🚘

الشّفاء ـ طبيعيّات

أبو علي حسين بن عبد الله بن سينا [ شيخ الرئيس ابن سينا ]

الشّفاء ـ طبيعيّات

المؤلف:

أبو علي حسين بن عبد الله بن سينا [ شيخ الرئيس ابن سينا ]


المحقق: الدكتور محمود قاسم
الموضوع : العلوم الطبيعيّة
الناشر: منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي
المطبعة: گل‌وردى
الطبعة: ٢
ISBN: 978-600-161-072-1
الصفحات: ٢٧٦
🚘 الجزء ١ 🚘 الجزء ٢ [٢] 🚘 الجزء ٢ [٤] 🚘 الجزء ٢ [٦] 🚘 الجزء ٢ [٨] 🚘 الجزء ٣
🚘 نسخة غير مصححة

الغاية القصوى ، ثم العقل بالفعل يخدمه العقل بالملكة ، والعقل الهيولانى بما فيه من الاستعداد يخدم العقل بالملكة. ثم العقل العملى يخدم جميع هذه. (١) لأن العلاقة البدنية كما سيتضح بعد لأجل تكميل العقل النظرى وتزكيته وتطهيره ، والعقل (٢) العملى هو مدبر تلك العلاقة. ثم العقل العملى يخدمه الوهم ، والوهم تخدمه قوتان : قوة بعده وقوة قبله. فالقوة التي بعده هى القوة التي تحفظ ما أداه الوهم إليها (٣) أى الذاكرة ، والقوة التي قبله هى جميع القوى الحيوانية. ثم المتخيلة تخدمها قوتان مختلفتان المأخذين : فالقوة النزوعية تخدمها بالائتمار لأنها تبعثها على التحريك نوعا من البعث ، والقوة الخيالية تخدمها بعرضها الصور المخزونة فيها المهيأة لقبول التركيب والتفصيل ، ثم هذان رئيسان (٤) لطائفتين ، أما القوة الخيالية فتخدمها فنطاسيا ، (٥) وفنطاسيا (٦) تخدمها الحواس الخمس. وأما القوة النزوعية فتخدمها الشهوة والغضب ، والشهوة والغضب تخدمهما القوة المحركة فى العضل ، فههنا تفنى القوى الحيوانية. ثم القوى الحيوانية تخدمها النباتية وأولها ورأسها المولدة. ثم النامية تخدم المولدة. ثم الغاذية تخدمها جميعا. ثم القوى الطبيعية الأربع تخدم هذه ، والهاضمة منها تخدمها الماسكة من جهة والجاذبة من جهة ، والدافعة تخدم جميعها. (٧) ثم الكيفيات الأربع تخدم جميع ذلك. لكن الحرارة تخدمها البرودة ، فإنها إما أن تعد للحرارة مادة أو تحفظ ما هيأته الحرارة ، ولا مرتبة للبرودة فى القوى الداخلة فى الأعراض الطبيعية إلا منفعة تابع تال (٨) ، وتخدمها جميعها (٩) اليبوسة والرطوبة ، وهناك آخر درجات القوى. (١٠)

__________________

(١) هذه : هذا د ، ف.

(٢) والعقل : والعقلى م.

(٣) اليها : ساقطة من ف.

(٤) رئيسان : رئيستان م

(٥) فنطاسيا : بنطاسيا د

(٦) وفنطاسيا : بنطاسيا د.

(٧) جميعها : جميعا د.

(٨) تال : وتال ك

(٩) جميعها : جميعا د ، ف.

(١٠) القوى : + تمت المقالة الأولى من الفن السادس من الطبيعيات من كتاب النفس بحمد الله وحسن توفيقه د ؛ + تمت المقالة الأولى من الفن السادس من الطبيعيات والحمد لله رب العالمين م.

٤١
٤٢

المقالة الثانية (١)

خمسة فصول (٢)

__________________

(١) الثانية : + من الفن السادس وهى د ؛ + وهى ك.

(٢) خمسة فصول : ساقطة من ف ؛ (تذكر نسختا د ، ك عناوين الفصول الخمسة).

٤٣
٤٤

الفصل الأول (١)

فى تحقيق القوى المنسوبة إلى النفس النباتية (٢)

فلنبدأ بتعريف حال القوى المذكورة قوة قوة ، ولنعرفها (٣) من جهة أفعالها. وأول ذلك (٤) أفعال القوى النباتية ، وأولها حال التغذية. فنقول : قد علمت فيما سلف نسبة الغذاء إلى المغتذى وحد كل واحد منهما وخاصيته. فنقول الآن : إن الغذاء ليس إنما يستحيل دائما إلى طبيعة المغتذى دفعة ، بل (٥) أولا يستحيل استحالة ما عن كيفيته ويستعد للاستحالة إلى جوهر المغتذى ، فتفعل فيه قوة من خدم القوة الغاذية وهى الهاضمة ، وهى التي تذيب الغذاء فى الحيوان وتعده للنفوذ المستوى ، (٦) ثم إن القوة الغاذية (٧) تحيله فى الحيوان الدموى أول الإحالة إلى الدم والأخلاط التي منها قوام البدن على ما بينا فى مواضع أخرى. وكل (٨) عضو فإنه يختص بقوة غاذية تكون فيه وتحيل الغذاء إلى مشابهته الخاصة فتلصقه به. فالقوة الغاذية تورد البدل ، أى بدل ما يتحلل وتشبه وتلصق. وإنه (٩) وإن كان الغذاء أكثر منافعه أنه يقوم بدل ما يتحلل ، فإنه ليست الحاجة إلى الغذاء لذلك فقط ، بل قد تحتاج إليه الطبيعة فى أول الأمر للتربية ، وإن (١٠) كان بعد ذلك إنما يحتاج إلى وضعه موضع المتحلل فقط. فالقوة الغاذية من قوى (١١) النفس النباتية تفعل فى جميع مدة بقاء الشخص وما دامت (١٢)

__________________

(١) الفصل الأول : فصل ا ف.

(٢) النباتية : ساقطة من د.

(٣) ولنعرفها : لنعرفها م.

(٤) ذك : تلك م.

(٥) بل : ساقطة من د.

(٦) المستوى : المستولى م

(٧) الغاذية : ساقطة من د.

(٨) وكل : فكل م.

(٩) وإنه : فإنه ك.

(١٠) وإن : فإن م.

(١١) قوى : القوى م

(١٢) وما دامت : وهى ما دامت ك ، م.

٤٥

موجودة تفعل أفاعيلها وجد النبات والحيوان باقيين ، فإن (١) بطلت لم يوجد النبات والحيوان باقيين (٢). وليس كذلك حال سائر القوى النباتية. والنامية تفعل فى أول كون الحيوان فعلا ليس هو التغذية فقط ، وذلك لأن غاية التغذية ما حددناه ، وأما هذه القوة فإنها توزع الغذاء على خلاف مقتضى القوة الغاذية ، وذلك لأن الذي للقوة الغاذية لذاتها أن تؤتى كل عضو من الغذاء بقدر عظمه وصغره وتلصق به من الغذاء بمقداره الذي له على السواء. وأما القوة النامية فإنها تسلب جانبا من البدن من الغذاء ما يحتاج إليه لزيادة فى جهة أخرى فتلصقه بتلك الجهة لتزيد تلك الجهة فوق زيادة جهة أخرى مستخدمة للغاذية فى جميع ذلك. ولو كان الأمر إلى الغاذية لسوت بينها أو لفضلت الجهة التي نقصتها (٣) النامية. مثال ذلك أن الغاذية إذا انفردت وقوى فعلها وكان ما تورد أكثر مما يتحلل فإنها تزيد فى عرض الأعضاء وعمقها زيادة ظاهرة بالتسمين ، ولا تزيد فى الطول زيادة يعتد بها. وأما المربية فإنها تزيد فى الطول أكثر كثيرا مما تزيد فى العرض ، والزيادة فى الطول أصعب من الزيادة فى العرض ، وذلك لأن الزيادة فى الطول يحتاج فيها إلى تنفيذ الغذاء فى الأعضاء الصلبة من العظام والعصب تنفيذا (٤) فى أجزائها طولا لتنميها وتبعد بين أطرافها. والزيادة فى العرض قد تغنى فيها تربية اللحم وتغذية العظم أيضا عرضا من غير حاجة إلى تنفيذ شىء كثير فيه وتحريكه. وربما كانت أعضاء هى فى أول النشوء صغيرة وأعضاء هى فى أول النشوء كبيرة ، ثم يحتاج فى آخر النشوء أن يصير ما هو أصغر أكبر وما هو أكبر أصغر ؛ فلو كان التدبير إلى الغاذية لكان يستمر ذلك على نسبة واحدة. فالقوة الغاذية من حيث هى غاذية تأتى بالغذاء وتقتضى إلصاقه بالبدن على النحو المستوى أو القريب من المستوى. وعلى الوجه الذي فى الطبع (٥) أن تفعله عند الاسمان. وأما النامية فتوعز إلى الغاذية بأن تقسم ذلك الغذاء وتنفذه إلى حيث تقتضى التربية خلافا لمقتضى الغاذية ، (٦) والغاذية تخدمها فى ذلك ، لأن الغاذية لا محالة هى

__________________

(١) فإن : وإن ك.

(٢) فإن بطلت ... باقيين : ساقطة من م.

(٣) نقصتها : نقتضيها م.

(٤) تنفيذا : وتنفيذ م.

(٥) الطبع : طبعها ف.

(٦) والغاذية : ساقطة من م.

٤٦

الملصقة ؛ لكنها تكون متصرفة تحت تصريف القوة المربية. والقوة المربية إنما تنحو نحو تمام النشوء. وأما المولدة فلها فعلان : أحدهما تخليق البزر وتشكيله وتطبيعه ، والثاني إفادة أجزائه فى الاستحالة الثانية صورها من القوى والمقادير والأشكال والأعداد والخشونة والملاسة وما يتصل بذلك متسخرة تحت تدبير المتفرد (١) بالجبروت ، فتكون الغاذية تمدها بالغذاء ، والنامية تخدمها بالتمديدات المشاكلة فهذا الفعل يتم منها فى أول تكون الشىء ثم يبقى التدبير مفوضا إلى النامية والغاذية ، فإذا كاد (٢) فعل النامية يستتم فحينئذ تنبعث القوة المولدة فى توليد البزر والمنى لتسكنها (٣) القوة التي هى من جنسها مع الخادمتين. (٤)

وبالجملة فإن القوة الغاذية مقصودة ليحفظ بها جوهر الشخص ، والقوة النامية مقصودة ليتم بها جوهر الشخص ، والقوة (٥) المولدة مقصودة ليستبقى بها النوع ، إذ (٦) كان حب (٧) الدوام أمرا فائضا من الإله تعالى (٨) على كل شىء ، فما لم يصلح أن يبقى بشخصه ويصلح أن يبقى بنوعه فإنه تنبعث فيه قوة إلى استجلاب بدل يعقبه ليحفظ به نوعه. فالغاذية تورد بدل ما يتحلل من الشخص ، والمولدة تورد بدل ما يتحلل من النوع.

وقد ظن بعضهم أن الغاذية نار ، لأن النار تغتذى وتنمو. (٩) وقد أخطأ من وجهين : أحدهما من جهة أن الغاذية ليست تغتذى (١٠) بنفسها ، بل تغذى البدن وتنميه ، والنار إن كانت تغتذى فهى إنما تغتذى وتنمى نفسها. (١١) ومن وجه آخر أن النار ليست تغتذى ، بل تتولد شيئا بعد شىء ويطفأ ما تقدم. ثم لو كانت تغتذى وكان (١٢) حكمها حكم غذاء الأبدان ، لما كان يجب أن يكون للأبدان وقوف فى النمو. فإن النار ما دامت تجد مادة لم تقف ، بل تذهب (١٣) إلى غير نهاية.

__________________

(١) المتفرد : المنفرد ف.

(٢) كاد : كان ك ، م.

(٣) لتسكنها : لتسكنهما ف

(٤) الخادمتين : الخادمين م.

(٥) النامية ... والقوة : ساقطة من م.

(٦) إذ : إذا م

(٧) حب : ساقطة م.

(٨) تعالى : ساقطة من ف.

(٩) وتنمو : وتنمى م.

(١٠) تغذى : تغذو ف.

(١١) نفسها : بنفسها د ، ف.

(١٢) وكان : فكان ك ، م.

(١٣) تذهب : تزيدت د ، ف.

٤٧

وأعجب من هذا ما قال صاحب هذا القول : إن الأشجار تعرق من أسفل لأن الأرضية تتحرك إلى أسفل وتتفرع (١) إلى فوق ، لأن النار تتحرك إلى فوق. فأول غلطه هو أن كثيرا من النبات أغصانه أثقل من عروقه. وثانيا أنه لم لا ينفصل بهذه الحركة فيفارق الثقيل الخفيف. فإن كان ذلك لتدبير النفس فليجعل التعريق والتفريع أيضا للنفس ، وعلى أنه يشبه أن يكون الفوق فى النبات حيث رأسه ، ورأس النبات عروقه ومنه منشؤه ، ثم إن آلة هذه القوة الأولية هى الحار الغريزى ، فإن الحار هو المستعد لتحريك المواد ويتبعه (٢) البرد لتسكينها عند الكمالات من الخلق (٣) محتوية (٤) عليها. وأما من الكيفيات المنفعلة فآلتها الأولية الرطوبة ، فإنها هى التي تتخلق وتتشكل ، وتتبعها اليبوسة فإنها تحفظ الشكل وتفيد التماسك. والقوة النباتية التي فى الحيوان جسما فإنها تولد جسما حيوانيا ، وذلك لأنها نباتية تتعلق بها قوة الحيوان ، وهى (٥) الفصل الذي لها مما يشاركها فى كونها ذات قوة التغذية والنمو ، فتمزج (٦) الأركان والعناصر مزاجا يصلح للحيوان. إذ ليس تتولى مزاجها القوة المشتركة بين النبات والحيوان من حيث هى مشتركة ، فإنها من حيث هى مشتركة لا توجب مزاجا خاصا ، بل إنما توجب مزاجا خاصا فيها لأنها مع أنها غاذية هى أيضا حيوانية فى طباعها أن تحس وتحرك (٧) إذا حصلت الآلة ، وهى بعينها حافظة لذلك التأليف والمزاج حفظا ، وإذا أضيف إلى ذوات التأليف كان قسريا ، (٨) لأنه ليس من طباع العناصر والأجسام المتضادة أن تأتلف لذاتها ، بل من طباعها الميل إلى جهات مختلفة ، وإنما تؤلفها النفس الخاصة. مثلا فى النخلة نفس نخلية ، وفى العنب نفس عنبية ، وبالجملة النفس التي تكون صورة لتلك المادة. والنفس إذا صارت نخلية كان لها مع أنها نفس النمو زيادة أنها نفس نخلية ، وفى العنب أنها نفس عنبية ، وليست النخلة (٩) تحتاج إلى

__________________

(١) وتتفرع : وتفرع د ، م ؛ وتفترع ف.

(٢) ويتبعه : ويتبعها د ، ك ، م

(٣) الخلق : الحق د

(٤) محتوية : مختومة د ، ف.

(٥) وهى : وهو ك ، م.

(٦) فتمزج : فتمتزج ك.

(٧) وتحرك : وتتحرك م.

(٨) قسريا : قسيريا ك.

(٩) النخلة : النخلية ك.

٤٨

نفس نباتية ونفس أخرى تكون بتلك النفس نخلة ، وإن كان ليس لها أفعال خارجة عن أفعال النبات ، بل تكون نفسها (١) النباتية فى نباتيتها أنها نخلية.

وأما النفس النباتية التي فى الحيوان فإنها تعد خلقة الحيوان (٢) نحو أفعال غير أفعالها وحدها من حيث هى نباتية ، فهى مدبرة نفس حيوانية ، بل هى بالحقيقة غير نفس نباتية ، اللهم إلا أن يقال إنها نفس نباتية بالمعنى الذي ذكرنا أعنى العام. فالفصل (٣) المقوم لنوعية (٤) نفس من النفوس النباتية أعنى الفصول التي لنبت ما دون نبت (٥) لا يكون إلا مبدأ فعل (٦) نباتى مخصص فقط. (٧) وأما النفس النباتية الحيوانية (٨) ففصلها (٩) القاسم إياها المقوم لنوع نوع تحتها هو قوة النفس الحيوانية المقارنة لها التي تعد لها البدن ، وهو فصل على نحو الفصول التي تكون للبسائط لا التي تكون (١٠) للمركبات.

وأما النفس الإنسانية فلا تتعلق بالبدن تعلقا صوريا كما نتبين ، فلا يحتاج أن يعد لها عضو. نعم قد تتميز الحيوانية التي لها ، عن سائر الحيوانات ، وكذلك الأعضاء المعدة لحيوانيتها أيضا.

__________________

(١) نفسها : نفس ك.

(٢) الحيوان : + تنحو ك.

(٣) فالفصل : بالفصل م

(٤) لنوعية : الذي عنه د ، ف ، م.

(٥) نبت : ما د ، ف ، م

(٦) فعل : فصل م

(٧) فقط : ساقطة من م.

(٨) النباتية الحيوانية : النباتى الحيوانى د ، ك

(٩) ففصلها : ففصله د.

(١٠) تكون : ساقطة م م.

٤٩

الفصل الثاني (١)

فى تحقيق أصناف الإدراكات التي لنا

فلنتكلم (٢) الآن فى القوى الحاسة والدراكة ، ولنتكلم فيها كلاما كليا فنقول : يشبه أن يكون كل إدراك إنما هو أخذ صورة المدرك بنحو من الأنحاء ، فإن كان الإدراك إدراكا لشىء مادى فهو أخذ صورته مجردة عن المادة تجريدا ما ، إلا أن (٣) أصناف التجريد مختلفة ومراتبها (٤) متفاوتة ، فإن الصورة المادية تعرض لها بسبب المادة أحوال وأمور ليست هى لها بذاتها من جهة ما هى تلك الصورة فتارة يكون النزع (٥) عن المادة نزعا (٦) مع تلك العلائق كلها أو بعضها ، وتارة يكون النزع نزعا كاملا. وذلك بأن يجرد المعنى عن المادة وعن اللواحق التي له (٧) من جهة المادة. مثاله إن الصورة الإنسانية والماهية الإنسانية طبيعة لا محالة تشترك فيها أشخاص النوع كلها بالسوية ، وهى بحدها شىء واحد وقد عرض لها أن وجدت فى هذا الشخص وذلك الشخص فتكثرت. وليس لها ذلك من جهة طبيعتها الإنسانية. ولو كان (٨) للطبيعة (٩) الإنسانية ما يجب فيها التكثر لما كان يوجد إنسان محمولا (١٠) على واحد بالعدد ولو كانت الإنسانية موجودة لزيد لأجل أنها إنسانيته ، (١١) لما كانت لعمرو. فإذن أحد (١٢) العوارض التي تعرض للإنسانية من جهة المادة هو (١٣) هذا النوع من التكثر والانقسام. ويعرض لها أيضا غير هذا (١٤) من العوارض ، وهو أنها

__________________

(١) الفصل الثاني : فصل ٢ ف.

(٢) ولنتكلم : ساقطة من ك.

(٣) إلا أن : لأن ك ، م

(٤) ومراتبها : ومراتبه م.

(٥) النزع : النوع د

(٦) نزعا : نوعا د.

(٧) له : لها د ، ك ، م.

(٨) ولو كان : وكان د ؛ ولو كانت ك ، م

(٩) للطبيعة : لطبيعة د.

(١٠) محمولا : محمول م :

(١١) إنسانيته : إنسانية د ، ك ، م.

(١٢) أحد : إحدى د ، ك

(١٣) هو : هى د ، ك ، م.

(١٤) هذا : هذه د ، ك.

٥٠

إذا كانت فى مادة ما حصلت بقدر من الكم والكيف والوضع والأين ، وجميع هذه أمور غريبة عن طبائعها ، (١) وذلك لأنه لو كانت الإنسانية هى على هذا الحد أو حد آخر من الكم والكيف والأين والوضع (٢) لأجل أنها إنسانية ، لكان يجب أن يكون كل إنسان مشاركا للآخر فى تلك المعانى. ولو كانت لأجل الإنسانية على حد آخر وجهة أخرى من الكم والكيف والأين والوضع ، لكان كل إنسان يجب أن يشترك فيه. فإذن الصورة الإنسانية بذاتها غير مستوجبة أن يلحقها شىء من هذه اللواحق العارضة لها ، بل من جهة المادة ، لأن المادة التي تقارنها تكون قد لحقتها هذه اللواحق فالحس (٣) يأخذ الصورة عن المادة مع هذه اللواحق ، (٤) ومع وقوع نسبة بينها وبين المادة ، إذا زالت تلك النسبة بطل ذلك الأخذ ، وذلك لأنه لا ينزع الصورة عن المادة مع جميع لواحقها ، ولا يمكنه أن يستثبت تلك الصورة إن غابت المادة ، فيكون كأنه لم ينتزع (٥) الصورة إن غابت المادة ، فيكون كأنه لم ينتزع الصورة عن المادة نزعا محكما ، بل يحتاج إلى وجود المادة أيضا فى أن تكون تلك الصورة موجودة (٦) له (٧). وأما الخيال والتخيل فإنه يبرئ الصورة المنزوعة عن المادة تبرئة أشد. وذلك لأنه يأخذها عن المادة بحيث لا تحتاج فى وجودها فيه إلى وجود مادتها. لأن المادة وإن غابت عن الحس (٨) أو بطلت ، فإن الصورة تكون ثابتة الوجود فى الخيال ، فيكون أخذه إياها (٩) قاصما للعلاقة (١٠) بينها وبين المادة قصما تاما ، إلا أن الخيال لا يكون قد جردها عن اللواحق المادية ، فالحس لم يجردها عن المادة تجريدا تاما ولا جردها عن لواحق المادة. وأما الخيال فإنه قد جردها عن المادة تجريدا تاما ، ولكن لم يجردها البتة عن لواحق المادة ، (١١) لأن الصورة التي فى الخيال هى على حسب الصورة المحسوسة ، وعلى تقدير ما وتكييف ما ووضع ما. وليس (١٢) يمكن فى الخيال

__________________

(١) طبائعها : طباعها ف.

(٢) والوضع : والواضع م.

(٣) فالحس : والحس د

(٤) فالحس ... اللواحق : ساقطة من م.

(٥) الصورة ... ينتزع ساقطة من د ، ف ، م.

(٦) موجودة : الموجودة م

(٧) له : لها م.

(٨) عن الحس : ساقطة من ف ، م.

(٩) أخذه إياها : أخذها د ، أخذها إياها م

(١٠) للعلاقة : العلاقة د.

(١١) تجريدا ... المادة : ساقطة من م.

(١٢) وليس : ليس م.

٥١

البتة أن تتخيل صورة هى بحال يمكن أن يشترك فيها (١) جميع أشخاص ذلك النوع ، فإن الإنسان المتخيل يكون كواحد من الناس ، ويجوز (٢) أن يكون ناس موجودين (٣) ومتخيلين (٤) ليسوا (٥) على نحو ما يتخيل (٦) خيال ذلك الإنسان. وأما الوهم فإنه قد يتعدى قليلا هذه المرتبة فى التجريد ، لأنه ينال المعانى التي ليست هى فى ذاتها بمادية ، وإن عرض لها أن تكون فى مادة. وذلك لأن الشكل واللون والوضع وما أشبه ذلك أمور لا يمكن أن تكون إلا لمواد جسمانية وأما الخير والشر والموافق والمخالف وما أشبه ذلك ، فهى أمور فى أنفسها (٧) غير مادية ، وقد يعرض لها أن تكون مادية. والدليل على أن هذه الأمور غير مادية ، أن هذه الأمور لو كانت بالذات مادية لما كان يعقل خير وشر أو موافق ومخالف (٨) إلا عارضا لجسم ، وقد يعقل ذلك بل يوجد.

فبين أن هذه الأمور هى فى أنفسها غير مادية ، وقد عرض لها إن كانت مادية ، والوهم إنما ينال ويدرك أمثال هذه الأمور. فإذن الوهم قد يدرك أمورا غير مادية. ويأخذها عن المادة ، كما يدرك أيضا معانى غير محسوسة وإن كانت مادية. فهذا النزع إذن أشد استقصاء وأقرب إلى البساطة من النزعين الأولين ، إلا أنه مع ذلك لا يجرد هذه الصورة عن لواحق المادة ، لأنه يأخذها جزئية وبحسب مادة مادة ، (٩) وبالقياس إليها ، ومتعلقة بصورة محسوسة مكنوفة بلواحق المادة وبمشاركة الخيال فيها. وأما القوة التي تكون الصوره (١٠) المثبتة (١١) فيها ، إما صور (١٢) موجودات ليست بمادية البتة ولا عرض لها أن تكون مادية ، أو صور موجودات مادية ولكن مبرأة عن علائق المادة من كل وجه ، فبين أنها تدرك الصور بأن تأخذها أخذا مجردا عن المادة من كل وجه. فأما (١٣) ما هو متجرد بذاته (١٤) عن المادة فالأمر فيه ظاهر ، وأما ما هو موجود

__________________

(١) فيها : فيه د ، ف ، ك.

(٢) ويجوز : وليس يجوز د.

(٣) موجودين : موجودون م

(٤) ومتخيلين : متخيلين د ، ف ؛ ومتخيلون م

(٥) ليسوا : ساقطة من د

(٦) يتخيل : تخيل م.

(٧) أنفسها : نفسها م.

(٨) خير وشر أو موافق ومخالف : خير أو شر أو موافق ومخالف د ؛ خير أو شر أو موافق أو مخالف ك ، م.

(٩) مادة مادة : مادة د ، ك.

(١٠) الصور : الصورة ك.

(١١) المثبتة : المستثبتة ف ، م

(١٢) صور : صورة م.

(١٣) فأما : أما د ، م

(١٤) بذاته : بذاتها م.

٥٢

للمادة إما لأن وجوده مادى ، وإما عارض له ذلك فتنزعه (١) عن المادة وعن لواحق المادة معها ، (٢) وتأخذه (٣) أخذا مجردا ، حتى يكون مثل الإنسان الذي يقال على (٤) كثيرين ، وحتى يكون قد أخذ لكثير طبيعة واحدة ، وتفرزه عن كل كم وكيف وأين ووضع مادى. ولو لم تجرده عن ذلك لما صلح أن يقال على الجميع.

فبهذا يفترق إدراك الحاكم الحسى ، وإدراك الحاكم الخيالى ، وإدراك الحاكم الوهمى ، وإدراك الحاكم العقلى. (٥) وإلى (٦) هذا المعنى كنا نسوق الكلام فى هذا الفصل ، فنقول : إن الحاس فى قوته أن يصير مثل المحسوس بالفعل ، إذ كان الإحساس هو قبول صورة الشىء مجردة عن مادته فيتصور بها الحاس (٧) ، فالمبصر هو (٨) مثل المبصر بالقوة ، وكذلك الملموس والمطعوم وغير ذلك ، والمحسوس الأول بالحقيقة هو الذي يرتسم (٩) فى آلة الحس وإياه يدرك ، ويشبه أن يكون إذا قيل : أحسست الشىء الخارجى كان معناه غير معنى أحسست فى النفس ، فإن معنى قوله : أحسست الشىء الخارجى ، أن صورته تمثلت فى حسى ، ومعنى أحسست فى النفس أن الصورة نفسها تمثلت فى حسى. (١٠) فلهذا يصعب إثبات وجود الكيفيات المحسوسة فى الأجسام. لكنا نعلم يقينا أن جسمين وأحدهما يتأثر عنه الحس شيئا ، والآخر لا يتأثر عنه ذلك الشىء أنه مختص فى ذاته بكيفية هى مبدأ إحالة الحاسة دون الآخر.

وأما ديمقريطس (١١) وطائفة من الطبيعيين فلم يجعلوا لهذه الكيفيات وجودا البته ، بل جعلوا الأشكال التي يجعلونها للأجرام التي لا تتجزأ أسبابا لاختلاف ما يتأثر فى الحواس باختلاف ترتيبها ووضعها. قالوا : ولهذا ما يكون الإنسان الواحد قد يحس لونا واحدا على لونين مختلفين : (١٢) بحسب وقوفين منه تختلف

__________________

(١) فتنزعه : فتنزعها د ، ك.

(٢) معها : معه ف ، م

(٣) وتأخذه : وتأخذها د ، م ؛ فيأخذه م

(٤) على : له.

(٥) الحاكم العقلى : العقلى د

(٦) وإلى هذا : ولهذا د.

(٧) الحاس : الحساس د

(٨) هو : ساقطة من ف.

(٩) يرتسم : ارتسم ك.

(١٠) حسى : نفسى ك.

(١١) ديمقريطس : ديمقراطيس د ، ك ، ف.

(١٢) مختلفين : ساقطة من ف ـ نسبتهما : نسبتها د ؛ نسبته ف.

٥٣

بذلك نسبتهما من أوضاع المرئى الواحد ، كطوق الحمامة فإنها ترى مرة شقراء ومرة أرجوانية ومرة على لون الذهب ، وبحسب اختلاف المقامات ، فلهذا ما يكون شىء واحد عند إنسان صحيح حلوا ، وعند إنسان مريض مرا. فهؤلاء هم الذين جعلوا الكيفيات المحسوسة لا حقائق لها فى أنفسها ، إنما هى أشكال.

وهاهنا قوم آخرون أيضا ممن لا يرو هذا المذهب لا يجعلون لهذه الكيفيات حقيقة فى الأجسام ، بل يرون أن هذه الكيفيات إنما هى انفعالات للحواس فقط من غير أن يكون فى المحسوسات شىء منها. وقد بينا فساد هذا الرأى ، وبينا أن فى بعض الأجسام خاصية تؤثر فى اللسان ، مثلا الشىء الذي نسميه إذا ذقناه حلاوة ، ولبعضها خاصية أخرى من جنسها ، وهذه الخاصية نسميها الطعم لا غير.

وأما مذهب أصحاب الأشكال فقد نقضنا أصله فيما سلف ، ثم قد يظهر لنا سريعا بطلانه ، فإنه لو كان المحسوس هو الشكل لكل يجب إذا لمسنا الشكل وأدركناه خصوصا بالحدقة أن نكون رأينا أيضا لونه ، فإن الشىء الواحد من جهة واحدة يدرك شيئا واحدا ، فإن أدرك من جهة ولم يدرك من جهة ، فالذى لم يدرك منه غير المدرك ، فيكون (١) اللون إذن غير الشكل ، وكذلك أيضا الحرارة غير الشكل ، اللهم إلا أن يقال : إن الشىء الواحد يؤثر فى شيئين أثرين مختلفين ، فيكون أثره فى شيء ما ملموسا (٢) وأثره فى شىء آخر مرئيا. فإذا كان كذلك لم يكن الشكل نفسه محسوسا ، بل أثر مختلف يحدث عنه فى الحواس المختلفة غير نفسه. والحاس أيضا جسم ، وعنده (٣) أنه لا يتأثر إلا بالشكل ، فيكون أيضا الحاس إنما يتأثر بالشكل ، فيكون الشىء الواحد يؤثر فى آلة شكلا (٤) ما وفى آلة أخرى شكلا آخر لكن لا شىء من الأشكال عنده إلا ويجوز أن يلمس ، فيكون هذا المرئى أيضا يجوز أن يلمس. ثم من الظاهر البين أن اللون فيه مضادة وكذلك الطعم وكذلك أشياء أخرى ، ولا شىء من الأشكال بمضاد لشىء ، وهؤلاء بالحقيقة يجعلون كل محسوس ملموسا ، فإنهم يجعلون أيضا البصر ينفذ فيه شىء ويلمس ، ولو كان كذلك لكان يجب أن يكون المحسوس بالوجهين

__________________

(١) فيكون : + فى د.

(٢) أثره فى شىء ما ملموسا : أثره فى شىء ملموسا وأثره فى شىء ملموسا م.

(٣) وعنده : عنده م.

(٤) شكلا : شكل م.

٥٤

جميعا هو الشكل فقط. ومن العجائب غفلتهم عن أن الأشكال لا تدرك إلا أن تكون هناك ألوان أو طعوم أو روائح أو كيفيات أخرى ؛ ولا تحس البتة بشكل مجرد. فإن كان لأن الشكل المجرد إذا صار محسوسا أحدث فى الحس أثرا من هذه الآثار غير الشكلية ، فقد صح وجود هذه الآثار. وإن لم تكن هذه الآثار إلا نفس الشكل ، وجب أن يحس شكل مجرد من غير أن يحس معه شىء آخر.

وقال قوم (١) من الأوائل : إن المحسوسات قد يجوز أن تحس بها النفس بلا وسائط (٢) البتة ولا آلات ، أما الوسائط فمثل الهواء (٣) للإبصار وما الآلات فمثل العين للإبصار. وقد بعدوا عن الحق ، فإنه لو كان الإحساس يقع للنفس بذاتها من غير هذه الآلات لكانت هذه الآلات معطلة فى الخلقة لا ينتفع بها ، وأيضا فإن النفس إذا كانت غير جسم عندهم ولا ذات وضع فيستحيل أن يكون بعض الأجسام قريبا منها ومتجها إليها فيحس ، (٤) وبعضها بعيدا عنها محتجبا (٥) عنها (٦) فلا يحس. وبالجملة يجب أن لا يكون اختلاف فى أوضاع الأجسام منها وحجب وإظهار ، فإن هذه الأحوال تكون للأجسام عند الأجسام. فيجب أن تكون النفس إما مدركة لجميع المحسوسات وإما غير مدركة ، وأن لا تكون غيبة المحسوس تزيله (٧) عن الإدراك. لأن هذه الغيبة غيبة عند شىء لا محالة هى خلاف الحضرة منه. فيكون عند ذلك الشىء لهذا الشىء (٨) غيبة مرة حضور مرة ، وذلك مكانى وضعى فيجب أن تكون النفس (٩) جسما ؛ ليس ذلك بمذهب هؤلاء ؛ وسنبين لك بعد أن الصورة المدركة لا يتم نزعها عن المادة وعلائق المادة يستحيل أن تستثبت بغير آلة جسدانية ؛ ولو لم تحتج النفس فى إدراك الأشياء إلى المتوسطات لوجب أن لا يحتاج البصر إلى الضوء وإلى توسط الشاف ، ولكان تقريب المبصر من العين لا يمنع الإبصار ، ولكان سد الأذن لا يمنع الصوت ، ولكانت الآفات العارضة لهذا الآلات لا تمنع الإحساس.

__________________

(١) قوم : ساقطة من د.

(٢) وسائط : واسطة ك

(٣) الهواء : + مثلا ف.

(٤) فيحس : ساقطة من ف ، م

(٥) محتجبا : ومحتجبا ف.

(٦) عنها : منها د ، ف ؛ فيها م.

(٧) تزيله : المزيلة م.

(٨) لهذا الشىء : ساقطة من ف.

(٩) النفس : للنفس م.

٥٥

ومن الناس من جعل المتوسط عائقا ، (١) وقال إنه (٢) لو (٣) كان المتوسط كلما كان أرق كان أدل ؛ (٤) فلو لم يكن ، بل كان خلاء صرف ، لتمت الدلالة ، ولأبصر (٥) الشىء أكبر مما يبصر ، حتى كان يمكن أن تبصر نملة فى السماء ، وهذا كلام باطل ، فليس إذا أوجب رقته زيادة ، يجب (٦) أن يكون عدمه يزيد أيضا فى ذلك ، فإن الرقة ليس هى (٧) طريقا (٨) إلى عدم الجسم. وأما (٩) الخلاء فهو عدم الجسم عندهم ، بل لو كان الخلاء موجودا لما كان بين المحسوس والحاس المتباينين موصل البتة ، ولم يكن فعل ولا انفعال. (١٠)

ومن الناس من ظن شيئا آخر وهو أن الحاس المشترك أو النفس متعلق بالروح ، وهو جسم لطيف ، سنشرح حاله بعد ، وأنه آلة (١١) الإدراك ، وأنه وحده يجوز أن يمتد إلى المحسوسات فيلاقيها أو يوازيها أو يصير منها بوضع ذلك الوضع يوجب الإدراك. وهذا المذهب أيضا فاسد ، فإن الروح لا يضبط جوهره إلا فى هذه الوقايات التي تكتنفه ، (١٢) وأنه إذا خالطه شىء من خارج أفسد جوهره مزاجا وتركيبا. ثم ليس له حركة انتقال خارجا وداخلا ، ولو كان له هذا لجاز أن يفارق الإنسان ويعود إليه ، فيكون للإنسان أن يموت وأن يحيا (١٣) باختياره فى ساعته ولو كان (١٤) الروح بهذه الصفة لما احتيج إلى الآلات البدنية ، فالحق أن الحواس محتاجة إلى الآلات الجسدانية ، وبعضها إلى وسائط ، فإن (١٥) الإحساس انفعال ما ، لأنه قبول منها لصورة المحسوس ، واستحالة ، إلى مشاكلة المحسوس بالفعل ، فيكون (١٦) الحاس بالفعل مثل المحسوس بالفعل ، والحاس بالقوة مثل المحسوس بالقوة ، والمحسوس بالحقيقية القريب هو ما يتصور به الحاس من صورة المحسوس. فيكون الحاس من وجه (١٧) ما ، يحس ذاته لا

__________________

(١) عائقا ... المتوسط : ساقطة من د

(٢) إنه : ساقطة من م

(٣) لو : لما د ، ف.

(٤) أدل : أول م.

(٥) ولأبصر : ولا يصير ك.

(٦) يجب : ساقطة من ف.

(٧) هى : هو : د ، ف ، ك

(٨) طريقا : طريق ك

(٩) وأما : وإنما م.

(١٠) انفعال : + البتة ك.

(١١) وأنه آلة : وآلة ف.

(١٢) تكتنفه : تكنفه ف.

(١٣) يحيا : يحيى د ، ف ، ك.

(١٤) كان : كانت د ، م.(١٥) فإن : وإن د.

(١٦) بالفعل فيكون ... المحسوس : ساقطة من م.

(١٧) وجه : جهة ف.

٥٦

الجسم المحسوس ، لأنه المتصور بالصورة التي هى المحسوسة القريبة منها. وأما الخارج فهو المتصور بالصورة التي هى المحسوسة البعيدة ، فهى تحس ذاتها لا الثلج ، وتحس (١) ذاتها لا القار ، (٢) إذا عنينا أقرب الإحساس الذي لا واسطة فيه. وانفعال الحاس من المحسوس ليس على سبيل الحركة ، إذ ليس هناك تغير من ضد إلى ضد ، بل هو استكمال. أعنى أن يكون الكمال الذي كان بالقوة قد صار بالفعل من غير أن بطل (٣) فعل إلى القوة.

وإذ قد تكلمنا (٤) على الإدراك الذي هو أعم من الحس ، ثم تكلمنا فى كيفية إحساس الحس مطلقا ، فنقول : إن كل حاسة فإنها تدرك محسوسها (٥) وتدرك عدم محسوسها ، أما محسوسها فبالذات ، وأما عدم محسوسها كالظلمة للعين والسكوت (٦) للسمع وغير ذلك فإنها (٧) تكون بالقوة لا بالفعل. وأما إدراك أنها أدركت فليس (٨) له الحاسة ، (٩) فإن الإدراك ليس هو لونا فيبصر (١٠) أو صوتا فيسمع ، ولكن إنما يدرك ذلك بالفعل العقلى أو الوهم (١١) على ما يتضح من حالهما بعد.

__________________

(١) وتحس ذاتها : وذاتها ف

(٢) القار : النار د ، م.

(٣) بطل : أبطل م.

(٤) تكلمنا : + الآن د ، ك.

(٥) تدرك محسوسها : تدرك محسوسا د.

(٦) والسكوت : والسكون م

(٧) فإنها : فلأنها ف ، م.

(٨) فليس : فليست ف ، م

(٩) له الحاسة : الحاسة ف ، م

(١٠) فيبصر : مبصر م.

(١١) أو الوهم : والوهم ك.

٥٧

الفصل الثالث (١)

فى الحاسة اللمسية

وأول (٢) الحواس الذي يصير به الحيوان حيوانا هو اللمس ، فإنه كما أن كل ذى نفس أرضية فإن له قوة غاذية ، ويجوز أن يفقد قوة قوة من الأخرى ولا ينعكس ، كذلك حال كل ذى نفس حيوانية فله حس اللمس ، ويجوز أن يفقد قوة قوة من الأخرى ولا ينعكس. وحال الغاذية عند سائر قوى النفس الأرضية ، فيه (٣) حال اللمس عند سائر قوى الحيوان. وذلك لأن الحيوان تركيبه الأول هو من الكيفيات الملموسة ، فإن مزاجه منها وفساده باختلالها (٤) والحس طليعة للنفس ، فيجب أن تكون الطليعة (٥) الأولى ، وهو ما يدل على ما يقع به الفساد ويحفظ به الصلاح وأن تكون قبل الطلائع التي تدل على أمور تتعلق ببعضها منفعة خارجة عن القوام أو مضرة خارجة عن الفساد والذوق ، وإن كان دالا على الشىء الذي به تستبقى الحياة من المطعومات ، فقد يجوز أن يعدم الذوق ويبقى الحيوان حيوانا ، فإن الحواس الأخرى (٦) ربما أعانت (٧) على ارتياد الغذاء الموافق واجتناب الضار. (٨) وأما الحواس الأخرى فلا تعين على معرفة أن الهواء المحيط بالبدن مثلا محرق أو مجمد. وبالجملة فإن الجوع شهوة اليابس الحار والعطش شهوة البارد الرطب. والغذاء بالحقيقة ما يتكيف بهذه الكيفيات التي يدركها اللمس. وأما الطعوم فتطييبات ، فلذلك كثيرا ما يبطل حس الذوق لآفة (٩) تعرض ويكون الحيوان باقيا ، فاللمس هو أول الحواس ولا بد منه لكل حيوان أرضى. وأما الحركة فلقائل أن يقول : إنها أخت اللمس للحيوان ، وكما أن من الحس نوعا متقدما كذلك قد يشبه أن يكون من قوى الحركة نوع متقدم. وأما المشهور فهو أن من الحيوان ماله حس اللمس وليس له قوة الحركة ، مثل ضروب من الأصداف.

__________________

(١) الفصل الثالث : فصل ٣ ف.

(٢) وأول : فأول ك.

(٣) فيه : ساقطة من ف.

(٤) باختلالها : باختلافها ف ، م

(٥) الطليعة : الطبيعة م.

(٦) الحواس الأخرى : الإحساس الأخرى د ؛ الإحساس الآخر ك ، م

(٧) أعانت : أعان ك ، م.

(٨) الضار : المضار د ، ك.

(٩) لآفة : لأنه م.

٥٨

لكنا نقول : إن الحركة الإرادية على ضربين : حركة انتقال من مكان إلى مكان ، وحركة انقباض وانبساط للأعضاء من الحيوان وإن لم يكن به (١) انتقال الجملة عن (٢) موضعها (٣). فيبعد أن يكون حيوان له حس اللمس ولا قوة حركة فيه البتة ، فإنه كيف يعلم أنه له حس اللمس (٤) إلا بأن يشاهد فيه نوع هرب من ملموس وطلب لملموس. (٥) وأما ما يتمثلون هم به من الأصداف والإسفنجات وغيرها ، فإنا نجد للأصداف فى غلفها (٦) حركات انقباض وانبساط والتواء وامتداد فى أجوافها ؛ وإن كانت لا تفارق أمكنتها ، ولذلك نعرف أنها تحس بالملموس. فيشبه أن يكون كل ماله لمس فله فى ذاته حركة ما إرادية إما لكليته وإما لأجزائه. وأما الأمور (٧) التي تلمس ، فإن المشهور من أمرها أنها الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة والخشونة والملاسة والثقل والخفة. وأما الصلابة واللين واللزوجة والهشاشة وغير ذلك فإنها تحس تبعا لهذه المذكورة. (٨) فالحرارة والبرودة كل منهما يحس بذاته ، لا لما يعرض فى الآلة من الانفعال بها. وأما الصلابة واللين واليبوسة والرطوبة فيظن أنها لا تحس لذاتها ، (٩) بل يعرض للرطوبة (١٠) أن تطيع لنفوذ ما ينفذ فى جسمها ، (١١) ويعرض لليبوسة أن تعصى فتجمع العضو الحاس وتعصره ، والخشونة أيضا (١٢) يعرض لها مثل ذلك بأن تحدث للأجزاء الناتئة (١٣) منها (١٤) عصرا ولا تحدث للغائرة (١٥) فيها (١٦) شيئا ، والأملس يحدث ملاسة واستواء ، وأما الثقل فيحدث تمددا إلى أسفل ، والخفة خلاف ذلك.

فنقول لمن يقول هذا القول : إنه (١٧) ليس من شرط المحسوس بالذات أن يكون الإحساس به من غير انفعال يكون منه ، فإن الحار أيضا ما لم يسخن لم يحس. وبالحقيقة ليس إنما يحس ما فى المحسوس ، بل (١٨) ما يحدث منه فى الحاق ، حتى إنه إن لم

__________________

(١) به : له ك

(٢) عن : من ك.

(٣) موضعها : موضعه د ، ف ، ك.

(٤) ولا قوة ... اللمس : ساقطة من م.

(٥) لملموس : ملموس د.

(٦) غلفها : عقلها م.

(٧) وأما الامور : والأمور ف.

(٨) المذكورة : المذكورات ك.

(٩) لذاتها : بذاتها ك

(١٠) للرطوبة : من الرطوبة د ، م.

(١١) جسمها : جسمه د ، ك ، م.

(١٢) أيضا : ساقطة من د

(١٣) الناتئة : النباتية د ، ك

(١٤) منها : منه د.

(١٥) الغائرة : الغائرة ف ، م

(١٦) فيها : ساقطة من م.

(١٧) إنه : ساقطة من م.

(١٨) بل : ساقطة من م.

٥٩

يحدث ذلك لم يحس به. لكن المحسوس بالذات هو الذي تحدث منه كيفية فى الآلة الحاسة مشابهة لما فيه فيحس. وكذلك الانعصار عن اليابس والخشن والتملس من الأملس والتمدد إلى جهة معلومة من الثقيل (١) والخفيف ، فإن الثقل والخفة ميلان والتمدد أيضا ميل إلى نحو جهة ما. فهذه الأحوال إذا حدثت فى الآلة أحس بها لا بتوسط حر أو برد ، أو لون أو طعم ، أو غير ذلك من المحسوسات ، حتى كان يصير لأجل ذلك المتوسط غير محسوس أولى أو غير محسوس بالذات ، بل محسوسا ثانيا أو بالعرض. ولكن هاهنا ضرب آخر مما يحس مثل تفرق الاتصال الكائن بالضرب وغير ذلك ، (٢) وذلك ليس بحرارة ولا برودة ولا رطوبة ولا يبوسة ولا صلابة ولا لين (٣) ولا شىء من المعدودات ، وكذلك أيضا الإحساس باللذات اللمسية مثل اللذة التي للجماع وغير ذلك ، فيجب أن ينظر أنها كيف هى وكيف تنسب إلى القوة اللمسية وخصوصا وقد (٤) ظن بعض الناس أن سائر الكيفيات إنما تحس بتوسط ما يحدث من تفرق الاتصال. وليس كذلك ، فإن الحار والبارد من حيث يتغير به المزاج يحس على استوائه ، وتفرق الاتصال لا يكون مستويا متشابها فى جميع الجسم.

لكنا نقول : إنه كما أن الحيوان متكون بالامتزاج الذي (٥) للعناصر ، كذلك هو متكون أيضا بالتركيب. وكذلك الصحة والمرض ، فإن منهما ما ينسب إلى المزاج ومنهما ما ينسب إلى الهيئة والتركيب. (٦) وكما أن من فساد المزاج ما هو مفسد كذلك من (٧) فساد التركيب (٨) ما هو مهلك؟ وكما أن اللمس حس يتقى به ما يفسد المزاج ، كذلك هو حس يتقى به ما يفسد التركيب. فاللمس أيضا يدرك به تفرق الاتصال ومضاده وهو عوده إلى الالتئام. ونقول : إن كل حال مضادة لحال البدن فإنها يحس بها عند الاستحالة وعند الانتقال إليها ، ولا يحس بها عند حصولها واستقرارها. وذلك لأن الإحساس انفعال ما أو مقارن لانفعال ما ، (٩) والانفعال إنما يكون عند زوال شىء وحصول شىء ، وأما المستقر فلا انفعال به. وذلك فى الأمزجة الموافقة والرديئة معا ، فإن الأمزجة الرديئة إذا استقرت وأبطلت الأمزجة الأصلية حتى صارت

__________________

(١) الثقيل : الثقل ف.

(٢) وذلك : ساقطة من م.

(٣) ولا لين : ساقطة من د ، ك ، م.

(٤) وقد : فقد ف.

(٥) الذي : التي د.

(٦) وكذلك ... والتركيب : ساقطة من م.

(٧) من (الثانية) : ساقطة من م.

(٨) التركيب : + منه م.

(٩) أو مقارن لانفعال ما : ساقطة من م.

٦٠