🚘

الشّفاء ـ طبيعيّات

أبو علي حسين بن عبد الله بن سينا [ شيخ الرئيس ابن سينا ]

الشّفاء ـ طبيعيّات

المؤلف:

أبو علي حسين بن عبد الله بن سينا [ شيخ الرئيس ابن سينا ]


المحقق: الدكتور محمود قاسم
الموضوع : العلوم الطبيعيّة
الناشر: منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي
المطبعة: گل‌وردى
الطبعة: ٢
ISBN: 978-600-161-072-1
الصفحات: ٢٧٦
🚘 الجزء ١ 🚘 الجزء ٢ [٢] 🚘 الجزء ٢ [٤] 🚘 الجزء ٢ [٦] 🚘 الجزء ٢ [٨] 🚘 الجزء ٣
🚘 نسخة غير مصححة

الفصل السابع (١)

فى عد المذاهب الموروثة عن القدماء

فى أمر النفس وأفعالها

وأنها واحدة أو كثيرة وتصحيح القول الحق فيها

إن المذاهب المشهورة (٢) فى ذات النفس وفى أفعالها مختلفة. فمنها قول من زعم أن النفس ذات واحدة ، وأنها تفعل جميع الأفعال بنفسها باختلاف الآلات. ومن هؤلاء من زعم أن النفس عالمة بذاتها ، تعلم كل شىء ، وإنما تستعمل الحواس والآلات المقربة للمدركات منها (٣) بسبب أن تتنبه (٤) به لما فى ذاتها. ومنهم من قال : إن ذلك على سبيل التذكر لها ، فكأنها عرض لها عنده أن نسيت.

ومن الفرقة الأولى من قال : إن النفس ليست واحدة ، بل عدة ، وأن النفس التي فى بدن واحد هى مجموع نفوس : نفس حساسة دراكة ، ونفس غضبية ، ونفس شهوانية. فمن (٥) هؤلاء من جعل النفس الشهوانية هى النفس الغذائية. وجعل موضعها القلب ، وجعل له شهوة الغذاء والتوليد جميعا. ومنهم من جعل التوليد لقوة من هذا الجزء من أجزاء النفس فائضة إلى الانثيين فى الذكر والأنثى. ومنهم من جعل النفس ذاتا واحدة ، وتفيض عنها هذه القوى ، وتختص كل قوة بفعل ، وأنها إنما تفعل ما تفعله (٦) من الأمور المذكورة بتوسط هذه القوى.

فمن قال : إن النفس واحدة فعالة بذاتها احتج (٧) بما (٨) سيحتج (٩) به أصحاب المذهب

__________________

(١) الفصل السابع : فصل ٧ ف ؛ فصل م.

(٢) المشهورة : ساقطة من د ، ف ، م.

(٣) منها : منه د ، ك ، م

(٤) تتنبه : تنبه ك.

(٥) فمن : ومن ك.

(٦) ما تفعله : ما تفعل ف.

(٧) احتج : واحتج ك

(٨) بما : بها د

(٩) سيحتج : يحتج ك.

٢٢١

الآخر مما نذكره. ثم قال : فإذا (١) كانت واحدة غير جسم استحال (٢) أن تنقسم فى الآلات وتتكثر ، فإنها حينئذ تصير صورة مادية ، وقد ثبت عندهم أنها جوهر مفارق بقياسات لا حاجة لنا إلى تعدادها هاهنا ، قالوا فهى بنفسها تفعل ما تفعل بآلات مختلفة. والذين قالوا من هؤلاء : إن النفس علامة بذاتها ، احتجوا وقالوا : لأنها إن كانت جاهلة عادمة للعلوم فإما أن يكون ذلك لها لجوهرها (٣) أو يكون عارضا لها ، فإن كان لجوهرها استحال أن تعلم البتة ، وإن كان عارضا لها فالعارض يعرض على الأمر الموجود للشىء. فيكون موجودا للنفس أن تعلم الأشياء لكن عرض لها أن جهلت بسبب ، فيكون السبب إنما يتسبب (٤) للجهل لا للعلم. فإذا رفعنا الأسباب العارضة بقى لها الأمر الذي فى ذاتها ، ثم إذا كان الأمر الذي لها فى ذاتها هو أن تعلم فكيف يجوز أن يعرض لها بسبب من الأسباب أن تصير لا تعلم وهى بسيطة روحانية لا تنفعل ، بل يجوز أن يكون عندها العلم وتكون معرضة عنه مشغولة ، إذا نبهت علمت ، وكان معنى التنبيه ردها إلى ذاتها وإلى حال طبيعتها ، فتصادف نفسها عالمة بكل شىء. وأما أصحاب التذكر فإنهم احتجوا وقالوا : إنه لو لم تكن النفس علمت وقتا ما تجهله الآن وتطلبه لكانت (٥) إذا ظفرت به لم تعلم أنه المطلوب ، كطالب العبد الآبق ؛ وقد فرغنا عن ذكر هذا فى موضع آخر وعن نقضه. والذين كثروا النفس ، فقد احتجوا وقالوا : كيف يمكننا أن نقول : إن الأنفس كلها نفس واحدة ، ونحن نجد النبات وله (٦) النفس الشهوانية ، أعنى التي ذكرناها فى هذا الفصل ، وليس له (٧) النفس المدركة الحاسة (٨) المميزة ، فتكون لا محالة النفس هذه شيئا منفردا بذاته دون تلك النفس ، ثم نجد الحيوان وله (٩) هذه النفس الحساسة الغضبية ، ولا تكون هناك النفس النطقية أصلا ، فتكون هذه الأنفس (١٠) البهيمية نفسا على حدة. فإذا اجتمعت هذه الأمور فى الإنسان ، علمنا أنه قد اجتمع فيه أنفس متباينة مختلفة (١١) الذوات ، قد يفارق

__________________

(١) فإذا : فإذ د

(٢) استحال : استحالت د ، م.

(٣) لجوهرها : بجوهرها ك.

(٤) يتسبب : ينسب م.

(٥) لكانت : لكان د ، ك ، م.

(٦) وله : ولها د ، م.

(٧) له : لها د ، م

(٨) الحاسة : الحساسة ك.

(٩) وله : ولها د ، م.

(١٠) الأنفس : النفس ف.

(١١) متباينة : سمائية م.

٢٢٢

بعضها بعضا ، فلذلك تختص كل واحدة (١) منها بموضع ، فيكون للمميزة الدماغ ، ويكون للغضبية الحيوانية القلب ، ويكون للشهوانية الكبد.

فهذه هى المذاهب المشهورة فى أمر النفس وليس يصح منها إلا المذهب الأخير مما عد أولا فلنبين صحته. ثم نقبل (٢) على حل الشبه التي أوردوها فنقول : قد بان مما ذكرناه أن الأفعال المتخالفة هى بقوى متخالفة وأن كل قوة من حيث هى فإنما هى كذلك من حيث يصدر عنها الفعل الأول الذي لها فتكون القوة الغضبية لا تنفعل من اللذات ولا الشهوانية من المؤذيات ولا تكون القوة المدركة متأثرة مما تتأثر عنه هاتان ولا شىء من هاتين من حيث هما قابل للصور المدركة متصور لها. فإذا كان هذا متقررا فنقول : إنه يجب أن يكون لهذه القوى رباط يجمعها (٣) كلها فتجتمع إليه ، (٤) وتكون نسبته إلى هذه القوى نسبة الحس المشترك إلى الحواس التي هى الرواضع. فإنا نعلم يقينا أن هذه القوى يشغل بعضها بعضا ، ويستعمل بعضها بعضا ، (٥) وقد عرفت هذا فيما سلف. (٦) ولو لم يكن رباط يستعمل هذه فيشتغل ببعضها (٧) عن بعض فلا يستعمل ذلك البعض ولا يدبره ، لما (٨) كان بعضها يمنع بعضا عن فعله بوجه من الوجوه ولا ينصرف عنه. لأن فعل قوة من القوى إذا لم يكن لها اتصال بقوة أخرى ، لا يمنع القوة الأخرى عن فعلها إذا لم تكن الآلة مشتركة ولا المحل مشتركا ولا أمر يجمعهما غير ذلك مشتركا. ونحن (٩) نرى أن الإحساس يثير (١٠) الشهوة ، والقوة الشهوانية لا تنفعل من (١١) المحسوس من حيث هو محسوس ، فإن انفعل لا من حيث هو محسوس لم يكن الانفعال الذي يكون لشهوة (١٢) ذلك المحسوس ، فيجب لا محالة (١٣) أن يكون هو الذي يحس. وليس يجوز أن تكون القوتان واحدة ، فبين

__________________

(١) واحدة : واحد م.

(٢) نقبل : لنقبل ف.

(٣) يجمعها : يجمع ك ، م.

(٤) إليه : البتة ك.

(٥) ويستعمل بعضها بعضا : ساقطة من ف.

(٦) سلف : + لك ف

(٧) ببعضها : بعضها ك.

(٨) لما كان : لكان كما كان م.

(٩) ونحن : وكيف ونحن د ؛ كيف ونحن ف

(١٠) يثير : تثيره ك.

(١١) من (الأولى) : عن ك.

(١٢) لشهوة : بشهوة د ، ك.

(١٣) لا محالة : ساقطة من ك.

٢٢٣

أن القوتين لشىء واحد ، فلهذا يصدق أن نقول : إنا لما أحسسنا اشتهينا ، أو لما (١) رأينا كذا غضبنا.

وهذا الشىء الواحد الذي تجتمع فيه هذه القوى هو الشىء الذي يراه كل منا (٢) ذاته ، حتى يصدق أن نقول لما أحسسنا اشتهينا. (٣) وهذا الشىء لا يجوز أن يكون (٤) جسما.

أما أولا ، فلأن الجسم بما هو جسم ليس يلزمه أن يكون مجمع هذه القوى ، وإلا كان كل جسم له ذلك ، بل لأمر به يصير (٥) كذلك ، ويكون ذلك الأمر هو الجامع الأول ، وهو كمال الجسم من حيث هو مجمع ، وهو غير الجسم ، فيكون إذن المجمع هو شىء غير جسم وهو النفس.

وأما ثانيا ، فقد تبين أن من هذه القوى ما ليس يجوز أن يكون جسمانيا مستقرا فى جسم ، فإن تشكك فقيل : إنه إن جاز أن تكون هذه القوى لشىء واحد ، مع أنها لا تجتمع معا فيه ، إذ بعضها لا يحل الأجسام وبعضها يحلها ، فتكون مع افتراقها من غير أن تكون بصفة واحدة منسوبة إلى شىء واحد ، فلم لا يكون كذلك (٦) الآن وتكون كلها منسوبة إلى جسم أو جسمانى. فنقول لأن هذا الذي ليس بجسم ، يجوز أن يكون منبع القوى فيفيض عنه (٧) بعضها فى الآلة ، وبعضها يختص بذاته ، (٨) وكلها يؤدى إليه نوعا من الأداء. واللواتى تكون فى الآلة تجتمع فى مبدأ يجمعها فى الآلة ذلك المبدأ ، وهو فائض عن الغنى عن الآلة كما نبين حاله بعد فى حل الشبه. (٩) وأما الجسم فلا يمكن أن تكون هذه القوى كلها فائضة منه ، فإن نسبة القوى إلى الجسم ليس على سبيل الفيضان ، (١٠) بل على سبيل القبول ، والفيضان يجوز أن يكون على سبيل مفارقة للفيض عن المفيض ، (١١) والقبول لا يجوز أن يكون على تلك السبيل.

__________________

(١) أو لما : ولما د ، ف.

(٢) منا : + أنه ك.

(٣) اشتهينا ... أحسسنا : ساقطة من م.

(٤) لا يجوز أن يكون : لا يكون م.

(٥) لأمر به يصير : الأمر يصير م.

(٦) كذلك : لذلك م.

(٧) عنه : عنها د ، ك ، م.

(٨) بذاته : بذاتها ك ، م.

(٩) الشبه : الشبهة ك.

(١٠) الفيضان : النقصان م.

(١١) للفيض : الفيض ك.

٢٢٤

وأما ثالثا فإن هذا الجسم إما أن يكون جملة البدن ، فيكون إذا نقص منه شىء لا يكون ما نشعر به أنا نحن موجودا ، وليس كذلك ، فإنى أكون أنا وإن لم أعرف أن لى يدا ورجلا أو عضوا من هذه الأعضاء ، على ما سلف ذكره (١) فى مواضع (٢) أخرى ، بل أظن أن هذه توابعى ، وأعتقد أنها آلات لى أستعملها فى حاجات ، لو لا تلك الحاجات لما احتيج (٣) إليها لى ، (٤) وأكون أيضا أنا أنا (٥) وليست هى.

ولنعد إلى ما سلف ذكره منا فنقول : لو خلق إنسان دفعة واحدة ، وخلق متباين الأطراف ، ولم يبصر أطرافه ، واتفق أن لم يمسها ، ولا تماست ، ولم يسمع صوتا ، جهل وجود جميع أعضائه ، وعلم وجود إنيته شيئا واحدا مع جهل جميع ذلك. وليس المجهول بعينه هو المعلوم ، وليست هذه الأعضاء لنا فى الحقيقة إلا كالثياب التي صارت لدوام (٦) لزومها إيانا كأجزاء منا عندنا. (٧) وإذا تخيلنا أنفسنا لم نتخيلها عراة. بل تخيلناها ذوات أجسام كاسية ، والسبب فيه دوام الملازمة. إلا أنا قد اعتدنا فى الثياب من التجريد والطرح ما لم نعتد فى الأعضاء ، فكان (٨) ظننا الأعضاء أجزاء منا آكد من ظننا الثياب أجزاء منا. وأما إن لم يكن ذلك جملة البدن ، بل كان عضوا مخصوصا ، فيكون ذلك العضو هو الشىء الذي أعتقده أنه لذاته (٩) أنا ، أو يكون معنى ما أعتقده أنه أنا ليس هو ذلك العضو ، وإن كان لا بد له من العضو. فإن كان ذات (١٠) ذلك العضو وهو كونه قلبا أو دماغا أو شيئا آخر أو عدة (١١) أعضاء بهذه الصفة هويتها أو هوية مجموعها هو الشىء الذي أشعر به (١٢) أنه أنا ، فيجب أن يكون شعورى بأنا هو شعورى بذلك الشىء. فإن الشىء لا يجوز من جهة واحدة أن يكون مشعورا به وغير (١٣) مشعور به ، وليس (١٤) الأمر كذلك ، فإنى إنما أعرف أن لى قلبا ودماغا

__________________

(١) ذكره : ساقطة من ك

(٢) مواضع أخرى : موضع آخر د.

(٣) احتيج : احتج ك

(٤) لى : ساقطة من ك.

(٥) أيضا أنا أنا : أنا أيضا أنا ك ، م.

(٦) لدوام : لدوم د

(٧) عندنا : ساقطة من د.

(٨) فكان : وكان ك.

(٩) أنه لذاته : أنا ولذاته م.

(١٠) ذات : ساقطة من م.

(١١) عدة : عدم م.

(١٢) أشعر به : أشعرته ك ، م.

(١٣) وغير : غير د ، ك ، م

(١٤) وليس : ثم ليس د ، ك.

٢٢٥

بالإحساس والسماع والتجارب ، لا لأنى أعرف أنى أنا ، فيكون إذن ليس ذلك العضو لنفسه الشىء الذي أشعر (١) به أنه أنا بالذات ، بل يكون بالعرض أنا ، ويكون المقصود بما أعرفه منى أنى أنا الذي أعنيه (٢) فى قولى : أنا أحسست وعقلت وفعلت ، وجمعت هذه الأوصاف شيئا آخر هو الذي أسميه أنا (٣). فإن قال هذا القائل : إنك أيضا لا تعرفه أنه نفس فأقول : إنى دائما (٤) أعرفه على المعنى الذي أسميه النفس ، وربما لا أعرف تسميته باسم النفس. فإذا فهمت ما أعنى بالنفس ، فهمت أنه ذلك الشىء ، وأنه المستعمل للآلات من المحركة والدراكة. وإنما لا أعرف ما دمت لا أفهم معنى النفس ، وليس كذلك حال قلب ولا دماغ فإنى أفهم معنى القلب والدماغ ولا أعلم ذلك ، فإنى إذا عنيت بالنفس أنه الشىء الذي هو مبدأ هذه الحركات والإدراكات التي لى ومنتهاها فى هذه الجملة عرفت أنه إما أن يكون بالحقيقة أنا أو يكون هو أنا مستعملا لهذا البدن ، فكأنى الآن لا أقدر أن أميز الشعور بأنا مفردا عن مخالطة الشعور بأنه مستعمل للبدن ومقارن (٥) للبدن. وأما أنه جسم أو ليس بجسم ، فليس يجب عندى أن يكون جسما ، ولا يتخيل هو لى جسما من الأجسام البتة ، بل يتخيل لى وجوده فقط من غير جسمية. (٦) فيكون قد فهمت من جهة أنه ليس بجسم ، فإذا (٧) لم أفهم الجسمية ، مع أنى فهمته. ثم إذا (٨) حققت فإنى كلما عرضت (٩) جسمية لهذا الشىء الذي هو مبدأ هذه الأفعال ، لم يجز أن يكون ذلك الشىء جسما ، فبالحرى أن يكون تمثله الأول فى نفسى أنه شىء مخالف لهذه الظواهر وأن تغلطنى مقارنة الآلات ومشاهدتها وصدور الأفعال عنها ، فأظن أنها كالأجزاء منى ، وليس إذا غلط فى شىء وجب له حكم ، بل الحكم لما يلزم (١٠) أن يعقل. وليس إذا كنت طالبا لوجوده (١١) ولكونه غير جسم فقد كنت جاهلا بهذا جهلا مطلقا ، بل كنت غافلا عنه. وكثيرا ما يكون العلم بالشيء قريبا ، فيغفل عنه ، ويصير فى حد المجهول ، ويطلب من موضع أبعد.

__________________

(١) أشعر به : أشعرته ك ، م.

(٢) أعنيه : أعينه م.

(٣) أنا : ساقطة من د.

(٤) دائما : وإنما ك.

(٥) ومقارن : وقارن د.

(٦) جسمية : جسميته ك.

(٧) إذا : إذ ك

(٨) ثم إذا : وإذا م.

(٩) عرضت : فرضت ك.

(١٠) يلزم : وجب م

(١١) لوجوده : الوجود م.

٢٢٦

وربما كان العلم القريب (١) جاريا مجرى التنبيه ، وكان مع خفة المئونة فيه كالمذهوب عنه ، فلا ترجع الفطنة إلى طريقه لضعف الفهم ، فيحتاج أن يؤخذ فيه مأخذ بعيد.

فبين من هذا أن لهذه القوى مجمعا هو الذي تؤدى كلها إليه ، وأنه غير جسم وإن كان مشاركا للجسم أو غير مشارك. وإذ قد بينا صحة هذا الرأى (٢) فيجب أن نحل الشبه المذكورة.

أما الشبهة الأولى ، فنقول : إنه ليس يجب إذا كانت النفس واحدة الذات أن لا تفيض عنها فى أعضاء مختلفة قوى مختلفة ، بل من الجائز أن يكون أول (٣) ما يفيض عنها فى البزر والمنى قوة الإنشاء ، فتنشىء (٤) أعضاء على حسب موافقة أفعال (٥) تلك القوة. ويستعد كل عضو لقبول قوة خاصة لتفيض عنه ، (٦) ولو لا ذلك لكان خلق البدن معطلا لها.

وأما من تشكك فجعل النفس عالمة لذاتها (٧) فهو فاسد ، فإنه ليس يجب إذا كان جوهر النفس خاليا بذاته عن العلم أن يستحيل له وجود العلم. فإنه فرق بين أن يقال : إن جوهر الشىء باعتبار ذاته لا يقتضى العلم ، وبين أن يقال : إن جوهره بذلك الاعتبار يقتضى أن لا يعلم ، فإن لزوم الجهل مع كل واحد من القولين مختلف. فإنا وإن (٨) سلمنا أن النفس بجوهرها جاهلة ، فإنما نعنى أن جوهرها إذا انفرد ولم يتصل به سبب من خارج لزمه الجهل ، بشرط الانفراد مع شرط الجوهر ، لا بشرط الجوهر وحده. ولسنا نعنى بهذا أن جوهرها جوهر لا يعرى عن الجهل ، وإن لم نسلم ، بل قلنا : إن ذلك أمر عارض لها ، فليس يجب أن يكون مثل هذا العارض واردا على الأمر الطبيعى ، فإنه ليس إذا قلنا : إن الخشبة خالية عن صورة السريرية ، وأن ذلك الخلو ليس لجوهرها ، (٩) بل أمر عارض لها (١٠) جائز الزوال. كان هذا القول كأنك (١١) تقول : يجب أن يكون قد كانت فيه (١٢) صورة السريرية ثم انفسخت. (١٣)

__________________

(١) القريب : بالقريب د.

(٢) الرأى : ساقطة من د.

(٣) أول : أولا حسب موافقة أفعال د

(٤) فتنشىء : فتنشأ د.

(٥) حسب موافقة أفعال : ساقطة من د.

(٦) عنه : عنها ف.

(٧) لذاتها : بذاتها ك.

(٨) وإن : إذا ك ، م.

(٩) لجوهرها : بجوهرها ك

(١٠) لها : له د ، ك ، م.

(١١) كأنك : كأنا د.

(١٢) فيه : فيها ف

(١٣) ثم انفسحت : وانفسخت م.

٢٢٧

ومن المحال أيضا ما قاله المتشكك من ارتداد الشىء إلى ذاته ، فإن الشىء لا يغيب البتة عن ذاته ، بل ربما قيل إنه (١) قد يغيب عن أفعال (٢) تختص بذاته ، وتتم بذاته وحدها. وإنما (٣) يتوسع فيقال هذا ، (٤) لأن هذه الأفعال لا تكون موجودة له ، بل لا تكون موجودة أصلا. وأما ذاته فكيف تكون غير موجودة لنفسها وبالحقيقة ، فإن أفعاله لا يجوز أن يقال فيها (٥) إنه يغيب عنها لأن الغائب هو موجود فى نفسه غير موجود للشىء ، وهذه الأفعال ليست موجودة أصلا إلا وقت ما يوجدها فلا يكون غائبا (٦) عنها ، وأما ذات الشىء فلا يغيب الشىء عنه ولا يرجع إليه.

وأما أصحاب التذكر (٧) فقد نقض احتجاجهم فى الصناعة الآلية. وأما حجة هؤلاء الذين يجزئون النفس فقد أخذ فيها مقدمات باطلة ، من ذلك قولهم : إنه توجد النفس (٨) النباتية مفارقة للحساسة ، فيجب أن يكون فى الإنسان شيء آخر غيره. فإن هذه المقدمة سوفسطائية ، وذلك لأن المفارقة تتوهم على وجوه ، والتي يحتاج (٩) إليها هاهنا وجهان : أحدهما أنه قد تتوهم لها (١٠) مفارقة ، كما للون عن البياض وللحيوان عن الإنسان إذ توجد هذه الطبيعة فى غير البياض وتلك فى غير الإنسان بأن يقارن (١١) كل فصلا آخر. وقد تتوهم مفارقة. كما للحلاوة المقارنة للبياض (١٢) فى جسم ، فإنها قد (١٣) توجد مفارقة له ، فتكون الحلاوة والبياض قوتين مختلفتين لا يجمعهما شيء. (١٤) وأليق المفارقات بالنفس النباتية للنفس الحساسة هو القسم الأول ، وذلك لأن (١٥) النفس النباتية الموجودة فى النخلة لا تشارك القوة النامية

__________________

(١) إنه : ساقطة من ك ، م

(٢) أفعال : قد+ ف.

(٣) وإنما : + هو ك

(٤) هذا : بهذا ك.

(٥) فيها : فيه د ، م.

(٦) فلا يكون غائبا : فلا تكون غائبة ك.

(٧) التذكر : التذكير م.

(٨) النفس : للنفس م.

(٩) يحتاج : نحتاج ف

(١٠) لها : له ك.

(١١) يقارن : يفارق ك.

(١٢) للبياض : البياض م

(١٣) قد : ساقطة من د.

(١٤) شىء : + واحد ك.

(١٥) لأن : أن ك ، م.

٢٢٨

الموجودة فى الإنسان البتة فى النوع ، فإن تلك القوة ليست بحيث تصلح لأن تقارن النفس الحيوانية البتة ، ولا القوة النامية التي فى الحيوان تصلح لأن تقارن النفس النخلية ، (١) ولكن يجمعهما معنى واحد وهو أن كل واحدة (٢) منهما تغذى وتنمى وتولد وإن كانت (٣) بعد ذلك تنفصل (٤) بفصل مقوم منوع ، لا بعرض فقط. والمعنى الموجود فيهما جميعا هو جنس القوة النباتية التي للإنسان ، ويفارق على جهة ما يفارق المعنى الجنسى. ونحن لا نمنع أن يوجد جنس هذه القوى لأشياء أخرى ، (٥) وليس فى (٦) ذلك أنه يجب أن لا تجتمع (٧) هذه القوى فى الإنسان لنفس واحدة ، بل ليس يجب من ذلك أن لا تكون الطبيعة النامية الموجودة فى الحيوان مقولة على نفس (٨) الحيوانية التي له حتى تكون نفسه الحيوانية هى تلك القوة ، كما أن الإنسان ليس شيئا غير حصته فى جنس الحيوانية. وهذا شىء قد تحقق لك فى المنطق ، فهذا ليس يوجب أن تكون النفس النامية (٩) التي فى الإنسان غير النفس الحيوانية ، فضلا عن أن تكونا (١٠) قوتى (١١) نفس واحدة ، فليس إذن النباتية التي فى الإنسان توجد البتة مفارقة بنوعها للإنسان. واحتجاجهم غير منتفع به إذا كانت القوة لا تفارق بنوعيتها ، بل بجنسيتها ، وهما مختلفتان. (١٢) ومع ذلك فلنضع القوة النباتية فى الحيوان مخالفة للقوة الحيوانية فيه ، كأن كل واحدة (١٣) منهما نوع محصل منفرد بنفسه ، وليس أحدهما الآخر ، ولا مقولا عليه ، فما فى ذلك مما يمنع أن تكون القوتان جميعا فى الحيوان لنفس الحيوان ، كما أنه ليس إذا وجدت الرطوبة فى غير الهواء ، ولست مقارنة للحرارة ، يجب من ذلك أن لا تكون الرطوبة والحرارة فى الهواء لصورة واحدة أو لمادة واحدة ، وليس إذا كانت حرارة توجد غير صادرة عن الحركة ، بل عن حرارة أخرى ، يجب من ذلك أن الحرارة فى موضع آخر ليست تابعة للحركة.

__________________

(١) النخلية : + التي فيه د

(٢) واحدة : واحد د ، ك ، م.

(٣) كانت : كان د ، ك ، م

(٤) بعد ذلك تنفصل : تنفصل بعد ذلك د ؛ تنفصل بعد ذلك عنه ك ، م.

(٥) أخرى : أخر ك ، م.

(٦) فى : ساقطة من ف

(٧) لا تجتمع : لا تجمع م.

(٨) نفس : النفس د ، ك.

(٩) النامية : النباتية ك.

(١٠) تكونا : تكون ك

(١١) قوتى : قوى د ، ك ، م.

(١٢) مختلفتان : مختلفان د ، ك ، م.

(١٣) واحدة : واحد د ، ك ، م.

٢٢٩

ونقول : ليس يمتنع أن تكون هذه القوى متغايرة بالنوع أيضا ، وتنسب إلى ذات واحدة هى فيها. (١) فأما كيفية تصور هذا فهو أن الأجسام العنصرية تمنعها صرفية التضاد عن قبول الحياة ، فكلما أمعنت فى هدم طرف من التضاد ورده إلى التوسط الذي لا ضد له جعلت تضرب إلى شبه (٢) بالأجسام السماوية ، فتستحق بذلك قبول قوة محيية من الجوهر المفارق المدبر ، ثم إذا ازدادت قربا من التوسط ازدادت قبول حياة حتى تبلغ الغاية التي لا يمكن أن يكون أقرب منها إلى التوسط ، ولا أهدم منها للطرفين المتضادين ، فتقبل جوهرا مقارب الشبه من وجه ما للجوهر المفارق كما للجواهر السماوية ، فيكون حينئذ ما كان يحدث فى غيره من المفارق يحدث فيه من نفس هذا الجوهر المقبول المتصل به الجوهر. (٣) ومثال هذا فى الطبيعيات : لنتوهم مكان الجوهر المفارق نارا أو شمسا ، ومكان البدن جرما يتأثر عن النار وليكن كرة (٤) ما ، وليكن (٥) مكان النفس النباتية تسخينها إياها ، ومكان النفس الحيوانية إنارتها فيها ، ومكان النفس الإنسانية إشعالها (٦) فيها نارا. فنقول : إن ذلك الجرم المتأثر كالكرة ، إن كان ليس وضعه من ذلك المؤثر فيه وضعا يقبل الاشتعال منه نارا ولا إضاءته وإنارته ، (٧) ولكن وضعا يقبل تسخينه لم يقبل غير ذلك. فإن كان وضعه وضعا يقبل تسخينه ، ومع ذلك هو مكشوف له أو مستشف أو على نسبة (٨) إليه يستنير بها عنه استنارة قوية ، فإنه يسخن (٩) عنه ويستضيء معا ، ويكون الضوء الواقع فيه منه هو مبدأ أيضا مع ذلك المفارق لتسخينه. فإن الشمس إنما تسخن بالشعاع ، ثم إن كان الاستعداد أشد وهناك ما من شأنه أن يشتعل عن (١٠) المؤثر الذي من شأنه أن يحرق بقوته أو شعاعه اشتعل فحدثت الشعلة جرما شبيها بالمفارق من وجه ، وتكون تلك الشعلة أيضا مع المفارق علة للتنوير والتسخين معا حتى لو بقيت وحدها لاستتم أمر التنوير والتسخين. ومع هذا فقد

__________________

(١) فيها : فيه د ، ك ، م.

(٢) شبه : تشبه ك.

(٣) الجوهر (الثانية) : ساقطة من د.

(٤) كرة : قوة م

(٥) وليكن (الثانية) : ولكن م.

(٦) إشعالها : اشتعالها ك.

(٧) ولا إضاءته وإنارته : ولا إضاءة ولا إنارة ك.

(٨) نسبة : نسبته ك

(٩) يسخن : يتسخن ك.

(١٠) عن : من ف.

٢٣٠

كان يمكن أن يوجد التسخين وحده ، أو التسخين والتنوير وحدهما ، ولم يكن المتأخر منهما مبدأ يفيض عنه المتقدم ، وكان (١) إذا اجتمعت الجملة يصير حينئذ كل ما فرض متأخرا مبدأ أيضا للمتقدم وفائضا عنه المتقدم.

فهكذا فليتصور الحال فى القوى النفسانية وسيأتى فى بعض الفنون المتأخرة ما يشرح صورة الأمر فى هذا حيث نتكلم فى تولد الحيوان.

__________________

(١) وكان : فكان ك.

٢٣١

الفصل الثامن (١)

فى بيان الآلات التي للنفس (٢)

وبالحرى (٣) أن نتكلم الآن فى الآلات التي للنفس ، (٤) فنقول : إنه قد أفرط الناس فى أمر الأعضاء التي تتعلق بها القوى (٥) الرئيسة من النفس إفراطا فى جنبتى اللجاج ، وركنوا إلى تعسف كثير وتعصب شديد مال إليه كل واحد من الفريقين حتى خرج من الحق. وأكثرهم غلطا (٦) من جعل النفس ذاتا واحدة وقضى مع ذلك أن الأعضاء الرئيسة كثيرة ، فإنه لما خالف فيه الفلاسفة القائلة بتكثر أجزاء النفس ، ووافق من قال بوحدانيتها ، لم يعلم أنه يلزمه أن يجعل العضو الرئيس واحدا ، وهو الذي يكون به أول تعلق النفس. وأما المكثرون (٧) لأجزاء النفس فما عليهم أن يجعلوا لكل جزء منه معدنا مخصوصا ومركزا مفردا.

فنقول أولا : إن القوى النفسانية البدنية مطيتها (٨) الأولى جسم لطيف نافذ فى المنافذ روحانى ، وإن (٩) ذلك الجسم هو الروح ، وإنه لو لا أن قوى النفس المتعلقة بالجسم تنفذ محمولة فى جسم لما كان سد المسالك حابسا لنفوذ القوى المحركة والحساسة والمتخيلة أيضا ، وهو حابس ظاهر الحبس عند من جرب التجارب الطبية ، وهذا الجسم نسبته إلى لطافة الأخلاط وبخاريتها نسبة الأعضاء إلى كثافة الأخلاط ، وله مزاج مخصوص ، ومزاجه يتغير أيضا بحسب الحاجة إلى اختلاف يقع فيه ليصير به حاملا (١٠) لقوى مختلفة ، فإنه (١١) ليس يصلح المزاج الذي معه (١٢) يغضب للمزاج الذي معه يشتهى أو يحس ،

__________________

(١) الفصل الثامن : فصل ٨ ف ؛ فصل م.

(٢) فى ... للنفس : ساقطة من م.

(٣) وبالحرى : فبالحرى ك

(٤) فى ... للنفس : ساقطة من م.

(٥) القوى : القوة م.

(٦) غلطا : + مع ك.

(٧) وأما المكثرون : لو أن المكثر د.

(٨) مطيتها : مظنتها م.

(٩) وإن : فإن د.

(١٠) ليصير به حاملا : يصير به ملاء م.

(١١) فإنه : وإنه م

(١٢) معه (الأولى) : منه ك ، م.

٢٣٢

ولا المزاج الذي يصلح للروح الباصر هو بعينه الذي يصلح للروح المحرك. ولو كان المزاج واحدا لكانت القوى المستقرة فى الروح واحدة وأفعالها واحدة ، فإذا كانت النفس واحدة فيجب أن يكون لها أول (١) تعلق بالبدن ، ومن هناك تدبره وتنميه ، وأن يكون ذلك بتوسط هذا الروح ، ويكون أول ما تفعل النفس ، يفعل العضو الذي بوساطته تنبعث قواها فى سائر الأعضاء بتوسط هذا (٢) الروح ، وأن يكون ذلك العضو أول متكون من الأعضاء وأول معدن لتولد الروح. وهذا هو القلب ، يدل على ذلك ما حققه التشريح المتقن ، وسنزيد هذا المعنى (٣) شرحا فى الفن الذي فى الحيوان.

فيجب أن يكون أول تعلق النفس بالقلب ، وليس يجوز أن تتعلق بالقلب ثم بالدماغ ، فإنها إذا تعلقت بأول عضو صار البدن نفسانيا ، وأما الثاني فإنما تفعل فيه لا محالة بتوسط هذا الأول. فالنفس تحيي الحيوان بالقلب ، لكن يجوز أن تكون قوى الأفعال الأخرى تفيض من القلب إلى الأعضاء الأخرى ، لأن الفيض يجب أن يكون صادرا من أول متعلق به ، فيكون الدماغ هو الذي يتم فيه مزاج الروح الذي يصلح لأن يكون حاملا لقوى الحس والحركة إلى الأعضاء حملا يصلح معه أن تصدر عنها أفعالها. وكذلك حال الكبد بالقياس إلى قوى التغذية ، ولكن يكون القلب هو المبدأ الأول الذي أول تعلقه به ومنه تنفذ إلى غيره ويكون الفعل فى أعضاء أخرى. كما أن مبدأ الحس عند مخالفى هذا القول إنما هو فى الدماغ ، لكن أفعال الحس لا تكون به وفيه ، بل فى أعضاء أخرى كالجلد وكالعين وكالأذن. وليس يجب من ذلك أن لا يكون الدماغ مبدأ ، كذلك أيضا يجوز أن يكون القلب مبدأ لقوى التغذية ولكن أفعالها فى الكبد. ولقوى التخيل والتذكر والتصور لكن (٤) أفعالها فى الدماغ ، بل ينبغى أن يكون المبدأ للقوى المختلفة غير صالح لأن يصدر عن معدنه جميع أفعالها ، بل يجب أن تتفرع فى آلات مختلفة تتخلق بعد ذلك العضو تخلقا وتفيض من ذلك العضو إليها قوة ملائمة لمزاج ذلك الفرع واستعداده ، على ما ستقف (٥) عليه فى ذكر الحيوان ،

__________________

(١) أول : ساقطة من م.

(٢) هذا : هذه م.

(٣) المعنى : الشىء ك.

(٤) لكن : ولكن د ، ك.

(٥) ما ستقف : ما تقف د.

٢٣٣

حتى لا يكون على العضو الذي هو المبدأ ثقل. ولذلك خلقت العصب للدماغ والأوردة للكبد ، كان الدماغ والكبد مبدأين أولين للحس والحركة والتغذية أو كانا مبدأين ثانيين. وإذا فاض من القلب قوة التكوين (١) والتخليق إلى الدماغ فتكوّن الدماغ ؛ (٢) فلا كثير بأس بأن يكون الدماغ يرسل من نفسه آلة يستمد بها الحس والحركة من القلب ، أو يكون القلب ينفذ إليه الآلة التي بتوسطها ينفذ إليه الحس والحركة. فلا يجب أن يقع من المضايقة فى أمر خلقة العصب أن مبدأها من القلب أو من الدماغ ما هو ذا يقع ، بل نسلم أنه من الدماغ ويستمد من القلب ، كما أن الكبد يرسل إلى المعدة ما يستمد منها فيه ولها أيضا عروق تمد غيرها بها. فليس يجب أن يكون العضو الذي هو مبدأ قوة فيه أيضا أول أفعال تلك القوة ، وأن يكون آلة لأفعال تلك القوة ، بل يجوز أن تكون الآلة خلقت للاستمداد من شىء آخر ، وأن يكون إنما يستمد بعد تخلقها ، حتى يكون الدماغ أول ما تخلق لم يكن مبدأ للحس والحركة بالفعل ، بل مستعدا لأن يصير مبدأ ما للأعضاء التي بعده إذا استمد من غيره بعد أن تتخلق آلة الاستمداد من غيره له ، فلما تخلق منه عصب ذاهب إلى القلب استمد الحس والحركة منه حينئذ. ويمكن أن يكون مع تخلق هذا المنفذ بلا تأخر فلا تكون فى نفوذه عنه إلى القلب حجة أيضا ولا شبه حجة ، بل كما تخلق الدماغ يخلق معه من مادته شىء نافذ إلى القلب غريب عن القلب استمد منه الحس والحركة. على أن نبات (٣) هذا العصب من الدماغ ومصيره منه إلى القلب ليس شيئا يظهر الظهور الذي يظنه مدعى نبات العصب الذي بين الدماغ والقلب من الدماغ إلى القلب لا من القلب إلى الدماغ ، على ما سنوضحه فى موضعه من كلامنا فى طبائع الحيوان ونطول الكلام فيه طولا يشفى ويقنع.

ومع ذلك فلنعد إلى معاملة أخرى ، فنقول : إنه ليس بمستحيل أن يكون مبدأ وجود قوة هو فى عضو ، فتنفذ من ذلك العضو إلى عضو آخر ، وهناك (٤) تتم القوة وتستكمل ، ثم تنعطف إلى هذا العضو الأول فترفده. فإن الغذاء إنما يصير إلى الكبد من المعدة ، ثم إذ صار هناك (٥) على نحو ما عاد فغذى (٦) المعدة فى عروق تنبعث من الطحال والأجوف وتنبث فى المعدة ، فلا ضير أن يكون مبدأ القوة

__________________

(١) فتكون : وتكون م.

(٢) فتكون الدماغ : ساقطة من د.

(٣) نبات : ثبات م.

(٤) وهناك : وهنا لك ك ، م.

(٥) هناك : هنالك ك ، م

(٦) فغذى : فغذا د ، ك ، م.

٢٣٤

ينبعث من القلب مثلا ولا تكون القوة فى القلب كاملة تامة ثم إنها تفيد القلب إذا استكملت فى عضو آخر. وهكذا حال الحس المشترك ، فإن مبدأ القوة الحساسة الجزئية منه ، (١) ثم إنها تعود إليه بالفائدة.

على أن حس القلب نفسه ـ وخصوصا اللمس ـ أعظم من حس الدماغ نفسه ، ولذلك أوجاعه لا تحتمل ، وعلى أنه ليس بممتنع فى القوى أن تصير أقوى وأشد فى غير مبادئها لمصادفة مواد تجعلها بتلك الحال. ويشبه أن تكون قوة أطراف الأوتار على الجذب أشد من قوة أوائلها التي تلى العصب. فالقلب مبدأ أول تفيض (٢) منه إلى الدماغ قوى : فبعضها (٣) تتم أفعالها فى الدماغ وأجزائه كالتخيل والتصور وغير ذلك ، وبعضها تفيض من الدماغ إلى أعضاء خارجة عنه كما تفيض إلى الحدقة وإلى العضل المحركة ، وتفيض من القلب إلى الكبد قوة التغذية. ثم تفيض من الكبد بتوسط العروق فى جميع البدن وتغذو القلب أيضا ، فتكون القوة مبدؤها من القلب ، والمادة مبدؤها من الكبد.

وأما القوى الدماغية فإن البصر يتم بالرطوبة الجليدية التي هى كالماء الصافى ، فتقبل صور المبصرات وتؤديها إلى الروح الباصر ، (٤) ويكون تمام الإبصار عند ملتقى العصبة (٥) المجوفة ، على ما علم من تشريحه وتعريف حاله. وأما الشم فبزائدتين فى مقدم الدماغ كحلمتى الثدى. وأما الذوق فبأعصاب دماغية تأتى اللسان والحنك وتؤتيهما (٦) قوة (٧) الحس والحركة. وأما السمع فبأعصاب دماغية أيضا تأتى الصماخ فتغشى السطح المحيط به. وأما اللمس فبأعصاب دماغية ونخاعية تنتشر فى البدن كله.

وأكثر عصب الحس من مقدم الدماغ. لأن مقدم الدماغ (٨) ألين ، واللين أنفع فى الحس ، ومقدم الدماغ كما يتأدى إلى خلف وإلى النخاع يصير (٩) أصلب ليتدرج إلى النخاع الذي يجب أن تعين دقته الصلابة. وأكثر عصب الحركة التي من الدماغ إنما تنبت من مؤخر الدماغ ، لأنه أصلب ، والصلابة أنفع فى الحركة وأعون عليها. والعصب التي للحركة فى أكثر الأمر

__________________

(١) منه : منها د ، ك ، م.

(٢) تفيض : وتفيض د.

(٣) فبعضها : بعضها ك ، م.

(٤) الباصر : الباصرة ك.

(٥) العصبة : العصب ك.

(٦) وتؤتيهما : وتؤيتها م

(٧) قوة : ساقطة من ف.

(٨) لأن مقدم الدماغ : ساقطة من م.

(٩) يصير : فيصير ك ، م.

٢٣٥

تتولد منها العضل ، فإذا جاوزت العضل حدث منها ومن الرباطات الأوتار ، وأكثر اتصال أطرافها بالعظام وقد تتصل فى مواضع بغير العظام ، وقد تتصل العضلة نفسها بالعضو المحرك من غير توسط وتر. والنخاع كجزء من الدماغ ينفذ فى ثقب الفقارات ، لئلا يبعد ما يتولد من العصب من الأعضاء ، بل يتولد منها العصب مرسلة بالقرب إلى الموضع المحتاج كونها به. وأما القوة المصورة والحس المشترك فهما من مقدم الدماغ فى روح تملأ ذلك التجويف ، وإنما كانا هناك ليطلا على الحواس التي أكثرها إنما تنبعث من مقدم الدماغ ، فبقى الفكر والذكر فى التجويفين الآخرين ، لكن الذكر قد تأخر موضعه ليكون مكان الروح المفكرة (١) متوسطا بين خزانة الصور (٢) وبين خزانة المعنى ، وتكون مسافته بينهما واحدة ، والوهم مستول على الدماغ كله وسلطانه فى الوسط.

وأخلق بأن يتشكك متشكك فيقول : كيف ترتسم صورة جبل بل صورة العالم فى الآلة اليسيرة التي تحمل (٣) القوة المصورة؟ فنقول له : إن الإحاطة بانقسام الأجسام إلى غير نهاية تكفى مؤونة (٤) هذا التشكك ، فإنه كما يرتسم العالم فى مرآة صغيرة وفى الحدقة بأن ينقسم ما يرتسم فيها بحذاء (٥) انقسامه ، إذ الجسم الصغير ينقسم بحسب قسمة الكبير عددا وشكلا ، وإن كان يخالف القسم القسم فى المقدار ، فكذلك حال ارتسام الصور الخيالية فى موادها. ثم تكون نسبة ما ترتسم فيه الصورة (٦) الخيالية بعضه إلى بعض (٧) فى عظم ما يرتسم فيه وصغر (٨) ما ترتسم فيه ، نسبة الشيئين من خارج فى عظمهما وصغرهما مع مراعاة التشابه فى البعد.

وأما قوة الغضب وما يتعلق بها فلم تحتج إلى عضو غير المبدأ ، لأن فعلها فعل واحد وتلائم المزاج الشديد الحر وتحتاج إليه ، وليس تأثير المتفق منه أحيانا تأثير المتصل من الفكرة والحركة حتى يخاف أن يشتعل اشتعالا مفرطا ، وذلك لأنه مما يعرض أحيانا ، وذانك (٩) كاللازم ، مثل الفهم والفكرة وما يشبههما مما يحتاج إلى ثبات وإلى قبول. ويجب

__________________

(١) المفكرة : ساقطة من ك.

(٢) الصور : الصورة ك.

(٣) تحمل : تحتمل ف.

(٤) مؤونة : مؤنة ف ، ك ، م.

(٥) بحذاء : بحسب ك.

(٦) الصورة : الصور ك.

(٧) ما ترتسم ... وصغر : ساقطة من م.

(٨) بعضه : بعضها د ، ك.

(٩) وذانك : وذينك د ؛ وذلك ك ، م.

٢٣٦

أن يكون العضو المعد له (١) أرطب وأبرد ، وهو الدماغ ، لئلا يشتعل الحار الغريزى اشتعالا شديدا ، وليقاوم الالتهاب الكائن بالحركة. ولما كانت التغذية مما يجب أن يكون بعضو عديم الحس حتى يمتلئ من الغذاء ويفرغ منه ، فلا يوجعه ذلك ، ولا يتألم كثيرا بما ينفذ فيه ومنه وإليه ، وأن يكون أرطب جدا كيما يحفظ الحار القوى بالمعادلة والمقاومة ، فجعل ذلك العضو الكبد وجعل قوة التوليد فى عضو آخر شديد الحس ليعين على الدعاء إلى الجماع بالشبق ، وإلا لم يكن يتكلف ذلك لو لم يكن فيه لذة وإليه شبق ، إذ لا حاجة إليه فى بقاء الشخص. واللذة تتعلق بعضو حساس فجعل له الأنثيان وأعينتا (٢) بآلات أخرى بعضها لجذب المادة وبعضها لدفعها ، كما يأتيك ذكره حيث نتكلم فى الحيوان. (٣)

__________________

(١) له : لها د ؛ لهما ك.

(٢) وأعينتا : وأعينا د ، م ؛ وأحسنا ك.

(٣) الحيوان : + تم كتاب النفس وهو الفن السادس من الطبيعيات والحمد لله وحسن توفيقه د ؛ + هذا آخر كتاب النفس وهو الفن السادس من الطبيعيات ك ؛ + آخر كتاب النفس م.

٢٣٧
٢٣٨

معجم عربى لاتينى لأهم المصطلحات الفلسفية

lEXIQUE ARABE ـ LATIN DES PRINCIPAUX TERMES TECHNIQUE ١. Ce lexique est selectif : il ne mentionne que certain nombre de termes tech ـ niques qui nous ont paru interessants soit en eux ـ memes soit pour la maniere dont ils ont ete traduits en latin au Moyen ـ Age. En second lieu, les references aux passages ou se trouvent mentionnes ces termes ne sont pas exhaustifs :

nous navons generalement indique que le premier passage ou se rencontre le terme.

٢. Le premier chiffre en caracteres latins renvoie a ledition latine du De Anima de Mlle Van Riet; le second chiffre a notre edition arabe ud Caire.

٣. Quand plusieurs termes latins traduisent un meme terme arabe nous avons signale par un asterisque le terme Jatin qui est plus frequemment employe.

On trouvera dans le lexique prepare par Mlle Van Riet la liste complete des passages pour chaque terme.

(١) ليس هذا المعجم شاملا ، بل هو مقصور على بعض المصطلحات الفلسفية الهامة ؛ وبوجه أخص المتصلة بعلم النفس. وقد اخترنا الكلمات لأهميتها الذاتية أو للوقوف على طريقة ترجمتها إلى اللاتينية فى القرون الوسطى. ومن جهة أخرى ، لم نذكر جميع المواضع التي وردت فيها كل كلمة ، بل اكتفينا بذكر أول موضع وردت فيه.

(٢) يشير الرقم الأول (بالحروف اللاتينية) إلى الطبعة اللاتينية لكتاب النفس التي حققتها الانسة فانريت ويشير الرقم الثاني إلى طبعتنا القاهرية.

(٣) عند ما توجد عدة ترجمات لاتينية لكلمة عربية واحدة ، نشير إلى الكلمة الأكثر استعمالا بنجمة صغيرة. ومن أراد الاطلاع على جميع مواضع استعمالها فليرجع إلى معجم الآنسة فانريت.

٢٣٩

ـ ا ـ

آلة instrumentum

١٧ ، ٥١ ؛ ١٨ ، ١٤

آلى instrumentalis

٦٢ ، ٢٩ ؛ ١٠ ، ٢٠

آلات instrumenta

* ٥٩ ، ٢٩ ؛ ١٠ ، ١٨

Membra

٤٥ ، ١٤١ ؛ ٦١ ، ١

آفات languores

٢٨ ، ١٢٧ ؛ ٥٥ ، ٢٣

nocumenta

٨٤ ، ٢٣٤ ؛ ١١٣ ، ٣

آن modus

٩ ، ٢٦١ ؛ ١٢٨ ، ١٠

momentum

٥٤ ، ١٨٧ ؛ ٨٨ ، ١٤

nunc

* ٨٠ ، ١٦ ؛ ٥ ، ١١

أثر actio

٥٥ ، ٢٦٣ ؛ ١٢٩ ، ١٤

affectio

* ١٠ ، ٩٤ ؛ ٣٨ ، ١٨

impressio

٤٥ ، ٢٦٣ ؛ ١٢٩ ، ١٠

motus

٩٨ ، ٢٧٧ ؛ ١٣٧ ، ١٤

أثّر afficere

* ٢٥ ، ٦٥ ؛ ٣٨ ، ٢

agere in

٥٤ ، ٢٦٣ ؛ ١٢٩ ، ١٤

efficere

٣٨ ، ٢٥٦ ؛ ١٢٦ ، ٣

imprimere

٤٢ ، ٢٦٣ ؛ ١٢٩ ، ٨

operari

٥ ، ٢٦٠ ؛ ١٢٨ ، ٨

تأثير actio

١٦ ، ٢٦١ ؛ ١٢٨ ، ١٤

passio

٦٨ ، ٢٤٥ ؛ ١١٩ ، ١٤

Affection ٨١ ، ٥٥ ؛ ٢٠ ، ١٢

اختيارى volontarius ٣١ ، ٢٤٣ ؛ ١١٨ ، ٩

أخذ apprehendere

* ١٦ ، ٩٤ ؛ ٣٩ ، ٣

assumere

٩٢ ، ٢٥٣ ؛ ١٢٤ ، ٢          

أدرك apprehendere

٩٩ ، ٣٣ ؛ ١٢ ، ٣

إدراكات apprehensiones

٨٥ ، ٧٠ ؛ ٢٨ ، ٤

أذن auditis

٩٣ ، ١٣٨ ؛ ٦١ ، ٨

استعداد aptitudo

١٠ ، ٦٤ ؛ ٢٥ ، ١

اسطقسّات elementa

٨١ ، ٤٨ ؛ ١٧ ، ٩

Subjecta

٩ ، ٩ ؛ ١ ، ٧

أصل fundamentum

٧٧ ، ١٢٣ ؛ ٥٤ ، ١٢

origo

٢١ ، ١٣٩ ؛ ٦٢ ، ٦

اعتبار respectus

٤٢ ، ٢٠ ؛ ٧ ، ١١

اعتدال aequilitas

٦٣ ، ١٤٢ ؛ ٦٣ ، ١٣

اعتقاد conceptio

٦٩ ، ٧٤ ١١ ؛ ١٨٣ ، ٦

comprehensio

٦٠ ، ٦٨ ؛ ٢٧ ، ٧

credulitas

٢٥ ، ٦٥ ؛ ٢٥ ، ١١

تألّف conjunctio

٨٦ ، ٢١ ١١ ؛ ١٥٥ ، ١٥

تأليف collectio

١٢ ، ٥٧ ؛ ٢١ ، ١٢

compositio

٢٨ ، ٤٣ ؛ ١٥ ، ٢٤

conjunctio

* ٦٢ ، ٥٤ ؛ ١٩ ، ٢٠

مؤلفات res compositae

٣١ ، ٤٣ ؛ ١٥ ، ٢٤

ألم dolare

٩٣ ، ٢٦٠ ؛ ١٢٧ ، ٢١

dolere

* ٩٠ ، ١٣٧ ؛ ٦١ ، ٦

٢٤٠