إعلام الخلف - ج ٣

صادق العلائي

إعلام الخلف - ج ٣

المؤلف:

صادق العلائي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الآفاق للدراسات الإسلامية
الطبعة: ١
الصفحات: ٥٢٩
الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

يعمر كما قال أرباب السير والتراجم (١) .

٥ ـ من نوّق التشكيل والحركات الإعرابية وشذب الأحرف الهجائية

الحركات الإعرابية التي وضع أُسسها أبو الأسود الدؤلي كانت على شكل نقاط ، ولكي لا تختلط مع نقط إعجام يحيى بن يعمر جعلت بألوان مختلف بعضها عن بعض ، وهذه المنهجية فيها كثير من المعوقات والصعوبات فالقارئ يجد صعوبة في التمييز بين هذه النقاط ومعرفة دلالتها بحسب اختلاف أمكنتها ، وسرعان ما يخطئ القارئ في القراءة لتزحزح تلك النقاط عن أماكنها ، ولو قليلاً ، أما على مستوى الكتابة فحدث ولا حرج فالمداد الملون وتنقيط النقاط بألوان مختلفة والتفريق بين الأماكن مع ضيق المسافة بين الأحرف يجعل التنقيط وضبطه عملية صعبة للغاية (٢) ، وعلى أيٍّ فهذه حال الخطوة الأُولى في طريق الإبداع ، ولهذا انبرى لمهمة تتميم عمل الشيعيين الهمامين ، أحد الشيعة الخلص فتمم المسيرة وأتقنها ، حتى اكتفى الناس إلى يومنا هذا بفعله وابتكاره ، وكان حرصه منصبًّا على القرآن وشكله المرموق وأداء تلك النصوص الكريمة بلا عسر على القرّاء أو اشتباه للكتبة فابتدع الضمة والفتحة والكسرة والشدة وابتدع الشكل الأنيق للهمزة ، وزاد خدمة لقرّاء القرآن بوضع الروم والإشمام وغيرها ، وهو الخليل بن أحمد

___________

(١) انظر ملحق رقم (٣٢) .

(٢) جزى الله الشيعة عن القرآن الكريم خير الجزاء .

٣٤١
 &

الفراهيدي رحمه الله تعالى .

الفراهيدي هو أوّل من صنّف نقط أبو الأسود الدؤلي وذكر علله وأول من وضع الروْم والإشمام وابتدع الشكل المتعارف من حركات الإعراب ـ الضمة والكسرة والفتحة والشدة والسكون والهمزة ـ فخدم كُتّاب القرآن الكريم خدمة عظيمة ، إذ كان يختلط عليهم نقط الإعجام بنقط الإعراب حيث كانت تتزاحم في الكلمة الواحدة بشكل يثير اللبس والخلط (١) .

وعمله رحمه الله أثّر أثراً إيجابياً على قراءة القرآن الكريم وفهمه ، ولا يخفى ما لهذا العمل والجهد من أثر في الحفاظ على قراءة القرآن الكريم المتواترة وصيانته من التغيير على مرّ الزمن بتغيّر قراءته وما ينجم عنه من المصائب كالتي حدثت في زمن ابن عفان .

٧ ـ من هذّب خط المصحف بابتداع خط النسخ الأنيق وأنهى المسيرة

الخط القديم الذي كتب به المصحف زمن عثمان لا تكاد تقوم بينه وبين الخط الذي كتب به المصحف اليوم مقارنة ، بما للكلمة من معنى ؛ لما فيهما من بعد واسع وتغاير فاحش ، فلا يشك المرء من وجود نقلة نوعية للخط العربي النسخي جعلته بهذه الصورة الأنيقة التي تراها اليوم فالمتاحف والمخطوطات القديمة التي تحكي رسالة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلّم للملوك في عصره شاهد على عدم دقة الخط وتغايره الشديد عن خطنا ، هذا بغض النظر عن فقدان الألفات والنقاط إذ هذه الأحرف التي

___________

(١) انظر ملحق رقم (٣٣) .

٣٤٢
 &

أمامنا متغايرة عن بعضها نوعاً ما ، حتى بدون النقاط والألفات بخلاف تلك فلا ريب إذن في وجود فاصلة كبيرة وقفزة في مسيرة الخط العربي .

المعلوم أن أهم ما كتب في الإسلام هو القرآن الكريم ، لذا أي تحسين يدخل في عالم الكتابة كان هدفه الأول والأهم هي كتابة القرآن الكريم ، لذا كان المصحف الشريف على رأس أولويات أي تحسين وتشذيب يطرأ على الخط في العالم الإسلامي ، وقد مرت الشواهد على ذلك من فعل أبي الأسود وتلميذه ، وسنتكلم هنا عن رجل قلب شكل الخط القديم المبهم المعالم إلى خط آخر لا يمت له بكثير صلة ، حيث قام على تحسينه وإضافة بعض الخطوط إليه مع تشذيب للأطراف وتقصير لبعض الأحرف ، وهندستها على ميزان النقاط ، فجعل لكل حرف مقياسا خاصا منها ، على طوله عدد خاص من النقاط وكذا على عرضه ، فأحكمها إحكاما ، إلى أن أوصل الخط النسخي القديم البدائي إلى هذا الخط الرائع المهندس الموزون ، وبعد تحسين الخط ونقله لهذا المستوى من الرقي والتفنن أخذ هذا الرجل يخط المصحف الشريف الذي كان من أوليات أهدافه لتحسين الخط ، فابتدأ المسيرة وأنهاها على يديه ، وهي هكذا إلى يومنا هذا ، فكان الفضل له في سهولة قراءة المصحف الشريف وتنوق خطه وجماله ، وهذا كذلك أحد رجالات الشيعة ، وهو الوزير أبو علي بن مقلة ، الخطاط الشهير بـ (الوزير ابن مقلة) ، وهو صاحب الفضل على الخط العربي وبالتبع على كل قارئ للمصحف الشريف ، وهذا من نفس سنخ الشيعة الذين سبقوه في عالم صيانة القرآن والحفاظ عليه فختمت عليه

٣٤٣
 &

أبواب تحسين الخط وتشذيبه ، ووصل المصحف الشريف إلينا بهذا الشكل الرائع الذي نراه ونتمعن في جمال خطه ورونقه المبدع (١) .

ولكي تقف عيانا على ما فعله ابن مقلة من عظيم فرق وبُعد بون من الوضوح والجمال الذي أدخله على المصحف الشريف ننقل لك سورة الفاتحة المباركة بالخط الذي كان يكتبه المسلمون قبل ابن مقلة وتحته الخط الذي حسنه وشذبه ابن مقلة ، وهو الذي استمر إلى يومنا هذا :

___________

(١) انظر ملحق رقم (٣٥) .

٣٤٤
 &

Description: E:BOOKSBook-LibraryENDQUEUEEalam-Khlaf-part03imagespage0345.png

فحري بنا أن نقف إجلالا لهذا العمل الفذ الذي خدم به المصحف الشريف خدمة جليلة يقدر فضلها ويطيب ذكرها حينما ننظر للحال التي كان عليها خط المصحف وما آل إليه بعد عمل هذا الشيعي رحمه الله .

٣٤٥
 &

الوزير ابن مقلة وقرّاء الشواذ !

لا ريب أن القرّاء الذين يقرأون القرآن بالشواذ ، وخاصة القراءة المخالفة لرسم المصحف يعتبرون دعاة تحريف وتبديل ، وحينما يكثر أتباع هؤلاء تبتلي الأمة بشرذمة من الناس لا همّ لها إلا اتباع كل غريب وعجيب من القراءات التي تتستر بدعوى اتباع بعض سلفهم الصالح الذي تلاعب بالقرآن ، وهكذا يصير القرآن لعبة بألسنتهم تحت ستار الدين ورفعا لراية السلفية ، وعلى مر الأيام تضمحل قداسة الكلمات والتراكيب القرآنية وتزول من القلوب ، فيتبادر للذهن أن القرآن ليس بذاك المعجز الذي لا يمكن أن يؤتى بمثله ، فهذا فلان يأتي بكلمات تماثل كلمات القرآن وهكذا الآخر والآخر !

وكان في أحد الأزمنة رجلٌ منهم يسمى ابن شنبوذ يقرأ القرآن بالشواذ ويتتبعها ، وكذلك ابن مقسم ، وقد سعى بهما ابن مجاهد ـ وهو الذي سبّع القراء ـ عند الوزير الشيعي السابق أبي علي بن مقلة فأثبت عليهما الدعوى فأمر بهما فجلدا ، ففقأ الله عزّ وجلّ عين الفتنة على يد هذا الوزير الشيعي .

قال في مقدمة كتاب السبعة في القراءات : وأهم من ذلك موقفه ـ ابن مجاهد ـ من ابن شَنّبوذ المقرئ ببغداد لعصره ، وكان يعتمد شواذ القراءات ويقرأ بها ، وقرأ بالمحراب في بعض صلواته بحروف مرويّة عن عبد الله بن مسعود وأبيّ بن كعب ، يخالف مصحف عثمان بن عفان الذي اجتمعت عليه الأمة ، وجادل في ذلك وحاول في جرأة أن يُقْرئ بها بعض الناس واشتهر أمره ، وحاول ابن مجاهد أن يردّه إلى جادة الصواب ، ولكنه لم ينته فرفع أمره

٣٤٦
 &

إلى ابن مُقْلة الوزير حينئذ ، فاستدعاه وأحضر القضاة والفقهاء والقرّاء ، وفي مقدمتهم ابن مجاهد ، وكان ذلك في سنة ٣٢٣ للهجرة ، غير أن ابن شَنّبوذ اعترف بما عُزي إليه وأقرّ عليه ، فأشار جميع من حضروا بعقوبته ، فضرب أسواطاً وحُبس ، فأعلن توبته . وعقد له ابن مقلة محضراً أقرَّ فيه ابن شنّبوذ اعترف بذلك في حضوره طوعاً .

وقد احتفظ ياقوت بطائفة من قراءاته التي تبع فيها ما رُوي عن أُبيّ بن كعب وعبد الله بن مسعود من مثل (وكان أمامهم يأخذ كل سفينة صالحة غصباً) والآية في مصحف عثمان كما هو المعروف ( وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا ) (١) ، ومثل : (إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فامضوا إلى ذكر الله) وهي في مصحف عثمان ( فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّـهِ ) (٢) إلى غير ذلك من قراءات انفرد بها أُبيّ بن كعب وعبد الله بن مسعود (٣) .

___________

(١) الكهف : ٧٩ .

(٢) الجمعة : ٩ .

(٣) مقدمة كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد : ١٥ ، بتحقيق الدكتور شوقي ضيف ، ط . دار المعارف مصر .

أقول : ولا يخفى على النبيه أنه إن كان حقا اتباع السلف في كل ما فعلوه ، وهو ما يسمى بالسلفية فإن ابن شنبوذ سيد السلفية حيث كان سيده ابن الخطاب يقرأ (فامضوا إلى ذكر الله) وما كان يقرأ بغيرها إلى أن مات وكتبها في مصحفه ، وكذا بقية الموارد التي قرأ بها فهي قراءات سلفه الصالح ، فما أقوى عذر ابن شنبوذ على دين السلفية ، ولكن الوزير الشيعي لا

=

٣٤٧
 &

أما تقدم الشيعة في فنون التفسير فيمكن مراجعته في مقدمة تفسير كنز الدقائق للميرزا محمد المشهدي رضوان الله تعالى عليه الذي أجاد ووفى (١) .

الخاتمة

وكما نرى فقد كان الشيعة الإمامية على مر العصور حفاظ القرآن الصائنين له ، وأبطال الأعمال الجليلة والإصلاحات الفذة في الخط القرآني قائمين عليه كالئين بلا منازع ، حتى حفظوا القرآن من التلاعب والتغيير على مرّ الزمان فصانوه من التحريف إلى عهدنا ، فهم ابتدأوا المسيرة وختموها وهم أهل الفضل على طوائف المسلمين ، وعلى كل من قرأ القرآن الذي حفظه الله عزّ وجلّ من التغيير والتبديل ، حيث اختار الله عزّ وجلّ رجال الشيعة ليوصلوا للمسلمين هذا القرآن الكريم محفوظا من التلاعب والتغيير مصانا في القراطيس والدفاتر والرقاع ، فسيدهم جمعه وأتباعه تناوبوا عليه فمنهم الذي حث وحفز ، ومنهم الذي أملى وحفظ ، ومنهم الذي أعرب ونقط ومنهم الذي نقط فأعجم ، ومنهم الذي هندس الإعجام والإعراب وأبلج الأطراف ، ومنهم الذي أبدع وخطط فنسق ونوّق وجمل ، وما كانوا ليوصلوا لنا

___________

=

يساوي عنده عمل سلفهم الصالح جلب شعيرة ، فجلده وانتهت فتنة هذا التيار المحرف لكتاب الله عزّ وجلّ .

(١) كنز الدقائق ١ : ٥ ـ ١٢ .

٣٤٨
 &

القرآن بهذه الصورة المشرّفة المشرقة الأنيقة لولا إرادة الله عزّ وجلّ وتوفيقه وتسديده للشيعة .

فللّه أنتم يا شيعة آل محمد صلّى الله عليه وآله وسلم ، يا من صنتم العترة الطاهرة والثقل الأصغر ، فرزقكم الله بمنه وكرمه صيانة الثقل الأكبر ففزتم بالخير كل الخير ، قال تعالى ( وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّـهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) (١) .

وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ

___________

(١) التوبة : ١٠٥ .

٣٤٩
 &

Description: E:BOOKSBook-LibraryENDQUEUEEalam-Khlaf-part03imagesrafed.jpg

٣٥٠
 &

Description: E:BOOKSBook-LibraryENDQUEUEEalam-Khlaf-part03imagespage0351.png

٣٥١
 &

Description: E:BOOKSBook-LibraryENDQUEUEEalam-Khlaf-part03imagesrafed.jpg

٣٥٢
 &

ملحق رقم (١)

سير أعلام النبلاء ٣ : ٤٤٧٦ وما بعدها ت ١٠٢ : (مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف ، الملك أبو عبد الملك القرشي الأموي . وقيل : يكنى أبا القاسم ، وأبا الحكم . مولده بمكة . وهو أصغر من ابن الزبير بأربعة أشهر . وقيل : له رؤية ، وذلك محتمل . وكان كاتب ابن عمه عثمان ، وإليه الخاتم ، فخانه ، وأجلبوا بسببه على عثمان ، ثم نجا هو ، وسار مع طلحة والزبير للطلب بدم عثمان ، فقتل طلحة يوم الجمل ، ونجا ـ لا نجي ـ ثم ولي المدينة غير مرة لمعاوية . وكان أبوه قد طرده النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم إلى الطائف ، ثم أقدمه عثمان إلى المدينة لأنه عمه (!!) .

ولما هلك ولد يزيد ، أقبل مروان ، وانضم إليه بنو أمية وغيرهم ، وحارب الضحاك الفهري ، فقتله ، وأخذ دمشق ، ثم مصر ، ودعا بالخلافة . وكان ذا شهامة ، وشجاعة ، ومكر ، ودهاء ، أحمر الوجه ، قصيرا ، أوقص ، دقيق العنق كبير الرأس واللحية ، يلقب : خيط باطل .

قال الشافعي : لما انهزموا يوم الجمل ، سأل علي عن مروان ، وقال : يعطفني عليه رحم ماسة ، وهو مع ذلك سيد من شباب قريش .

وقال قبيصة بن جابر : قلت لمعاوية : من ترى للأمر بعدك ؟ فسمى رجالا ، ثم قال : وأما القارئ الفقيه الشديد في حدود الله ، مروان (!) . قال أحمد : كان مروان يتتبع قضاء عمر .

وروى ابن عون ، عن عمير بن إسحاق ، قال : كان مروان أميرا علينا

٣٥٣
 &

فكان يسب رجلا كل جمعة ـ واضح أنه الإمام علي عليه السلام الذي من سبه فقد سب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ ثم عزل سعيد بن العاص وكان سعيد لا يسبه ، ثم أعيد مروان ، فكان يسب ، فقيل للحسن : ألا تسمع ما يقول ؟ فجعل لا يرد شيئا وساق حكاية .

قال عطاء بن السائب : عن أبي يحيى ، قال : كنت بين الحسن والحسين ومروان ، والحسين يساب مروان ، فنهاه الحسن ، فقال مروان : أنتم أهل بيت ملعونون . فقال الحسن : ويلك قلت هذا ! والله لقد لعن الله أباك على لسان نبيه وأنت في صلبه ، يعني : قبل أن يسلم . وأبو يحيى هذا نخعي لا أعرفه .

جعفر بن محمد : عن أبيه ، كان الحسن والحسين يصليان خلف مروان (!) ولا يعيدان .

العلاء بن عبد الرحمان ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، قال : إذا بلغ بنو العاص ثلاثين رجلا ، اتخذوا مال الله دولا ، ودين الله دغلا ، وعباد الله خولا . جاء هذا مرفوعا ، لكن فيه عطية العوفي .

قلت : استولى مروان على الشام ومصر تسعة أشهر ، ومات خنقا من أول رمضان سنة خمس وستين .

قال مالك : تذكر مروان ، فقال : قرأت كتاب الله من أربعين سنة ، ثم أصبحت فيما أنا فيه من هرق الدماء وهذا الشأن ؟! قال ابن سعد : كانوا ينقمون على عثمان تقريب مروان وتصرفه . وقاتل يوم الجمل أشد قتال ، فلما رأى الهزيمة رمى طلحة بسهم ، فقتله ، وجرح يومئذ ، فحمل إلى بيت امرأة فداووه ، واختفى ، فأمنه علي ، فبايعه ، ورد إلى المدينة . وكان يوم الحرة مع

٣٥٤
 &

مسرف بن عقبة يحرضه على قتال أهل المدينة .

أسد الغابة ٤ : ٣٤٨ ـ ٣٤٩ : وهو ابن عم عثمان بن عفان بن أبي العاص ولد على عهد رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ، قيل : ولد سنة اثنتين من الهجرة . قال مالك : ولد يوم أحد . وقيل ولد يوم الخندق ، وقيل ولد بمكة ، وقيل بالطائف ، ولم ير النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم لأنه خرج إلى الطائف طفلا لا يعقل لما نفى النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم أباه الحكم ، لما ذكرناه في ترجمة أبيه ، وكان مع أبيه بالطائف حتى استخلف عثمان فردهما واستكتب عثمان مروان وضمه إليه ، ونظر إليه علي يوما فقال : ويلك وويل أمة محمد منك ومن بنيك .

وكان يقال لمروان خيط باطل ، وضرب يوم الدار على قفاه فقطع أحد عِلْياوَيْه فعاش بعد ذلك أوقص ، والأوقص الذي قصرت عنقه ، ولما بويع مروان بالخلافة بالشام قال أخوه عبد الرحمان بن الحكم وكان ماجنا حسن الشعر لا يرى رأي مروان :

فوالله ما أدري وإني لسائل

حليلة مضروب القفا كيف تَصنعُ ؟

لحا الله قوما أمّروا خيط باطل

على الناس يُعطي ما يشاء ويمنع

وقيل : إنما قال عبد الرحمان هذا حين استعمل معاوية مروان على المدينة ، واستعمله معاوية على المدينة ومكة والطائف ، ثم عزله عن المدينة سنة ثمان وأربعين ، واستعمل عليها سعيد بن أبي وقاص ، وبقي عليها أميرا إلى سنة أربع وخمسين ، ثم عزله واستعمل الوليد بن عتبة بن أبي سفيان ، فلم يزل عليها إلى أن مات معاوية ولما مات معاوية بن يزيد بن معاوية ولم يعهد إلى

٣٥٥
 &

أحد بايع بعض الناس بالشام مروان بن الحكم بالخلافة ، وبايع الضحاك بن قيس الفهري بالشام أيضا لعيد الله بن الزبير ، فالتقيا واقتتلا بمرج راهط عند دمشق ، فقتل الضحاك واستقام الأمر بالشام ومصر لمروان .

وتزوج مروان أم خالد بن يزيد ليضع من خالد ، وقال يوما لخالد : يا ابن الرطبة الاست ـ هذا أمير المؤمنين ! ـ ، فقال له خالد : أنت مؤتمن خائن وشكى خالد ذلك يوما إلى أُمّه ، فقالت : لا تعلمه أنك ذكرته لي ، فلما دخل إليها مروان قامت إليه مع جواريها فغمّته حتى مات ، وكانت مدة ولايته تسعة أشهر وقيل عشرة أشهر ، ومات وهو معدود فيمن قتله النساء .

الإصابة ٣ : ٤٧٧ ، ت ٨٣٢٤ : وهو ابن عم عثمان وكاتبه في خلافته يقال : ولد بعد الهجرة بسنتين ، وقيل : بأربع ، وقال ابن شاهين : مات النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم وهو ابن ثمان سنين فيكون مولده بعد الهجرة بسنتين ، قال : وسمعت ابن أبي داود يقول : ولد عام أحد يعني سنة ثلاث . وقال ابن أبي داود : وقد كان في الفتح مميزا ، وفي حجة الوداع ، ولكن لا يدرى أسمع من النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم شيئا أم لا .

وقال ابن طاهر : ولد هو والمسور بن مخرمة بعد الهجرة بسنتين لا خلاف في ذلك كذا قال .

وهو مردود ، والخلاف ثابت ، وقصة إسلام أبيه ثابتة في الفتح لو ثبت أن في ذلك السنة مولده لكان حينئذ مميزا ، فيكون من شرط القسم الأول لكن لم أر من جزم بصحبته ، فكأنه لم يكن حينئذ مميزا ومن بعد الفتح أخرج أبوه إلى الطائف ، وهو معه فلم يثبت له أزيد من الرؤية .

٣٥٦
 &

وكان يعد في الفقهاء ، وأنكر بعضهم أن يكون له رواية ، منهم البخاري . وكان مع أبيه بالطائف إلى أن أذن عثمان للحكم في الرجوع إلى المدينة ، فرجع مع أبيه ، ثم كان من أسباب قتل عثمان ، ثم شهد الجمل مع عائشة ، ثم صفين مع معاوية ، ثم ولي إمرة المدينة لمعاوية ، ثم لم يزل بها إلى أن أخرجهم ابن الزبير في أوائل إمرة يزيد بن معاوية ، فكان ذلك من أسباب وقعة الحرة ، وبقي بالشام إلى أن مات معاوية بن يزيد بن معاوية ، فبايعه بعض أهل الشام في قصة طويلة ، ثم كانت الوقعة بينه وبين الضحاك بن قيس وكان أميرا لابن الزبير ، فانتصر مروان وقتل الضحاك واستوثق له ملك الشام .

تهذيب الكمال ٢٧ : ٣٨٧ ، ت ٥٨٧٠ : ولد بعد الهجرة بسنتين ، وقيل : بأربع وكان أصغر من عبد الله بن الزبير بأربعة أشهر ولم يصح له سماع من النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ، وقد روى عن النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم حديث الحديبية بطوله .

وكان كاتبا لعثمان ، وولي إمرة المدينة لمعاوية والموسم ، وبويع له بالخلافة بعد موت معاوية بن يزيد بن معاوية بالجابية ، وكان الضحاك بن قيس قد غلب على دمشق وبايع بها لابن الزبير ، ثم دعا إلى نفسه فقصده مروان فواقعه بمرج راهط ، فقتل الضحاك وغلب على دمشق .

أقول : كون مروان هذا من سلفهم الصالح فيه تسامح ، إلا إذا أبى الوهابية إخراجه من زمرة سلفهم الصالح ، كما فعلوه مع يزيد لعنة الله عليه وأما كونه من أمرائهم ووجهائهم فلا شك فيه ، ويكفي أنه كان موضع ثقة

٣٥٧
 &

عند عثمان بن عفان وكان الآمر الناهي في خلافته ، وقد استعمله معاوية على المدينة ومكة والطائف ، ثم صار أمير المؤمنين وخليفة أهل السنة ، بل عد من الفقهاء كما ذكر ابن حجر ! ، وللزيادة راجع ترجمته في طبقات ابن سعد ٥ : ٣٥ ، نسب قريش : ١٥٩ ، ١٦٠ ، طبقات خليفة : ت ١٩٨٤ ، المحبر : ٢٢ ، ٥٥ ٥٨ ، ٢٢٨ ، ٣٧٧ ، التاريخ الكبير ٧ : ٣٦٨ ، المعارف : ٣٥٣ ، الجرح والتعديل ٨ : ٢٧١ ، تاريخ الطبري ٥ : ٥٣٠ وما بعدها ، و ٦١٠ ، مروج الذهب ٣ : ٢٨٥ ، جمهرة أنساب العرب : ٨٧ ، الاستيعاب : ١٣٨٧ ، الجمع بين رجال الصحيحين ٢ : ٥٠١ ، تاريخ ابن عساكر ١٦ : ١٧٠ ، أسد الغابة ٥ : ١٤٤ الكامل ٤ : ١٩١ ، الحلة السيراء ١ : ٢٨ ، تهذيب الأسماء واللغات ١ : ٨٧ تاريخ الإسلام ٣ : ٧٠ ، تهذيب التهذيب ٤ : ٣٠ و ١٠ : ٩٦ ، البداية والنهاية ٨ : ٢٣٩ و ٢٥٧ ، العقد الثمين ٧ : ١٦٥ ، النجوم الزاهرة ١ : ١٦٤ ، ١٦٩ خلاصة تهذيب الكمال ٣١٨ ، شذرات الذهب ١ : ٧٣ .

٣٥٨
 &

ملحق رقم (٢)

تهذيب الكمال ٢٠ : ١١ ت ٣٩٠٥ (عروة بن الزبير بن العوام . ذكره محمد بن سعد في الطبقة الثانية من أهل المدينة وقال : كان ثقة ، كثير الحديث فقيها ، عالما ، مأمونا ، ثبتا .

وقال أحمد بن عبد الله العجلي : مدني ، تابعي ، ثقة ، وكان رجلا صالحا لم يدخل في شيء من الفتن .

وقال يوسف بن يعقوب الماجشون عن ابن شهاب : كان إذا حدثني عروة ثم حدثتني عمرة صدق عندي حديث عمرة حديث عروة ، فلما استخبرتهما ـ وفي رواية ـ فلما تبحرتهما إذا عروة بحر لا ينزف .

قال هشام : وكان أبي يدعوني وعبد الله بن عروة وعثمان وإسماعيل اخوتي وآخر قد سماه هشام ، فيقول : لا تغشوني مع الناس إذا خلوت فسلوني ، فكان يحدثنا يأخذ في الطلاق ثم الخلع ثم الحج ثم الهدي ثم كذا ثم يقول : كرروا علي . وفي رواية عليه ـ فكان يعجب من حفظي . قال هشام : فوالله ما تعلمنا جزءا من ألف جزء ـ وفي رواية من ألفي جزء ـ من أحاديثه .

وقال سفيان بن عيينة عن الزهري : كان عروة يتألف الناس على حديثه .

وقال المبارك بن فضالة عن هشام بن عروة عن أبيه : أنه كان يقول لنا ونحن شباب : ما لكم لا تعلمون ، إن تكونوا صغار قوم يوشك أن تكونوا كبار قوم ، وما خير الشيخ يكون شيخا وهو جاهل ! لقد رأيتني قبل موت عائشة

٣٥٩
 &

بأربع حجج أو خمس حجج وأنا أقول : لو ماتت اليوم ما ندمت على حديث عندها إلا وقد وعيته ، ولقد كان يبلغني عن الرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم الحديث فآتيه فأجده قد قال ، فأجلس على بابه فأسأل عنه .

قال عمر بن عبد العزيز : ما أحد أعلم من عروة بن الزبير .

وقال عبد الرحمان بن أبي الزناد عن أبيه : كان من أدركت من فقهاء المدينة ممن ينتهي إلى قولهم منهم سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير ـ وذكر الباقي ـ ، وفي رواية عنه إن فقهاء المدينة الذين أخذ عنهم الرأي سبعة فعدهم وذكر منهم عروة بن الزبير .

وقال يونس بن يزيد عن الزهري : كان عروة بحرا لا تكدره الدلاء . وقال معمر عن الزهري : أربعة من قريش وجدتهم بحورا : سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وأبو سلمة بن عبد الرحمان وعبيد الله بن عبد الله . هكذا وقع في هذه الرواية ، وهو وهم ، فإن عبيد الله هذلي وليس بقرشي .

عن سفيان بن عيينة : كان أعلم الناس بحديث عائشة ثلاثة : القاسم بن محمد ، وعروة بن الزبير ، وعمرة بنت عبد الرحمان .

عن عبد الرحمان بن حميد بن عبد الرحمان بن عوف : دخلت مع أبي المسجد ، فرأيت الناس قد اجتمعوا على رجل ، فقال أبي : يا بني انظر من هذا ، فنظرت فإذا عروة بن الزبير ، قال : قلت له : يا أبة ، هذا عروة بن الزبير ! وتعجبت من ذلك . فقال : يا بني لا تعجب ! فوالله لقد رأيت أصحاب رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم وإنهم ليسألونه .

٣٦٠