وسط م.

(٣) ولا : ساقطة من م.

(٤) فإنه إذا : فإذا م.

(٥) يدعو : يدعوا ف.

(٦) للنور : النور د ، م.

(٧) لا أن : لأن م.

(٨) يفسر : نعتبر ف.

(٩) ضوءا (الأولى والثانية) : ضوء ك.

(١٠) الذي هو : التي هى ف ، ك.

٨٥

فى البيوت المستورة (١) نهارا عن الشمس ، بل عن المواضع ذوات الظل التي ليس فيها شعاع الشمس. وذلك لأن الفخت يبطل فى ظل البيوت إذا طلعت الشمس فيتلاشى ، ويكون (٢) ما يبصر فيها أقوى مما يبصر فى الفخت ، والناس لا يرون لما كان (٣) فى الظل وإن كان منيرا براقية (٤) وشعاعية البتة ، ويرون أن نور السراج يفعل فى الأجسام بريقا ، ونور القمر فى الليل (٥) يفعل ذلك ، وذلك (٦) بالقياس إلى الظلمة الليلية. فإن الظلمة الليلية تخيل ذلك القدر أنه شعاع براق ، وليس ذلك إلا ظهورا ما من اللون. والذي للشمس أقوى وأشد تأثيرا. فليرنا مرى (٧) من مثبتى (٨) شىء سوى اللون أن على (٩) الحائط الأبيض شيئا غير البياض وغير ظهوره يسمى ذلك الشىء شعاعا. فإن قايس مقايس ذلك بالظل على الحائط ، فذلك الظل بسبب ظلمة ما يخفى (١٠) لنا (١١) من البياض ما كان يجب أن يظهر ، وكأنه خلط من الظلمة التي لا معنى لها إلا خفاء أو زيادة خفاء. كما أن النور لا معنى له إلا ظهور أو زيادة (١٢) ظهور.

ومن هؤلاء قوم يرون أن الشمس ليس ضوؤها إلا شدة ظهور لونها ، ويرون أن اللون إذا بهر البصر لشدة ظهوره رؤى بريق وشعاع يخفى اللون لعجز البصر لا لخفائه فى نفسه ، وكأنه يفتر البصر عن إدراك الجلى ، فإذا انكسر ذلك رؤى لون.

قالوا : (١٣) والحيوانات (١٤) التي تلمع فى الليل إذا لمعت (١٥) لم يحس لونها (١٦) البتة وإذا كان نهارا (١٧) كان لها (١٨) لون ظاهر ولم يكن فيها لمعان ، فذلك (١٩) اللمعان هو بسبب شدة (٢٠) ظهور ألوانها لا غير حتى يرى (٢١) فى الظلمة ، ويكون فى غاية القوة حين يظهر فى الظلمة فيبهر البصر إذا (٢٢) كانت الظلمة أضعفته ، فإذا أشرقت الشمس غلب

__________________

(١) المستورة : المنورة ك. (٢) يكون : ساقطة من د

(٣) لما كان : أن د. (٤) براقية : براقة د ، م ؛ براقا ك.

(٥) فى الليل : ساقطة من م (٦) وذلك : + بسبب ف.

(٧) مرى : مرىء ؛ مرئى ك (٨) مثبتى : + النور ك.

(٩) أن على : على أن م. (١٠) ما يخفى : يخفى م

(١١) لنا : لها م. (١٢) أو زيادة : وزيادة م.

(١٣) قالوا : بألوان م (١٤) والحيوانات : الحيوانات م

(١٥) إذا لمعت : إذا لمعت د

(١٦) لونها : بلونها د.

(١٧) نهارا : نهار ف

(١٨) لها : ساقطة من ك

(١٩) : فذلك : قد د.

(٢٠) هو بسبب شدة : هو بشدة م.

(٢١) يرى : روى م.

(٢٢) إذا : إذ ف.

٨٦

ظهورها (١) ظهور ذلك فعاد لونها. والبصر لم يتحير له ، لأن البصر قد اعتاد لقاء الظاهرات واشتد بطلوع الشمس.

ومنهم من قال : ليس الأمر على هذه الصفة ، بل الضوء شىء واللون شىء. لكنه من شأن الضوء إذا غلب على البصر أن يستر لون ما فيه. والشمس أيضا لها لون ، ومع اللون ضوء فيستر الضوء اللون باللمعان كما للقمر ، وكما للسنجة (٢) السوداء الصقيلة إذا لمعت رؤيت مضيئة ولم ير سوادها.

قالوا : وهذا غير النور. فإن النور هو ظهور اللون لا غير ، والضوء ليس هو ظهور اللون (٣) بل شىء آخر وقد يخفى اللون. (٤) وإن هذه اللوامع فى الليل يظهر نورها فى الظلمة فيخفى لونها ، (٥) وإذا ظهرت الشمس غلب نورها وخفى وظهر (٦) لونها. فبالحرى أن نتأمل هذا المذهب مع فروعه المذكورة.

__________________

(١) ظهورها : ساقطة من م.

(٢) للسنجة : للسبجة ف.

(٣) لا غير ... اللون : ساقطة من د.

(٤) اللون : + لا غير ك.

(٥) لونها : ساقطة من د.

(٦) وظهر : فظهر م.

٨٧

الفصل الثالث (١)

فى تمام (٢) مناقضة المذاهب المبطلة لأن يكون

النور شيئا غير اللون الظاهر وكلام فى الشفاف واللامع (٣)

فنقول : إن ظهور اللون يفهم منه فى هذا الموضع معنيان :

أحدهما صيرورة اللون بالفعل ، والآخر ظهور لون موجود بنفسه بالفعل للعين. والمعنى الأول يدل على حدوث اللون أو وجوده لونا ، والمعنى الثاني يدل على حدوث نسبة اللون أو وجود تلك (٤) النسبة. وهذا الوجه الثاني ظاهر الفساد. فإن ظن أن النور نفس نسبة اللون إلى البصر ، فيجب أن يكون النور نسبة أو حدوث نسبة ولا وجود ولا قوام (٥) له فى (٦) نفسه. وإن عنى به أنه (٧) مصير اللون بحيث لو كان بصرا (٨) لرآه (٩) أو كونه كذلك ، فإما أن يكون هذا نفس اللون أو معنى يحدث إذا زال (١٠) معنى من خارج كزوال ستر أو غيره. فإن كان نفس اللون كان هذا هو الوجه الأول ، وإن كان حالا تعرض له بها (١١) يظهر فيكون الضوء غير اللون. وأما المعنى الأول فلا يخلو أيضا. إما أن يعنى بالظهور خروج من القوة إلى الفعل فلا يكون الشىء مستنيرا بعد ذلك الآن (١٢) الواحد ، وإما أن يعنى به نفس اللون ، فيكون قوله الظهور لا معنى له أيضا (١٣) ، بل يجب أن يقال : إن الاستنارة هو اللون ،

__________________

(١) الفصل الثالث : فصل ٣ ف.

(٢) فى تمام ... واللامع : فى الكلام على المذاهب المختلفة فى ذلك د.

(٣) تمام : ساقطة من م.

(٤) تلك : ذلك م.

(٥) ولا وجود ولا قوام : ولا قوام وجود د ، ف ، م

(٦) فى : ساقطة من م.

(٧) أنه : ساقطة من م

(٨) بصرا : بصر ف

(٩) لرآه : يراه م.

(١٠) إذا زال : إدراك م.

(١١) بها : به د ، ك ، م.

(١٢) الآن : إلا أن م.

(١٣) أيضا : ساقطة من د.

٨٨

أو يعنى به حال تقارن اللون إما دائما وإما وقتا ما ، حتى يكون اللون شيئا يعرض له النور تارة وتعرض له الظلمة أخرى. واللون فى الحالين (١) موجود (٢) بالفعل ، فإن كان نفس نسبته إلى ما يظهر له عاد إلى المذهب الآخر ، وإن كان شيئا آخر عاد إلى ذلك أيضا. (٣)

فإن قررنا الأمر على أن الضوء وإن كان نفس اللون فيكون كأن الضوء ، هو اللون نفسه إذا كان بالفعل ، فلا يخلو إما أن يكون الضوء مقولا على كل لون بالفعل ، أو يكون البياض وحده لونا. فيكون السواد ظلمة. فيستحيل أن يكون الجسم الأسود مشرقا بالضوء ، لكن هذا ليس (٤) بمستحيل ، فإن الأسود يشرق وينور غيره فليس الضوء (٥) هو البياض وحده ، وإن لم يكن الضوء هو البياض وحده ، بل كل لون كان بعض ما هو ضوء يضاد بعض ما هو ضوء ، ولكن الضوء لا يقابله إلا الظلمة ، هذا خلف. وأيضا فإن المعنى الذي به الأسود مضىء غير سواده لا محالة ، وكذلك هو غير البياض ، واللون أعنى طبيعة جنسه الذي فى السواد هو نفس السواد ، واللون الذي فى البياض هو نفس البياض لا عارضا له ، فليس اللون المطلق الجنسى هو الضوء. وأيضا فإن الضوء قد يستنير به الشفاف ، (٦) كالماء والبلور إذا كان فى ظلمة فوقع عليه الضوء وحده دل عليه وأشف ، فهذا (٧) ضوء وليس بلون. (٨) وأيضا فإن الشىء يكون مضيئا وملونا ، فتارة يشرق منه على شىء آخر الضوء وحده كما يشرق على ماء أو حائط ، وتارة يشرق منه إذا كان قويا الضوء مع اللون جميعا حتى يحمر الماء أو الحائط الذي يشرق عليه أو يصفره. فلو كان الضوء ظهور اللون وكانت الظلمة خفاء اللون ، لكان تأثير اللون الأحمر فيما يقابله حمرة لا بريقا ساذجا ، فإن كان هذا ظهور لون آخر ، فلم إذا اشتد فعل فيما يقابله إخفاء لونه بأن ينقل لون هذا القوى اللون إليه. وعلى أن مذهب هذا الإنسان يوجب أن الخضرة أو الحمرة (٩)

__________________

(١) الحالين : الحالتين م

(٢) موجود : موجودا ك.

(٣) أيضا : ساقطة من م.

(٤) هذا ليس : ليس هذا ك.

(٥) الضوء : الصور م.

(٦) الشفاف : انشفاف م.

(٧) فهذا : وهذا م ؛ + هو ك

(٨) بلون : يكون م.

(٩) الخضرة أو الحمرة : الخضرة والحمرة د ؛ الحمرة والخضرة ف.

٨٩

وغير ذلك مختلطة من ظهورات بياضية (١) وخفاءات سوادية ، فيلزم من ذلك أنه إذا كان جسم ظاهر اللون بشعاع وقع عليه ثم انعكس على (٢) المعنى الذي نفهمه ضوء جسم آخر ذى لون أن لا يقع لونه عليه ، لأنه لا يخلو إما أن يكون هذا المستنير المنير لغيره الأجزاء الظاهرة اللون (٣) وحدها أو مع غيرها ، فإن كانت وحدها فهى إنما توجب ظهور اللون (٤) فى تلك بأن تبيض لإخفاء اللون بأن تحمر أو تخضر ، وإن كانت مع غيرها حتى كانت الظاهرة (٥) اللون والخفية اللون تفعلان جميعا هذه إخفاء وتلك إظهارا. (٦) فيكون لخفاء اللون تأثير فى المقابل. (٧) لكن خفاء اللون ليس له هذا التأثير ، ألا ترى أنه إذا كان خفاء لون مجرد لم يؤثر فيما يقابله كما يؤثر ظهور اللون الذي يقولون به لو كان مفردا؟ (٨)

فإن قالوا : إن اللون ظهور الحمرة أيضا والخضرة وغير ذلك من حيث هو (٩) حمرة وخضرة وإن الخضرة (١٠) إذا اشتد ظهورها فعلت مثل نفسها ففعلت خضرة وحمرة. (١١) فيقال : ما باله إذا كان قليل الظهور أظهر اللون فيما (١٢) يقابله على ما هو عليه على المعنى الذي هو ضوء مجرد فقط ، وفعل مثل ما يفعله مضىء لو لم (١٣) يكن له لون ، فإذا اشتد ظهوره أبطله (١٤) أو أخفاه بلون نفسه ، فكان (١٥) يجب أول الأمر أن يكون إنما يفعل فيه لونا من لونه قليلا ، ثم إذا (١٦) اشتد فعل فيه كثيرا ، وكان (١٧) كل فعل يفعله إنما هو إخفاء لون ذلك بمزجه بلونه وليس كذلك ، بل يظهر أول شىء لونه إظهارا

__________________

(١) بياضية : ساقطة من د ، ف ، م.

(٢) على : ساقطة من م.

(٣) المنير : ساقطة من م.

(٤) اللون : ساقطة من د.

(٥) الظاهرة : ظاهرة م

(٦) هذه إخفاء وتلك إظهارا : هذا خفاء وذلك إظهارا د ، ك ؛ هذا إخفاء وذلك إظهارا م.

(٧) المقابل : التقابل م.

(٨) مفردا : منفردا ك.

(٩) هو : هى ف

(١٠) الخضرة : الحمرة والخضرة ف.

(١١) حمرة وخضرة : حمرة أو خضرة م

(١٢) فيما : فى الذي م.

(١٣) لو لم : أو لم م

(١٤) أبطله : أبطل م.

(١٥) فكان : وكان ف ، م.

(١٦) إذا : إن ك

(١٧) وكان : فكان ك ، م.

٩٠

شديدا. وإنما يظهر فيه اللون الذي فى استعداده ما لو حضر مضىء لا خضرة ولا حمرة فى فعله ، ثم يعود بعد ذلك إذا صار أقوى (١) ظهورا آخذا (٢) فى إبطال لونه وإخفائه وإلباسه لونا آخر ليس فى جبلته ولا (٣) طبيعته. فيكون إذن أحد الفعلين عن شىء غير الآخر ، فيكون مصدر أحد الفعلين عن الضوء الذي لو كان الجسم لا لون له وله ضوء لكان يفعل ذلك مثل بلورة مضيئة ، والفعل الآخر يكون من لونه إذا اشتد ظهوره بسبب هذا الضوء حتى صار متعديا. فإنا وإن كنا نقول : إن الضوء ليس هو ظهور اللون. فلا نمنع أن يكون الضوء سببا لظهور اللون وسببا لنقله. ونقول : إن الضوء جزء من جملة هذا المرئى الذي نسميه لونا وهو شىء إذا خالط اللون بالقوة حدث منهما الشىء الذي هو اللون بالفعل بالامتزاج. (٤) فإن لم يكن ذلك الاستعداد كانت إنارة وبريقا مجردا ، فالضوء (٥) كجزء من الشىء الذي هو اللون ومزاج فيه ، (٦) كما أن البياض والسواد لهما اختلاط ما تحدث عنه تلك الألوان المتوسطة.

وأما قول القائل : إن الضوء واللمعان أيضا (٧) ليس إلا ظهور اللون ، ثم قوله فى الأشياء اللامعة فى الليل ما قاله ، فيبطل بأن السراج والقمر كثيرا ما يبطلان لمعان تلك ويظهران ألوانها. فيجب أن يكون نور السراج أشد ظهور لون ، فيجب أن يكون أيضا ما يصير بالسراج ظاهر اللون لا يرى له فى الظلمة لون. (٨) وليس الأمر (٩) كذلك ، فإن اللامعات يرى لونها (١٠) أيضا بالليل كما يرى بريقها. فليس ما قالوه بحق. وأما القائل بأن (١١) للشمس والكواكب ألوانا وأن الضوء يخفى لونها ، فيشبه أن يكون الحق أن بعض الأشياء يكون له فى

__________________

(١) أقوى : أخرى م

(٢) آخذا : يأخذ د.

(٣) ولا : + فى ك.

(٤) بالامتزاج : بالإمزاج م.

(٥) فالضوء : والضوء د.

(٦) فيه : منه م.

(٧) أيضا : ساقطة من م.

(٨) لون : لونه د ، ك

(٩) وليس الأمر : والأمر ليس ف.

(١٠) لونها : ساقطة من م.

(١١) بأن : إن د ، ف.

٩١

ذاته لون (١) فإذا أضاء اشتدت إضاءته حتى يبهر البصر فلم يميز اللون ، ومنه ما يكون له مكان اللون الضوء وهو الشىء الذي يكون الضوء له طبيعيا لازما غير مستفاد ، وبعض الأشياء مختلط (٢) الجوهر من ذلك الأمر ، إما اختلاط تركيب أجزاء مضيئة وأجزاء (٣) ذوات ألوان كالنار ، وإما اختلاط امتزاج الكيفيات كما للمريخ ولزحل. (٤)

وليس يمكننى أن أحكم فى أمر الشمس الآن بشيء فقد عرفنا حال الضوء (٥) وحال النور وحال اللون (٦) وحال الإشفاف. فالضوء (٧) هو كيفية هى كمال بذاتها للشفاف من حيث هو شفاف ، وهو أيضا كيفية ما للمبصر بذاته لا بعلة (٨) غيره. ولا شك أن المبصر بذاته أيضا يحجب عن إبصار (٩) ما وراءه ، والنور كيفية يستفيدها (١٠) الجسم غير (١١) الشفاف من المضيء فيكمل بها الشفاف شفافا بالفعل. واللون كيفية تكمل بالضوء من شأنها أن يصير الجسم مانعا لفعل المضيء فيما يتوسط ذلك الجسم بينه وبين المضيء. فالأجسام مضيئة وملونة وشفافة.

ومن الناس من قال : إن من الأجسام ما يرى بكيفية فى ذاته (١٢) ومنها ما يرى بكيفية فى غيره ، (١٣) وجعل القسم الآخر (١٤) هو الشفاف. وأما القسم الأول فقد جعله أولا قسمين : أحدهما ما يرى فى الشفاف بذاته (١٥) وبحضوره وهو المضيء ، وثانيهما ما ليس كذلك. ثم قسم (١٦) هذا بقسمين : أحدهما ما يشترط فى رؤيته الضوء مع شرط المشف وهو الملون ، والثاني ما يشترط فى رؤيته الظلمة مع شرط المشف كالحيوانات التي تلمع فى الليل من حيث تلمع كاليراعة ، وبعض الخشب المتعفن (١٧) وبعض الدود. وقد رأيت أنا بيضة دجاجة بهذه الصفة ، وجرادة ميتة بهذه الصفة ، وصرارة ميتة بهذه الصفة. (١٨)

__________________

(١) لون : لون لون م. (٢) مختلط : مختلطة ك.

(٣) وأجزاء : أجزاء م (٤) ولزحل : والزحل ك.

(٥) الضوء : الصور م.

(٦) وحال اللون : ساقطة من

(٧) م فالضوء : والضوء م.

(٨) لا بعلة : لا لعلة د ، ف.

(٩) إبصار : إبصارنا م

(١٠) يستفيدها : يستفيد د

(١١) غير : الغير د ، ف ، ك.

(١٢) ذاته : ذاتها د ، ك.

(١٣) غيره : غيرها د ، ك

(١٤) الآخر : الأخير ف ، م.

(١٥) بذاته : لذاته ف ، م.

(١٦) قسم : قسموا د ، ك.

(١٧) المتعفن : المتعفص م.

(١٨) وصرارة ... الصفة : ساقطة من ك.

٩٢

وليست هذه القسمة بمرضية ولا صحيحة ، فإن المضيء يرى لذاته فى الظلمة وفى الضوء جميعا. فإن اتفق أن كان الرائى فى الضوء الذي يفعله رؤى ، (١) وإن اتفق أن لم يكن فيه رؤى أيضا ، كالنار يراها الإنسان فى الضوء سواء كان ضوؤها أو ضوء غيرها ويراها فى الظلمة. وأما الشمس فإنما ليس يمكننا أن نراها فى الظلمة بسبب أنها حيث تكون مقابلة لبصر الرائى تكون قد ملأت العالم ضوءا ولم تترك مكانا وأما الكواكب فإنها إنما ترى فى المظلمة ، لأن (٢) ضوءها يقصر عن ضوء الشمس فلا تضىء الأشياء ولا تنورها ، بل لا يمتنع أن توجد فقد يمكن أن تكون ومعها ظلمة فترى فى الظلمة لا لأن الظلمة سبب لأن ترى هى بالذات ، بل يجب أن يعلم أن بعض الأنوار (٣) يغلب بعضا حتى لا يرى ، كما أن ضوء الشمس يغلب ضوء النار الضعيفة وضوء الكواكب فلا ترى (٤) مضيئة عند ضوء (٥) الشمس فلا ترى ، لا لأجل الحاجة فى رؤيتها إلى الظلمة ، بل للحاجة إلى أن تكون فى أنفسها مضيئة غير مظلمة بالقياس إلى أبصارنا. فإذا كانت الشمس غائبة ظهرت ورؤيت ، لأنها صارت مضية بالقياس إلى أبصارنا والحال (٦) فى أبصارنا. وربما كان حكم النار والقمر عند ضوء ما هو أضعف منهما هذا الحكم بعينه. ويجب فى ذلك الضوء أن لا يكون موجودا (٧) بالقياس إلينا عند ظهور نار أو قمر ، فيلزم أن تكون ظلمة حتى يظهر ، أو يلزم أن لا يكون باهرا (٨) حتى يرى ويتمكن البصر من إدراكه. وأنت تعلم أن الهباء الذي فى الجو ليس من جنس ما لا يرى المستنير منه إلا فى الظلمة ، لكن إن كان الإنسان فى الظلمة وقد وقع على هذه الهباءات شعاع الشمس أمكن أن ترى تلك الهباءات ، وإن (٩) كان الإنسان فى الشعاع لم يمكن ، وذلك لأمر فى بصر الإنسان لا لأمر (١٠) فى ضوء الهباءات ، فإن بصر الإنسان إذا

__________________

(١) رؤى (الأولى والثانية) : رأى ك ، م.

(٢) لأن : أن م.

(٣) الأنوار : الألوان م.

(٤) فلا ترى (الأولى) : ولا ترى ك

(٥) ضوء : ساقطة من ف.

(٦) ولحال : والحال م.

(٧) موجودا : موجود د ؛ موجودة م.

(٨) باهرا : باهر د ، ف.

(٩) وإن : إن م.

(١٠) لا لأمر : لا أمر م.

٩٣

كان مغلوبا بضوء كثير لم يرها ، وإن لم يكن مغلوبا رآها. وكذلك هذه اللوامع فى الليل ليست جنسا آخر ، بل هى المضيئات وتخالفها لا فى جملة الطبع ، بل فى الضعف ، ولو كانت هذه مخالفة للمضيئات فى جملة الطبع ، فالكواكب (١) كذلك. ولا يتحصل لهذه القسمة محصول صادق ، إلا أن يقال : إن بعض المضيئات باهرة لبعض وبعضها مبهورة لبعض. ومعنى ذلك البهر ليس تأثيرا منها (٢) فيها ، بل فى أبصارنا ، كما أن بعض الصلابات أصلب وبعضها أضعف فلا يجب إذن أن يقال : إن اللواتى تلمع فى الليل نوع (٣) أو جنس مفرد خارج عن الملونات والمضيئات ، بل هى من جملة المضيئات التي يبهرها (٤) ما فوقها فى الإضاءة فلا ترى معها لعجز أبصارنا حينئذ ، بل إنما يقوى عليها أبصارنا عند فقدان سلطان الباهرة لأبصارنا من المضيئات.

فإن ذهبوا إلى هذا فالقسمة جيدة ، إلا أنهم ليسوا يذهبون إلى هذا بل يوهمون أن المضيئات طبقة ، والملونات طبقة ، وهذه طبقة.

__________________

(١) فالكواكب : بالكواكب م.

(٢) منها : ساقطة من م.

(٣) نوع : أنواع م.

(٤) يبهرها : يبرها م.

٩٤

الفصل الرابع (١)

فى تأمل مذاهب قيلت فى الألوان وحدوثها

ومما يجب أن نفرغ عنه (٢) تأمل مذهب آخر فى أمر الألوان والضوء ، فإنا (٣) ما لم نفرغ عنه لم يكن سبيل (٤) إلى أن ندل على صحة ما ذهبنا إليه بطريق القسمة.

فنقول : إن من المذاهب فى أمر الألوان مذهب من يرى أن اللون (٥) الأبيض إنما هو (٦) تكونه من الهواء والضوء ، وأن الأسود تكونه من ضد ذلك ، وأن حدوث اللون الأبيض هو من الشفاف إذا انقسم إلى أجزاء صغار ثم ارتكم فإنه يعرض هناك أن تقبل سطوحها النور فتضيء ، (٧) ولأنها شفافة يؤدى بعضها إضاءة بعض ، (٨) ولأنها صغار يكون ذلك فيها كالمتصل ، ولأن المشف لا يرى إلا بلون غيره ، فإن شفيفها لا يرى ، لكن العكوس عن السطوح المتراكمة منها ترى متصلة فيرى الجميع أبيض.

قالوا : ولهذا ما كان زبد الماء أبيض بمخالطة الهواء ، والثلج أيضا أبيض لأنه أجزاء صغار جامدة شفافة خالطها الهواء ونفذ فيها الضوء ، والبلور المسحوق والزجاج المسحوق لا يشف ، وأى هذه اتصلت سطوحها اتصالا لا يبطل (٩) به انفراد كل شخص منها بنفسه عادت شفافة ، والشفاف الكبير الحجم إذا عرض فيه شق رمى (١٠) ذلك الموضع منه إلى البياض. قالوا : فأما السواد فيتخيل لعدم غور الجسم وعمقه الضوء والإشفاف معا.

ومنهم من جعل الماء سببا للسواد. قال : ولذلك إذا بلت (١١) هذه (١٢) الأشياء مالت إلى السواد. قال : (١٣) وذلك لأن الماء يخرج الهواء ولا يشف إشفافه ولا ينفذ فيه

__________________

(١) الفصل الرابع : فصل ٤ ف.

(٢) عنه (الأولى) : منه م

(٣) فإنا : ساقطة من د ، ك ، م.

(٤) سبيل : + لنا ف.

(٥) اللون : الكون م.

(٦) إنما هو : أما م.

(٧) فتضيء : وتضىء د

(٨) بعض : ساقطة من د.

(٩) لا يبطل : يبطلى ف.

(١٠) رمى : رؤى د ، ك ، م.

(١١) بلت : ابتلت ف

(١٢) هذه : ساقطة من د ، ف.

(١٣) قال : قالوا د ، ف ، م.

٩٥

الضوء إلى السطوح فتبقى مظلمة. ومنهم من جعل السواد لونا بالحقيقة وأصل (١) الألوان. قال : ولذلك لا ينسلخ ، وأما البياض فعارض للمشف بتراكمه ولذلك يمكن أن يصبغ. ولا يبعد أن يكون المذهب الأول فى السواد يؤدى إلى هذا المذهب أيضا ، إذ (٢) جعل السواد حقيقة ما لا يشف من جهة ما لا يشف وهو حقيقة اللون المنعكس عنه.

وقال قوم : إن الأسطقسات (٣) كلها مشفة ، وإنها إذا تركبت حدث منها البياض على الصفة المذكورة ، وبأن يكون ما يلى البصر سطوحا مسطحة من المشف فينفذ فيها البصر ، وأن السواد يعرض إذا كان ما يلى البصر من الجسم زوايا تمنع الإشفاف للأطراف التي تقع فيها (٤) فهى وإن أضاءت فبما لا ينفذ فيها الضوء نفوذا جيدا فتظلم. (٥)

والذي يصعب من هذه الجملة فصل القول فيه تولد البياض من الضوء ، وكون (٦) السواد لونا حقيقيا. فإنا نعرف أن المشفات تبيض عند السحق والخلط بالهواء ، وكذلك اللخالخ ، والناطف يبيض لاجتماع احتقان (٧) الهواء فيه مع الإشفاف الذي فى طبعه ، ونعلم أن السواد لا يقبل لونا البتة كما (٨) يقبل (٩) البياض ، فكأن البياض لإشفافه موضوع معر (١٠) ى مستعد ، والمعرى عن الكيفيات قابل لها من غير حاجة إلى إزالة شىء ، والمشغول بواحدة لا يقبل غيرها إلا بزوالها. فهؤلاء قوم يجعلون مخرج الألوان من الإشفاف وغير الإشفاف. وبإزاء هؤلاء قوم آخرون لا يقولون بالإشفاف البتة ، ويرون أن الأجسام كلها ملونة ، وأنه لا يجوز أن يوجد جسم إلا وله لون. ولكن (١١) الثقب والمنافذ الخالية إذا كثرت فى الأجسام نفذ فيها الشعاع الخارج من المضيء إلى الجهة الأخرى ، ونفذ أيضا شعاع البصر فيرى (١٢) ما وراءها. (١٣)

__________________

(١) وأصل : وهو أصل ك ؛ ومن أصل م.

(٢) إذ : إذا ، د ، ك.

(٣) الأسطقسات : الأستقصات ف ، م.

(٤) فيما : فيها د ، ك ، م.

(٥) فتظلم : تظلم د ، ف ، ك.

(٦) وكون : ولون م.

(٧) احتقان : احقان ف.

(٨) كما : + أن د ، ف ، م

(٩) يقبل البياض : البياض يقبل د ، ف ، م.

(١٠) معرى : ومعرى ك.

(١١) ولكن : وليكن م.

(١٢) فيرى : فرؤى د ، ك ، م

(١٣) ما وراءها : ما وراه د ، م.

٩٦

فأما المذهب الأول فإنا نقول : لعمرى إنه قد (١) يظهر من قد المشف وخلطه بالهواء لون أبيض ، ولكن إنما يكون ذلك لا فى جسم متصل ومجتمع ، بل إنما يظهر ذلك اللون فى الركام منه ، وأنه إذا جمع وبل زال عنه البياض عند الاجتماع والجفوف. وليس الجص على ما اظنه ويوجبه غالب ظنى أن ما (٢) يبيض بياضه لذلك فقط ، بل لأن انطبخ يجعله بحيث إذا بل ثم جف ابيض بياضا شديدا بمزاج (٣) يحدث فيه. والدليل على ذلك أنه لو كان فعل النار فى الجص ليس إلا تسهيل التفريق ، وأن (٤) تسهيل التفريق (٥) قد يوصل إلى الهيئة التي ذكر أنها سبب لكون البياض ، لكان السحق الكثير المؤدى إلى غاية تصغير الأجزاء يفعل ذلك الفعل فى الجص وفى النورة وفى غيره ، ولكان المهيئ بالسحق والتصويل إذا اجتمع بالماء فعل فعل الجص من البياض ، (٦) وليس كذلك.

ثم لنفرض أن الجص يتكون (٧) فيه ذلك البياض على الصورة المذكورة ، فليس كل بياض يحدث على هذه الصفة ، فإن البيض إذا سلق يصير بياضه الشفاف أبيض وليس يمكن أن يقال إن النار زادته تخلخلا وتفرقا (٨) فإنها (٩) قد زادته (١٠) (١١) تكاثفا على حال ، ولا أنه قد حدثت فيه هوائية وخالطته. فأول (١٢) ذلك أن بياض البيض يصير عند الطبخ أثقل وذلك لما (١٣) يفارقه من الهوائية. وثانيا أنه لو كانت هوائية داخلت رطوبته فبيضته لكانت خثورة لا انعقادا ، وقد علمت هذا قبل. وأيضا فإن الدواء الذي يتخذه أهل الحيلة ويسمونه لبن العذراء يكون من خل طبخ فيه المرداسنج حتى انحل فيه ، ثم صفى حتى بقى الخل فى غاية الإشفاف والبياض ، وخلط بماء طبخ فيه القلى ، وصفى غاية التصفية حتى صار كأنه دمعة. فإنه إن قصر فى هذا لم يلتئم منهما المزاج الذي يطلبونه. فكما (١٤) يخلط هذان الماءان ينعقد فيه المنحل الشفاف من المرتك أبيض فى غاية البياض كاللبن الرائب ، ثم يجف ، فليس ذلك لأن هناك شفافا

__________________

(١) قد : ساقطة من م.

(٢) أن ما : إنما م.

(٣) شديدا بمزاج : شديد المزج م.

(٤) وأن : فإن ف

(٥) وأن تسهيل التفريق : ساقطة من د ، م.

(٦) البياض : ساقطة من م.

(٧) يتكون : متكون ف.

(٨) وتفرقا : وتفريقا ف

(٩) فإنها : فإنه د ، ك ، م

(١٠) زادته (الثانية) : زاده د ؛ زاد م

(١١) تكاثفا : تكاثف م.

(١٢) فأول : وأول د.

(١٣) لما : بما ك.

(١٤) فكما : وكما م.

٩٧

عرض له التفرق ، فإن ذلك كان متفرقا منحلا فى الخل ولا أجزاء مشفة صغارا (١) جدا تدانت وتقاربت ، بل إن كان ولا بد فقد ازدادت فى ماء القلى نفرقا ولا أيضا خالطها هواء من (٢) خارج بوجه من الوجوه ، بل ذلك على سبيل الاستحالة ، فليس كل تولد بياض فيما أحسب (٣) على الصفة المذكورة.

ولو لم (٤) يكن البياض إلا ضوءا والسواد إلا ما قيل ، لم يكن تركيب السواد والبياض إلا آخذا مسلكا واحدا. بيان (٥) هذا أن البياض يتجه إلى السواد قليلا قليلا من طرق ثلاثة : أحدها طريق (٦) الغبرة وهو الطريق الساذج ، فإنه إذا كان السلوك ساذجا يتوجه (٧) إلى الغبرة ثم منها إلى العودية ، ثم كذلك حتى اسود. فيكون سالكا طريقا لا يزال يشتد فيه السواد وحده يسيرا يسيرا حتى (٨) يمحض. والثاني الطريق الأخذ إلى الحمرة ، ثم إلى القتمة ، (٩) ثم إلى السواد. والثالث الطريق الآخذ إلى الخضرة ، ثم إلى النيلية ، ثم إلى السواد. وهذه الطرق إنما يجوز اختلافها ، لجواز اختلاف ما تتركب عنه الألوان المتوسطة. فإن لم يكن إلا بياض وسواد ، ولم يكن أصل البياض إلا الضوء وقد استحال ببعض هذه الوجوه ، لم (١٠) يمكن فى تركيب البياض والسواد إلا الأخذ فى طريق واحد لا يقع الاختلاف إلا (١١) فيه (١٢) وقوعا بحسب النقص والاشتداد فيه فقط ، ولم تكن طرق مختلفة. فإن كانت طرق مختلفة ، (١٣) فيجب أن يكون شوب من غير البياض والسواد مع أن يكون شوبا من مرئى وليس فى الأشياء شىء يظن أنه مرئى ، وليس سوادا ولا بياضا ولا مركبا منهما إلا الضوء عند من يجعل الضوء شيئا غيرهما. فإن بطل مذهبه امتنع استحالة الألوان فى طرق شتى ، وإن أمكنت (١٤) هذه الاستحالة

__________________

(١) صغارا : صغار م.

(٢) من (الأولى) : ساقطة من م.

(٣) أحسب : حسب ك.

(٤) ولو لم : ولم م.

(٥) بيان : بأن م.

(٦) الطريق : طريق م.

(٧) يتوجه : + منها ك ، م.

(٨) حتى : ساقطة من م.

(٩) القتمة : القيمة م.

(١٠) لم : ولم ك.

(١١) إلا فيه : فيه إلا ك

(١٢) إلا : ساقطة من م.

(١٣) فإن ... مختلفة : ساقطة من م.

(١٤) أمكنت : أمكنه م.

٩٨

وجب أن يكون مرئى ثالث خارج عن أحكام البياض والسواد ، ولا وجه أن يكون هذا المرئى الثالث موجودا إلا أن يجعل الضوء غير اللون. فمن هاهنا يمكن أن تركب (١) الألوان فيكون البياض والسواد إذا اختلطا وحدهما كانت الطريقة هى طريقة الاغبرار لا غير ، (٢) فإن خالط السواد ضوء فكان (٣) مثل الغمامة التي تشرق عليها الشمس ومثل الدخان الأسود تخالطه النار ، كان حمرة إن كان السواد غالبا ، أو صفرة إن كان السواد مغلوبا وكان (٤) هناك (٥) غلبة بياض مشرق. ثم إن كان هناك صفرة خلطت بسواد ليس (٦) فى أجزائه إشراق حدثت (٧) الخضرة. وبالجملة إذا كان الأسود أبطن والمضيء أظهر والحمرة بالعكس ، ثم إن (٨) كان السواد غالبا فى الأول كانت قتمة ، وإن كان السواد غالبا فى الثاني كانت كراثية تلك الشديدة التي لا اسم لها ، وإن خلط ذلك ببياض كانت كهوبة زنجارية ، وإن (٩) خلط بالكراثية سواد وقليل حمرة كانت نيلية ، وإن خلطت (١٠) بالحمرة نيلية كانت أرجوانية. فبهذا يمكن تأليف الألوان سواء كان بامتزاج الأجرام أو بامتزاج الكيفيات ، ولو كانت هذه لا تكون إلا باختلاط الأجسام.

وقد علم أن السواد (١١) لا يصبغ منه الضوء بالعكس جسما البتة أسود لكان يجب أن تكون الألوان الخضر والحمر إنما ينعكس منها البياض ولا ينعكس من الأجزاء السود شىء ، وخصوصا وهى ضعيفة منكسرة. فإن قيل : فقد نراها تنعكس عن المخلوط. فالجواب أن ذلك لأن الخلط يوجب الفعل والانفعال ، ويجب بسبب ذلك امتزاج الكيفية سواء (١٢) فعلته الصناعة أو الطبيعة. على أن الطبيعة تقدر على الامتزاج (١٣) الذي على سبيل الاستحالة ، والصناعة لا تقدر عليه ، بل تقدر على الجمع. (١٤) فربما أوجبت الطبيعة بعد ذلك استحالة. والطبيعة تقدر على تلطيف المزج (١٥) الذي على سبيل

__________________

(١) تركب : تتركب ف.

(٢) لا غير : ساقطة من د ، ف ، م

(٣) فكان : وكان م.

(٤) كان (الأولى) : فكان ك.

(٥) هناك : ساقطة من د.

(٦) ليس : + له ف ، م

(٧) حدثت : حديث م.

(٨) إن : ساقطة من م.

(٩) وإن (الثانية): + كان د.

(١٠) خلطت : خلط د ، ف ، م.

(١١) السواد : الأسواد د ؛ الأسود ف ، م.

(١٢) سواء : وسواء ف ، ك ، م

(١٣) الامتزاج : المزاج ، د ، ف ، م.

(١٤) الجمع : الجميع ك ، م

(١٥) المزج : المزاج ف ، م.

٩٩

الخلط وتصغير الأجزاء ، والصناعة تعجز عن ذلك الاستقصاء. والطبيعة لا تتناهى مذاهبها فى القسمة والنسبة قوة وفعلا ، والصناعة لا يمكن أن تخرج جميع ما فى الضمير منها إلى الفعل.

فقد بان من هذا أن البياض بالحقيقة فى الأشياء ليس بضوء. ثم لسنا نمنع أن يكون للهواء تأثير فى أمر التبييض ، ولكن ليس على الوجه الذي يقولون ، بل بإحداث المزاج المبيض. (١) ولذلك ليس لنا أن نقول : إن بياض الناطف كله من الجهة التي يقولون ، بل من المزاج ، فإن الهواء يوجب لونا أبيض لا بحسب المخالطة فقط ، بل بحسب الإحالة أيضا. ولو كان مذهبهم صحيحا لكان يمكن أن يبلغ بالشيء الأبيض والملون بشدة الترقيق (٢) حتى يذهب تراكمه إلى أن يشف أو إلى قريب منه ، وهذا مما لا يكون. وأما قولهم : إن الأسود غير قابل للون آخر ، فإما أن يعنوه على سبيل الاستحالة أو على سبيل الصبغ. فإن عنوا على سبيل الاستحالة ، فقد كذبوا ، ومما يكذبهم الشباب والشيب. وإن عنوا على سبيل الصبغ ، فلذلك حال مجاورة لا حال كيفية. فلا يبعد أن يكون الشىء المسود لا يكون مسودا إلا وفيه قوة نافذة متعلقة قباضة. فيخالط ، (٣) وينفذ ويلزم ، وأن يكون ما هو موجود فى الأشياء أبيض (٤) بخلاف ذلك فى طبعه ، فلا يمكنه أن يغشى الأسود ويداخله ويلزمه. على أن ذلك ليس أيضا مما لا يمكن ، فإنه إذا احتيل بمثل الاسفيداج وغيره حيلة (٥) ما حتى يغوص ويتخلل (٦) السواد صبغه أبيض.

وأما المذهب (٧) الثاني فإن ذلك المذهب لا يستقيم القول به إلا إذا فرض الخلاء موجودا وذلك لأن المسام التي يذكرونها لا يخلو إما أن تكون مملوءة من جسم أو تكون خالية. فإن كانت مملوءة من جسم ، فإما أن يكون ذلك الجسم يشف من غير مسام ، (٨) أو تكون له أيضا مسام ، وينتهى لا محالة : إما إلى مشف لا مسام له ، وهذا خلاف قولهم. وإما إلى خلاء ، فيكون مذهبهم يقتضى وجود الخلاء ، والخلاء غير موجود. ثم بعد ذلك فإنهم يقولون : إنه ليس كل مسام

__________________

(١) المبيض : التبيض د ، م ؛ للتبييض ك.

(٢) الترقيق : الرفق م.

(٣) فيخالط : فتخالطه ك.

(٤) أبيض : البيض ك.

(٥) حيلة : ساقطة من م

(٦) ويتخلل : ويحلل د ، ب.

(٧) المذهب : المذاهب م.

(٨) مسام : سام ك.

١٠٠