الشّفاء ـ طبيعيّات

أبو علي حسين بن عبد الله بن سينا [ شيخ الرئيس ابن سينا ]

الشّفاء ـ طبيعيّات

المؤلف:

أبو علي حسين بن عبد الله بن سينا [ شيخ الرئيس ابن سينا ]


المحقق: الدكتور محمود قاسم
الموضوع : العلوم الطبيعيّة
الناشر: منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي
المطبعة: گل‌وردى
الطبعة: ٢
ISBN: 978-600-161-072-1
ISBN الدورة:

الصفحات: ٢٦٧
  نسخة غير مصححة

بينها. (١) وأيضا فإن الحار يفعل فى البارد والبارد فى الحار (٢) ، ولا يفعل الحار فى الحار (٣) ولا البارد (٤) فى البارد. وكذلك الرطب يفعل فى اليابس ، واليابس فى الرطب ، ولا يفعل الرطب فى الرطب ، ولا اليابس فى اليابس. وإذا (٥) كان الحار والبارد يفعل (٦) كل منهما فى الآخر ، وكل واحد منهما أيضا ينفعل عن الآخر ، وكذلك الرطب واليابس (٧) ، فليس إحدى الطبيعتين (٨) أولى بأن تخص (٩) بالفعل من الأخرى ، ولا أولى بأن (١٠) تخص (١١) بالانفعال من الأخرى.

ومن ذلك الشك فى أمر النار ويبسها ، والهواء وحره ، (١٢) والأرض وبردها. فإن لقائل أن يقول : (١٣) إنه ليس يجب أن يكون جميع ما توجبه (١٤) القسمة ، ولا ينكره العقل فى أول النظر ، حاضرا (١٥) موجودا. فعسى أن لا يمكن أن يكون شىء هو حار رطب ، (١٦) أو شىء هو بارد يابس ؛ ليس (١٧) لأن العقل وحده يمنع عن اجتماع الحرارة والرطوبة ، والبرودة واليبوسة ، منعه عن اجتماع (١٨) الحار والبارد ، والرطب واليابس ، ولكن الأمر ليس يعقل بديهة. فإن هاهنا أمور لا تمنع (١٩) الازدواجات عن وجودها ، ولا بديهة العقل ، ويمنع (٢٠) الحق وجودها. فإنه ليس يمتنع ، فى أول العقل ، أن يكون حار ، بالطبع ، فى غاية الثقل ، وليس (٢١) هذا بموجود البتة.

ولو كانت القسمة تعتبر (٢٢) ويلتفت إليها لكان يجوز أن نقول : (٢٣) إن من العناصر ما هو حار يابس خفيف ، ومنها ما هو حار يابس ثقيل ، ومنها (٢٤) ما هو حار رطب خفيف ، ومنها حار رطب ثقيل ، وكنا نحكم أن كل ما لا تمنع القسمة الجمع بينه ، (٢٥) كما بين الحرارة والثقل فى أول العقل ، فإن المستحصل منه بالقسمة موجود فى الأعيان. فكما أن الثقل لا (٢٦) يخالط

__________________

(١) م ، سا : بينهما (٢) سا : النار فى الحار

(٣) سا : ـ والبارد فى الحار

(٤) سا : ـ فى البارد : (٥) د : وإذ

(٦) د : يفعل عن (٧) م : فى اليابس

(٨) م ، بخ : الطبقتين

(٩) م ، ط : يخص (١٠) ط : الأولى من أن

(١١) م ، ط : يخص (الثانية)

(١٢) ط : وحرها ، وفى د : وجوه

(١٣) د : ـ أن يقول (١٤) ط : يوجبه

(١٥) سا : حاصلا موجودا

(١٦) ب : رطبا (١٧) م : ـ ليس

(١٨) ط : من اجتماع

(١٩) م ، ط : يمنع (٢٠) د ، ب : ولا يمنع الحق

(٢١) سا ، د : وهذا ليس

(٢٢) ط : يعتبر (٢٣) م ، ط ، د : يقول

(٢٤) د : ـ ومنها ما هو حار يابس ثقيل (٢٥) م ، ط : يمنع ، وفى (د) : يجتمع

(٢٦) م : ـ لا

١٦١

الحرارة ، مع كونه غير مضاد للحرارة ، ولا مقابل ، ولا محكوم عليه ببديهة العقل (١) أنه مناف ؛ (٢) فكذلك يجوز أن تكون (٣) الرطوبة واليبوسة لا تخالط الحرارة ، ولا تخالط البرودة ، فيكون حينئذ ، الموجود أنقص من المقسوم.

ومع هذا ، فلم يستوف (٤) أصحاب هذه القسمة قسمتهم ؛ بل بخسوا القسمة حقها ، وذلك لأنه لا يخلو إما أن تكون الحرارة والبرودة ، والرطوبة واليبوسة (٥) الأسطقسية (٦) لا تكون (٧) إلا خالصة صرفة ، أو قد (٨) (٩) تكون منكسرة.

فإن كانت لا تكون إلا خالصة (١٠) صرفة وجب أن تكون (١١) (١٢) حرارة أسطقس (١٣) أقل من حرارة أسطقس (١٤) آخر. فإن الذي هو أقل حرارة ليست حرارته خالصة بالقياس إلى حرارة ما هو أشد حرارة ؛ بل الأقل حرارة يكون ، بالقياس إلى الخالص الحرارة ، (١٥) فاترا أو باردا ، وإن كان قد تكون فى الكيفيات الأول كيفية غير خالصة ، ويكون منها ما هو دون النهاية.

وقد (١٦) حصل هاهنا قسم قد ضيّع ، وذلك أن أصول المزاوجات (١٧) حينئذ لا تكون أربعة ؛ بل تكون أكثر من ذلك. فيكون (١٨) حار وبارد ومتوسط أو منكسر ، ورطب ويابس ومتوسط أو منكسر. (١٩) فينبغى أن تتحدد (٢٠) المزاوجات من هناك. (٢١) فتكون (٢٢) حينئذ الازدواجات أكثر من العدد المذكور. ثم يكون الهواء ، مثلا ، رطبا معتدلا فى الحر والبرد ؛ والنار (٢٣) حارة معتدلة (٢٤) فى الرطوبة واليبوسة ، والأرض يابسة معتدلة (٢٥) فى الحر والبرد. (٢٦) وعلى أن يكون هاهنا عناصر أخرى منها ما هو بارد ومعتدل فى الرطوبة واليبوسة ، ويكون حار رطب غير الهواء ، وكأنه (٢٧) البخار أو شىء آخر ؛ ويابس غير الأرض ، وكأنه الجمد أو شىء آخر ؛ وحار شديد اليبوسة ، (٢٨) وكأنه الدخان أو شىء آخر.

__________________

(١) ب : بضرورة العقل (٢) سا : منافى

(٣) م ، ط : يكون سا : أولا (٤) سا : تستوف

(٥) ء : أو البرودة أو الرطوبة أو اليبوسة

(٦) م ، ب : الاستقصية (٧) م : يكون (٨) ب : و

(٩) قد (١٠) ء ، ط : ـ إلا خالصة

(١١) م ، ء ، ط : يكون م : يكون

(١٢) ط ، ء : أن لا تكون (١٣) م ، ب استقص (١٤) م ، ب : استقص

(١٥) ء : الخالص حرارة (١٦) م : المزاجات : د

(١٧) : فقد (١٨) م ، ط : يكون

(١٩) م : ـ ورطب ويابس ومتوسط أو منكسر (٢٠) م : يتحدد ، وفى ط : يتخذ

(٢١) ب : من ثم بدلا من «من هناك» (٢٢) م : فيكون

(٢٣) م : ـ والنار (٢٤) ء : والنار حارا معتدلا (٢٥) ء : والأرض يابسا معتدلا

(٢٦) ط : الحرارة والبرودة

(٢٧) ء : فكأنه (الأولى والثانية)

(٢٨) ط : وبارد يابس

١٦٢

ثم من الواجب أن ننظر فى أمر النار التي يدعى أنها تحت الفلك ، وأنها فى هيئة الجو (١) ، ولكنها شديدة (٢) الحر ، حتى أنها تحرق (٣) ما يصل إليها ، هل (٤) تلك الحرارة لها من جوهرها ، أم تعرض (٥) (٦) لها بسبب تحريك الفلك؟

فإن كانت بسبب تحريك الفلك ، فما جوهر ذلك الجسم فى نفسه الذي عرض له ما عرض؟ فإن كان جوهره هواء لكنه سخن ، فيشبه أن تكون (٧) نسبة النار إلى الهواء هى (٨) بعينها نسبة الجمد إلى الماء ، فلا يكون مفارقا له بالفصل ؛ (٩) بل تكون مفارقته (١٠) له بعرض من الأعراض.

وإن كان الحق ما يدعى قوم من (١١) أنها فاترة لا تحرق ، (١٢) فبما ذا تفارق (١٣) (١٤) الجو؟ (١٥) وأما النار التي عندنا فهى (١٦) بالاتفاق غير تلك النار.

فإن (١٧) كانت هذه التي عندنا تلك ، وقد عرض لها اشتداد (١٨) فى الحر للحركة ، وإضاءة (١٩) للاشتعال (٢٠) فى الدخان ، فبما ذا تخالف (٢١) الهواء ، حتى تنسل (٢٢) عنه ، وتطفو عليه حارة (٢٣) فى الحركة المسخنة ، فيسخن (٢٤) لذلك؟

وإن كان معنى النار فى هذه غير (٢٥) معنى النار هناك فهذا إما أسطقس (٢٦) وإما مركب.

فإن كان أسطقسا فقد زاد عدد الأسطقسات. (٢٧) وإن كان مركبا (٢٨) فلم صار المركب فى كيفيته (٢٩)

أقوى من البسيط؟ ولم صار الحر يصعّد ما مكانه الطبيعى هو السفل ، كما يصعد الماء والدخان وفيهما طبيعة مهبطة ، لكنها تغلب (٣٠) بهذه الكيفية؟

ثم البرد لا يفعل ضد ذلك فى إهباط النار.

__________________

(١) ء : الجو (٢) ط ، سا : شديد

(٣) ط يحرق (٤) ط ، ء : أهل

(٥) م ، د : يعرض (٦) ط ، ء : أو يعرض.

(٧) م ، ط : يكون

(٨) م : ـ هى (٩) م : بالفعل

(١٠) م مفارقتها (١١) ء : ـ من

(١٢) ب : ولا تحرق (١٣) ء : فيما يفارق

(١٤) ط! يفارق (١٥) سا : الحر

(١٦) سا ، طء : فهو

(١٧) ط ، ء : فإن كان (١٨) م ط : استعداد

(١٩) ط : إضائه (٢٠) مء : الاشتغال

(٢١) ط : يخالف (٢٢) ط ، م ، ء ينسل عنه ... يطفو

(٢٣) سا ، ط : حارا (٢٤) سا ، ب : فتسخن

(٢٥) ء : غيره (٢٦) م ، ب استقص

(٢٧) ب : الاستقصات (٢٨) م ، د : «المركب» بدلا من «مركبا»

(٢٩) م كيفية فيه ، وفى سا : أقوى فى كيفيته ، وفى د : أقوى كيفية

(٣٠) ، م ط : يغلب

١٦٣

وهل يجوز من هذا أن يقال : ليست النار إلا هواء سخن جدا ، فهو يرتفع عما هو أبرد منه (١) كالبخار ؛ فإنه ماء سخن جدا ، فهو يرتفع عما هو أبرد منه ، وليس العنصر إلا الهواء والماء والأرض؟ فالمسخن من الهواء نار ، والمسخن من الماء بخار ، والمسخن من الأرض دخان. وكل مسخن فإنه يصعد إلى فوق ، لكن مسخن الماء شىء هو (٢) فى طبيعته قوى البرد ، سريع (٣) إليه التبرد ، فيقصر عن (٤) مسخن الأرض الذي هو أقل تبردا ، (٥) فى الطبع ، وإبطاء. وكلاهما يقصر عن مسخن الهواء ، الذي هو إما معتدل (٦) وإما إلى ال حر. فمسخن الهواء (٧) يسبق ذينك إلى الحيز الذي ليس فيه إلا الهواء المسخن جدا بالحركة ، حتى هو نار.

هذا ، وأيضا (٨) لم لا نقول (٩) إن الأجسام التي تحت الفلك كلها جسم واحد من مادة وصورة توجب (١٠) الكون تحت (١١) الفلك ، ثم تعرض لها بعد ذلك هذه الكيفيات؟ فما (١٢) (١٣) يلى الفلك ، ويكون حيث الحركة ، يلطف ويسخن (١٤) بسبب من خارج ، لا من جوهره ، وما يبعد ، ويكون حيث السكون يبرد ، ويثقل بضد ذلك السبب. فيعرض من ذلك أن يختلف ذلك الواحد اختلافا بكيفيات (١٥) تعرض له (١٦) من خارج ، لا من طبيعته وصورته. (١٧) فإن (١٨) طبيعته (١٩) وصورته (٢٠) هى التي صار (٢١) بها (٢٢) جسما طبيعيا متحيزا فى ضمن الفلك ؛ لأنه (٢٣) لا يقتضى طبعا غير ذلك الوضع.

ومما يحق أن نورد شكا ، على ما قيل فى إثبات هذه الأربع ، أن الخلوص إلى إثبات الكيفيات الأربع المذكورة ، حتى ظن بسببها (٢٤) أن المزاجات أربع ، (٢٥) وأن العناصر لذلك أربعة ـ إنما كان بسبب الرجوع إلى الحس وتقديم اللمس على غيره ، ورجوع الكيفيات

__________________

(١) م ، سا : فما برد منه (٢) ط : هو شىء

(٣) سا : يسرع (٤) ء : يقصر عنه

(٥) ب ، ط : بردا (٦) بخ : + وإما معتدل.

(٧) سا ، ء : فيه الهواء المسخن ـ م : + إما (بالحركة)

(٨) م : ـ هذا ، وفى ط ، سا ، م : وهذا أيضا

(٩) ط : يقول ، وفى «ء» يقولون

(١٠) ط : يوجب (١١) د : ط ، د : تحت

(١٢) سا : مما (١٣) ب : فيما

(١٤) ط م : تلطف وتسخن

(١٥) سا : اختلاف الكيفيات

(١٦) م ، د : لها (١٧) م ، ء : من طبائعها وصورها

(١٨) م : من طبيعتهاء : وإن (١٩) م ، ط ، ء : طبيعتها

(٢٠) م ، ط ، د : وصورتها (٢١) م ، ط ، د. صارت

(٢٢) ط ، د : به ـ هى : توجد فى جميع النسخ (٢٣) م ـ لأنه

(٢٤) سا : نسبتها (٢٥) ط : أربعة ، وفى سا : أنفع

١٦٤

الملموسة إلى هذه الأربع. فيجب أن يكون المعنى الذي نسميه (١) رطوبة هو المعنى الملموس ، لا معنى آخر يشاركه (٢) فى هذا الاسم. ثم المعنى الذي يشترك فيه الماء والهواء ، الذي يسمى رطوبة ، ليس هو الرطوبة الملموسة. وذلك لأن هذا المعنى ، الذي يسمونه (٣) الرطوبة ، ليس وجوده فى الهواء وجود الحرارة والبرودة المحسوستين ، (٤) فى أن هاتين قد يجوز أن يستحيل الهواء من كل واحدة (٥) منهما إلى أخرى ، (٦) ويكون الهواء هواء. فإن الهواء ، إذا سخن ، أو برد ، (٧) لم يجب بذلك أن يكون قد استحال فى جوهره وأما الهواء ، إذا بلغ من تكاثفه إلى أن ييبس ، (٨) أو من تخلخله حتى يصير نارا عندكم ، لم يكن حينئذ هواء. فالهواء الحاصر ، (٩) الذي نسميه (١٠) هواء ، لا (١١) يباينه (١٢) المعنى الذي نسميه (١٣) رطوبة الذي يشارك فيه الماء عندكم.

فإذا كانت (١٤) الحال كذلك وجب أن يكون الهواء دائما بحيث تلمس (١٥) رطوبته ، وإن كان لا يجب دائما أن تلمس (١٦) (١٧) حرارته أو برودته ؛ أإذا تانك تزايلانه ، وهذا يلازمه. (١٨) ولو (١٩) كانت هذه الرطوبة ملموسة لكان يجب ، (٢٠) إذا كان هواء معتدل ، لا حار ولا بارد ، وكان ساكنا لا حركة فيه ، أن يكون اللامس تلمس رطوبته ؛ إذ الرطوبة لا تفارقه ، (٢١) كما يلمس ما تسميه (٢٢) العامة رطوبة من الماء.

ولو كان الهواء دائما بحيث تلمس (٢٣) رطوبته (٢٤) لكان الهواء دائما محسوسا ، ولو كان (٢٥) الهواء دائما محسوسا لكان الجمهور لا يشكون فى وجوده ، ولا يظنون هذا الفضاء ، الذي بين الأرض (٢٦) والسماء ، خاليا إذا لم يوجد فيه ريح أو غيم ، وما ينسب إليه حر وبرد. كما (٢٧) إذا برد أو سخن أحسوا (٢٨) به على أنه مؤثر فى البدن بردا أو حرا ، أو أن هناك بردا أو حرا. (٢٩)

__________________

(١) ط يسميه (٢) م : فيشاركه ، : وفى د : يشارك

(٣) ط ، د : نسميه (٤) م : المحسوسة

(٥) ط ، د : واحد (٦) ط ، د : آخر ، وفى سا : الآخر

(٧) ب : وبرد (٨) ط : يبس ، وفى د : يلبس.

(٩) م : الحاضر (١٠) م ، د : يسميه هؤلاء

(١١) م : ـ لا (١٢) ب : ينافى ، وفى «د» : ينافيه

(١٣) د ، سا م يسمونه

(١٤) سا : فإذا كان ، وفى «ب» : وإذا كانت ، وفى «د» : وإذا كان

(١٥) ط ، م : يلمس (١٦) سا ، د ، م : ان يكون دائما أن يلمس

(١٧) م ، ط : يلمس (١٨) سا ، د : يلزمه

(١٩) ب ، ى. فلو (٢٠) م : + بحيث

(٢١) م ، ط : يفارقه (٢٢) م : يسميه

(٢٣) م ، ط : يلمس (٢٤) ط : رطوبة

(٢٥) م : كان (٢٦) د : من الأرض

(٢٧) ط : كما+ أنه (٢٨) ط : فأحسوا ، وفى «سا» : أوحسوا

(٢٩) ط. د : إذا كان هناك برد أو حر.

١٦٥

فبين أن سبيل هذه الرطوبة ، فى أنها الرطوبة ، فى أنها ملموسة ، خلاف سبيل الحرارة والبرودة فى أنها ملموسة ، فإذا كان كذلك لم يكن البناء على أمر صحيح.

ثم ما معنى قول القائل إن الرطوبة سريعة كذا (١) ، أو عسرة كذا وكذا ، وإن اليبوسة بالضد فى الأمرين؟ فإن السريع والعسير (٢) وما يقابلهما إنما هو بالقياس إلى غيره ، وليس له حد محدود. فيجب أيضا (٣) أن لا يكون الشىء مطلقا رطبا أو يابسا ؛ بل بالقياس إلى غيره. على أن صناعة (٤) المنطق منعت أن توجد فى حدود الأمور غير المضافة (٥) معان مضافة ، على أنها أجزاء لحدها.

فهذه ، وما أشبهها ، شبه من حقها أن تحل ، (٦) أو يشعر بها ، (٧) حتى يكون القضاء على الأمر بحسب مراعاة جانبها.

فلنتشغل الآن بما يجب أن نعتمده. (٨)

__________________

(١) م ، سا : ـ وكذا

(٢) ط : العسير

(٣) سا : ـ أيضا.

(٤) وط : مع أن صناعة

(٥) ب ، ط ، د. الغير المضافة

(٦) م : يحل ، وفى ط : يخل

(٧) ط نشعر.

(٨) سا : يعتمد.

١٦٦

الفصل الحادى عشر (١)

فصل فى

حل شطر (٢) من هذه الشكوك

نقول إن تحديدنا الأمور التي هى محسوسة بالحقيقة تحديد بحدود ناقصة. وأعنى بالمحسوس بالحقيقة ما ليس إحساسه بواسطه محسوس ، (٣) أو بالعرض. (٤) فإن تكلفنا لها (٥) حدودا ، أو شروح أسماء ، فربما حددناها أو رسمناها بإضافات أو اعتبارات (٦) لا يدل شىء منها ، بالحقيقة ، على ماهياتها ؛ (٧) بل على أمور تلزمها. (٨)

ولذلك من البعيد أن يقدر (٩) على أن تحدّ (١٠) الصفرة والحمرة والخضرة ، بل السواد والبياض. لكنه إذا كان السواد والبياض (١١) طرفين (١٢) رسما بسهولة لتأثيرهما (١٣) فى الإبصار على الاطلاق الذي يحتاج أن يقدر مثله من الأوساط ، (١٤) فيعسر. وذلك التأثير بالحقيقة أمر (١٥) ليس هو مقوما لماهية (١٦) السواد والبياض ؛ ولا من فهم (١٧) ذلك فهم (١٨) أن الشىء سواد وبياض ، اللهم إلا أن يكون قد أحس السواد (١٩) وتخيله ، ثم أحس هذا الفعل منه فجعله (٢٠) علامة له.

ولذلك (٢١) يجب أن (٢٢) يعرف حال البرودة والحرارة بالحقيقة ، وأن الحدود التي قيلت حدود غير محققة ، ولا محكمة ؛ بل إنما تقال (٢٣) بقياسها إلى أفعال لهما (٢٤) فى أمور من المركبات عندنا أو فى البسائط ، وإلا فلا اقتدار على تحديدهما تحديدا حقيقيا.

__________________

(١) م ، ط : الفصل الحادى عشر ، وفى د : ـ الفصل

(٢) د : حل شك (٣) م : محسوسة

(٤) د وبالعرض (٥) م : ـ لها

(٦) سا ، ط ، د : واعتبارات

(٧) ط : مهياتها (٨) م ، ط ، د : يلزمها

(٩) سا. نقدر ، وفى «ب» : تقدر

(١٠) م ، م ، ط : يحد ، (١١) م : ـ لكنه إذا كان السواد والبياض

(١٢) م طرف (١٣) د : لتأثيرها

(١٤) ط : فى الأوساط. (١٥) سا : أمرا

(١٦) ط : ماهية. (١٧) م : ـ فهم

(١٨) د : ـ «ذلك فهم» (١٩) سا ، د : بالسواد

(٢٠) م : بجعله ، وفى «ط» فجعل

(٢١) ط ، د : وكذلك

(٢٢) سا : فإن

(٢٣) م ، ط : يقال

(٢٤) سا ، ط : أفعالها ، وفى سا ، أفعال لها.

١٦٧

وبالحرى أن تكون (١) الحرارة ، كما تجمع بعض المتجانسات ، فقد تفرق (٢) بعض المتجانسات ، كما ترمد (٣) الحطب ، وتفرقه. (٤) لكن يجب أن يفهم ما (٥) قالوه على ما أقوله :

إن الحرارة تفعل (٦) فى الأجسام البسيطة وتفعل (٧) فى الأجسام المركبة ؛ والجسم الواحد البسيط يجتمع ، فيستحيل (٨) أن يقال إن النار تجمعه ؛ لأن قولنا كذا يجمع كذا (٩) معناه أنه يجمع ما ليس بمجتمع. والبسيط المذكور مجتمع الأجزاء متشاكلها. وأما أمر التفريق فلا مدخل له فى اعتبار البسيط ؛ وذلك لأن التفريق إنما قيل بالقياس إلى الأشياء المختلفة

فهذا الفصل المنسوب إلى الحار من جمع وتفريق إنما يقال بالقياس إلى جسم فيه متشاكلات متفرقة ، ومختلفات مجتمعة. (١٠)

والجسم الذي جعل فعل (١١) الحار بالقياس إليه هو المركب القابل لفعل النار. وهذا المركب لا يجوز أن تكون (١٢) أجزاؤه متشابهة الانفعال التحريكى عن الحار. (١٣) فإن الجسم المتشابه الانفعال عن تحريك قوة واحدة محركة ، (١٤) كالحار ، هو بسيط من حيث الاستعداد لذلك الانفعال. (١٥) وكيف لا يكون بسيطا ، ولو كان مركبا كانت أجزاؤه مختلفة فى استحقاق الأماكن الطبيعية الخالصة (١٦) بها. والحار إذا فرّق فإنما يفرّق بتحريك يحدث فى الأجزاء المختلفة ؛ ولا سواء قبول الخفيف والثقيل للتحريك إلى الجهات. فإذن يجب أن يكون هذا المركب مختلف الاستعداد. فيكون أول ما يستحيل أجزاؤه ؛ (١٧) (١٨) ويستحيل بالسخونة. وكل جزء أسرع فيه التسخن كان أسرع إلى التصعد. فيعرض أن ينفصل (١٩) بعض الأجزاء إلى حيز العلو أسرع ، وبعضها أبطأ ، أو لا يقبل (٢٠) بعضها ما يتصعد به. فليس (٢١) كل الأجسام

__________________

(١) م ، ط : يكون (٢) م : يفرق

(٣) ط ، د : ترمد (٤) م ، ط : يفرقه

(٥) د : فما. (٦) م ، ط. يفعل (الأولى والثانية)

(٧) م ، ط. يفعل (الأولى والثانية)

(٨) م ، ط : يجتمع : يستحيل

(٩) م : ـ يجمع كذا

(١٠) سقط من النسخة د ابتداء من قوله «متفرقة ومختلفات مجتمعة» إلى قوله أنه ليس كله على سبيل نفور ومخالطة فى ص ١٧٠

(١١) سا : «فعل» بدلا من «جعل»

(١٢) م ، ط : يكون (١٣) سا : على الحار : عن تحرك

(١٤) سا : قوة تحركه (١٥) م : ـ لذلك الانفعال

(١٦) م : الخاصية (١٧) ط : أجزاءه

(١٨) سا : ـ أجزاؤه و (١٩) م : يفصل

(٢٠) سا : ولا يقبل (٢١) ط ، فإذن ليس.

١٦٨

يقبل التصعيد (١) والتبخير بالذات. نعم قد يتفق أن يكون ما لا يقبل التصعيد مخالطا لما يتصعد مخالطة شديدة ، فيسبق (٢) تصعيد الحار بما (٣) يخالطه تفريقه بينهما ؛ ويكون المتصعد أغلب ، فيصعد ذلك الآخر تبعا له. وإذا (٤) فعلت الحرارة هذا الفعل عرض أن تفاصلت المختلطات ضرورة ، وصار كل إلى حيز واحد يليق به ، فيجتمع فيه. فإن (٥) كانت رطبة الجواهر قابلة للاتصال بسهولة كان اجتماعها اتصالا ؛ وإن كانت يابسة لا تتصل (٦) بسرعة كان اجتماعها حصولها فى حيز واحد ، وإن (٧) لم يكن اتصالا.

على أن النار فى قوتها أن تسيل (٨) أكثر الأجسام حتى الرماد والطلق والنورة والملح والحديد تسييل إذابة ، وخصوصا إذا أعينت بما يزيدها اشتعالا (٩) كالكبريت والزرنيخ والأملاح الحادة.

وأما (١٠) ما ظن (١١) من أن النار تفرق (١٢) الماء فليس كذلك. فإن النار لا تفرق الماء ماء ؛ (١٣) بل إذا أحالت (١٤) جزءا (١٥) منه هواء فرقت (١٦) بينه وبين الماء الذي ليس من طبعه. ثم يلزم من ذلك أن تختلط (١٧) بذلك الهواء أجزاء مائية ، فتصعد (١٨) مع الهواء ، ويكون مجموع ذلك بخارا.

على أن من الناس من ظن أن البخار هو طبيعة أخرى غير الماء والهواء وغير (١٩) المختلط منهما. وأما ما يتعلق به من عقد البيض فليس عقده جمعه ؛ بل هو إحالة (٢٠) له فى قوامه. ثم إن النار ستفرق (٢١) ذلك عن قريب ، (٢٢) (٢٣) يعرف ذلك أصحاب حل التقطير. (٢٤)

وأما الذهب فإنه ليس لا يفرقه النار إذا أذابته ، (٢٥) لأنه متشابه الجوهر ، ولا لأنه متشابه الانفعال ، ولا لأن النار من شأنها أن لا تفرق (٢٦) المركبات ، ولكن لأن الامتزاج

__________________

(١) سا : التصعد والتسخين ـ سا : يكون سيالا

(٢) ط فيستبق (٣) سا : لما

(٤) سا : فإذا(٥) ب ، ط : وإن

(٦) م ، ط : يتصل

(٧) سا : فإن (٨) سا : تسيل

(٩) م : اشتغالا ، وفى سا : استقلالا

(١٠) سا ، م : أما (١١) ط : يظن

(١٢) م : يفرق (الأولى والثانية)

(١٣) ط : ـ ماء (١٤) سا : حال ، وفى ط ، ب : أحال

(١٥) ط : جزء (١٦) ط : فرق

(١٧) م : يختلط ، وفى ط : يخلط

(١٨) م ، ط : فيصعد ، وفى ب : فتتصعد

(١٩) م : ـ غير (٢٠) م : الحالة

(٢١) م : سيفرق (٢٢) م : من قريب

(٢٣) ط عنقريب (٢٤) م : اليقطير

(٢٥) سا : أذابه. (٢٦) م ، ط : يفرق

١٦٩

فى جوهر الذهب والتلازم بين بسائطه شديدان جدا ، فكلما مال شىء منه إلى التصعد حبسه (١) المائل إلى التحدر ، فيحدث (٢) من ذلك حركة دوران وغليان ، فتكون (٣) النار قد أوجبت تأثيرا مختلفا. لكن هناك عائق آخر ، والأمور (٤) التي تنسب (٥) إلى القوى والكيفيات الطبيعية ، وخصوصا العنصرية ، تنسب إليها بشرط ألا يكون عائق. فإن الخفة إنما يقال لها إنها تصعد (٦) بشرط الاّ يكون عائق ، والثقل كذلك إنما (٧) يقال له ينزل بشرط أن لا يكون عائق ومانع. (٨) فكذلك (٩) المأخوذ فى حد النار من تفريق كذا ، وجمع كذا.

وأما (١٠) ما قيل فى حديث (١١) الفعل والانفعال فلعمرى إن الاعتبار إذا توجه نحو الأضداد كانت متفاعلة ، (١٢) وكانت نسبة الحر إلى البرد فى الفعل والانفعال قريبة (١٣) من نسبة الرطب إلى اليابس فى الفعل والانفعال ، وإن كان لقائل (١٤) أن يقول : ليس يجب أن تكون (١٥) الأضداد (١٦) كلها متفاعلة ؛ بل من الأضداد ما يتبع أضدادا أخرى ، مثل الأبيض والأسود. فإن اللون الأبيض لا يحيل الأسود إلى البياض ، ولا بالعكس ؛ بل بالمخالطة ، فتكون (١٧) استحالتهما تابعة لاستحالة الحال فى أضداد قبلهما. (١٨) ولا يبعد أن يكون له (١٩) أن يقول : يشبه أن يكون الرطب واليابس من ذلك القبيل.

فإنا لم نشاهد رطبا رطّب اليابس ، أو يابسا يبس الرطب بالإحالة دون المخالطة ؛ أما الرطب فبلاّ ، (٢٠) وأما اليابس فنشفا ، (٢١) وأما الحار والبارد فيفعل أحدهما فى الآخر بالإحالة ، من غير أن يتغير الجوهر فى نوعه أصلا ، كما قد صححنا من إحالة الحار للبارد (٢٢) أنه ليس كله على سبيل نفوذ ومخالطة. فيشبه أن يكون ، (٢٣) على قول هذا القائل ، أن تكون (٢٤) استحالة الأجسام

__________________

(١) م : جنسه (٢) م : فحدث

(٣) م ، ط : فيكون (٤) ط : فالأمور

(٥) م : ينسيه (٦) م : سقط من م : «تنسب إليها بشرط» إلى قوله : إنها تصعد

(٧) سا : وإنما (الثانية)

(٨) م ، سا : ممانع (٩) ط : وكذلك

(١٠) م : ـ ما (١١) م : من حدث ، وفى ط : من حديث

(١٢) م : ـ متفاعله وكانت

(١٣) م ، ط : قريبا (١٤) م : فإن لقائل

(١٥) م ، ط : يكون (١٦) م : أضداد

(١٧) م ، ط : فيكون (١٨) سا ، ب ، ط : قبلها

(١٩) ب : ـ أن يكون له

(٢٠) م : فلا (٢١) م : فيشفا

(٢٢) عند كلمة «للبارد» تنتهى الفقرة الطويلة التي سقطت من مخطوطة «د» فى ص ١٦٨

(٢٣) م ، سا ، د : ـ أن يكون

(٢٤) م ، ط : يكون (الثانية).

١٧٠

البسيطة فى الرطوبة واليبوسة تابعة لاستحالة أخرى ، أو لكون (١) وفساد. ولا يكون للرطب أن يحيل (٢) إلى اليبوسة من غير فساد الجوهر ، أو من غير استحالة تتقدمها ، (٣) ولا لليابس أن يحيل إلى الرطوبة من غير فساد أو استحالة ، كما للحار أن يحيل (٤) البارد. والبارد أن يحيل الحار ، وغير ذلك. فإن (٥) الماء إذا صار أرضا لم يكن ذلك لاستحالة أولية فى رطوبة أو يبوسة ؛ بل لاستحالة (٦) الصورة الجوهرية التي تتبعها (٧) الكيفيات (٨) على ما بيناه. فيكون لما استحالت (٩) الصورة الجوهرية (١٠) استحال ما يتبعها ؛ بأن فاض عن الصورة الجوهرية الحادثة ضد ما كان فاض (١١) عن الصورة الجوهرية الفاسدة ، (١٢) كما أن الهواء إذا استحال ماء ، فنزل ، (١٣) لم تكن (١٤) الحركة المتسفلة (١٥) حادثة عن (١٦) ضد الحركة المتصعدة الأولى ؛ بل عن الصورة المعاندة للصورة (١٧) الموجبة للتصعد.

وأما الماء إذا جمد ، ويبس ، فليس ذلك له عن يبوسة فعلت فى رطوبة ؛ بل عن البرد. فيكون البرد هو الذي أوجب (١٨) اليبس. ويكون الحر بإزائه هو الذي يوجب الترطيب والتسييل. فتكون (١٩) هاتان الكيفيتان منفعلتين (٢٠) عن الحر والبرد ، ولا تنفعل إحداهما عن الأخرى (٢١) انفعالا (٢٢) أوليا ، والحر والبرد ينفعل أحدهما عن الآخر (٢٣) انفعالا أوليا. فهذا (٢٤) قول ، إن أراد مريد أن يدفع الشك به ، عسرت مقاومته.

لكنا نسلم أن الرطب من شأنه أن يرطب اليابس ، واليابس من شأنه أن ييبس (٢٥) الرطب. ونقول (٢٦) بعد ذلك أولا ، إلى أن نورد جوابا آخر ، إن هذا النحو من الفعل والانفعال لا يصلح أن يلتفت إليه فى التحديدات ، وإنما تحد (٢٧) القوى بانفعال وانفعالات (٢٨)

__________________

(١) سا : فيكون (٢) سا : يستحيل

(٣) ط : يتقدمها ، وفى م : يعتد بها.

(٤) سا : يستحيل (٥) سا ، د : وإن

(٦) د : الاستحالة (٧) م ، ط : يتبعها

(٨) بخ : الكيفيتان (٩) ط : استحالة (الأولى)

(١٠) د م ـ الجوهرية (١١) م : ـ فاض

(١٢) د : الفاسد (١٣) سا : ونزل

(١٤) م ، ط : يكن (١٥) م : المستقلة

(١٦) م : من (١٧) د : وللصورة العرضية

(١٨) ب : أوجب (الثانية)

(١٩) م : فكون ، وفى ط : فيكون

(٢٠) د : منفعلتان (٢١) ط ، د : ولا ينفعل أحدهما عن الآخر

(٢٢) د : انفعالا أوليا (٢٣) د : «والحر والبرد ينفعل أحدهما عن الآخر» مكررة

(٢٤) ط : وهذا (٢٥) د : يبس

(٢٦) م : ويقول ، وفى ط : ونقوله. (٢٧) م ، ط : يحد ، وفى سا : وإنا نجد

(٢٨) سا : بالأفعال والانفعالات

١٧١

على غير هذا النمط ، وذلك لأنا إذا أردنا أن نحد (١) الرطب استحال أن نأخذه (٢) فى حد نفسه ، واستحال أيضا أن نأخذ ضده فى حده ؛ وذلك لأن ضده ليس بأعرف (٣) منه ، فكيف نفسه؟ (٤) وإنما يجب أن يؤخذ (٥) فى الحدود والرسوم ما هو أعرف من الشىء. وأيضا إذا أخذنا (٦) ضده فى حده ، وكان ضده أيضا إذا حدّ على نحو حدّه ، (٧) حدّ به ، وأخذ هو (٨) فى حده ـ نكون قد أدرنا التعريف ، وعاد الأمر إلى تعريف الشىء بنفسه. مثاله (٩) إذا أردنا أن نحد الحرارة ، فقلنا هو الذي يسخن البارد ، ونكون (١٠) قد أخذنا التسخين (١١) وهو التحرير (١٢) الذي هو إثارة الحرارة ، فى حد الحرارة ، فنكون (١٣) قد أخذنا الحرارة فى حد الحرارة ، وأخذنا أيضا البارد فى حد الحرارة. وكذلك الحال فى جانب البارد ، والبارد ليس بأعرف من الحر ، ولا الحر من البرد.

وإذا كان قانون الحد ما ذكرناه ، وكنا نحد (١٤) الحرارة من حيث فعلها ، أو نعرفها (١٥) من حيث (١٦) فعلها ذلك الفعل (١٧) الذي فى ضدها ، فقلنا إن الحار ما يسخن البارد ، واحتجنا أن نقول : والبارد ما يبرد الحار ، فنكون (١٨) قد أخذنا الحار (١٩) فى حد البارد المأخوذ (٢٠) فى حد الحار. وهذا أمر مردود.

فبين أن نحو هذه الأفعال (٢١) لا تؤخذ (٢٢) فى حدّ هذء القوى ، ولا فى تعريفاتها (٢٣) التي تناسب الحدود ؛ بل إنما تنسب (٢٤) القوى فى حدودها إلى أفعال وانفعالات (٢٥) تصدر عنها يكون تفهمها (٢٦) ليس دائرا على تفهم (٢٧) الحدود. فإن الحار والبارد تصدر (٢٨) عنهما (٢٩) أفعال ليست نفس التسخين والتبريد ، ولا دائرا (٣٠) عليهما. وتلك الأفعال مشهورة.

__________________

(١) ط : ينحد (٢) م : يأخذ

(٣) سا : بأعرق (٤) د : ـ فكيف نفسه

(٥) ط ، د : نأخذ (٦) ط : «إذا أخذ» بدلا «من إذا حد»

(٧) م : ـ على نحو حده (٨) م : ـ هو

(٩) م : مثاله+ أيضا (١٠) ط : ويكون

(١١) م : التسخن (١٢) د : التجريد

(١٣) م ، ط ، سا : فيكون (١٤) د : نجد

(١٥) م : يعرفها ، وفى سا : تعرضها

(١٦) م : حيث+ هو (١٧) د : ـ أو نعرفها من حيث فعلها ذلك الفعل

(١٨) م ط : فيكون (١٩) د : ـ الحار

(٢٠) سا : والمأخوذ (٢١) م ، ب : هذا الانفعال

(٢٢) م ، ط ، د : يؤخذ ، وفى «سا» يوجد

(٢٣) م : تعريفها (٢٤) م ، ط : ينسب

(٢٥) ب ، ط ، د : وانفعال

(٢٦) ط : تفهيمها (٢٧) ط : تفهيم

(٢٨) م ، ط : يصدر (٢٩) د : عنها. (٣٠) م : دايرة

١٧٢

والرطب واليابس ليسا (١) كذلك البتة ، ولا يتصور الرطب إلا من جهة سهولة قبول الشكل ، (٢) وسهولة الاتصال ، وسهولة تركهما. واليابس من جهة عسر قبول الأمرين وعسر الترك لهما. وهذه الأحوال منسوبة إلى الانفعال. فإن أريد (٣) أن يعرّف (٤) الفعل (٥) الذي لكل واحد منهما ، على حسب التضاد ، أو الانفعال (٦) الذي على حسب ذلك إن سلّم ذلك ، لم يكن تعريفا حقيقيا به. (٧)

وأما الحار والبارد فإن عرّفا بالانفعال المذكور ، الذي يجرى بينهما ، لم يكن تعريفا حقيقيا ؛ يل يجب أن يكون تعريفهما على النحو الذي قيل فى (٨) الحار والبارد ؛ يقال لهما كيفيتان فاعلتان ليس بالقياس إلى كل شىء ؛ ولكن (٩) بالقياس إلى هذه الأجسام المركبة المشاهدة. فإنها (١٠) تفعل فيها أفعالا ظاهرة مما قيل ، (١١) ولا تنفعل انفعالا إلا عن الضد. وإذا قيل للرطب (١٢) واليابس انفعاليان (١٣) فليس بالقياس (١٤) إلى كل شىء ؛ (١٥) بل بالقياس إلى هذه الأجسام المشاهدة. فإنها (١٦) لا تفعل فيها (١٧) إلا ما ينسب إلى الفعل والانفعال التضادى ، ولا تفعل فيها شيئا (١٨) آخر ؛ بل تنفعل منها بسهولة (١٩) أو عسر.

وبعد هذا ، فالذى يجب أن يعتمد فى هذا شىء آخر ، وهو أن قولنا كيفية انفعالية يعنى بذلك الكيفية التي بها (٢٠) يكون الجوهر مستعدا لانفعال ما ، إما على سهولة أو على (٢١) صعوبة. ونعنى بقولنا كيفية غير انفعالية ما ليس بها يكون (٢٢) هذا الاستعداد. ونعنى بالفعلية الكيفية التي بها يفعل فى المستعد فعلا ما.

وأما بالجملة فإن الكيفية نفسها لا تنفعل البتة ، ووحدها (٢٣) لا تفعل ؛ إذ لا توجد (٢٤) وحدها.

__________________

(١) م ، ط ، د : ليس

(٢) سا : الأشكال ، وفى ط : التشكل

(٣) ب : وأن أريد (٤) ط : أردت ط : تعرف

(٥) ط ، د : بالفعل (٦) ب : والانفعال

(٧) ب : ـ به (٨) م : ـ فى

(٩) ب : لكن (١٠) سا : وإنها

(١١) جميع النسخ : مما قيل ولعلها «كما قيل»

(١٢) ـ م : الرطب (١٣) جميع النسخ : انفعاليتان

(١٤) م : ـ إلى كل شىء بل بالقياس

(١٥) ط ، د : إلى كل شىء+ بالقياس

(١٦) ط : يفعل (١٧) م ، ب : فيهما ، وفى ب : منهما

(١٨) ط : شىء (١٩) سا : ـ من قوله : تنفعل منها بسهولة إلى قوله «يعتمد فى هذا شىء آخر»

(٢٠) م : ـ بها (٢١) م : وإما على ، بدلا من «أو على»

(٢٢) م : ـ يكون (٢٣) سا : ووحيدها ، وفى د : ووجدها

(٢٤) ط ، د : يوجد

١٧٣

وإنما تفعل بأن تماس أو تحاذى ، (١) أو يكون لها النسبة [فى النصبة] (٢) التي (٣) بها يصح الفعل.

ثم الحرارة والبرودة ليستا من الكيفيات التي بها يستعد (٤) الجوهر لانفعال (٥) ما ، خصوصا ما (٦) أورد فى الشك. وذلك لأن الحر ليس استعداده للبرد لأنه حار ، كيف (٧) والبرد يبطل الحر؟ وما دام هو (٨) حارا فيمتنع أن (٩) يصير باردا. فالحر يمنع وجود البرد ، لا أن يعدّ له المادة ؛ (١٠) بل المادة مستعدة بنفسها لقبول البرد المعدوم فيها. لكنه يتفق أن يقارن تلك الحالة (١١) وجود الحر (١٢) الذي يضاد البرد ، ويمانعه ، ويستحيل وجوده معه.

وكذلك حال (١٣) الرطوبة عند اليبس. (١٤) وليست الرطوبة انفعالية ؛ لأن الرطب قد ينفعل إلى اليبس ، (١٥) وهو رطب ؛ بل بأن تزول (١٦) رطوبته. وهذا النمط لا يجعل الكيفية انفعالية ؛ بل نحو النمط (١٧) الذي للرطوبة فى قبول جسمها التشكيل (١٨) والتوصيل بسهولة. فإن الجوهر يقبل بالرطوبة (١٩) هذا التأثير ، وهو رطب ، ويبقى له ذلك (٢٠) ما بقيت الرطوبة.

ومع ذلك ، فإن اليابس والرطب موضوعان (٢١) للحر والبرد ، ويفعل كل (٢٢) واحد منهما فيه فعلا تابعا للتسخين والتبريد. والرطب واليابس لا يفعلان فى الحار والبارد شيئا إلا بالعرض ، مثل الخنق (٢٣) المنسوب إلى الرطوبة. والخنق هو إما على وجه يضطر الحار إلى هيئة (٢٤) من الاجتماع والتشكل (٢٥) مضادة لمقتضى طبيعته ، إذا (٢٦) كانت يابسة ، فلا يجيب (٢٧)

__________________

(١) م ، ط : يفعل بان يماس أو يحاذى

(٢) بخ ، ط ، د : كلمة غير واضحة تشبه أن تكون (فى النصبة)

(٣) د : ـ التي (٤) سا : بهما يستعد

(٥) ط : للانفعال (٦) د : ـ ما : سا : لأن الحار

(٧) ب : وكيف (٨) ط : هو+ وهو

(٩) م : لأن (١٠) سا : ـ المادة

(١١) ط : تلك الحار (١٢) م : وجود الجزء

(١٣) م : حالة (١٤) ب : التيبس

(١٥) ب : التيبس (١٦) م ، ط : يزول

(١٧) فى جميع النسخ : نحو النمط. والمعنى غير واضح ، ولعله : «هو»

(١٨) ط : بالتشكيل

(١٩) م ، سا ، د : ينفعل بالرطوبة

(٢٠) م : ـ له ذلك ما بقيت (٢١) سا : موضوعا

(٢٢) سا ، ب : البرد يفعل كل (٢٣) سا : مثل الجنس ...

والحق هو

(٢٤) م ، سا : ماهية من (٢٥) ط ، د : التشكيل (٢٦) سا : إذ

(٢٧) م : فلا يجب

١٧٤

إلا إذا بطلت طبيعته ، وإما على سبيل أن لا ينفعل الرطب لكثرته (١) إذا قوبلت بالقوة المحيلة ، فلا يستحيل إلى مادة تحفظ (٢) الحار ، فلا يتولد حار بعد. وإذا (٣) انفصل الحاصل من الحار ، صاعدا ، لم يكن مدد يحفظ اتصاله ، كما يعرض عند كثرة دهن السراج. وهذا فى المركبات. وإذا شئت أن تتحقق (٤) فعلية الحار والبارد ، ولا فعلية الرطب واليابس ، فانظر (٥) ما يعتريك من ملامسة الطبيعتين. (٦)

__________________

(١) ط : «لكرامة» بدلا من «لكثرته»

(٢) م ، سا : حفظ

(٣) سا : وإذ ، وفى «د» : فإذا

(٤) م ، ط : يتحقق ـ سا : فلا فعليه

(٥) ط : فانظر+ إلى

(٦) م ، د : الطبقتين

١٧٥

الفصل الثاني عشر (١)

فصل فى

حل قطعة أخرى من هذه الشكوك

وأما الشك ، الذي أورد بعد هذا ، فالجواب عنه أن إيجابنا وجود عناصر أربعة ليس المعول (٢) فيه كله (٣) على القسمة ؛ بل على قسمة يتبعها وجود. فإن الشىء إذا أورده العقل (٤) فى القسمة ، ثم دل عليه الوجود ، لم يكن (٥) أظهر منه.

وقد وجدنا الحر والبرد يلائمان الكيفيتين المنفعلتين ، ليس إنما يلائم الواحد منهما الرطوبة دون اليبوسة ، أو اليبوسة دون الرطوبة. (٦) فقد رأينا اليابس يسخن ، ورأيناه يبرد. وكذلك رأينا الجسم الرطب (٧) يسخن ، ورأيناه يبرد. فلم يكن اجتماع البرد مع الرطوبة واليبوسة ، (٨) أو اجتماع الحر مع الرطوبة واليبوسة ، مستنكرا ، فى العقل المفطور ، وفى الوجود (٩) المحسوس ، إذا كانت المادة تحتمل (١٠) ذلك ، وكانت (١١) ازدواجات ممكنة فى الوجود.

وأما حديث التكثير (١٢) بازدواجات تقع (١٣) من مفرط ومعتدل ، فنقول فى جوابه إن المادة البسيطة ، إذا كانت فيها (١٤) قوة مسخنة ، وكان من شأنها أن تقبل (١٥) السخونة ، فمن المحال (١٦) أن لا تسخن السخونة التي فى طباعها أن تقبلها (١٧) إلا لعائق. وذلك لأن من شأن المسخن ، إذا بقى ما ليس فيه سخونة ، وهو يقبلها ، أن تحدث فيه (١٨) سخونة.

والسخونة مسخنة ؛ إذ من شأن السخونة ، إذا لاقت مادة ، أن تحدث (١٩) فيها سخونة

__________________

(١) م ، ط : الفصل الثاني عشر ، وفى د : فصل الثاني عشر

(٢) د : المقول (٣) م : ـ كله

(٤) م : الفعل (٥) ط : ولم يكن

(٦) «أو اليبوسة دون الرطوبة» مكررة فى نسخة سا

(٧) م : ـ الرطب (٨) سا : والتيبس (الأولى)

(٩) م : فى الوجود (الأولى)

(١٠) م : يحتمل (١١) سا : فكانت

(١٢) م : الكثير ، وفى «د» التكثر

(١٣) م ، ط : يقع

(١٤) م : فيهما ، وفى «د» : فيه

(١٥) م ، ط : يقبل

(١٦) ط ، سا : المحال+ أن يكون

(١٧) سا : يقبله

(١٨) سا : يجذب فيه

(١٩) م ، ط : يحدث ، وفى «سا» يجذب

١٧٦

أخرى. فكيف إذا كانت فى نفس المادة واحتملت سخونة أخرى؟ فهذه القوة المسخنة ، إذا أحدثت (١) حدا من السخونة ، فبعد ذلك إذا لم تفد (٢) سخونة (٣) ، والسخونة الموجودة أيضا فى المادة إذا لم تفد (٤) سخونة بعد التي أفادت ، فإما لأصل أن طباعها ليس تفيد السخونة فى القابل إلا وقتا ما ، وبحال ما ، وقد فرضنا القوة مسخنة (٥) بطباعها ، وكذلك (٦) السخونة الحاصلة منها التي تحدث (٧) عنها سخونة فيما يلاقيها ؛ وإما لأن المادة لا تقبل ، (٨) وقد فرضنا أنها تقبل أكثر من الحد الموجود فى الفاتر (٩) والمعتدل ؛ بل (١٠) نحسها (١١) كذلك (١٢). وإذا (١٣) كانت حارة كان إمعانها فى التسخن (١٤) ، عند وجود ما بوجوده تكون السخونة ، (١٥) أولى منها إذا كانت باردة ؛ وأما لعائق. ونحن لا نمنع ذلك. (١٦) إثما نتكلم على مقتضى الطباع. فإن القوة المبردة فى الماء يجوز أن تعاق (١٧) فى التبريد أصلا ، فضلا عن أن يبالغ فى التبريد ؛ فربما كان العائق داخلا ، وربما كان خارجا. فإذ لا عائق ، ولا امتناع قبول فى (١٨) المادة عن (١٩) أن تسخن (٢٠) زيادة سخونة عن تلك (٢١) القوة بعينها ، وعن السخونة الحادثة فيها إلى الغاية التي من شأنها أن تبلغها (٢٢) حادئا فيها السخونة عن السخونة (٢٣) التي لا حائل بينها وبينها ، التي هى أولى أن تحدث (٢٤) فيها سخونة من سخونة خارجة قائمة فاعلة (٢٥) فى جسم ملاق (٢٦) إحداث الميل الطبيعى للميل بعد الميل ، على سبيل الحتمية ، كما (٢٧) قد (٢٨) عرفته ـ فواجب أن يكون الأمر فيها بالغا الغاية. (٢٩) وليس هذا (٣٠) ، كما يعلم ، ما حال القوة المصعدة للنار الصغيرة فإنها لا تبلغ (٣١) الغاية الممكنة فى الإسراع. فإن ذلك لعائق (٣٢) من خارج ، وهو ما فيه الحركة ؛ فإنه يمتنع عن الانحراق (٣٣) له ، ويقاومه ، فلا يقدر مثل تلك (٣٤) القوة أن تحرق (٣٥) فوق (٣٦) ذلك.

__________________

(١) د : أحدث (٢) ط : يقد (٣) م : ـ والسخونة (٤) م ، ط : يفيد

(٥) م ، د : القوة المسخنة (٦) بخ : فكذلك (٧) ط : التي يحدث

(٨) ط : يقبل (٩) د : بل فى الفاتر

(١٠) سا ، د : ـ بل (١١) سا ، نحسبها

(١٢) ط : يسخنها كذلك

(١٣) د : إذا (١٤) م ، ط : التسخين ، وفى سا ، ب : السخن

(١٥) م ، ط : يكون السخونة (١٦) سا : لا نعلم ذلك

(١٧) م ، ط : يعاق (١٨) ب : ـ فى

(١٩) م : ـ عن (٢٠) م ، ط : يسخن

(٢١) م : من تلك (٢٢) م ، ط : يبلغها

(٢٣) م : ـ عن السخونة (٢٤) م ، ط : يحدث

(٢٥) سا : ـ فاعله (٢٦) سا : يلاقى

(٢٧) سا : وكما ، وفى ب : كما قد

(٢٨) م ، سا : ـ قد (٢٩) سا : الغاية الممكنة

(٣٠) سا : وهذا ليس (٣١) م ، ط : يبلغ

(٣٢) د : ـ فإن ذلك لعانق «إلى قوله» الحركة فإنه

(٣٣) م ، د : الانحراف (٣٤) بخ مثل تلك ، وفى النسخة الأخرى بتلك

(٣٥) ط : ينحرق (٣٦) م : ـ فوق

١٧٧

فيعرض فى فعله من العائق قصور لا يعرض لما هو أكثر (١) وأقل قبولا (٢) للمقاومة. ولو (٣) لم تكن (٤) مقاومته (٥) من جهة المتوسط لكانت الحركات كلها متشابهة ، كما مر لك فى مواضع أخرى.

وكذلك لو لم تكن فى الماء مقاومة للتسخن (٦) لكان يسخن (٧) بلا فتور غاية السخونة (٨) عند لقاء (٩) المسخن.

فيجب من هذا أنه إذا لم يكن (١٠) مانع كانت (١١) المواد (١٢) المتسخنة عن القوة المسخنة (١٣) الموجودة فيها تتسخن (١٤) على السوية. (١٥) فإذا (١٦) كان (١٧) بعض الأسطقسات (١٨) لا يبلغ الغاية فى التسخن (١٩) الطبيعى عن طبيعته ، (٢٠) (٢١) وليس عائق من خارج ، فهناك عائق من أمر فيه عن طبعه. وليس يجوز أن تكون (٢٢) الطبيعة وحدها عائقة ، وموجبة. فيجب أن يكون بوساطة أمر آخر يفيض عنها. فتكون (٢٣) القوة ، إذا كان من شأنها أن تسخن وترطب (٢٤) معا عاقت الرطوبة المادة عن أن تقبل (٢٥) السخونة (٢٦) عن تلك القوة إلى غاية الحد ؛ بل قعدت بها وكانت (٢٧) المادة لا تبقى (٢٨) رطبة إذا أفرط فيها الحر ، فتكون (٢٩) الرطوبة التي (٣٠) تفيض عن القوة تجعل (٣١) للمادة حدا محدودا فى استعداد قبول (٣٢) الحرارة.

ولقائل أن يقول إن المادة ، وإن كانت مستعدة ؛ فإنها لا تخرج (٣٣) إلى الفعل إلا عن قوى تقوى على (٣٤) إخراجها إلى الفعل. فإن المتوسط مستعد أيضا للانحراق الأشد. والماء مستعد للتسخن الأشد ، ولا يكفيه (٣٥) ذلك ما لم يكن قوة تقوى (٣٦) عليه ، لأنه مستعد (٣٧) لأمر

__________________

(١) سا : اكبر (٢) د : قبول (٣) د : ـ لو (٤) م ، ط : يكن

(٥) د : مقاومة (٦) د للمسخن ، وفى م «للمتسخن»

(٧) م ، د. لكانت تسخن (٨) م : وغاية السخونة

(٩) سا : بقاء (١٠) د ، إذ لم يكن

(١١) د : لكانت (١٢) سا : المادة (١٣) م : ـ عن القوة المسخنة

(١٤) م : تسخن (١٥) سا «اليبوسة» بدلا من «السوية»

(١٦) ب د : وإذا (١٧) م كانت (١٨) م ، ب : الأستقصات

(١٩) د : فى المسخن (٢٠) م : طبيعة (٢١) م ، ط ، : طبيعته

(٢٢) م ، ط : يكون (٢٣) ط : فيكون

(٢٤) م ، ط : يسخن ويرطب

(٢٥) م ، ط : يقبل (٢٦) م السخونة+ عن السخونة

(٢٧) م : قيدت كانت ، وفى سا فقبلت به ، وفى د : قعدت كانت

(٢٨) ط : يبقى (٢٩) ط : فيكون (٣٠) م : ـ التي

(٣١) م ، ط : يجعل (٣٢) م : وقبول (٣٣) م ، ط : يخرج (٣٤) م : مقو على

(٣٥) م : يكثفه (٣٦) م ، ط : يقوى (٣٧) بخ : مستعد+ الصورة

١٧٨

عن علة فاعلة ذات قوة محدودة. فإذا كانت القوة ليس لها أن تسخن (١) أكثر من حد ، أو يحرق أكثر من حد ، لم يكف استعداد المادة. (٢)

فنقول : إن (٣) تصور ما قلناه ، على الحقيقة ، يغنى (٤) عن إيراد هذا الشك ؛ وذلك لأن القوة إذا كان (٥) من شأنها أن تسخن (٦) ، ووجد القابل المستعد بلا معاوقة ، استحال أن لا يسخن ، (٧) وأن لا يقوى على أن لا يسخن. فهذه القوة ، بعد أن وجدت (٨) منها السخونة ، لم يبطل (٩) عنها (١٠) أنها توجد (١١) السخونة فى القابل للتسخن (١٢) عنها كل وقت. ووجود ما وجد من السخونة المقدرة عنها (١٣) لا يمنع القابل عن أن يكون قابلا للسخونة. وكذلك السخونة الموجودة فيها من شأنها أن توجد (١٤) السخونة فى أى مادة (١٥) لاقتها قابلة (١٦) للسخونة ولا مانع لها.

فإذا كانت المادة الخارجة تسخن (١٧) عن تلك السخونة (١٨) فالمادة الملاقية أولى لا محالة. فيجب أن يحدث عن القوة فى المادة ، بعد ما حدث من السخونة ، سخونة زائدة ، فى طباعها أن تقبلها ، (١٩) وفى طباع (٢٠) القوة والسخونة أن تحدثها (٢١) ، لا من حيث هى زيادة أولية ، بل من حيث هى سخونة .. فإن تلك الزيادة سخونة ، لا شىء (٢٢) آخر ، كما أن لو سخنا آخر انضاف (٢٣) إليه لكان يفيد سخونة.

والقوة والسخونة من شأنها أن توجد (٢٤) السخونة كل وقت لذاتها ، لا لسبب ، (٢٥) إن (٢٦) كان عنها سخونة أو لم يكن. (٢٧) والسخونة التي وجدت عنها لا تمنع (٢٨) أن تفيض (٢٩) عنها أيضا السخونة فى طبعها (٣٠). ذلك والتأخر إلى وقت ثان ، على سبيل الوقوف ، لا معنى له. فإن (٣١)

__________________

(١) م ، ط : يسخن. (٢) سا : الماء

(٣) سا : ـ إن (٤) م : يعنى.

(٥) ط : كانت (٦) ط : يسخن

(٧) فى نسخة عج فقط : على أن لا يسخن (الثانية) وفى بقية النسخ : أن يسخن

(٨) د : وجد (٩) د : لم تبطل

(١٠) ط يبطل منها (١١) م ، ط : يوجد

(١٢) ط : التسخين (١٣) ب : عنها

(١٤) م ، ط. يوجد (١٥) سا : فى المادة أى مادة

(١٦) ط : لأنها قابلة (١٧) ط : يسخن

(١٨) ط. سخونة+ أخرى (١٩) م ، د : يقبلها

(٢٠) د : وفى طباعها

(٢١) م ، ط : يحدثها

(٢٢) د : لشىء (٢٣) م : يضاف

(٢٤) م ، ط يوجد (٢٥) م : لسببه ، وفى «ط» : بسبب

(٢٦) ب : ـ إن (٢٧) د : ـ «إن كان عنها سخونة أو لم يكن»

(٢٨) م ، ط : يمنع (٢٩) م ، ط : يفيض (٣٠) ط ، سا ـ ط : فى طباعها

(٣١) م : فانه

١٧٩

فى الزمان الذي بينهما لم يكن عائق زال (١) ، فيجب (٢) أن يحدث ذلك بلا تأخير يفعله وقوف. (٣)

وليس حال الحرق (٤) كذلك. فإن الحرق (٥) وجوده أن يكون شيئا بعد شىء ؛ إذ لا قرار للحركة ، ولا لما يجرى (٦) مجرى الحركة. ثم النحرق ، وإن كان قابلا بمادته (٧) فهو مقاوم بصورته مقاومة شديدة أو غير شديدة. ولهذا لا ينحرق الماء والهواء عن الشوط (٨) إذا رام إسراع الحرق (٩) وترك طريق الرفق ، (١٠) لأنه يقبل قليلا قليلا لما فيه من المقاومة وتسخين الماء إنما يكون شيئا بعد شىء ؛ لأن فى أول الملاقاة (١١) (١٢) يكون الماء باردا ، والبرد يمنع استعداد المادة للضد ما دام ثابتا ، فيحدث أولا فى زمان تفرضه (١٣) أولا حرارة ما (١٤) بقدر (١٥) الاستعداد المعوق.

ثم يكون الفاعل ، بعد ذلك ، حرارة من خارج وحرارة فى الماء يتعاونان على الإحالة.

ويكون البرد المعاوق أقل ، فيكون فى الزمان الثاني يستحيل أسرع وأشد ؛ وذلك لأن حال الفاعل والقابل معا فى الزمانين مختلفان. (١٦)

وليس هكذا الحال (١٧) فى مسألتنا نحن. على أننا لا نناقش فى أن يستمر ازدياد التسخن (١٨) فى مادة الهواء عن القوة (١٩) وعن السخونة الحاصلة فى زمان على الاتصال. ولكن ذلك أيضا غير موجود.

وقول القائل إن السخونة تسخن (٢٠) إلى حد ما لا يقوى على أكثر من ذلك ، وإن كان ممكنا فى الوجود وفى طباع (٢١) المادة ، قول لا يلتفت إليه. فإن ذلك إنما يكون إذا قيس إلى مقاوم. وأما إذا لم يكن مقاوم فهذا القول محال ؛ لأنه إذا حدثت (٢٢) فيه سخونة

__________________

(١) ط : فزال (٢) سا : فوجب

(٣) يفعله وقوف ، وفى د : ولعله وقوف

(٤) ط : الخرق (٥) م ، ط. الخرق (الثانية)

(٦) م : ولما يجرى (٧) سا : لمادته

(٨) سا : الشوط وفى النسخ الأخرى : السوط

(٩) م ، ظ : الخرق (١٠) د : الريق

(١١) د : الأول الملاقاة

(١٢) ط : الملاقاة (١٣) ب : يفرض ، وفى م : يفرضه

(١٤) د : ـ ما (١٥) م مالا يقدر

(١٦) م : مختلفة ، وفى سا ، مختلفين

(١٧) بخ : ذلك الحال (١٨) سا ، ط ، د : التسخين

(١٩) م : ـ عن القوة وعن

(٢٠) م ، ط : يسخن

(٢١) م : انطاع ، وفى د ه : طباعها

(٢٢) م : حدث

١٨٠