إعلام الخلف - ج ٢

صادق العلائي

إعلام الخلف - ج ٢

المؤلف:

صادق العلائي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الآفاق للدراسات الإسلامية
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٦٣
الجزء ١   الجزء ٢ الجزء ٣
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

وقد روی الفارسي عنه أكثر من ذلك فقد ذكر عنه قوله : لو صليت خلف إمام يقرأ (وَاتَّقُوا اللَّـهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ) بالجر ، لأخذت نعلي ومضيت . (١) .

قال الآلوسي : وحكي قول النحاس عن قراءة حمزة : ما علمت أحدا من أهل العربية بصريا ولا كوفيا إلا وهو يخطئ قراءة حمزة ، فمنهم من يقول : هي لحن لأنه لم يأت إلا بمفعول واحد (ليحسبن) وممن قال هذا أبو حاتم . (٢)

قراءة ابن عامر لقوله تعالی (وَكَذَٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ) (٣) ، بجر شركائهم علی أن قتل مضاف وشركائهم مضاف إليه وأولادهم مفعول به منصوب لقتل ، قال العلامة الزمخشري :

وقرئ زيّن علی البناء للفاعل الذي هو شركاؤهم ، ونصب قتل أولادهم وزين علی البناء للمفعول الذي هو القتل ، ورفع شركاؤهم بإضمار فعل دل عليه زين كأنه قيل لما قيل زين لهم قتل أولادهم ، زينه فقيل زينه لهم شركاؤهم ، وأما قراءة ابن عامر قتل أولادهم شركائهم برفع القتل ونصب الأولاد وجر الشركاء علی إضافة القتل إلی الشركاء ، والفصل بينهما بغير الظرف فشيء لو كان في مكان الضرورات ـ وهو الشعر ـ لكان سمجاً مردوداً

___________

(١) أثر القرآن والقراءات : ٣٢٣ نقلا عن فتح القدير ١ : ٣٨٣ .

(٢) روح المعاني ١٨ : ٢٠٩ .

(٣) الأنعام : ١٣٧ .

٤١
 &

كما سمج وردّ (زج القلوص أبي مزاده) فكيف به في الكلام المنثور ؟! فكيف به في القرآن المعجز بحسن نظمه وجزالته ؟! والذي حمله علی ذلك أن رأی في بعض المصاحف شركائهم مكتوبا بالياء ، ولو قرئ الأولاد والشركاء ـ لأن الأولاد شركاؤهم في أموالهم ـ لوجد في ذلك مندوحة عن هذا الارتكاب (١) .

وفي أثر القرآن والقراءات : وقد أنكرها ابن حمدان واعتبرها زلة ، وممن أنكرها ابن عصفور ، وتبعهما في ذلك النحاس الذي يقول عنها (إنها قراءة لا تجوز في كلام ولا في شعر) ، ثم نجد الشوكاني أيضا في تفسيره يعلن عدم تواتر هذه القراءة ويقول فيها (فمن قرأ بما يخالف الوجه النحوي فقراءته ردت عليه) (٢) .

قراءة نافع لقوله تعالی (وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ) (٣) ، وقال : لقد تعقب النحاة هذه القراءة فردها البصريون ، وفي ذلك يقول الزجاج : جميع نحاة البصرة تزعم أن همزها خطأ ، ولا أعلم لها وجها إلا التشبيه بصحيفة وصحائف ولا ينبغي التعويل علی هذه القراءة ولا يلتفت إليها . ويقول النحاس عن هذا الهمز إنه الهمز لحن لا يجوز ، ويتطاول المازني علی صاحب القراءة بقوله : أصل أخذ هذه القراءة عن نافع ولم يكن يدري ما العربية ، وله أحرف

___________

(١) الكشاف للزمخشري ٢ : ٥٤ ، ط . الحلبي الأخيرة .

(٢) أثر القرآن والقراءات : ٣٢٣ .

(٣) الأعراف : ١٠ .

٤٢
 &

يقرؤها لحنا نحوا من هذا (١) .

قراءة الكسائي وحمزة لقوله تعالی (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا) (٢) . بإضافة مئة إلی سنين ، قال : وقد خطأها المبرد ولم يجوزها إلا في الشعر ضرورة بقوله (وهذا خطأ في الكلام غير جائز وإنما يجوز مثله في الشعر للضرورة) (٣) .

وهذا يعني أن تلك القراءات كانت مجرد اجتهادات من القرّاء أنفسهم يعترض بها عليهم ، وقد خالف القراء المقاييس في قراءاتهم حتی وصفت كثير من الموارد بالشذوذ من قبل العلماء ، بل حتی من قبل القراء أنفسهم وعلی هذا راجع كتاب التيسير لأبي عمرو الداني فقد جمع الكثير من القراءات الشاذة عن هؤلاء القرّاء ، وكل هذه الاعتراضات لا وجه لها لو كانت هذه القراءات متواترة في نظرهم عن النبي صلی الله عليه وآله وسلم فإن المسلم لا ينكر شيئا ثبت تواتره عن الشرع .

٧ ـ ادعاء كل من القراء صحة قراءته دون قراءة الغير وإعراضه عنها ولو كانت كلها متواترة عن الرسول الأعظم صلی الله عليه وآله وسلم لما أمكنهم الإعراض والطعن علی بعضها ، وقد مرّ طعن أبي بكر بن عياش

___________

(١) أثر القرآن والقراءات : ٣٢٣ ـ ٣٢٤ .

(٢) الكهف : ٢٥ .

(٣) أثر القرآن والقراءات : ٣٢٤ .

٤٣
 &

المقرئ علی قراءة حمزة ونعتها بالبدعة ! ، وسيأتي كلام الفخر الرازي بإذنه تعالی .

٨ ـ ذكر توجيهات ومبررات لقراءاتهم ، مثل موافقتها للعربية في شواذ أشعار العرب وإرجاع علّة القراءة إلی غير السماع من رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم وغيرها من الأُمور التي تدل علی أنها لم تكن توقيفية بل ناشئة عن اجتهادات القرّاء ، وإلا لما تكلف العلماء ذكر توجيهات بعيدة مع العدول عن الأدلة الشرعية .

٩ ـ إرجاع الراوي قراءته لاستنتاجه ورأيه الشخصي وإلی ما توصل إليه وهذا كان شائعا ذائعا بينهم ، فلو كانت مأثورة ـ فضلا عن تواترها ـ عن رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم لأسندها إليه ، لا أن يجتهد فيها ويقدم رأيه !

قال ابن مجاهد : قال لي قُنبل : قال القواس في سنة ٢٣٧ : الق هذا الرجل ـ البزّي ـ فقل له : هذا الحرف ليس من قراءتنا ، يعني (وما هو بميت) مخففاً . وإنما يخفف من الميت من قد مات ، وأما من لم يمت فهو مشدد . فلقيت البُزيّ فأخبرته ، فقال : قد رجعت عنه (١) .

ولو كان القراء يتبعون ما قرأ به النبي صلی الله عليه وآله وسلم فكيف يرجع عنها لاجتهاد فلان من الناس ؟!

وإتماما للفائدة نذكر بعض موارد اجتهاد السلف من الصحابة والتابعين

___________

(١) مناهل العرفان في علوم القرآن للزرقاني ١ : ٤٥٢ ، ط . الحلبي الثالثة .

٤٤
 &

في نصوص القرآن مما ينافي تواتر القراءات ، بل وأكثر من ذلك فإن بعضها ينفي تواتر قراءة الرسول صلی الله عليه وآله نفسها ! :

أخرج عبد بن حميد عن يحيی عن يعمر أنه قرأ : (إن الباقر تشابه علينا) وقال : إن الباقر أكثر من (الْبَقَرَ) (١) (٢) .

وأخرج عبد بن حميد عن عيسی بن عمر قال : قال الأعمش : نحن نقرأ (لا يعبدون إلا الله) بالياء لأنا نقرأ آخر الآية (ثم تولوا عنه) وأنتم تقرأون (ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ) (٣) . فاقرأوها (لَا تَعْبُدُونَ) (٤) .

وهذا الأعمش يقسّم القراءة برأيه ! ، وهو من شيوخ حمزة الزيات أحد القرّاء السبعة ، ولو كانت القراءة توقيفية لعلله الأعمش بقوله : إن رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم كان يقرأ بهما .

وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن يحيی بن يعمر أنه كان يقرؤها (جبرال) ويقول : جبر هو عبد وآل هو الله (٥) ، والآية هي (وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ) (٦) ، ولكن يحيی جعلها باجتهاده علی وزن ميكال !

___________

(١) البقرة : ٧٠ .

(٢) الدر المنثور ١ : ٧٨ ، ط . دار المعرفة .

(٣) البقرة : ٨٣ .

(٤) الدر المنثور ١ : ٨٥ .

(٥) الدر المنثور ١ : ٩١ .

(٦) البقرة : ٩٨ .

٤٥
 &

وأخرج سعيد بن منصور وأبو داود في ناسخه وابن جرير عن عكرمة أنه كان يقرأها (علی الذين يطوقونه) وقال : ولو كان يطيقونه إذن صاموا (١) ، مع أن الآية هكذا (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) (٢) . وهذا اجتهاد في مقابل النص القرآني .

أخرج أبو عبيد وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف من طرق عن ابن عباس أنه قرأ (ولم تجدوا كتابا) وقال : قد يوجد الكاتب ولا يوجد القلم ولا الدواة ولا الصحيفة والكتاب يجمع ذلك كله .

وأخرج عبد بن حميد عن أبي العالية أنه كان يقرأ (فان لم تجدوا كتابا) قال : يوجد الكاتب ولا توجد الدواة ولا الصحيفة . وأخرج ابن الأنباري عن الضحاك مثله .

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس أنه كان يقرؤها (فإن لم تجدوا كتابا) وقال الكتّاب كثير لم يكن حواء من العرب إلا كان فيهم كاتب ولكن كانوا لا يقدرون علی القرطاس والقلم والدواة (٣) .

والآية هي (وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا) (٤) ، وهذا اجتهاد في

___________

(١) الدر المنثور ١ : ١٧٨ .

(٢) البقرة : ١٨٤ .

(٣) الدر المنثور ١ : ٣٧٣ .

(٤) البقرة : ٢٨٣ .

٤٦
 &

مقابل النص ! فأين التوقيف والاتباع لقراءة النبي صلی الله عليه وآله وسلم مع أنهم يذكرون آراءهم لتعليل القراءة ؟!

وأخرج أبو عبيد وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ ، عن ابن عباس أنه كان يقرأ (من الذين استحق عليهم الأولين) ويقول : أرأيت لو كان الأوليان صغيرين كيف يقومان مقامهما ؟ (١) ، والآية هي هكذا (مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ) (٢) .

وأخرج ابن أبي حاتم عن الأصمعي قال : قرأ أبو عمر (ويقضي الحق) وقال : لا يكون الفصل إلا بعد القضاء ، والآية هي (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّـهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ) (٣) .

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق حسن بن صالح بن حي ، عن مغيرة عن إبراهيم النخعي أنه قرأ (يقضي الحق وهو خير الفاصلين) قال ابن حي : لا يكون الفصل إلا مع القضاء (٤) ، والآية هي هكذا (يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ) (٥) .

قال أبو العباس المبرّد : أما قراءة أهل المدينة (هَـٰؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ

___________

(١) الدر المنثور ٢ : ٣٤٤ .

(٢) المائدة : ١٠٧ .

(٣) الأنعام : ٥٧ .

(٤) الدر المنثور ٣ : ١٤ .

(٥) الأنعام : ٥٧ .

٤٧
 &

أَطْهَرُ لَكُمْ) (١) . فهو لحن فاحش وإنما هي قراءة ابن مروان ولم يكن له علم بالعربية (٢) .

وهذا يخطئ قراءة المسلمين ويرد قراءة رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم كما هو الحال في الموارد السابقة واللاحقة ! فهل تصح دعوی التوقيف بعد هذا ؟!

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الضحاك أنه قال : كيف تقرأون هذه الآية (يَذَرَكَ) قالوا : (وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ) (٣) . فقال الضحاك : إنما هي (إلاهتك) أي عبادتك ألا تری أنه يقول (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَ) (٤) .

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن سليمان التيمي قال : قرأت علی بكر بن عبد الله (وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ) قال بكر : أتعرف هذا في العربية ؟ فقلت : نعم . فجاء الحسن فاستقرأني بكر فقرأتها كذلك فقال الحسن : (وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ) . فقلت للحسن : أو كان يعبد شيئاً ؟ قال : إي والله إن كان ليعبد . قال سليمان التيمي : بلغني : أنه كان يجعل في عنقه شيئا يعبده . قال : وبلغني أيضا عن ابن عباس أنه كان يعبد البقر (٥) .

___________

(١) هود : ٧٨ .

(٢) المقتضب ٤ : ١٠٥ من أراد الزيادة فليرجع للتمهيد في علوم القرآن .

(٣) الأعراف : ١٢٧ .

(٤) النازعات : ٢٤ .

(٥) الدر المنثور ٣ : ١٠٧ .

٤٨
 &

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة أنه قرأ : (ما كان للمشركين أن يعمروا مسجد الله) قال : إنما هو مسجد واحد (١) ، والآية هي هكذا (مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّـهِ شَاهِدِينَ عَلَىٰ أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ) (٢) .

وأخرج أبو عبيدة وابن جرير وابن المنذر عن الحسن أنه قال (ولا أدرأتكم به) يعنی بالهمز . قال الفراء : لا أعلم هذا يجوز من دريت ولا أدريت إلا أن يكون الحسن همزها علی طبيعته فان العرب ربما غلطت فهمزت ما لم يهمز .

فأين الاتباع من هذه الاعتراضات والاجتهادات ؟! والآية هي هكذا (وَلَا أَدْرَاكُم بِهِ) (٣) .

وأخرج أبو عبيد وابن المنذر ، عن هارون قال في قراءة أُبيّ بن كعب : (أنا آتيكم بتأويله) .

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ أنه كان يقرأ (أنا آتيكم بتأوليه) فقيل له (أَنَا أُنَبِّئُكُم) (٤) . قال : أهو كان ينبئهم ؟! (٥) .

___________

(١) الدر المنثور ٣ : ٢١٦ .

(٢) التوبة ١٧ .

(٣) يونس : ١٦ .

(٤) يوسف : ٤٥ .

(٥) الدر المنثور ٤ : ٢٢ .

٤٩
 &

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه كان يقرأ (لنحرقنه) خفيفة يقول : إن الذهب والفضة لا يحرقان بالنار ! يسحل بالمبرد ثم يلقی علی النار فيصير رمادا .

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال في بعض القراءة : (لنذبحنه ثم لنحرقنه) خفيفة ، قال قتادة : وكان له لحم ودم (١) ، والآية في القرآن (وَانظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا) (٢) .

وأخرج ابن أبي حاتم عن عروة بن الزبير أنه كان يعجب من الذين يقرأون هذه الآية (وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ) (٣) . قال : ليس معاجزين من كلام العرب إنما هي معجزين يعني مثبطين (٤) .

فهاهو عروة يعجب من قراءة الرسول صلی الله عليه وآله وسلم المتواترة ويعتمد اجتهاده !

وأخرج عبد بن حميد عن محمد بن سيرين أنه سئل : كيف تقرأ هذه الآية (حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ) (٥) . أو (فرغ عن قلوبهم) قال : (إِذَا فُزِّعَ عَن

___________

(١) الدر المنثور ٤ : ٣٠٧ .

(٢) طه : ٩٧ .

(٣) الحج : ٥١ .

(٤) الدر المنثور ٤ : ٣٦٦ .

(٥) سبأ : ٢٣ .

٥٠
 &

قُلُوبِهِمْ) قال : فإن الحسن يقول برأيه أشياء أهاب أن أقولها (١) .

وهذا يقول برأيه في كتاب الله !

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقرأ (لا يسمعون إلی الملأ الأعلی) مخففة وقال : إنهم كانوا يتسمعون ولكن لا يسمعون (٢) ، وهي هكذا (لَّا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَىٰ) (٣) .

وأخرج أبو عبيد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات من طريق الأعمش ، عن شقيق بن سلمة ، عن شريح أنه كان يقرأ هذه الآية (بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ) (٤) . بالنصب ويقول : إن الله لا يعجب من الشيء إنما يعجب من لا يعلم ، قال الأعمش : فذكرت ذلك لإبراهيم النخعي رضی الله عنه ، فقال : إن شريحا كان معجبا برأيه وعبد الله بن مسعود رضي الله عنه كان أعلم منه كان يقرأها (بل عجبتُ) (٥) .

وهنا الاجتهاد والرأي يرجح علی قراءة النبي صلی الله عليه وآله !

___________

(١) الدر المنثور ٤ : ٢٣٧ .

(٢) الدر المنثور ٤ : ٢٧١ .

(٣) الافات : ٨ .

(٤) الصافات : ١٢ .

(٥) الدر المنثور ٥ : ٢٧٢ .

٥١
 &

أخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس رضي الله عنهما انه كان يقرأ (واذكر عبدنا إبراهيم) ويقول : إنما ذكر إبراهيم ثم ذكر بعده ولده (١) ، والآية كما أنزلها الله عز وجل (وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ) (٢) .

وأخرج ابن جرير عن عكرمة أنه كان يعيب (لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ) (٣) . ويقول إنما هي (لتألف قريش) ، وكانوا يرحلون في الشتاء والصيف إلی الروم والشام فأمرهم الله أن يألفوا عبادة رب هذا البيت (٤) .

وكل هذه الموارد تبين لك الحالة السائدة في أوساط الصحابة والتابعين من إعمال للرأي واستمزاج في إبدال نصوص القرآن وتحريفها ، وليس لله ولا لرسوله أي دخالة في هرجهم وعيثهم في كتاب الله عز وجل .

ولكي تزداد الصورة وضوحا لنتأمل في هذا المورد الذي يعكس لنا واقع الصحابة ، بل واقع رموز الصحابة كابن عباس وابن مسعود ، وهما العلمان المقدمان في القرآن والتفسير من الصحابة ، ولنعلم أن سنة النبي صلی الله عليه وآله وسلم كانت بعيدة جدا عن تخبطهم في قراءة القرآن :

___________

(١) الدر المنثور ٥ : ٣١٨ .

(٢) ص : ٤٥ .

(٣) قريش : ١ .

(٤) الدر المنثور ٦ : ٣٩٧ .

٥٢
 &

وأخرج ابن منيع في مسنده عن أبي عبد الرحمان قال : قلت لابن عباس : إن ابن مسعود يقرأ (وما كان لنبي أن يُغَل) يعني بفتح الغين ، فقال لي : قد كان له أن يُغَل وأن يُقتَل ، إنما هي (أَن يَغُلَّ) (١) . يعني بضم الغين ما كان الله ليجعل نبيا غالا .

وأخرج ابن جرير عن الأعمش قال : كان ابن مسعود يقرأ (ما كان لنبي أن يُغَل) فقال ابن عباس : بلی ! ويقتل ! إنما كانت في قطيفة قالوا إن رسول الله صلی الله عليه [وآله] وسلم غلها يوم بدر فأنزل الله (وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ) (٢) .

وأخرج الطبراني والخطيب في تاريخه عن مجاهد قال : كان ابن عباس ينكر علی من يقرأ (وما كان لنبي أن يُغَل) ويقول : كيف لا يكون له أن يُغَل ؟ وقد كان له أن يُقتَل ! قال الله : (وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ) (٣) . ولكن المنافقين اتهموا النبي صلی الله عليه [وآله] وسلم في شيء من الغنيمة فأنزل الله (وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ) (٤) .

___________

(١) آل عمران : ١٦١ .

(٢) آل عمران : ١٦١ .

(٣) البقرة : ٦١ .

(٤) الدر المنثور ٢ : ٩١ .

٥٣
 &

فلو كان لرسول الله صلی الله عليه وآله وسلم أيّ مدخلية في إثبات كلتا القراءتين لما صح لابن عباس إنكار قراءة ابن مسعود ، ولكنه الاجتهاد ، وما أدراك ما الاجتهاد ؟!

وكذا هذا المورد الذي فيه تخطئة بعض الصحابة لقراءة بعضهم الآخر والذي أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره من عدة طرق : عن ابن أبي مليكة قال قرأ ابن عباس (حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا) (١) فقال : كانوا بشرا ضعفوا ويئسوا . قال ابن أبي مليكة : فذكرت ذلك لعروة ، فقال : قالت عائشة : معاذ الله ! ما حدّث الله رسوله شيئا قط إلا علم أنه سيكون قبل أن يموت ، ولكن لم يزل البلاء بالرسل حتی ظن الأنبياء أن من تبعهم قد كذبوهم فكانت تقرأها (قد كُذِّبوا) تثقلها (٢) .

راجع بقية الطرق ، وقد قال الطبري قبلها : وقد ذكر هذا التأويل الذي ذكرناه أخيرا عن ابن عباس لعائشة فأنكرته أشد النكرة فيما ذكر لنا .

فكيف يحل لعائشة إنكار قراءة متواترة عن النبي صلی الله عليه وآله وسلم وهي التي تثبت عليها مصحف المسلمين اليوم في شتی بقاع الدنيا وتقول : (معاذ الله) ! مع العلم أن إنكار القراءة المتواترة كفر علی مبانيهم وهو

___________

(١) يوسف : ١١٠ .

(٢) تفسير الطبري ١٣ : ٥٧ ، ط . دار المعرفة بالأوفست .

٥٤
 &

عين ما فعلته عائشة !

وهذه أدلة علی عدم توقيفية كل قراءات الصحابة ، فهم لم يلتزموا علی الدوام بقراءة رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم ، وإلّا كيف يصح أن ينكر بعضهم قراءة بعض ؟!

كلمات علمائهم في نفي تواتر القراءات

قال ابن الجزري : كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه ، ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالا ، وصح سندها فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها ، ولا يحل إنكارها ، بل هي من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن ووجب علی الناس قبولها سواء كانت عن الأئمة السبعة أم عن العشرة أم عن غيرهم من الأئمة المقبولين ، ومتی اختل ركن من هذه الأركان الثلاثة أُطلق عليها ضعيفة ، أو شاذة ، أو باطلة سواء كانت من السبعة أم عمن هو أكبر منهم . هذا هو الصحيح عند أئمة التحقيق من السلف والخلف . صرح بذلك الإمام الحافظ أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني ، ونصَّ عليه في غير موضع الإمام أبو محمد مكي بن أبي طالب ، وكذلك الإمام أبو العباس أحمد بن عمار المهدوي ، وحققه الإمام الحافظ أبو القاسم عبد الرحمان بن إسماعيل المعروف بأبي شامة وهو مذهب السلف الذي لا يعرف عن أحد منهم خلافه (١) .

___________

(١) النشر في القراءات العشر ١ : ٩ .

٥٥
 &

وعند ذكره لشرط صحة السند قال : وقد شرط بعض المتأخرين التواتر في هذا الركن ، ولم يكتف بصحة السند . وزعم أن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر ، وأن ما جاء مجيء الآحاد لا يثبت به قرآن ، وهذا مما لا يخفی ما فيه فإن التواتر إذا ثبت لا يحتاج فيه إلی الركنين الأخيرين من الرسم وغيره ، إذا ما ثبت من أحرف الخلاف متواتراً عن النبي صلی الله عليه [وآله] وسلم وجب قبوله وقطع بكونه قرآناً ، سواء وافق الرسم أم خالفه ، وإذا اشترطنا التواتر في كل حرف من حروف الخلاف انتفی كثير من أحرف الخلاف الثابت عن هؤلاء الأئمة السبعة وغيرهم (١) .

وكلامه صريح في أن تلك الشروط إنما وضعت لتحل محل التواتر المفقود في القراءات ، وإن أخذ قيد التواتر يخرج كثيرا من اختلافات القراء فيما بينهم عن ساحة القراءة المقبولة للقرآن الكريم .

وإليه ذهب العلامة السيوطي : قلت : أتقن الإمام ابن الجزري هذا الفصل جدا (٢) .

وقال الإمام أبو شامة : والحاصل إنا لسنا ممن يلتزم بالتواتر في جميع الألفاظ المختلف فيها بين القراء ، بل القراءات كلها منقسمة إلی متواتر وغير متواتر ، وذلك بين لمن أنصف وعرف وتصفح القراءات وطرقها ، وغاية ما يبديه مدعي تواتر المشهور منها ، كإدغام أبي عمرو ، ونقل الحركة لورش

___________

(١) نفس المصدر ١ : ١٣ .

(٢) الإتقان ١ : ٧٥ ، ط . المنيرية .

٥٦
 &

وصلة ميم الجمع وهاء الكناية لابن كثير ، أنه متواتر عن ذلك الإمام الذي نسبت القراءة إليه بعد أن يجهد نفسه في استواء الطرفين والواسطة ، إلا أنه بقي عليه التواتر من ذلك الإمام إلی النبي صلی الله عليه [وآله] وسلم في كل فرد فرد من ذلك ، وهنالك تسكب العبرات ، فإنها من ثم لم تنقل إلا آحاداً إلا اليسير منها (١) ، وقد حققنا هذا الفصل أيضا في كتاب البسملة الكبير ، ونقلنا فيه من كلام الحذاق من الأئمة المتقنين ما تلاشی عنده شبه المشنّعين ، وبالله التوفيق (٢) .

وكلام الإمام أبي شامة واضح في أن غاية دعوی التواتر أنه متحقق في المشهور من قراءة القارئ وعنه فقط أي منه إلی ما بعده من الطبقات ، أما أن يتواتر هذا المشهور من الرسول الأعظم صلی الله عليه وآله وسلم إلی القارئ فهذا مما تسكب له العبرات وتذهب عليه النفس حسرات إذ هي أحادية السند إلا اليسير .

وقال الزركشي في البرهان : والتحقيق أنها متواترة عن الأئمة السبعة وأمّا تواترها عن النبي صلی الله عليه [وآله] وسلم ففيه نظر ، فإن إسناد الأئمة

___________

(١) قارن بين هذه الكلمات لأساتذة الفن في القراءات من علماء أهل السنة وبين ما يقوله بعض جهلة الوهابية (عثمان .خ) من أن القراءات السبع متواترة عن النبي صلی الله عليه وآله وسلم يريدون بذلك إثبات التواتر للقرآن من طرق أهل السنة فقط دون الشيعة ! ، وسيأتي الكلام عنه بإذنه تعالی .

(٢) المرشد الوجيز : ١٧٧ ـ ١٧٨ .

٥٧
 &

السّبعة بهذه القراءات السبع الموجود في كتب القراءات ، وهي نقل الواحد عن الواحد ، لم تكمل شروط التواتر في استواء الطرفين والواسطة ، وهذا شيء موجود في كتبهم ، وقد أشار الشيخ شهاب الدين أبو شامة في كتابه المرشد الوجيز إلی شيء من ذلك (١) .

وقال في البحر المحيط : وكان الإمام أبو القاسم الشاطبي رحمه الله يقرأ بمدّين : طولي لورش وحمزة ، ووسطي لمن بقي ، وعن الإمام أحمد بن حنبل أنه كره قراءة حمزة لما فيها من طول المد وغيره ، وقال : لا يعجبني ، ولو كانت متواترة لما كرهها (٢) .

وقال الفخر الرازي : هذه القراءات المشهورة إما أن تكون منقولة بالنقل المتواتر أو لا تكون ، فإن كان الأوّل فحينئذ قد ثبت بالنقل المتواتر أن الله قد خيّر المكلفين بين هذه القراءات وسوّی بينها في الجواز ، وإن كان كذلك كان ترجيح بعضها علی البعض واقعاً علی خلاف الحكم الثابت بالتواتر ، فوجب أن يكون الذاهبون إلی ترجيح البعض علی البعض مستوجبين للتفسيق إن لم يلزمهم التكفير ، لكنّا نری أن كل واحد من هؤلاء القرّاء يختصّ بنوع معين من القراءة ، ويحمل الناس عليها ويمنعهم عن غيرها ، فوجب أن يلزم من حقّهم ما ذكرنا ، وأمّا إن قلنا : إنّ هذه القراءات ما ثبتت بالتواتر ، بل بطريق

___________

(١) البرهان ١ : ٣١٨ بتحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ، ط . الحلبي .

(٢) البحر المحيط للزركشي ١ : ٤٦٩ .

٥٨
 &

الآحاد ، فحينئذ يخرج القرآن عن كونه مفيداً للجزم والقطع واليقين ، وذلك باطل بالإجماع ، ولقائل أن يجيب عنه فيقول : بعضها متواتر ، ولا خلاف بين الأمّة فيه ، وفي تجويز القراءة بكل واحدة منها ، وبعضها من باب الآحاد ، وكون بعض القراءات من باب الآحاد لا يقتضي خروج القرآن بكليّته عن كونه قطعيّا والله أعلم (١) .

لاحظ الكلام الأخير الذي ذكره إمامهم الفخر الرازي مدعيا أن القرآن ليس متواترا إلا في الجملة ، وأما التواتر التفصيلي فغير متحقق للآيات القرآنية ، وهذا ليس بكلام خاص له وإنما هو مقتضی ما قاله أبو شامة وما اعتمده أساتذة هذا الفن من أهل السنة .

وقال القسطلاني في اللطائف : وهذا ـ يعني اشتراط التواتر ـ بالنظر لمجموع القرآن ، وإلا فلو اشترطنا التواتر في كل فرد فرد من أحرف الخلاف

___________

(١) التفسير الكبير ١ : ٦٣ للفخر الرازي ، وتعقّب صاحب التمهيد كلام الفخر الرازي في تلخيص التمهيد : ٢٤٨ فقال (قلت : قد اشتبه عليه تواتر القرآن بتواتر القراءات ، ومن ثم وقع في المأزق الأخير ، وسنبين أن القرآن شيء والقراءات شيء آخر ، فلا موقع للشق الأخير من الإشكال) اهـ . وقد قلنا سابقا أن القرآن الكريم لا يمكن فصله عن قراءته ، إذ أن القرآن المنزل هو كلمات تلفظ وتقرأ ، وهو خصوص القراءة المتواترة عن الرسول الأعظم صلی الله عليه وآله وسلم ، وتعذر تحصيل التواتر للقراءات لا يلزم منه سلخ القران عن القراءة ، فإن القرآن المنزل ليس غير الملفوظ !

٥٩
 &

انتفی كثير من القراءات الثابتة عن هؤلاء الأئمة السبعة وغيرهم (١) ، وكلامه ككلام الفخر الرازي .

وقال الشوكاني في نيل الأوطار : إذا تقرر لك إجماع أئمة السلف والخلف علی عدم تواتر كل حرف من حروف القراءات السبع ، وعلی أنه لا فرق بينها وبين غيرها ـ إذا وافق وجها عربيا وصح إسناده ووافق الرسم ولو احتمالا ـ بما نقلناه عن أئمة القرّاء ، تبين لك صحة القراءة في الصلاة بكل قراءة متصفة بتلك الصفة ، سواء كانت من قراءة الصحابة المذكورين في الحديث أو من قراءة غيرهم ، وقد خالف هؤلاء الأئمة النويري المالكي في شرح الطيبة فقال عند شرح قول الجزري فيها :

فكل ما وافق وجه نحوي

وكان للرسم احتمالاً يحوي

وصح إسنادا هو القرآن

فهذه الثلاثة الأركان

وكل ما خالف وجهاً أثبت

شذوذه لو أنه في السبعة

وما لفظه ظاهره أن القرآن يكتفي في ثبوته مع الشرطين المتقدمين بصحة السند فقط ولا يحتاج إلی التواتر ، وهذا قول حادث مخالف لإجماع الفقهاء والمحدثين وغيرهم من الأُصوليين والمفسرين انتهی .

وأنت تعلم أن نقل مثل الإمام الجزري وغيره من أئمة القراءة لا يعارضه نقل النويري لما يخالفه ، لأنا إن رجعنا إلی الترجيح بالكثرة أو الخبرة بالفن أو غيرهما من المرجحات قطعنا بأن نقل أولئك الأئمة أرجح ، وقد وافقهم عليه

___________

(١) محاسن التأويل ١ : ٢٩٦ للقاسمي ، نقلا عن علوم القرآن عند المفسرين ٢ : ٥٦ .

٦٠