🚘

الشّفاء ـ طبيعيّات

أبو علي حسين بن عبد الله بن سينا [ شيخ الرئيس ابن سينا ]

الشّفاء ـ طبيعيّات

المؤلف:

أبو علي حسين بن عبد الله بن سينا [ شيخ الرئيس ابن سينا ]


المحقق: الدكتور محمود قاسم
الموضوع : العلوم الطبيعيّة
الناشر: منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي
المطبعة: گل‌وردى
الطبعة: ٢
ISBN: 978-600-161-072-1
الصفحات: ٢٧٦
🚘 الجزء ١ 🚘 الجزء ٢ [٢] 🚘 الجزء ٢ [٤] 🚘 الجزء ٢ [٦] 🚘 الجزء ٢ [٨] 🚘 الجزء ٣
🚘 نسخة غير مصححة

الفن الرابع من الطبيعيّات (١) (٢)

فى الأفعال والانفعالات

مقالتان

قد (٣) فرغنا من تعريف الأمور (٤) العامة للطبيعيات ، (٥) ثم من تعريف الأجسام والصور (٦) والحركات الأولية (٧) فى العالم واختلافها فى طبائعها ، ثم (٨) من تعريف أحوال الكون والفساد وعناصرها ، (٩) فحقيق بنا أن نتكلم عن الأفعال والانفعالات الكلية التي (١٠) تحصل (١١) عن الكيفيات العنصرية بمعاضدة من تأثيرات الأجرام السماوية ، فإذا فرغنا من ذلك شرعنا حينئذ فى تفسير أحوال طبقات الكائنات ، مبتدئين بالآثار العلوية (١٢) والمعدنيات ، ثم ننظر فى حال النفس. فإن النظر فى النفس أعم من النظر في النبات والحيوانات ، ثم ننظر فى النبات ثم فى الحيوانات.

ونختم هذه الجملة الطبيعية. (١٣)

__________________

(١) تبدأ مخطوطة «سا» هكذا : الفن الرابع من جملة الطبيعيات الأفعال والأفعالات المقالة الأولى من هذا الفن تسعة فصول قد فرغنا. أما محطوطة «ب» فتبدأ : الفن الرابع من الجملة الثانية وفى بخ : الفن الرابع من الجملة الثانية. فى الآثار العلوية مقالتان ، المقالة الأولى تسعة فصول.

أما مخطوطة «ط» فتبدأ هكذا :

بسم الله الرحمن الرحيم ـ الفن الرابع من الجملة الثانية فى الفعل والانفعال مقالتان. أما مخطوط «د» فتبدأ هكذا الفن الرابع فى الآثار العلوية ـ قسم هذا الكتاب إلى فنين منه : الآثار العنصرية الهاوية «بمعاضدة تأثير الأجرام السماوية ، ومنه الآثار العلوية وفى المعدنيات على تبين فى التقرير :

بسم الله الرحمن الرحيم توكل يكن. قد فرغنا إلخ.

(٢) د : ـ الطبيعيات.

(٣) م : وقد

(٤) ب ، ط : من تعديد الأمور د : ـ «الأمور العامة للطبيعيات ثم من تعريف»

(٥) سا الطبيعية

(٦) م : الصورية

(٧) م : الأولى

(٨) سا : ثم

(٩) ط ، ب ، سا : عناصر همام ، ط : يحصل

(١٠) د : ـ التي

(١١) م ، ط : يحصل

(١٢) سا العلويات

(١٣) فى م زيادة هى : والله المستعان على ذلك ، وفى ط : زيادة وهى إنشاء الله تعالى.

٢٠١

المقالة الاولى (١)

من هذا الفن تسعة فصول

الفصل الأول (٢)

فى طبقات العناصر

هذه العناصر الأربعة تشبه (٣) أن تكون (٤) غير موجودة على محوضتها وصرافتها فى أكثر الأمر. وذلك لأن قوى الأجرام السماوية تنفذ فيها ، فتحدث (٥) (٦) فى السفليات الباردة حرا يخالطها ، فتصير (٧) بذلك بخارية ودخانية ، فتختلط (٨) بها نارية وهوائية. وترقى إلى العلويات أيضا أبخرة مائية (٩) وأدخنة أرضية ، فتخلطها (١٠) بها ، فيكاد أن (١١) تكون (١٢) جميع المياه وجميع الأهوية مخلوطة ممزوجة.

ثم إن توهمت صرافة فيشبه أن تكون للأجرام (١٣) العلوية من النارية. فإن الأبخرة والأدخنة أثقل من أن تبلغ (١٤) ذلك الموضع بحركتها. وإذا بلغت فما أقوى (١٥) تلك النار على إحالتها سريعا.

ويشبه أن يكون باطن الأرض البعيد من أديمها إلى غورها (١٦) قريبا من هذه الصفة. فإن (١٧) لم يكن بد من أن يكون كل جزء من النار والأرض كائنا فاسدا باطنه وظاهره إلا أن ما يخلص إلى مجاورة الفلك من النار يمحض ، (١٨) (١٩) ولا تكسر (٢٠) محوضته بشائب :

__________________

(١) ب : د ـ : تسعة فصول ـ د فيها زيادة وهى : أنها نذكر عناوين الفصول التسعة تفصيليا العنوان سبق فى سا ، ب

(٢) سا ، ب : فصل فى

(٣) م ، ب : تشبه

(٤) م ، ط : يكون

(٥) سقط من د : «فى أكثر الأمر وذلك لأن قوى الأجرام السماوية تنفذ فيها فتحدث» م : السمائية

(٦) ط : ينفذ ... فيحدث

(٧) ط : فيصير (٨) م ، د : فيختلط

(٩) م : ـ مائية (١٠) م ، ط فيخلطها

(١١) م : ـ أن(١٢) م ، ط : يكون

(١٣) م : الأجرام ، وفى ب ، د : للأجزاء ، وفى سا : الأجزاء

(١٤) م ، ط : يبلغ

(١٥) سا : قوى (١٦) م. غورتها ، وفى د : غورما

(١٧) سا ، ط ، د : وإن لم

(١٨) م : بمحض

(١٩) د : يتمحض

(٢٠) م : لا يكسر ، وفى سا : لا تنكسر.

٢٠٢

وكذلك ما يخلص إلى المركز من الأرض (١) يشبه المحض ، فلا ينفذ (٢) فيه تأثير من السماويات (٣) نفوذا يعتدّ به ، ولا ينفذ إليه شائب ؛ إذ لا يقبل (٤) رسوبا (٥) إلى ذلك الحد.

فيشبه لذلك أن تكون (٦) الأرض ثلاث طبقات : طبقة تميل (٧) إلى محوضة (٨) الأرضية وتغشاها طبقة مختلطة من الأرضية والمائية هى طين ؛ (٩) وطبقة منكشفة عن الماء (١٠) جفف (١١) وجهها الشمس ، وهو البر والجبل. وما ليس بمنكشف (١٢) فقد ساح عليه البحر ، (١٣) وهو أسطقس (١٤) الماء.

ويستحيل أن يكون للماء أسطقس (١٥) وكلية غير البحر. وذلك لأنه لا يخلو (١٦) إما أن يكون باطنا غائرا ، أو ظاهرا. فإن كان ظاهرا (١٧) فهو لا محالة بحر ليس غير البحر.

وإن كان باطنا لم يخل إما أن يكون مستقرا فى الوسط ، أو منحازا إلى بعض الجنبات. (١٨) فإن كان مستقرا فى الوسط ، فإما أن يكون بالطبع ، فتكون (١٩) الأرض أخف من الماء ، وهذا محال ؛ وإما بالقسر ، فيكون هاهنا قاسر للماء إلى حفر غور الأرض والانحياز فيه ، وهذا أيضا محال.

وإن كان منحازا فى جنبة واحدة ، فتكون كلية الماء محصورة فى بقعة صغيرة من الأرض (٢٠) وكلية الماء لا تقل ، لا محالة ، عن الأرض ، إن لم تزد (٢١) عليه. ثم يكون مقدار ماء البحر غبر قاصر (٢٢) عن مبلغه. فلم لا يكون البحر كلية دونه؟ ولم لا تفيض (٢٣) (٢٤) الأنهار فى «طرطاوس» ؛ بل فى البحر لا غير ، ولا يوجد الى «طرطاوس» مغيض؟

على أن لا نشك أن فى الأرض أغوارا مملوءة ، (٢٥) إلا أنها لا تبلغ (٢٦) فى الكثرة مقادير

__________________

(١) م ، سا : إلى مركز الأرض

(٢) د : ولا ينفذ (٣) م : السمائيات

(٤) ط : ولا يقبل (٥) بخ ولا يقبل نفوذا

(٦) م ، ط : يكون .... يميل

(٧) د : ـ تميل (٨) سا ، د : المحوضة.

(٩) فى جميع النسخ : هو طين

(١٠) م : من الماء (١١) م ، ب : خفف

(١٢) م : ينكشف (١٣) م : ـ البحر

(١٤) ب : استقص (١٥) ب : استقص

(١٦) ب : ـ ولا يخلو (١٧) م : ـ فإن كان ظاهرا

(١٨) د : الحنيات (١٩) م ، ط : فيكون

(٢٠) م : ـ من الأرض (٢١) م ، ط : يزد

(٢٢) م : قاسر

(٢٣) سقط من م : «ولم لا تفيض» إلى قوله «مغيض»

(٢٤) ط : يفيض ، وفى سا ، ب : تفيض

(٢٥) ط : أغوار مملوة (٢٦) ط : يبلغ.

٢٠٣

البحار ؛ (١) ولا الأرض يكثر فيها التجويفات كثرة (٢) يكون لها تأثير بالقياس إلى كلية الأرض ، كما ليس للجبال تأثير فى كريتها. (٣)

والهواء أيضا فهو (٤) طبقات : طبقة بخارية ، وطبقة هواء صرف ، وطبقة دخانية. وذلك لأن البخار ، وإن صعد فى الهواء صعودا ، فإنه إنما يصعد إلى حد ما. وأما الدخان فيجاوزه ويعلوه ؛ لأنه أخف حركة وأقوى نفوذا لشدة الحرارة فيه. وأعنى بالبخار ما يتصعد من الرطب ، من حيث هو رطب ، وأعنى بالدخان ما يتصعد عن اليابس من حيث هو يابس. ولأن البخار ، بالحقيقة ، على ما بيناه ، ماء متخلخل (٥) متصغر (٦) الأجزاء ، وطبيعة الماء أن يبرد بذاته ، ومن صورته ، (٧) إذا زال عنه (٨) المسخن وبعد عهده به ؛ فيجب أن يكون الجزء البخارى من الهواء باردا بالقياس إلى سائر الهواء. لكن ما يلى الأرض منه يسخن بمجاورة الأرض المسخنة (٩) بشعاع الشمس المستقر عليها استقرار الكيفيات لا الأجسام. (١٠) وما يبعد عنه (١١) يبرد. فتكون (١٢) طبقة الهواء السافلة بخارا (١٣) يسخن بمجاورة الشعاع (١٤) ، ثم تليه طبقة بخارية باردة ، ثم يليه (١٥) هواء أقرب إلى المحوضة ، ثم يليه (١٦) هواء دخانى ، وكأنه خلط من هواء ونار وأرض ، (١٧) ثم تليه نار ، (١٨) فتكون (١٩) هذه الصفات ثمانية : (٢٠)

أرض إلى الخلوص (٢١) ماء وطين ، وبر مع الجبال ، والبحر كطبقة واحدة مركبة ، وهواء مسخن بالشعاع ، (٢٢) وهواء بارد ، وهواء أقرب إلى المحوضة ، وهواء دخانى نارى ونار. (٢٣) فهذه (٢٤) طبقات العناصر فى ترتيبها ووضعها.

__________________

(١) د : البخار (٢) سا : كثرة

(٣) ما عدا «م» : كرتيه (٤) م : ـ فهو.

(٥) م : يتخلخل (٦) سا : متصغر متخلخل

(٧) ط : ـ ومن (٨) سا : عنه

(٩) سا : والمتسخنة (١٠) م : لا أجسام

(١١) م : وما يبعد عنها (١٢) م ، ط : فيكون

(١٣) سا ، د : بخارية تسخن

(١٤) بخ : بمجاورة الشمس أعنى شعاعها

(١٥) ط : يليه (الأولى) (١٦) م ، ط ، د : يليه

(١٧) م : وأرض (١٨) م : تليه نار «مطموسة»

(١٩) م ، ط : فيكون (٢٠) م : ثمانيا «وفى د : الثمانية

(٢١) الخلوص ما هى» هكذا فى م ، ب وفى النسخ الأخرى مائى

(٢٢) م : وهواء مسخن بالشعاع ، وفى «سا» : وهواء يتسخن بالشعاع ، وفى د : وهى متسخنة ، وفى ط : وهواء متسخن

(٢٣) م : ـ نارى ونار

(٢٤) م ، ط : وهذه.

٢٠٤

يفسد بسبب يخصه. لكن فساد البدن يكون بسبب يخصه من تغير المزاج أو التركيب. (١) فمحال أن تكون النفس تتعلق بالبدن تعلق المتقدم بالذات ، ثم يفسد البدن البتة بسبب فى بنفسه ، فليس إذن بينهما هذا التعلق. وإذا كان الأمر على هذا ، فقد بطلت (٢) أنحاء التعلق كلها وبقى أن لا تعلق للنفس فى الوجود بالبدن ، بل تعلقها (٣) فى الوجود بالمبادئ لأخرى (٤) التي لا تستحيل ولا تبطل.

وأقول (٥) أيضا : إن سببا آخر لا يعدم النفس البتة ، وذلك أن كل شىء من شأنه أن يفسد بسبب ما ففيه قوة أن يفسد ، وقبل (٦) الفساد فيه فعل أن يبقى ، وتهيؤه للفساد ليس لفعله (٧) أنه (٨) يبقى ، فإن معنى القوة مغاير (٩) لمعنى الفعل ، وإضافة هذه القوة (١٠) مغايرة (١١) لإضافة هذا الفعل ، لأن إضافة ذلك إلى الفساد وإضافة هذا إلى البقاء.

فإذن لأمرين مختلفين ما يوجد فى الشىء هذان المعنيان. فنقول : إن الأشياء المركبة والأشياء البسيطة التي هى قائمة فى المركبة (١٢) يجوز أن يجتمع فيها فعل أن يبقى وقوة أن يفسد ، وفى الأشياء البسيطة المفارقة الذات لا يجوز أن يجتمع هذان الأمران. وأقول بوجه مطلق : إنه لا يجوز أن يجتمع فى شىء أحدى الذات هذان المعنيان ، وذلك لأن كل شىء يبقى وله قوة أن يفسد فله أيضا قوة أن يبقى ، لأن بقاءه ليس بواجب ضرورى. وإذا لم يكن واجبا كان ممكنا ، والإمكان الذي يتناول الطرفين هو طبيعة القوة ، فإذن يكون له فى جوهره قوة أن يبقى وفعل أن يبقى. وقد بان أن فعل أن يبقى منه لا محالة ليس هو قوة أن يبقى منه ، (١٣) وهذا بيّن ، فيكون فعل أن يبقى منه أمرا يعرض للشىء الذي له قوة أن يبقى ، فتلك القوة لا تكون لذات ما بالفعل ، بل للشىء الذي يعرض لذاته أن تبقى بالفعل ، لا أنه (١٤) حقيقة ذاته. فيلزم من هذا أن تكون ذاته مركبة من

__________________

(١) أو التركيب : والتركيب ك.

(٢) بطلت : بطل د ، ف ، ك.

(٣) تعلقها : تعلقه د ، ك

(٤) الأخرى : الأخر د ، ك ؛ الأجزاء م.

(٥) وأقول : فأقول د ؛ ونقول م.

(٦) وقبل : وقيل م.

(٧) لفعله : بفعله ك ٤ لفعل م

(٨) أنه : أن ك ، م

(٩) مغاير : مغايرة ك ، م

(١٠) القوة (الثانية) : لقطة من م.

(١١) لمعنى ... مغايرة : ساقطة من م.

(١٢) المركبة (الثانية) : المركب ك.

(١٣) منه (الأولى) : ساقطة من ك.

(١٤) لا أنه : لأنه م.

٢٠٥

شىء إذا كان ، كانت (١) به ذاته موجودة (٢) بالفعل وهو الصورة (٣) فى كل شىء ، وعن (٤) شىء حصل له هذا الفعل وفى طباعه قوته (٥) وهو مادته. فإن كانت النفس بسيطة مطلقة لم تنقسم إلى مادة وصورة ، وإن (٦) كانت مركبة فلنترك المركب ولننظر فى الجوهر الذي هو مادته ، ولنصرف القول إلى نفس مادته ولنتكلم فيها.

فنقول : (٧) إن المادة إما أن تنقسم هكذا دائما ونثبت الكلام دائما ، وهذا محال. وإما أن لا يبطل الشىء الذي هو الجوهر والسنخ. وكلامنا فى هذا الشىء الذي هو السنخ والأصل وهو الذي نسميه النفس ، وليس كلامنا فى شىء مجتمع منه ومن شىء آخر. فبين أن كل شىء هو بسيط غير مركب ، أو هو أصل مركب وسنخه ، فهو غير مجتمع فيه فعل أن يبقى وقوة أن يعدم بالقياس إلى ذاته. فإن كانت فيه قوة (٨) أن يعدم فمحال أن يكون فيه فعل أن يبقى ، وإذا كان فيه فعل أن يبقى وأن يوجد فليس فيه قوة (٩) أن يعدم.

فبين إذن أن جوهر النفس ليس فيه قوة أن يفسد ، وأما الكائنات التي تفسد فإن الفاسد منها هو المركب المجتمع ، وقوة أن يفسد أو يبقى ليس فى المعنى الذي به المركب واحد ، بل فى المادة التي هى بالقوة قابلة كلا الضدين. فليس إذن فى الفاسد المركب لا قوة أن يبقى ولا قوة أن يفسد ، فلم تجتمعا فيه. وأما المادة فإما أن تكون باقية (١٠) لا بقوة تستعد بها (١١) للبقاء كما يظن قوم ، وإما أن تكون باقية بقوة بها تبقى وليس لها قوة أن تفسد ، بل قوة أن تفسد شىء آخر يحدث فيها. والبسائط التي فى المادة فإن قوة فسادها فى جوهر (١٢) المادة لا فى جوهرها. والبرهان الذي يوجب أن كل كائن فاسد من جهة تناهى قوى (١٣) البقاء والبطلان ، إنما يوجب فيما هو (١٤) كائن من مادة وصورة ، وتكون فى مادته قوة (١٥) أن تبقى فيه تلك الصورة وقوة أن تفسد هى منه (١٦) معا ، كما

__________________

(١) كانت : كان ف ، ك ؛ ساقطة من د

(٢) موجودة : موجودا د ، ف ، ك

(٣) الصورة : صورة م (٤) وعن : ومن م.

(٥) قوته : + به ك. (٦) وإن : فإن ك.

(٧) فنقول : ونقول د ، ك ، م.

(٨) فيه قوة ... كان : ساقطة من م.

(٩) قوة : ساقطة من م.

(١٠) باقية : ساقطة من ك ، م

(١١) بها : لها د.

(١٢) جوهر :

(١٣) هو م.

(١٤) قوى : قوتى ف.

(١٥) قوة (الأولى): + إلى ك

(١٦) منه معا : منها معا ف ؛ منه ك ؛ منها م.

٢٠٦

قد علمت. فقد بان إذن أن النفس الإنسانية لا تفسد البتة ، وإلى هذا سقنا كلامنا والله الموفق.

وقد (١) أوضحنا أن الأنفس إنما حدثت وتكثرت مع تهيؤ من الأبدان. على أن تهيؤ الأبدان يوجب (٢) أن يفيض (٣) وجود النفس لها من العلل المفارقة ، وظهر من ذلك أن هذا لا يكون على سبيل الاتفاق والبخت ، حتى يكون وجود النفس الحادثة ليس (٤) لاستحقاق هذا المزاج نفسا حادثة مدبرة ، ولكن قد كان وجدت (٥) نفس (٦) واتفق أن وجد معها بدن فتعلق بها ، فإن مثل هذا لا يكون علة ذاتية البتة للتكثر ، بل عسى أن تكون عرضية. وقد عرفنا أن العلل الذاتية هى التي يجب أن تكون أولا ، ثم ربما تليها العرضية ، فإذا (٧) كان كذلك ، فكل بدن يستحق مع حدوث مزاج مادته حدوث نفس له ، وليس بدن يستحقه وبدن لا يستحقه ، إذ أشخاص الأنواع لا تختلف فى الأمور التي بها تتقوم. وليس يجوز أن يكون بدن إنسانى يستحق نفسا يكمل بها وبدن آخر هو (٨) فى حكم مزاجه بالنوع ولا يستحق ذلك ، بل إن اتفق كان وإن (٩) لم يتفق لم يكن ، فإن هذا حينئذ لا يكون من نوعه. فإذا فرضنا أن نفسا تناسختها أبدان ، وكل بدن فإنه بذاته يستحق نفسا تحدث له وتتعلق به ، فيكون البدن الواحد فيه نفسان معا. ثم العلاقة بين النفس والبدن ليست هى (١٠) على سبيل الانطباع فيه ، كما بيناه مرارا ، بل العلاقة التي بينهما هى علاقة الاشتغال من النفس بالبدن ، حتى تشعر النفس بذلك البدن ، وينفعل البدن عن تلك النفس. وكل حيوان فإنه يستشعر نفسه نفسا واحدة هى المصرفة (١١) والمدبرة للبدن الذي له ، فإن كان هناك نفس أخرى لا يشعر الحيوان بها ولا هى (١٢) بنفسه (١٣) ولا تشتغل (١٤) بالبدن ، فليست لها علاقة مع البدن (١٥). لأن العلاقة لم تكن إلا بهذا النحو ، فلا يكون تناسخ بوجه من الوجوه. وبهذا المقدار لمن أراد الاختصار كفاية ، بعد أن فيه كلاما طويلا.

__________________

(١) وقد : فقد ك ، م.

(٢) يوجب : بموجب م

(٣) يفيض : يقبض م.

(٤) ليس : ساقطة من م

(٥) وجدت : حدث ف.

(٦) نفس : النفس ك ، م.

(٧) فإذا : فإن م.

(٨) هو : وهو م.

(٩) إن : ساقطة من م.

(١٠) ليست هى : ليس هو د ، ف ، ك.

(١١) المصرفة : المتصرفة ك.

(١٢) هى : هو د

(١٣) بنفسه : بنفسها م

(١٤) ولا تشتغل : ولا تشغل م

(١٥) مع البدن : بالبدن ك.

٢٠٧

الفصل الخامس (١)

فى العقل الفعال فى أنفسنا والعقل المنفعل عنه أنفسنا

نقول : إن النفس الإنسانية قد تكون عاقلة بالقوة ، ثم تصير عاقلة بالفعل ، وكل (٢) ما خرج من القوة إلى الفعل فإنما يخرج بسبب بالفعل يخرجه.

فههنا سبب هو الذي يخرج نفوسنا فى المعقولات من القوة إلى الفعل ، وإذ هو السبب فى إعطاء الصور العقلية ، فليس إلا عقلا بالفعل عنده مبادئ الصور العقلية مجردة ، ونسبته إلى نفوسنا كنسبة (٣) الشمس إلى أبصارنا. فكما أن الشمس تبصر بذاتها بالفعل ويبصر (٤) بنورها بالفعل ما ليس مبصرا بالفعل ، كذلك (٥) حال هذا العقل (٦) عند نفوسنا ، فإن القوة العقلية إذا اطلعت (٧) على الجزئيات التي فى الخيال وأشرق عليها نور العقل الفعال فينا الذي ذكرناه ، استحالت مجردة عن المادة وعلائقها ، وانطبعت فى النفس الناطقة ، لا على أنها أنفسها (٨) تنتقل من التخيل إلى العقل منا ، ولا على أن المعنى المغمور فى العلائق وهو فى نفسه واعتباره فى ذاته مجرد يفعل مثل نفسه ، بل على معنى أن مطالعتها تعد النفس لأن يفيض عليها المجرد من العقل الفعال. فإن الأفكار والتأملات حركات معدة للنفس نحو قبول الفيض ، كما أن الحدود الوسطى معدة بنحو أشد تأكيدا لقبول النتيجة ، وإن كان الأول على سبيل والثاني على سبيل أخرى ، (٩) كما ستقف عليه. فتكون النفس الناطقة إذا وقعت لها نسبة ما إلى هذه الصورة (١٠) بتوسط إشراق العقل الفعال حدث (١١) فيها (١٢) منه (١٣) شىء من جنسها من وجه

__________________

(١) الفصل الخامس : فصل ٥ ف.

(٢) وكل : فكل د.

(٣) كنسبة : نسبة ف ، م ؛ ساقطة من د.

(٤) يبصر : وتبصّر ف

(٥) كذلك حال : ساقطة من م

(٦) هذا العقل : ساقطة من م.

(٧) اطلعت : طلعت م.

(٨) أنفسها : نفسها ك.

(٩) أخرى : آخر ك.

(١٠) الصورة : الصور ك

(١١) حدث : أحدث م

(١٢) فيها : فيه د

(١٣) منه : منها ف ؛ ساقطة من د.

٢٠٨

وليس من جنسها من وجه ، كما أنه إذا وقع الضوء على الملونات فعل فى البصر منها أثرا ليس على جملتها من كل وجه. فالخيالات التي هى معقولات بالقوة تصير معقولات بالفعل ، لا أنفسها ، بل ما يلتقط عنها ؛ بل (١) كما أن الأثر المتأدى بواسطة الضوء من الصور المحسوسة ليس هو نفس تلك الصور ، بل شىء آخر مناسب لها يتولد بتوسط الضوء فى القابل المقابل ، كذلك النفس الناطقة إذا طالعت تلك الصور الخيالية واتصل بها نور العقل الفعال ضربا من الاتصال استعدت لأن تحدث فيها من ضوء العقل الفعال مجردات تلك الصورة عن الشوائب.

فأول ما يتميز عند العقل الإنسانى (٢) أمر الذاتى منها والعرضى وما به تتشابه تلك الخيالات وما به تختلف ، فتصير المعانى التي لا تختلف تلك بها معنى واحدا فى ذات العقل بالقياس إلى التشابه لكنها فيها (٣) بالقياس إلى ما تختلف به تصير معانى كثيرة ، فتكون للعقل قدرة على تكثير الواحد من المعانى وعلى توحيد الكثير. (٤) أما توحيد الكثير فمن وجهين : أحدهما بأن تصير المعانى الكثيرة المختلفة فى المتخيلات (٥) بالعدد ، إذا كانت لا تختلف فى الحد معنى واحدا. والوجه الثاني بأن يركب من معانى الأجناس والفصول معنى واحدا بالحد ، ويكون وجه التكثير (٦) بعكس هذين الوجهين. فهذه من خواص العقل الإنسانى ، وليس ذلك لغيره من القوى ، فإنها تدرك الكثير كثيرا كما هو ، والواحد واحدا كما هو ، ولا يمكنها أن تدرك الواحد البسيط ، بل الواحد من حيث هو جملة مركبة من أمور وأعراضها ، ولا يمكنها أن تفصل العرضيات وتنزعها من الذاتيات. فإذا عرض الحس على الخيال والخيال (٧) على العقل صورة ما أخذ (٨) العقل منها معنى ، فإن عرض عليه صورة أخرى من ذلك النوع وإنما هى أخرى (٩) بالعدد لم يأخذ العقل منها البتة صورة ما غير ما أخذ إلا من جهة العرض الذي يخص هذا من حيث هو ذلك العرض ، بأن يأخذه (١٠) مرة مجردا ومرة مع ذلك العرض. ولذلك (١١) يقال : إن زيدا وعمروا لهما (١٢)

__________________

(١) بل : ساقطة من ك.

(٢) الإنسانى : + فى د.

(٣) لكنها فيها : لكنه فيه د ، ك ، م.

(٤) الواحد ... الكثير : الواحد وعلى توحيد الكثير من المعانى ك.

(٥) بالعدد : ساقطة من م.

(٦) التكثير : الكثير م.

(٧) والخيال : ساقطة من م

(٨) أخذ : فأخذ د ، ك ؛ وأخذ م.

(٩) هى أخرى : هو آخر م.

(١٠) بأن يأخذه : فإن أخذه ك ، م

(١١) ولذلك : ولأجل ذلك د

(١٢) لهما : له م

٢٠٩

معنى واحد فى الإنسانية ، ليس على أن الإنسانية المقارنة لخواص (١) عمرو هى بعينها الإنسانية التي تقارن خواص زيد ، وكأن (٢) ذاتا واحدة هى لزيد (٣) ولعمرو كما يكون بالصداقة أو بالملك أو بغير ذلك ، بل الإنسانية فى الوجود متكثرة فلا وجود لإنسانية واحدة مشترك فيها فى الوجود الخارج حتى تكون هى بعينها إنسانية زيد (٤) وعمرو ، وهذا يستبين (٥) فى الصناعة الحكمية. ولكن معنى ذلك أن السابق من هذه إذا أفاد (٦) النفس صورة الإنسانية ، فإن الثاني لا يفيد (٧) البتة شيئا ، (٨) بل يكون المعنى المنطبع منهما (٩) فى النفس واحدا هو عن (١٠) الخيال الأول ؛ ولا تأثير للخيال الثاني ، فإن (١١) كل واحد منهما كان يجوز أن يسبق فيفعل هذا الأثر بعينه فى النفس ليس كشخصى إنسان وفرس.

هذا ، (١٢) ومن شأن العقل إذا أدرك أشياء فيها تقدم وتأخر أن يعقل معها الزمان ضرورة ، وذلك لا فى زمان ، بل فى آن. والعقل يعقل الزمان فى آن ، وأما تركيبه القياس والحد فهو يكون لا محالة فى (١٣) زمان ، إلا أن تصوره النتيجة والمحدود يكون دفعة.

والعقل ليس عجزه عن تصور الأشياء التي هى فى غاية المعقولية ، والتجريد عن المادة لأمر فى ذات تلك الأشياء ، ولا لأمر فى غريزة العقل ، بل لأجل أن النفس مشغولة فى البدن بالبدن ، فتحتاح (١٤) فى كثير من الأمور إلى البدن ، فيبعدها البدن عن أفضل كمالاتها. وليست العين إنما لا تطيق أن تنظر إلى الشمس لأجل أمر فى الشمس وأنها غير جلية ، (١٥) بل لأمر فى جبلة بدنها. فإذا زال عن النفس منا هذا الغمور وهذا العوق كان تعقل النفس لهذه أفضل التعقلات للنفس وأوضحها وألذها. ولأن كلا منا فى هذا الموضع إنما هو فى أمر النفس

__________________

(١) لخواص : بخواص ك.

(٢) وكأن : كأن ف

(٣) لزيد : لى م.

(٤) زيد : ساقطة من م

(٥) يستبين : نستبين ف ، سنبين ك ؛ سببين م.

(٦) أفاد : أفادت د ، ك

(٧) لا يفيد : يفيد د

(٨) شيئا : + آخر ك.

(٩) منهما : منها د ، ك

(١٠) عن : عن ك ، م.

(١١) فإن : وإن د.

(١٢) هذا : ساقطة من ك ، م.

(١٣) فى : ساقطة من د.

(١٤) فتحتاج : وتحتاج د.

(١٥) جلية : جبلته ك.

٢١٠

من حيث هى نفس ، (١) وذلك من حيث هى مقارنة (٢) لهذه المادة. فليس ينبغى لنا أن نتكلم فى أمر معاد النفس ـ ونحن متكلمون فى الطبيعة ـ إلى أن ننتقل إلى الصناعة الحكمية وننظر فيها فى الأمور المفارقة. وأما النظر فى الصناعة الطبيعية فيختص بما يكون لائقا بالأمور الطبيعية ، وهى الأمور التي لها نسبة إلى المادة والحركة ، بل نقول : إن تصور العقل يختلف بحسب وجود الأشياء ، فالأشياء (٣) القوية الوجود (٤) جدا قد يقصر العقل عن إدراكها لغلبتها ، والأشياء الضعيفة الوجود جدا كالحركة والزمان والهيولى فقد يصعب تصورها ، لأنها ضعيفة الوجود والأعدام ، (٥) لا يتصورها العقل وهو بالفعل مطلقا ، لأن العدم يدرك من حيث لا تدرك الملكة فيكون مدرك (٦) العدم من حيث هو عدم والشر من حيث هو شر شىء (٧) هو بالقوة وعدم كمال ، فإن أدركه عقل فإنما يدركه لأنه بالإضافة إليه بالقوة فالعقول التي لا يخالطها ما بالقوة لا تعقل العدم والشر من حيث هو عدم وشر ولا تتصورهما ، (٨) وليس فى الوجود شىء هو شر مطلقا.

__________________

(١) هى نفس : هو نفس ك

(٢) هى مقارنة : هو مقارن ك.

(٣) فالأشياء : والأشياء م.

(٤) الوجود (الأولى) : ساقطة من د ، ف.

(٥) والأعدام : والأعدم م.

(٦) مدرك : يدرك ك

(٧) شىء : شيئا م.

(٨) ولا تتصورهما : فلا تتصورهما د.

٢١١

الفصل السادس (١)

فى مراتب أفعال العقل وفى أعلى مراتبها

وهو العقل القدسى

فنقول : إن النفس تعقل بأن تأخذ فى ذاتها صورة المعقولات مجردة عن المادة ، وكون الصورة (٢) مجردة إما (٣) أن يكون بتجريد العقل إياها ، وإما أن يكون لأن تلك الصورة فى نفسها مجردة عن المادة ، فتكون النفس قد كفت المؤنة فى تجريدها.

والنفس تتصور ذاتها ، وتصورها ذاتها يجعلها عقلا وعاقلا ومعقولا ، وأما تصورها لهذه الصور فلا يجعلها كذلك ، فإنها فى جوهرها فى البدن دائما بالقوة عقل ، وإن خرج فى أمور ما إلى الفعل. وما يقال من أن ذات النفس تصير هى المعقولات ، فهو من جملة ما يستحيل عندى ؛ فإنى لست أفهم قولهم : إن شيئا يصير شيئا آخر ، ولا أعقل أن ذلك كيف يكون ، فإن كان بأن يخلع صورة ثم يلبس صورة أخرى ، ويكون هو مع الصورة الأولى شيئا ، ومع الصورة الأخرى شيئا ، فلم يصر بالحقيقة الشىء الأول الشىء الثاني ؛ بل الشىء الأول قد بطل وإنما بقى موضوعه أو جزء منه ، وإن كان ليس كذلك فلينظر (٤) كيف يكون فنقول : إذا صار الشىء شيئا آخر ، فإما أن يكون إذ هو قد صار ذلك الشىء موجودا أو معدوما ، فإن كان موجودا ، فالثانى الآخر إما أن يكون موجودا أيضا أو معدوما ، فإن كان موجودا ، (٥) فهما موجودان لا موجود واحد ، وإن كان معدوما ، فقد صار هذا الموجود شيئا معدوما لا شيئا آخر موجودا ، وهذا غير معقول. وإن كان الأول قد عدم فما صار شيئا آخر ، بل عدم هو وحصل شىء

__________________

(١) الفصل السادس : فصل ٦ ف.

(٢) الصورة : الصور م

(٣) إما : فإما د.

(٤) فلينظر : فلننظر ف.

(٥) موجودا : ساقطة من م.

٢١٢

آخر. فالنفس كيف تصير (١) صور الأشياء ، وأكثر ما هوّس الناس فى هذا هو الذي صنف لهم إيساغوجى وكان حريصا على أن يتكلم بأقوال مخيلة (٢) شعرية صوفية يقتصر منها (٣) لنفسه ولغيره على التخيل ، ويدل أهل التمييز على ذلك كتبه فى (٤) العقل والمعقولات وكتبه فى النفس. نعم إن صور الأشياء تحل فى النفس وتحليها (٥) وتزينها ، (٦) وتكون النفس (٧) كالمكان لها بتوسط العقل الهيولانى ، ولو كانت النفس صورة شىء من الموجودات بالفعل ، والصوره هى الفعل ، وهى بذاتها فعل ، وليس فى ذات الصورة قوة قبول شىء ، إنما قوة (٨) القبول فى القابل للشىء ، وجب أن تكون النفس حينئذ لا قوة لها على قبول صورة أخرى وأمر آخر. وقد نراها تقبل صورة أخرى غير تلك الصورة ، فإن (٩) كان ذلك الغير أيضا لا يخالف هذه الصورة فهو من العجائب ، فيكون القبول واللاقبول واحدا ؛ وإن كان يخالفه ، فتكون النفس لا محالة إن كانت هى الصورة المعقولة قد صارت غير ذاتها ، وليس من هذا شىء ، بل النفس هى العاقلة ، والعقل إنما (١٠) يعنى به قوتها التي بها تعقل ، أو يعنى به صور (١١) هذه المعقولات فى نفسها. (١٢) ولأنها فى النفس تكون معقولة ، فلا يكون العقل والعاقل والمعقول شيدا واحدا فى أنفسنا ، نعم هذا فى شىء آخر يمكن أن يكون على ما ستلمحه (١٣) فى موضعه. وكذلك (١٤) العقل الهيولانى إن عنى به مطلق الاستعداد للنفس فهو باق (١٥) فينا أبدا ما دمنا فى البدن ، وإن عنى بحسب شىء شىء فإن الاستعداد يبطل مع وجود الفعل.

وإذ قد (١٦) تقرر هذا فنقول : إن تصور المعقولات على وجوه ثلاثة : أحدها التصور الذي يكون فى النفس بالفعل (١٧) مفصلا منظما ، وربما يكون (١٨) ذلك التفصيل والنظام غير واجب ، بل يصح أن يغير ، مثاله أنك إذا فصلت فى نفسك معانى

__________________

(١) تصير : تصور م. (٢) مخيلة : مختلفة م.

(٣) منها : ساقطة من د.

(٤) فى (الثانية) : ساقطة من ف ، ك.

(٥) وتحليها : وتحيله د (٦) وتزينها : وتزينه د

(٧) النفس (الثانية): + صار ت ف.

(٨) قوة : قول م.

(٩) فإن ... الصورة : ساقطة من م.

(١٠) إنما : إمام. (١١) صور : صورة ك

(١٢) نفسها : أنفسها ك.

(١٣) ستلمحه : ستمحله ك

(١٤) وكذلك : فلذلك م.

(١٥) فهو باق : فهى باقية د ، ك.

(١٦) قد : ساقطة من م.

(١٧) بالفعل : ساقطة من د

(١٨) يكون : كان د ، ف.

٢١٣

الألفاظ التي يدل عليها قولك : كل إنسان حيوان ، وجدت كل معنى منها كليا لا يتصور إلا فى جوهر غير بدنى ، ووجدت لتصورها فيه تقديما وتأخيرا ؛ فإن غيرت ذلك حتى كان ترتيب المعانى المتصورة الترتيب المحاذى لقولك : الحيوان محمول على كل إنسان (١) لم تشك أن هذا الترتيب من حيث هو ترتيب معان كلية لم يترتب إلا فى جوهر غير بدنى ، وإن كان أيضا يترتب من وجه ما فى الخيال فمن حيث المسموع لا من حيث المعقول ، وكان الترتيبان مختلفين ، والمعقول الصرف منهما (٢) واحد ؛ والثاني أن يكون قد حصل التصور واكتسب ، لكن النفس معرضة عنه ، فليست تلتفت إلى ذلك المعقول ، بل قد انتقلت عنه مثلا إلى معقول آخر ، فإنه ليس فى وسع أنفسنا أن تعقل الأشياء معا (٣) دفعة واحدة. ونوع آخر من التصور وهو مثل ما يكون عندك فى مسألة تسأل عنها مما علمته أو مما هو قريب من أن تعلمه (٤) فحضرك جوابها فى الوقت ، وأنت متيقن بأنك تجيب عنها مما علمته من غير أن يكون هناك تفصيل البتة ، بل إنما تأخذ فى التفصيل والترتيب فى نفسك مع أخذك فى الجواب الصادر عن (٥) يقين منك بالعلم به قبل التفصيل والترتيب.

فيكون الفرق بين التصور الأول والثاني ظاهرا ، فإن الأول كأنه شىء قد أخرجته من الخزانة وأنت تستعمله ، (٦) والثاني كأنه شىء لك مخزون متى شئت استعملته ، والثالث يخالف الأول بأنه ليس شيئا مرتبا فى الفكر البتة ، بل (٧) هو كمبدإ لذلك مع مقارنته لليقين ، ويخالف الثاني بأنه لا يكون معرضا عنه ، بل منظورا إليه نظرا ما بالفعل يقينا إذ تتخصص معه النسبة إلى بعض ما هو كالمخزون.

فإن قال قائل : إن ذلك علم أيضا بالقوة ولكن قوة قريبة من الفعل ، فذلك باطل ، لأن لصاحبه يقينا بالفعل حاصلا لا يحتاج أن يحصله بقوة بعيدة أو قريبة. فذلك اليقين (٨) لأنه متيقن أن هذا حاصل عنده إذا شاء علمه ، فيكون تيقنه بالفعل

__________________

(١) إنسان : + إن ك.

(٢) منهما : منه د ، ك ، م.

(٣) معا : معه م.

(٤) من أن تعلمه : مما تعلمه ك.

(٥) عن : من ك.

(٦) تستعمله : ستعلمه م.

(٧) بل : + ما ك.

(٨) اليقين : + إما د ، ك ، م.

٢١٤

بأن هذا حاصل تيقنا به بالفعل ، فإن الحصول حصول لشىء ، (١) فيكون هذا الشىء الذي نشير إليه حاصلا بالفعل ، لأنه من المحال أن تتيقن أن (٢) المجهول بالفعل معلوم (٣) عنده مخزون ، فكيف تتيقن حال (٤) الشىء إلا والأمر هو من جهة ما تتيقنه (٥) معلوم. وإذا كانت الإشارة تتناول المعلوم (٦) بالفعل من المتيقن بالفعل أن هذا عنده مخزون فهو بهذا النوع البسيط معلوم عنده ، ثم يريد (٧) أن يجعله معلوما بنوع آخر. ومن (٨) العجائب أن هذا المجيب حين يأخذ فى تعليم غيره تفصيل ما هجس (٩) فى نفسه دفعة يكون مع ما يعلمه يتعلم العلم بالوجه الثاني فترتب (١٠) تلك الصورة فيه مع ترتب (١١) ألفاظه.

فأحد هذين هو العلم الفكرى الذي إنما يستكمل به تمام الاستكمال إذا ترتب وتركب ، والثاني هو العلم البسيط الذي ليس من شأنه أن يكون له فى نفسه صورة بعد صورة ولكن (١٢) هو واحد تفيض عنه الصور فى قابل الصور فذلك علم فاعل للشىء الذي نسميه علما فكريا ومبدأ له ، وذلك هو للقوة (١٣) العقلية المطلقة من النفوس المشاكلة للعقول الفعالة. وأما التفصيل فهو للنفس من حيث هى (١٤) نفس ، فما لم يكن له ذلك لم يكن له علم نفسانى. وأما أنه كيف يكون للنفس الناطقة مبدأ غير النفس له علم غير علم النفس ، فهو موضع نظر يجب عليك أن تعرفه من نفسك.

واعلم أنه ليس فى العقل المحض منهما تكثر البتة ولا ترتيب صورة فصورة ، بل هو مبدأ لكل صورة تفيض عند على النفس. وعلى هذا ينبغى أن تعتقد الحال فى المفارقات المحضة فى عقلها الأشياء ، (١٥) فإن عقلها هو العقل الفعال للصور والخلاق (١٦) لها لا الذي (١٧) يكون للصور أو فى صور. فالنفس (١٨) التي للعالم من حيث هى نفس فإن تصورها هو التصور المرتب المفصل ، فلذلك ليست بسيطة من كل وجه ، وكل إدراك عقلى

__________________

(١) لشىء : الشىء ك ، م.

(٢) تتيقن أن : تيقن أن ك

(٣) معلوم : ساقطة من د.

(٤) تتيقن حال : تيقن حال ك

(٥) ما تتيقنه : ما تيقنه ك.

(٦) المعلوم : للمعلوم ك.

(٧) يريد : قد يؤيد ك

(٨) ومن : من م. (٩) ما هجس : ما يهجس ك.

(١٠) فترتب : فتترتب ف (١١) ترتب : ترتيب ك.

(١٢) ولكن : لكن م. (١٣) للقوة : القوة ك ، م.

(١٤) هى : هو د ، ك.

(١٥) الأشياء : للأشياء د ، م

(١٦) والخلاق : الخلاق ف ، م.

(١٧) الذي : التي د ، ك ، م

(١٨) فالنفس : والنفس د ، ك.

٢١٥

فإنه نسبة ما إلى صورة مفارقة للمادة ولأعراضها المادية على النحو (١) المذكور. فللنفس (٢) ذلك بأنها جوهر قابل منطبع به ، وللعقل بأنه جوهر مبدأ فاعل خلاق ، فما (٣) يخص ذاته من مبدئيته لها هو عقليته بالفعل ، وما يخص النفس (٤) من تصورها بها وقبولها لها هو عقليتها بالفعل.

والذي ينبغى أن يعلم من حال الصور التي فى النفس هو ما أقوله : أما المتخيلات (٥) وما يتصل بها فإنها إذا عرضت (٦) عنها النفس (٧) كانت مخزونة فى قوى هى للخزن ، وليست بالحقيقة مدركة ، وإلا لكانت مدركة وخزانة معا ، بل هى خزانة إذا رجعت القوة الدراكة الحاكمة إليها وهى الوهم أو النفس (٨) أو العقل وجدتها (٩) حاصلة ، فإن لم تجدها احتاجت إلى استرجاع (١٠) بتحسس (١١) أو بتذكر. (١٢) ولو لا هذا العذر لكان من الواجب أن يشك فى أمر (١٣) كل نفس إذا كانت ذاهلة عن صورة ، أتلك الصورة موجودة أم ليست بموجودة إلا بالقوة ، ويتشكك فى أنها كيف ترتجع ، (١٤) وإذا لم تكن عند النفس فعند أى شىء تكون ، والنفس بأي شىء تتصل حتى تعاود هذه الصورة.

لكن النفس الحيوانية قد فرقت قواها ، وجعلت (١٥) لكل قوة آلة مفردة ، فجعلت للصور (١٦) خزانة قد يغفل عنها الوهم ، (١٧) وللمعانى خزانة قد يغفل عنها الوهم ، إذ ليس الوهم موضع ثبات هذه الأمور ، ولكن الحاكم. (١٨) فلنا أن نقول : إن الوهم قد يطالع الصور والمعانى المخزونة فى حيزى القوتين ، وقد يعرض عنها ، فما ذا نقول الآن فى الأنفس الإنسانية والمعقولات (١٩) التي تكتسبها وتذهل عنها إلى غيرها ، أتكون موجودة فيها بالفعل التام فتكون لا محالة

__________________

(١) على : ساقطة من م (٢) فللنفس : للنفس م.

(٣) فما : فيما م.

(٤) وما يخص النفس ... بالفعل : ساقطة من د.

(٥) المتخيلات : المخيلات ك.

(٦) عرضت : أعرض د ، ف ، م

(٧) النفس : ساقطة من م. (٨) أو النفس : والنفس ك

(٩) وجدتها : وجدها د ، ك.

(١٠) استرجاع : الاسترجاع ك ، م

(١١) بتحسس : بتحسيس د ؛ بتحسين م

(١٢) بتذكر : تذكر د ، ك.

(١٣) أمر : أن ك ، م. (١٤) ترتجع : ترجع ك.

(١٥) فجعلت : فجعل د ؛ جعلت ك.

(١٦) للصور : للصورة ك ، م

(١٧) الوهم : للوهم ك ، م.

(١٨) الحاكم : للحاكم م.

(١٩) والمعقولات : وللمعقولات د.

٢١٦

عاقلة لها بالفعل التام ، أو تكون لها خزانة تخزنها فيها ، وتلك الخزانة إما ذاتها وإما بدنها (١) أو شىء بدنى لها. وقد (٢) قلنا : إن بدنها وما يتعلق ببدنها مما لا يصلح لذلك ، إذ لم يصلح أن يكون محلا للمعقولات ، ولا صلح (٣) أن تكون الصور العقلية ذات وضع وكان اتصالها بالبدن يجعلها ذات وضع ، وإذا صارت فى البدن وضع (٤) بطل (٥) أن تكون معقولة. أو نقول : إن هذه الصور (٦) العقلية أمور قائمة فى أنفسها ، كل صورة منها نوع أمر (٧) قائم فى نفسه ، والعقل ينظر إليها مرة ويغفل عنها أخرى ، (٨) فإذا نظر إليها تمثلت فيه ، وإذا أعرض عنها لم تتمثل ، فتكون النفس كمرآة وهى كأشياء خارجة ، فتارة تلوح فيها وتارة لا تلوح ، وذلك بحسب نسب تكون بين النفس وبينها ، أو يكون المبدأ الفعال يفيض على النفس صورة بعد صورة بحسب طلب النفس ، وأن يكون إذا أعرضت عنه انقطع الفيض. فإن (٩) كان هذا هكذا فلم لا تحتاج كل كرة إلى تعلم من رأس.

فنقول : إن الحق هو القسم الآخر ، وذلك أنه من المحال أن نقول إن هذه الصورة موجودة فى النفس بالفعل التام ولا تعقلها بالفعل التام ، إذ ليس معنى أنها (١٠) تعقلها إلا أن (١١) الصورة موجودة (١٢) فيها ، ومحال أن يكون البدن لها خزانة ، ومحال أن تكون ذاتها خزانتها ، إذ ليس كونها خزانة لها إلا أن تلك الصورة معقولة موجودة فيها وبهذا تعلقها. وليس كذلك الذكر والمصورة ، فان إدراك هذه الصورة ليس لها ، بل حفظها فقط ، وإنما إدراكها لقوة (١٣) أخرى ، وليس وجود الصورة المذكورة والمتصورة (١٤) فى شىء هو إدراك ، كما ليس وجود الصور المحسوسة (١٥) فى الشىء (١٦) هو حس ، ولذلك ليست الأجسام وفيها صور (١٧) المحسوسات

__________________

(١) وإما بدنها : أو بدنها ك.

(٢) وقد : فقد م.

(٣) ولا يصلح : ولا يصلح ك ، م.

(٤) وضع (الثانية) : ساقطة من م

(٥) بطل : بطلت د.

(٦) الصور : الصورة م.

(٧) أمر : آخر ك

(٨) أخرى : ساقطة من د ، ك ، م.

(٩) فإن : وإن ك.

(١٠) أنها : أنه د ، ك.

(١١) موجودة ... الصورة : ساقطة من م.

(١٢) أن (الأولى) : له فى د.

(١٣) لقوة : بقوة ك.

(١٤) والمتصورة : والمصورة ف.

(١٥) الصور المحسوسة : صورة المحسوسات د ، ك

(١٦) الشىء : شىء ف

(١٧) صور : صورة ك.

٢١٧

بمدركة ، بل الإدراك يحتاج أن يكون لما من شأنه أن يتطبع (١) بتلك الصورة (٢) تطبعا (٣) ما بما هو قوة مدركة. وأما الذكر والمصورة (٤) فإنما تنطبع فيهما (٥) الصور بما هى آلة ولها جسم يحفظ تلك الصور قريبا من حامل القوة الدراكة وهى الوهم حتى ينظر إليها متى شاء ، كما يحفظ الصور (٦) المحسوسة قريبا من الحس ليتأملها (٧) الحس متى شاء.

فهذا التأويل يحتمله الذكر والمصورة ولا تحتمله النفس ، فإن وجود الصورة المعقولة فى النفس هو نفس إدراكها لها ، وأيضا سنبين بعد فى الحكمة الأولى أن هذه الصورة لا تقوم منفردة ، فبقى أن يكون القسم (٨) الصحيح هو القسم الأخير ، (٩) ويكون التعلم طلب الاستعداد التام للاتصال به ، حتى يكون منه العقل الذي هو البسيط فتفيض منه الصور مفصلة فى النفس بتوسط الفكرة ، فيكون الاستعداد قبل التعلم ناقصا ، والاستعداد بعد التعلم تاما. فإذا (١٠) تعلم يكون من شأنه أنه إذا خطر بباله ما يتصل بالمعقول المطلوب ، وأقبلت النفس على جهة النظر ـ وجهة النظر هو الرجوع إلى المبدأ الواهب للعقل ـ اتصل به ففاضت منه قوة العقل المجرد الذي يتبعه فيضان التفصيل ، وإذا أعرض عنه عادت فصارت تلك الصورة بالقوة ، ولكن قوة قريبة جدا من الفعل. فيكون التعلم الأول كمعالجة العين ، فإذا صارت العين صحيحة (١١) فمتى شاءت نظرت إلى الشىء الذي منه تأخذ صورة ما ، وإذا أعرضت عن ذلك الشىء صار ذلك بالقوة القريبة من الفعل. وما دامت النفس البشرية العامية فى البدن ، فإنه ممتنع عليها أن تقبل العقل الفعال دفعة ، بل يكون حالها ما قلنا. وإذا قيل : إن فلانا عالم بالمعقولات ، فمعناه أنه بحيث كلما شاء أحضر صورته فى ذهن نفسه ، ومعنى هذا أنه كلما شاء كان له أن يتصل بالعقل الفعال اتصالا يتصور فيه منه ذلك المعقول ، ليس أن ذلك المعقول حاضر فى (١٢) ذهنه ومتصور (١٣) فى عقله بالفعل دائما ، ولا كما كان قبل التعلم. (١٤) وتحصيل (١٥)

__________________

(١) يتطبع : ينطبع ك (٢) الصورة : الصور د ، ف

(٣) تطبعا : انطباعا ك. (٤) والمصورة : والمصور م

(٥) فبهما : فيها د ، ف ، م.

(٦) الصور : والصورة د ، م

(٧) ليتأملها : ليقابلها م.

(٨) القسم (الأولى) : التقسيم م

(٩) الأخير : الآخر ك.

(١٠) فإذا : وإذا ك ، م.

(١١) صحيحة : مصححة م.

(١٢) فى (الأولى) : ساقطة من د ، م

(١٣) ومتصور : ويتصور ك

(١٤) التعلم : التعليم م

(١٥) وتحصيل : وبتحصل د ؛ وبتحصيل ك ، م.

٢١٨

هذا الضرب من العقل بالفعل ، وهو القوة (١) تحصل (٢) للنفس أن تعقل بها (٣) ما تشاء ، (٤) فإذا شاءت اتصلت وفاضت (٥) فيها الصورة المعقولة ، وتلك الصورة هى العقل المستفاد بالحقيقة ، وهذه القوة هى العقل بالفعل فينا من حيث لنا (٦) أن نعقل.

وأما العقل المستفاد فهو العقل بالفعل (٧) من حيث هو كمال. وأما التصور للأمور المتخيلة فهو رجوع من النفس إلى الخزائن (٨) للمحسوسات. والأول نظر إلى فوق ، وهذا نظر إلى أسفل. فإن خلص عن البدن وعوارض البدن فحينئذ يجوز أن يتصل بالعقل الفعال تمام الاتصال وبلقى هناك الجمال العقلى واللذة السرمدية كما نتكلم عليه فى بابه.

واعلم أن التعلم سواء حصل من غير المتعلم أو حصل من نفس المتعلم فإنه متفاوت فيه ، فإن من المتعلمين من يكون أقرب إلى التصور ، لأن استعداده الذي قبل الاستعداد الذي ذكرناه أقوى ، فإن كان ذلك للإنسان فيما بينه وبين نفسه سمى (٩) هذا الاستعداد القوى حدسا. وهذا الاستعداد قد يشتد فى بعض الناس ، حتى لا يحتاج فى أن يتصل بالعقل الفعال إلى كثير شىء وإلى تخريج وتعليم ، بل يكون شديد الاستعداد لذلك (١٠) كأن الاستعداد الثاني حاصل له ، بل كأنه يعرف كل شىء من نفسه. وهذه الدرجة أعلى درجات هذ الاستعداد ، ويجب أن تسمى هذه الحالة من العقل الهيولانى عقلا قدسيا ، وهى (١١) من جنس العقل بالملكة ، إلا أنه رفيع جدا ليس مما يشترك فيه الناس كلهم. ولا يبعد أن يفيض بعض هذه الأفعال المنسوبة إلى الروح القدسية لقوتها واستعلائها فيضانا (١٢) على المتخيلة ، فتحاكيها المتخيلة أيضا بأمثلة محسوسة ومسموعة من الكلام على النحو الذي سلفت (١٣) الإشارة إليه. ومما يحقق هذا أن من المعلوم الظاهر أن الأمور المعقولة التي يتوصل إلى اكتسابها إنما تكتسب بحصول الحد الأوسط فى القياس. وهذا الحد الأوسط قد يحصل من (١٤) ضربين من الحصول ، فتارة يحصل بالحدس ، والحاس هو فعل للذهن يستنبط به بذاته الحد الأوسط والذكاء قوة الحدس ؛ وتارة يحصل بالتعليم ، ومبادئ التعليم الحدس ، فإن الأشياء تنتهى لا محالة إلى حدوس

__________________

(١) القوة : + التي ك

(٢) تحصل : تحصيل د

(٣) بها : + النفس ك

(٤) ما تشاء : ما شاءت ك ؛ ما شاء م.

(٥) وفاضت : وفاض ك.

(٦) لنا : لها ك ، م. (٧) بالفعل : ساقطة من د.

(٨) الخزائن : الجزءين م.

(٩) سمى : ساقطة من د.

(١٠) لذلك : وكذلك ك.

(١١) وهى : + شىء ف.

(١٢) فيضانا : فيضا مسا ك.

(١٣) سلفت : سلف م.

(١٤) من (الأولى) : ساقطة من ف.

٢١٩

استنبطها أرباب تلك الحدوس ثم أدوها إلى المتعلمين. فجائز إذن أن يقع للإنسان بنفسه الحدس وأن ينعقد فى ذهنه القياس بلا معلم ، (١) وهذا مما يتفاوت (٢) بالكم والكيف. أما (٣) فى الكم فلأن بعض الناس يكون أكثر عدد حدس (٤) للحدود الوسطى ، وأما فى الكيف فلأن بعض الناس أسرع زمان حدس. ولأن هذا التفاوت ليس منحصرا فى حد ، بل يقبل الزيادة والنقصان دائما ، وينتهى فى طرف النقصان إلى من لا حدس له البتة ، فيجب أن ينتهى أيضا فى طرف الزيادة إلى من له حدس فى كل المطلوبات أو أكثرها ، وإلى من له حدس فى أسرع وقت وأقصره. فيمكن (٥) إذن أن يكون شخص من الناس مؤيد النفس لشدة الصفاء وشدة الاتصال بالمبادئ العقلية إلى أن يشتعل حاسا ، أعنى قبولا لها من العقل الفعال فى كل شيء وترتسم (٦) فيه الصور (٧) التي فى العقل الفعال ، إما دفعة. وإما قريبا من دفعة ، ارتساما لا تقليديا ، بل بترتيب يشتمل على الحدود الوسطى. فإن التقليديات فى الأمور التي (٨) إنما تعرف بأسبابها ليست يقينية (٩) عقلية. وهذا ضرب من النبوة ، بل أعلى قوى (١٠) النبوة ، والأولى أن تسمى هذه القوة قوة (١١) قدسية ، وهى أعلى مراتب القوى الإنسانية.

__________________

(١) بلا معلم : بلا تعلم ك

(٢) يتفاوت : + فيه ك.

(٣) أما : وأما ك

(٤) حدس : حدسا د ؛ حدوس م.

(٥) فيمكن : فممكن ك ؛ ممكن م.

(٦) وترتسم : فترتسم د.

(٧) الصور : الصورة ك.

(٨) التي : ساقطة من م

(٩) يقينية : عينية م.

(١٠) قوى : قوة م.

(١١) قوة : + ساقطة من م.

٢٢٠