إعلام الخلف - ج ٢

صادق العلائي

إعلام الخلف - ج ٢

المؤلف:

صادق العلائي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الآفاق للدراسات الإسلامية
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٦٣
الجزء ١   الجزء ٢ الجزء ٣
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

وأئمة القرّاء لا تعمل في شيء من حروف القرآن علی الأفشی في اللّغة والأقيس في العربية ، بل علی الأثبت في الأثر ، والأصح في النّقل ، والرواية إذا ثبتت عنهم لم يردّها قياس عربية ولا فشو لغة لأن القراءة سنّة متّبعة يلزم قبولها والمصير إليها . أنظر إلی هذا التزمُّت والاختيار التقليدي المحض ، فهو إن دلّ علی شيء فإنما يدل علی مبلغ ضغط التحميل المذكور (١) .

وما أراده الداني من قوله هو أن هذه الأركان والشروط تقاس بها كل قراءة في دنيا المسلمين إلا قراءة القرّاء السبعة فقد جازت القنطرة استثناءً وبلا تطبيق لتلك الشروط عليها ، بل الشروط نفسها تنخرم وتنفصم عراها أمام قراءة أحدهم ! ولكن لنسائلهم ، ما هو مستند هذا الاستثناء ؟ ومن أي كتاب منزل أم من أية سنة جاءت هذه الامتيازات ؟!

___________

(١) تلخيص التمهيد : ٣٥٩ ، ط . دار الميزان ، أقول : وهذا ديدن القوم الذين لم يتخلوا عنه يوما ما ، فمن السقيفة إلی يومنا وهم يحاولون تنظيف التاريخ المزري وما حدث فيه من مخازي ، ومع كل تنظيف يسقط شيء من الدين ! فهاهم يقولون بكفاية بيعة اثنين من أهل الحل والعقد لتعيين خليفة المسلمين ، ولو بحثت في الكتاب والسنة لما وجدت أثرا لهذا ، وما قالوا به إلا تصحيحا لمبايعة عمر وأَبي عبيدة لأبي بكر بالخلافة ، وعدم عملهم بهذا الفكر عندما تتحقق شروطه دليل دامغ علی أنه ابتدع للتصحيح فقط ، فمثلا في وقتنا قامت ميليشيا تسمی بطالبان ـ التي تسبح الوهابية بحمدها وتقدس لها ـ بالسيطرة علی أفغانستان ، وقد بويع لزعيمها بإمرة المؤمنين من قبل آلاف من أهل الحل والعقد في نظر الوهابية ومع ذلك لم تقر الوهابية له بإمرة المؤمنين ! ، فلماذا تنازلوا عن فقههم ومرتكزاتهم ؟! .

٨١
 &

والتكلف في تصحيح قراءة هذا وذاك من القرّاء السبعة ظاهر في كتبهم وتحميل قراءاتهم علی أقصی حدود الأركان وعلی أوسع نطاق للشروط واضح في كتبهم ، وكله لتصحيح قراءاتهم ولو بشق الأنفس ، وبعبارة مختصرة إن القراءات السبع كانت أصلا لشروط قبول القراءة لا العكس !

ما ينتج عن مخالفة أحد تلك الأركان

لنسلم بتلك الشروط التي أقرها أهل السنة والتي تصح علی ضوئها القراءة فلا توصف بالشذوذ ، فنصل معهم للنتيجة التي أرادوها وهي أن القراءة التي تتوفر فيها تلك الأركان هي القرآن ، وكما قال ابن الجزري في طيبته :

وصح إسناداً هو القرآن

فهذه الثلاثة الأركان

وإذا ما اختل أحد تلك الشروط لا تصح القراءة بها ، أو بعبارة صريحة ليست من القرآن ، وهو ما صُرّح به سابقا : ومتی ما اختل ركن من هذه الأركان الثلاثة أطلق عليها ضعيفة أو شاذة أو باطلة سواء كانت عن السبعة أم عمن هو أكبر منهم ، هذا هو الصحيح عند أئمة التحقيق من السلف والخلف (١) .

ويعني هذا أن القراءة التي تخالف أحد تلك الأركان تُنفی عن ساحة القرآن ولا يمكن القول بقرآنيتها ، وإلا لفتح الباب علی مصراعيه لكل من

___________

(١) النشر في القراءات العشر ١ : ٩ ، ط . دار الكتب العلمية .

٨٢
 &

أراد العبث بآخر الكتب الإلهية وعصارة جهاد الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام ، ودون ذلك ضرب الرقاب كما صرّح به بعضهم ، لا سيما تبديل وتحريف الآية الكريمة بجعل كلمة مكان أخری ، وتلك القراءات الشاذة التي قرأ بها البعض وتجاهر بها قد استتيب تحت جلد السياط كما حصل لابن شنّبوذ ولابن مقسم البغدادي ، فقد تتبعا شواذ القراءات الخارجة عن الأركان الثلاثة وقرأوا بها فلم يرَ علماء ذلك الوقت إلا الجلد سبيلا لردع هذا التيار المنحرف المحرّف لكتاب الله عز وجل (١) .

قال في مقدمة كتاب السبعة في القراءات : وأهم من ذلك موقفه ـ ابن مجاهد ـ من ابن شَنّبوذ المقرئ ببغداد لعصره ، وكان يعتمد شواذ القراءات ويقرأ بها ، وقرأ بالمحراب في بعض صلواته بحروف مرويّة عن عبد الله بن مسعود وأُبيّ بن كعب يخالف مصحف عثمان بن عفان الذي اجتمعت عليه الأمة ، وجادل في ذلك وحاول في جرأة أن يُقْرئ بها بعض الناس واشتهر أمره ، وحاول ابن مجاهد أن يردّه إلی جادة الصواب ، ولكنه لم ينته فرفع أمره إلی ابن مُقْلة الوزير (٢) حينئذ ، فاستدعاه وأحضر القضاة والفقهاء والقرّاء وفي مقدمتهم ابن مجاهد ، وكان ذلك في سنة ٣٢٣ للهجرة ، غير أن ابن شَنّبوذ اعترف بما عُزي إليه وأقرّ عليه ، فأشار جميع من حضروا بعقوبته ، فضرب

___________

(١) مع أن الموارد التي ذكروها لبيان شذوذ قراءتهما هي بعينها قراءة وجوه الصحابة كابن مسعود وأُبيّ بن كعب !!

(٢) وهذا الوزير شيعي وسيأتي الكلام عنه بإذنه تعالی .

٨٣
 &

أسواطاً وحُبس ، فأعلن توبته . وعقد له ابن مقلة محضراً أقرَّ فيه ابن شنَّبوذ واعترف بذلك في حضوره طوعاً . وقد احتفظ ياقوت بطائفة من قراءاته التي تبع فيها ما رُوي عن أُبيّ بن كعب وعبد الله بن مسعود من مثل (وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا) والآية في مصحف عثمان كما هو المعروف (وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا) (١) . ومثل (إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فامضوا إلی ذكر الله) وهي في مصحف عثمان (فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّـهِ) (٢) (٣) إلی غير ذلك من قراءات انفرد بها أُبيّ بن كعب وعبد الله بن مسعود . ومرّ بنا أن عثمان أمر بإحراق مصحفيهما وأنه لم يعد من حقهما ولا من حق غيرهما أن يقرأ بما يخالف رسم المصحف العثماني (٤) .

ولكنا سنقتصر في الكلام علی ما يمس موضوعنا الأساس وهو الشاذ المخالف لركن موافقة رسم المصاحف العثمانية فقط ، وهو ما نقصده من

___________

(١) الكهف : ٧٩ .

(٢) الجمعة : ٩ .

(٣) عمر بن الخطاب هو أول من غيّرها إلی (فامضوا) وأنكر ما هو موجود في مصحفنا ، وسيأتي ذلك بإذنه تعالی .

(٤) مقدمة كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد : ١٥ بتحقيق الدكتور شوقي ضيف ، ط . دار المعارف مصر .

٨٤
 &

كلمة شاذ في ما يلي من فقرات .

وقد استفاضت كلمات علماء أهل السنة علی أن القراءات الشاذة ليست من القرآن في شيء وليس لها حكم آياته ، ولا يصح القراءة بها في الصلاة ولا في غيرها فتبطل الصلاة إذا قرأها المصلي متعمدا ، وعلى هذا فمن قرأ بها على أنها قرآن فإنه بحسب القواعد يكون قد أدخل في النص القرآني ما ليس منه سواء زاد في كلمات الآية المباركة أو أنقص ، أو أبدل كلماته بغيرها ، وبفعله الشنيع ذلك يخالف رسم المصاحف العثمانية المتفق عليه بين المسلمين شرقا وغربا ، فيستحق الإستتابة كما مرّ بالحادثة السابقة ولكن كلمات علماء أهل السنة تارة تصرح بأنها قراءة شاذة ، وتارة بأنها لا يثبت بها القرآن ، وأخرى بأنها باطلة ، ورابعة بأنها ليست من القرآن في شيء ... الخ ، وليس هذا إلا تخفيفا لوقع كلمة (تحريف) لأن من ينسب تلك الشواذ للقرآن وهي (ليست من القرآن في شيء) يعني أنه نسب كلمات وجملا للقرآن ليست منه وهذا وهو التحريف بعينه .

فسواء سمّيت تلك القراءة التي نسبها القارئ للقرآن شاذة أم باطلة أم مرفوضة أم لا يثبت بها القرآن أو غيرها من الألفاظ فهي التحريف المقصود لا غير ، وهي من باب (عباراتنا شتی وحُسنك واحدُ) ، إلا أن يقال : إن القول بأنها باطلة أو لا يثبت بها القرآن يعني أننا نشك في كونها منه أو لا ، وهذه طامة كبری ! ، فهذا الكلام معناه أن تلك القراءات الشاذة ـ الآتي ذكرها بإذنه تعالی ـ من المحتمل أن تكون نصوصا قرآنية ومع ذلك فهي غير موجودة في مصحفنا ! أي أن أهل السنة يشكون في كون مصحفنا قد اشتمل علی كل القرآن النازل من السماء ؟! .

٨٥
 &

بعض كلماتهم في نفي قرآنية القراءات الشاذة

قال علماء أهل السنة إن ما يحصل به النقص من كلمات القرآن بسبب اختلاف النسخ المبعوثة إلی الأقطار الإسلامية لا نسمّيه تحريفا للقرآن ، ونحن نسلم معهم بذلك لأنه يتفق مع الركن الثالث المذكور مسبقا ، وإن كنت لا أری فرقا بين معنی التحريف ومعنی الزيادة من يد الناسخ سهوا (١) ، ومثاله مصحف مكّة المشتمل علی زيادة عن المصحف في كلمة (من) في الآية (تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ) (٢) ، وهكذا غيره مما يشابهه ، ولنتمسك بأمر واحد مما هو شاذ في نظرهم وهو ما يخالف رسم المصاحف العثمانية ، ونستعرض الآن كلمات علمائهم في نفي قرآنية هذا الشاذ ، وكلمات علمائهم نقسمها

___________

(١) الغريب أن بعض علماء أهل السنة يبرر إهمال عثمان إصلاح اللحن والإسراع في بعث المصاحف بلا تدقيق ، بأن هذا الاختلاف والتغاير كان علی مرأی ومسمع منهم وبقصد منهم لبيان الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن الكريم كما يزعمون ، أو بمعنی أوضح ، أن المملي كان يملي عليهم القرآن ويقول لبعضهم (أكتب كذا) وللبعض الآخر (أكتبها أنت كذا) وهكذا في باقي المواضع !! ، وهذا غير مقبول ، لأن هذا المعنی لم يرد في أية رواية مع توفر دواعي نقله لغرابته ولبيان مدی دقة سلفهم الصالح في توحيد المصاحف ! ، فكيف لا يرد منه شيء ؟! ، ثم إنهم يقولون إن عثمان أراد توحيد المصاحف والاجتماع علی حرف واحد لمنع وقوع الفتنة ، فكيف يفعلون ما أرادوا الهروب منه ؟! ، ثالثا إن كان الأمر كذلك فلماذا قال عثمان (إني أری لحنا وستقيمه العرب بألسنتها) ، فما معنی إقامته إن لم يكن معوجا ؟! وأخيرا : إلی متی التلميع والترقيع واختراع العبقريات ؟!

(٢) التوبة : ١٠٠ .

٨٦
 &

إلی قسمين : القسم الأول يتعلق بجانب علوم القرآن ونفي قرآنية الشواذ ببطلان التعبّد بها ، والقسم الثاني يرتبط بجانب حجية الاستدلال الفقهي بالقراءات الشاذة .

القسم الأول :

قال ابن الجزري : ومتی اختل ركن من هذه الأركان الثلاثة ، أطلق عليها ضعيفة أو شاذة أو باطلة ، سواء أكانت عن السبعة أو عمن هو أكبر منهم هذا هو الصحيح عند أئمة التحقيق من السلف والخلف ، وصرح بذلك الإمام الحافظ أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني ، ونص عليه في غير موضع الإمام أبو محمد مكي بن أبي طالب ، وكذلك الإمام أبو العباس أحمد بن عمار المهدوي ، وحققه الحافظ أبو القاسم عبد الرحمان بن إسماعيل المعروف بأبي شامة . وهو مذهب السلف الذي لا يعرف عن أحد منهم خلافه (١) .

قال في منجد المقرئين : وقال شيخنا قاضي القضاة أبو نصر عبد الوهاب السبكي في كتابه جمع الجوامع في الأُصول : ولا تجوز القراءة بالشاذ ، والصحيح أن ما وراء العشرة فهو شاذ وفاقا للبغوي والشيخ الإمام ، قال ابن الجزري : يعني بالشيخ الإمام والده مجتهد العصر أبا الحسن علي بن عبد الكافي السبكي ، والقسم الثاني عنده هو ما خالف المصحف ولو صحت روايته لا يعتبر قرآنا ولا تجوز الصلاة به (٢) .

___________

(١) النشر في القراءات العشر ١ : ٩ .

(٢) منجد المقرئين : ١٦ .

٨٧
 &

قال الزركشي : قال شيخ الشافعية : يشترط أن يكون المقروء به علی تواتر نقله عن رسول الله صلی الله وعليه [وآله] وسلم قرآناً ، واستفاض نقله بذلك ، وتلقته الأمة بالقبول كهذه القراءات السبع ، لأن المعتبر في ذلك اليقين والقطع علی ما تقرر وتمهّد في الأُصول ، فما لم يوجد فيه ذلك ما عدا العشرة فممنوع من القراءة به منع تحريم ، لا منع كراهة في الصلاة وخارج الصلاة منه ممن عرف المصادر والمعاني ومن لم يعرف ذلك ، وواجب علی مَنْ قدر علی الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يقوم بواجبه في ذلك وإنما نقلها مَنْ نقلها من العلماء لفوائد منها ما يتعلق بعلم العربية لا القراءة بها ، هذا طريق من استقام سبيله ، ثم قال : والقراءة الشاذة ما نقل قرآناً من غير تواتر واستفاضة متلقاة من الأئمة ، كما يشتمل عليه المحتسب لابن جني وغيره ، وأما القراءة بالمعنی علی تجوزه من غير أن ينقل قرآناً ، فليس ذلك من القراءة الشاذة أصلاً ، والمتجرئ علی ذلك متجرئ علی عظيم ، وضالٌ ضلالاً بعيدا فيعزّر ويمنع بالحبس ونحوه ، ويجب منعُ القارئ بالشواذ وتأثيمه بعد تعريفه وإن لم يمتنع فعليه التعزير بشرطه (١) .

ثم قال : وقال شيخ المالكية رحمه الله : لا يجوز أن يُقرأ بالقراءة الشاذة في صلاة ولا غيرها ، عالماً بالعربية كان أو جاهلاً ، وإذا قرأها قارئ ، فإن كان

___________

(١) البرهان في علوم القرآن للزركشي ٢ : ٣٣٢ ـ ٣٣٣ تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ، ط . دار إحياء الكتب العربية .

٨٨
 &

جاهلاً بالتحريم عُرِّف به وأمر بتركها ، وإن كان عالماً أُدِّب بشرطه ، وإن أصر علی ذلك أدّب علی إصراره ، وحبس إلی إن يرتدع عن ذلك ، وأما تبديل (آتينا) بـ (أعطينا) و (سوّلت) بـ (زيّنت) ونحوه ، فليس هذا من الشواذ ، وهو أشد تحريماً ، والتأديب عليه أبلغ ، والمنع منه أوجب (١)

فكلٌ من إمام المالكية والشافعية يری أن الشاذ هو ما لم يتواتر نقله ، أما ما خالف رسم المصحف وإن كان بمعناه فهو خارج عن نطاق القراءات الشاذة فضلا عن النص القرآني ، وعليه فمن نسبه للقرآن فقد أضاف ما ليس منه إليه ، وهذا تحريف صريح للقرآن علی ضوء ما يراه إماما المالكية والشافعية .

وقال في البحر المحيط : قال الشيخ أبو الحسن السّخاوي : ولا تجوز القراءة بشيء من الشواذ لخروجها عن إجماع المسلمين وعن الوجه الذي ثبت به القرآن ، وهو المتواتر وإن كان موافقا للعربية وخط المصحف لأنه جاء من طريق الآحاد ، وإن كانت نقلته الثقات . وقال أبو شامة : والشأن في الضبط ما تواتر من ذلك وما اجتُمع عليه ، ونقل الشاشي في (المستظهري) عن القاضي الحسين : أن الصلاة بالقراءة الشاذة لا تصح ، وقال النووي في (فتاويه) : تحرم (٢) .

وقال : فقال إلْكِيا ـ الطبري ـ : القراءة الشاذة مردودة لا يجوز إثباتها في

___________

(١) البرهان في علوم القرآن ٢ : ٣٣٣ .

(٢) البحر المحيط ١ : ٤٧٤ ، ط . وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في الكويت ـ الثانية ـ .

٨٩
 &

المصحف ، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء ... وقال : والدليل القاطع علی إبطال نسبة القراءات الشاذة إلی القرآن أن الاهتمام بالقرآن من الصحابة الذين بذلوا أرواحهم في إحياء معالم الدين يمنع تقدير دروسه وارتباط نقله بالآحاد (١) .

وقال أبو زيد الدّبوسي في كتاب تقويم الأدلّة : لا تثبت القراءة بخبر الواحد ، ولهذا قالت الأئمة ، فيمن قرأ في صلاته بكلمات تفرد بها ابن مسعود : إن صلاته لا تجوز كما لو قرأ خبرا من أخبار الرسول صلی الله عليه [وآله] وسلم (٢) .

قال النووي : قال أصحابنا ـ الشافعية ـ وغيرهم تجوز القراءة في الصلاة وغيرها بكل واحدة من القراءات السبع ولا تجوز القراءة في الصلاة ولا غيرها بالقراءة الشاذة لأنها ليست قرآناً ؛ لأن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر .

وقال وأما الشاذة ليست متواترة (٣) ، فلو خالف وقرأ بالشاذة أنكر عليه

___________

(١) البحر المحيط ١ : ٤٧٥ ـ ٤٧٦ .

(٢) البحر المحيط ١ : ٤٧٩ . قلنا سابقا إن ابن مسعود كان يغير ألفاظ القرآن بغيرها إن كانت متفقة معها في المعنی ! .

(٣) وكل ما لم يكن متواترا فليس من القرآن ، قال صاحب مسلم الثبوت ٢ : ٩ : (ما نقل آحاداً فليس من القرآن قطعاً ، ولم يعرف فيه خلاف لواحد من أهل المذاهب ، واستدل بأن القرآن مما تتوافر الدواعي علی نقله لتضمّنه التحدي ، ولأنه أصل الأحكام باعتبار المعنی والنظم جميعاً حتی تعلق بنظمه أحكام كثيرة ، ولأنه يتبرك به في كل عصر بالقراءة والكتابة ، ولذا علم

٩٠
 &

قراءتها في الصلاة أو في غيرها ، وقد اتفق فقهاء بغداد علی استتابة من قرأ بالشواذ . وقد ذكرت قصة في التبيان في آداب حملة القرآن ، ونقل الإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البر إجماع المسلمين علی أنّه لا تجوز القراءة بالشواذ ولا يُصلی خلف من قرأ بها ، قال العلماء : فمن قرأ بالشاذ إن كان جاهلاً به أو بتحريمه عرّف ذلك ، فإن عاد إليه أو كان عالماً به عزر تعزيراً بليغاً إلی أن ينتهي عن ذلك ، ويجب علی كل مكلف قادر علی الإنكار أن ينكر عليه ، فإن قرأ الفاتحة في الصلاة بالشاذ فان لم يكن فيها تغيير معنی ولا زيادة حرف ولا نقصه صحت صلاته وإلا فلا (١) .

قال ابن قدامة : فأما ما يخرج عن مصحف عثمان ، كقراءة ابن مسعود وغيرها ، فلا ينبغي أن يقرأ بها في الصلاة ، لأن القرآن ثبت بطريق التواتر وهذه لم يثبت التواتر بها ، فلا يثبت كونها قرآناً (٢) .

___________

جهد الصحابة في حفظه بالتواتر القاطع ، وكل ما تتوافر الدواعي نقله ينقل متواتراً عادة فوجوده ملزوم التواتر عند الكل عادة ، فإذا انتفی اللازم وهو التواتر ، انتفی الملزوم قطعاً والمنقول آحاداً ليس متواتراً فليس قرآناً) .

(١) المجموع شرح المهذب للنووي ، المجلد الثالث : ٣٩٣ ، ط . دار الفكر .

(٢) المغني لابن قدامة ١ : ٣٥٤ ، أقول : كلامه يشعر أن القراءة الشاذة لا يتيقن من عدم قرآنيتها ! أي أنها من المحتمل أن تكون من القرآن وهي غير موجودة في المصحف ! ، فمعناه أن ابن قدامة يحتمل أن مصحف المسلمين لم يشتمل علی كل القرآن بين دفتيه !! وهذا ينسف

٩١
 &

قال العسقلاني : وآخر من صرّح بذلك السبكي في شرح المنهاج عند الكلام علی القراءة بالشاذ : صرح كثير من الفقهاء بأن ما عدا السبعة شاذ توهما منه انحصار المشهور فيها ، والحق أن الخارج عن السبعة علی قسمين : الأول ما يخالف رسم المصحف فلا شك أنه ليس بقرآن . والثاني ما لا يخالف رسم المصحف وهو علی قسمين أيضا : الأول ما ورد من طرق غريبة فهذا ملحق بالأول ، والثاني ما اشتهر عند أئمة هذا الشأن القراءة به قديماً وحديثا ، فهذا لا وجه للمنع منه كقراءة يعقوب وأبي جعفر وغيرهما (١) .

قال ابن الحاجب في منتهاه : مسألة : ما نقل آحاداً فليس بقرآن ؛ لأن القرآن مما تتوفر الدواعي علی نقل تفصيله متواترا لما تضمنه من الإعجاز

___________

اعتقادهم بحفظ القرآن من التحريف ، وأيضا يقف سدا دون استنباط أي حكم شرعي من القرآن لأن أي حكم يأخذه من المصحف يحتمل وجود آيات ساقطة منه ناسخة أو مخصصه لهذا الحكم ، كقراءة ابن مسعود التي تزيد كلمة (متتابعات) المقيدة لوجوب صيام ثلاثة أيام وسيأتي الكلام عنها بإذنه تعالی ، ولكنا نحمل كلامه علی المحمل الحسن بأنه قصد أن ما لم يتواتر مما يتوافق مع رسم المصحف العثماني لا يقطع بكونه من القرآن ، وأما ما لم يتواتر ولم يتوافق مع المصحف العثماني فليس من القرآن قطعا ، وهذا الكلام هو عين ما نقله العسقلاني في المورد التالي عن المجتهد السبكي .

(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري ٩ : ٣٢ فضائل القرآن باب أنزل القرآن علی سبعة أحرف ، ط . دار المعرفة .

٩٢
 &

وأنه أصل جميع الأحكام ، فما لم ينقل متواترا قطع بأنه ليس بقرآن .

قال ابن الساعاتي في بديعه : مسألة : ما لم ينقل متواترا قطع بأنه ليس بقرآن (١) .

قال الإمام أبو الحسن السخاوي : الشاذ ليس بقرآن لأنه لم يتواتر . فإن قيل : لعله كان مشهورا متواترا ثم ترك حتی صار شاذا ! قلت : هو كالمستحيل ، لما تحققناه من أحوال هذه الأمة واتباعها عن نبيها وحرصها علی امتثال أوامرها وقال لهم صلی الله عليه [وآله] وسلم : بلغوا عني ولو آية وأمرهم باتباع القرآن والحرص عليه ، وحضهم علی تعلمه وتعليمه ، فكيف استجازوا تركه وهجروا القراءة به حتی صار قرآنا شاذا بتضييعهم إياه وانحرافهم عنه (٢) .

قال الإمام أبو زرعة : وأجمعوا علی تحريم القراءة بها في الصلاة ، كما تحرم في غير الصلاة أيضاً إذا اعتقد قرآنيتها أو أوهم ذلك . هذا وقد قرروا أن

___________

(١) وهنا مقدمة مطوية ذكرناها سابقا وهي : كل ما كان شاذا مخالفا للرسم العثماني فهو غير متواتر .

(٢) مقدمة البحر المحيط ١ : ٨٠ نقلا عن علوم القرآن عند المفسرين ٢ : ٦٥ ، أقول : استدلاله السابق مخدوش بقول النبي صلی الله عليه وآله وسلم : (لتتبعن سنن من كان قبلكم) ، ولو استدل بقوله تعالی (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر : ٩) . مع الاتفاق علی قرآنيتها لكان أسلم .

٩٣
 &

الشاذ هو كل ما وراء القراءات العشر المعروفة (١) .

قال الشيخ برهان الجعبري : وحكم الشاذ الجواز فمحمول علی جواز النقل والرواية لا مطلقا بل بشرط عدم اعتقاد القرآنية ، كما تقدم في كلام ابن عبد البر لأن المقرئ من حيث كونه مقرئا وظيفته مجرد النقل والرواية وكذلك كل من وقع في كلامه الجواز يحتمل أن يكون مراده بشرط أن لا يعتقد قرآنيته والله أعلم (٢) .

قال السجاوندي : لا تجوز القراءة بشيء من الشواذ ، لخروجها عن إجماع المسلمين وعن الوجه الذي ثبت به القرآن وهو التواتر وإن كان موافقا للعربية وخط المصحف لأنه جاهل من طريق الآحاد ، وإن كان نقلته ثقات فتلك الطريق لا يثبت بها القرآن ، ومنها ما نقله من لا يعتمد علی نقله ولا يوثق بخبره فهذا مردود ولا تجوز القراءة به ولا يقبل وإن وافق العربية وخط المصحف ، ولقد نبغ قوم يطالعون كتب الشواذ ويقرأون بها فيها ، وربما صحفوا ذلك فيزداد الأمر ظلمة (٣) .

قال الزرقاني : ما صحّ نقله عن الآحاد وصحّ وجهه في العربية وخالف لفظه خط المصحف فهذا يقبل ولا يقرأ به .

___________

(١) حجّة القراءات للإمام أبي زرعة : ١٤ ، تحقيق سعيد الأفغاني ، ط . مؤسسة الرسالة .

(٢) مقدمة البحر المحيط ١ : ٧٩ نقلا عن علوم القرآن عند المفسرين ٢ : ٦٩ .

(٣) نفس المصدر .

٩٤
 &

وعلّق بالهامش : ومعنی هذا أنه يقبل علی اعتبار أنه خبر شرعي يصح الاحتجاج به عند من يری ذلك وهم الحنفية دون الشافعية ، ولا يقرأ به علی أنه قرآن ، ولا ليوهم القارئ أحداً أنه قرآن . قال النويري : اعلم أن الذي استقرّت عليه المذاهب وآراء العلماء أن من قرأ بها ـ أي الشواذ ـ غير معتقد أنها قرآن ولا موهم أحداً ذلك ، بل لما فيها من الأحكام الشرعية عند من يحتجُّ بها أو الأحكام الأدبية ، فلا كلام في جواز قراءتها . وعلی هذا يحمل حال من قرأ بها من المتقدمين . وكذلك أيضاً يجوز تدوينها في الكتب والتكلم علی ما فيها . وإن قرأها باعتقاد قرآنيتها أو لإيهام قرآنيتها حرم ذلك . ونقل ابن عبد البر في تمهيده إجماع المسلمين عليه . اهـ . (١)

قال في شرح طيبة ابن الجزري : إذا أردت معرفة القراءة التي يحكم بقرآنيتها ، وتمييزها من القراءة الشاذة التي لا يحكم بقرآنيتها هي القراءة الصحيحة التي استوفت شروطا ثلاثة ... وقد ذكر الناظم في هذه الأبيات قاعدة هامة أبان فيها أركان القراءة الثلاثة التي إذا تحققت في الكلام حكم بكونه قرآناً ، وإذا فقدت كلها أو بعضها في الكلام حكم بشذوذه وأنه ليس بقرآن ، حتی لو ثبت عن القراء السبعة (٢) .

وقال : وذلك بخلاف زيادة كلمة ونقصانها وتقديمها وتأخيرها حتی ولو

___________

(١) مناهل العرفان في علوم القرآن للزرقاني ١ : ٤١٧ ـ ٤١٨ ، ط . الحلبي الثالثة .

(٢) الكوكب الدري في شرح طيبة ابن الجزري : ١٨ لمفتش الأزهر محمد الصادق قمحاوي ، ط . الأُولی .

٩٥
 &

كانت حرفاً واحدا من حروف المعاني فإن حكمه في حكم الكلمة لا يسوغ مخالفة الرسم فيه . وهذا هو الحد الفاصل في حقيقة اتباع الرسم ومخالفته (١) .

قال في أُصول الفقه : ومن جزء ماهيته ـ أي القرآن ـ التواتر ، فالقراءات الشاذة التي لم يثبتها قرّاء الأمصار لا تسمی قرآناً ولا تصح بها الصلاة (٢) .

قال في لغة القرآن الكريم : فإن القراءة التي يصح أن توصف بأنها من القرآن المنزل لا بد وأن تكون منقولة بطريق التواتر غير خارجة عما يحتمله خط المصحف ولو تقديراً ، وهي عندما تكون متواترة لابد وأن يكون خط المصحف محتملاً لها ودالاً عليها ، لأنه إن كان لا يدل عليها ، أو ينافيها كان وجوده عبثاً لا فائدة منه ، بل عدم وجوده أولی منه إذا كان يتنافی مع حقيقة القرآن المنزل ، والأمر بمثل هذا يتنزه عنه الله ورسوله (٣) .

وقد نصّ علی إجماع الأُصوليين والفقهاء وغيرهم علی أن الشاذ ليس بقرآن لعدم صدق الحد عليه (٤) .

أما هجرهم لمثل تلك القراءات وعدم عناية المسلمين بها فإنه دليل علی عدم قرآنيتها وهذا ما أجمع عليه المسلمون دون خلاف بينهم (٥) .

___________

(١) نفس المصدر : ٢٢ نقلا عن النشر لابن الجزري .

(٢) أُصول الفقة : ٢٠٩ للشيخ الخضري بك ، ط . دار إحياء التراث العربي .

(٣) لغة القرآن الكريم د . عبد الجليل عبد الرحيم : ١١٩ ـ ١٢٠ ، ط . مكتبة الرسالة الحديثة .

(٤) نفس المصدر : ١٢٦ .

(٥) نفس المصدر : ١٥٧ .

٩٦
 &

قال في معجم القراءات القرآنية : ويری الكثرة من العلماء عدم جواز القراءة بالشاذ في الصلاة ، لأن هذه القراءات لم يثبت تواترها عن النبي صلی الله عليه وآله وسلم . وان ثبت بالنقل فإنها منسوخة بالعرضة الأخيرة ، أو بإجماع الصحابة علی المصحف العثماني ، أو أنها لم تنقل إلينا نقلاً يثبت بمثله القرآن ، أو أنها لم تكن من الأحرف السبعة (١) ، وما ليس من الأحرف السبعة ليس من القرآن قطعا .

قال في موسوعة الإجماع : أجمع المسلمون علی أنه لا يكتب في المصحف بخط القرآن غير القرآن وعليه فانهم مجمعون علی أن الزيادة في الآية : (وحافظوا علی الصلوات والصلاة الوسطی صلاة العصر) (٢) لا يحل لأحد أن يقرأ بها ولا أن يكتبها في مصحفه . ـ ثم ينقل كلام ابن الجزري بتصرف ـ (٣) .

قال في أثر الاختلاف في القواعد الأُصولية : قال الإمام النووي في شرح مسلم عند ذكره حديث عائشة في الصلاة الوسطی قال : واستدل به بعض

___________

(١) معجم القراءات القرآنية ١ : ١١٣ د . أحمد مختار عمر ، د . عبد العال سالم مكرم ط . جامعة الكويت ، أقول : لاحظ أن الاحتمالات الثلاثة الأُولی تفتح باب الشك والترديد علی سلامة القرآن من النقص ، خاصة مع فقدان الدليل علی هذه الدعاوی .

(٢) كانت تصر كل من عائشة وحفصة علی أن هذه الزيادة من القرآن وأمرتا بأن تكتبا في مصحفيهما !

(٣) موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي ٢ : ٨٧٢ ـ ٨٧٣ ، ط . الدار العربية ، د . سعدي أبو حبيب .

٩٧
 &

أصحابنا علی أن الوسطی ليست العصر ، لأن العطف يقتضي المغايرة ، لكن مذهبا أن القراءة الشاذة لا يحتج بها ، ولا يكون لها حكم الخبر عن الرسول صلی الله عليه [وآله] وسلم ، لأن ناقلها لم ينقلها إلّا علی أنها قرآن ، والقرآن لا يثبت إلا بالتواتر والإجماع ، وإذا لم يثبت قرآناً لم يثبت خبراً . اهـ . (١)

قال في أُصول الفقه الإسلامي : اختلف العلماء في المنقول إلينا آحاداً كمصحف ابن مسعود وغيره ، هل هو قرآن أو لا ؟ فالقراءة الشاذة : هي التي لم يثبتها قراء الأمصار لعدم تواترها ، وهي التي صح سندها ، ولكنها لم تحتمل رسم المصحف مع موافقتها للوجه الإعرابي والمعنی العربي ، مثل قراءة ابن مسعود في كفارة اليمين : (فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعات) فزيادة متتابعات لم تتواتر فليست من القرآن . ومثل ما ورد في قراءة بعضهم في نفقة الوالدات : (وعلی الوارث ذي الرحم المحرم مثل ذلك) فزيادة ذي الرحم المحرّم لم تتواتر . ثم ذكر الدكتور وهبة الزحيلي في مبحث حكم القراءة الشاذة ما نصّه : ما نقله آحاداً ليس بقرآن قطعاً (٢) .

قال في مقدمة كتاب البحر المحيط : أجمع الأُصوليون والفقهاء وأكثر القراء وكل من قال بالتواتر ، علی أن الشاذ ليس بمتواتر بل نقل آحاد سواء كان بثقة عن ثقة أم لا ، حصل مع الثقة شهرة واستفاض أم لا ، وعلی قول مكي

___________

(١) أثر الاختلاف في القواعد الأُصولية : ٣٨٩ . د . مصطفی الخنّ .

(٢) أُصول الفقه الإسلامي ١ : ٤٢٥ ـ ٤٢٦ للدكتور وهبة الزحيلي ، ط . الأُولی ، دار الفكر .

٩٨
 &

ومن وافقه : هو ما خالف الرسم أو العربية ونقل ولو بثقة عن ثقة أو وافقهما ونقل بغير ثقة أو بثقة لكن لم يشتهر . وأما قرآنية الشاذ ، فأجمع الأُصوليون أيضا والفقهاء وغيرهم علی أن مطلق الشاذ يقطع بكونه ليس بقرآن (١) ، فكل ما صدق عليه عند قوم أنه شاذ فهو عندهم ليس بقرآن ، وإن كان قرآنا عند غيرهم كصحيح السند المشتهر إذا لم يتواتر ليس هو قرآنا عند الجمهور وإن صدق عليه أنه عند مكي وأتباعه (٢) ، والضابط حينئذ ما صدق عليه أنه شاذ وذلك لعدم صدق حد القرآن عليه وهو التواتر ، وصرح بذلك الغزالي وابن الحاجب في كتابيهما والقاضي عضد الدين وابن الساعاتي والنووي وغيرهم ممن لا فائدة في عده لكثرته . (٣)

وقال أبو إسحاق الحويني أحد وهابية مصر في محاضرة له : وقرأ ابن مسعود (ومنكم جائر) (٤) لكن هذه قراءة شاذة لا يقرأ بها ، وليست قرآناً

___________

(١) لاحظ أن الغالب علی كلماتهم هو النفي القاطع لقرآنية الشاذ المخالف لرسم المصحف ولكن قد يفهم من كلام البعض كابن قدامة أن الشاذ قد يكون قرآنا ولكنه لم يثبت ، وقد بينا ما يلزم من هذا القول ، وعلی أي حال فمن الإنصاف ألا نلزمهم برأي شاذ نادر وحتی لا نكون كالوهابية .

(٢) ولكن مكي وأتباعه جزموا بأن ما خالف الرسم العثماني هو الشاذ الذي يقطع بعدم قرآنيته .

(٣) مقدمة البحر المحيط ١ : ٧٩ نقلا عن علوم القرآن عند المفسرين ٢ : ٦٥ .

(٤) والآية في القرآن هكذا (وَعَلَى اللَّـهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ) (النحل : ٩) .

٩٩
 &

لأن القرآن يشترط فيه أن يكون موافقا لرسم المصحف ، وأن يكون متواتراً وأن يوافق وجها من وجوه العربية ، وإنما هذه القراءة شاذة . العلماء يستخدمون القراءات الشاذة في بيان معاني القرآن ، وإن كنا لا نقرأ بها ولا يَحِل أن تسمی قرآنا (١) .

وهناك من علماء السنة من قام بتكفير من عد هذه القراءات الشاذة من القرآن حتی ولو اتبع في ذلك الصحابة ! ، قال ابن حزم الأندلسي في الإحكام :

ومن العجب أن جمهرة من المعارضين لنا وهم المالكيون قد صح عن صاحبهم ماناه المهلب بن أبي صفرة الأسدي التميمي ، قال ابن مناس : نا ابن مسرور ، نا يحيی ، نا يونس بن عبد الأعلی ، نا ابن وهب ، حدثني ابن أنس قال : أقرأ عبد الله بن مسعود رجلا (إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الْأَثِيمِ) (٢) . فجعل الرجل يقول (طعام اليتيم) فقال له ابن مسعود : (طعام الفاجر) ، قال ابن وهب : قلت لمالك : أتری أن يقرأ كذلك ؟ قال : نعم ، أری ذلك واسعا . فقيل لمالك : أفتری أن يقرأ بمثل ما قرأ عمر بن الخطاب (فامضوا إلی ذكر الله) ؟ قال مالك : ذلك جائز ، قال رسول الله صلی الله عليه [وآله] وسلم : أنزل القرآن علی سبعة أحرف فاقرأوا منه ما تيسر مثل تعلمون يعلمون ، قال مالك : لا أری في اختلافهم في مثل هذا بأسا ، ولقد كان الناس ولهم

___________

(١) قالها في شريط له باسم (المبتدع الأحمق) ، وهو متوفر في الأسواق .

(٢) الدخان : ٤٣ ـ ٤٤ .

١٠٠