إعلام الخلف - ج ٢

صادق العلائي

إعلام الخلف - ج ٢

المؤلف:

صادق العلائي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الآفاق للدراسات الإسلامية
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٦٣
الجزء ١   الجزء ٢ الجزء ٣
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

(بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ) حين يقرأ فاتحة الكتاب قال : نعم إن شاء سراً وإن شاء جهراً ، فقالا : فيقرأها مع السورة الأُخری ؟ قال : لا (١) .

وهذا كما تری أول غيث الجهل ، لأسباب واضحة وهي :

١ ـ للمرة الألف نعيد ونكرر : إن وجود رواية في كتب الشيعة لا يعني : قال الشيعة ، فلا معنی لقول الوهابي (وأنتم أيضاً حذفتوها) !

٢ ـ هذه روايات تتكلم عن حكم قراءة البسملة في الصلاة ولا تتكلم عن جزئيتها من السور ! ، وادعاء الملازمة بينهما من الجهل .

٣ ـ الشيعة تحمل الرواية الأُولی والثانية علی أن صدورهما كان تقية والثالثة أن المقصود منها صلاة النافلة ؛ لأن فيها يجوز التبعيض في السورة الثانية ، أي يجوز قراءة بعض آيات من السورة القصيرة في صلاة النافلة ، فلا مانع من حذف البسملة مع حذف أول السورة ، وعليه كيف تدل الرواية علی نفي قرآنية البسملة ؟!! .

وقد عنون صاحب الوسائل الحر العاملي رضوان الله تعالی عليه الباب الذي سرق الوهابي منه الروايات بهذا العنوان : (باب جاز ترك البسملة للتقية ، وجواز ترك الجهر بها في محل الإخفات) ، ثم ختم الحر العاملي

___________

(١) وسائل الشيعة ، الشيخ الحر العاملي ٦ : ٦٢ ، ب ١٢ من أبواب القراءة في الصلاة ، ط . مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم .

٤٤١
 &

رضوان الله تعالی عليه هذا الباب بقوله :

أقول : ذكر الشيخ وغيره أن هذه الأحاديث محمولة علی التقية والقرائن في بعضها ظاهرة ، أو علی عدم الجهر بها في محل الإخفات ، أو علی عدم سماع الراوي لها لبعده ، أو علی النافلة لجواز تبعيض السورة فيها بل تركها وسيأتي ما يدل علی الجهر بالبسملة ، وبعض ما تقدم الحمل علی الإنكار .

وهذا كلام أحد أعلام الشيعة وحكاه أيضاً عن شيخ الطائفة عليهما رضوان الله تعالی ، ولكن الوهابي أخذ الروايات وطرح كلمات أعلام الشيعة الموجودة أمام عينيه ، وذكر الروايات علی أنها (قال الشيعة) ، وترك كلام الشيعة أنفسهم !!

٤ ـ هذه الروايات معارضة بما هو أصرح منها وأقوی دلالة ، ولذلك حملت الأُولی والثانية علی التقية ، والصلاة في الثالثة علی النافلة .

لننقل بعض ما جاء في كتب مراجعنا العظام عليهم تمام الرحمة والرضوان .

قال صاحب الجواهر رضوان الله تعالی عليه : علی أن جميعها لا تأبی الحمل علی النافلة أو الضرورة أو التقية أو نحو ذلك ، بل ربما كان صراحتها ـ خصوصاً نصوص البعض ـ أكبر شاهد علی بعض ما ذكرنا ضرورة معروفية كونه شعار العامة ، كما أن الإكمال من شعار الخاصة ، وربما كان في خبر إسماعيل بن الفضل إشارة إليه ، قال : صلّی بنا أبو عبد الله عليه السلام أو أبو

٤٤٢
 &

جعفر عليه السلام ، فقرأ بفاتحة الكتاب وآخر سورة المائدة ، فلما سلم التفت إلينا ، فقال : أما إني أردت أن أعلمكم . وكذا خبر سليمان بن أبي عبد الله قال : صليت خلف أبي جعفر عليه السلام ، فقرأ بفاتحة الكتاب وآي من البقرة فجاء أبي فسأل ، فقال : يا بني إنما صنع ذا ليفقهكم وليعلمكم . بل اعتذاره عليه السلام مع سؤاله في الخبر الثاني كالصريح في ذلك (١) .

وقال السيد الخونساري رضوان الله تعالی عليه : وفي قبالها أخبار تدل علی عدم الوجوب مثل ما عن الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن علي الحلبي ومحمد بن علي الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام : أنهما سألاه عمن يقرأ (بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ) حين يقرأ فاتحة الكتاب قال : نعم ، إن شاء سراً وان شاء جهراً . فقالا : فيقرأها مع السورة الأخری ؟ قال : لا ، لكنها محمولة علی التقية ويشهد لها بعض الأخبار السابقة ، مضافاً إلی إعراض الأصحاب ، مع صحة السند في كثير منها (٢) .

وقال السيد الخوئي رضوان الله تعالی عليه : وربما يستدل علی عدم الوجوب بصحيحة الحلبيين :

___________

(١) جواهر الكلام للمحقق النجفي رضوان الله تعالی عليه ٩ : ٣٣٦ ، ط . دار إحياء التراث العربي .

(٢) جامع المدارك ١ : ٣٣٦ .

٤٤٣
 &

عن أبي عبد الله عليه السلام أنهما سألاه عمن يقرأ (بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ) حين يريد قراءة فاتحة الكتاب ، قال : نعم إن شاء سراً وإن شاء جهراً ، فقالا : أفيقرأها مع السورة الأُخری ؟ فقال : لا . وهي صريحة في عدم الوجوب لولا الاقتران بالذيل المشتمل علی النهي عن البسملة في السورة الأُخری فإنه يقرب ورودها مورد التقية ، فيمنع عن الاستدلال بها والتفكيك بين الصدر والذيل مشكل كما لا يخفی ، وكيف كان فيكفي في الدلالة علی الاستحباب ما عرفت (١) .

وهذه كلمات مراجع الشيعة العظام قدس الله أرواحهم ، ولكن الأعرابي (عثمان . خ) حسب أن قراءة أُصول الفقه لأبي زهرة في المعهد الديني كافية لفهم روايات أهل البيت عليهم السلام !

ثم نكص الوهابي علی عقبيه ليهد بيده ما بناه ، وينقض ما نسج ! فقال :

وقال الحر العاملي : ذكر الشيخ ـ يعني الطوسي ـ وغيره أن هذه الأحاديث محمولة علی التقية . انتهت المشكلة ، وهكذا كعادة إسناد ضعيف

___________

(١) فقه السيد الخوئي ١٤ : ٤١٦ ، مستند العروة الوثقی للسيد الخوئي رضوان الله عليه ٣ : ٤١٦ ط . العلمية قم ، وراجع للزيادة مدارك الأحكام للسيد محمد العاملي رضوان الله تعالی عليه ٣ : ٣٤٠ ، ط . مؤسسة أهل البيت لإحياء التراث ، الحدائق الناضرة للمحدث البحراني رضوان الله تعالی عليه ٨ : ١٠٧ ـ ١٠٨ ، ط . دار الأضواء ، فقه الصادق عليه السلام في شرح التبصرة للسيد الروحاني حفظه الله تعالی ، ٤ : ٢٨٥ ـ ٢٨٦ ، ط . مهر استوار ، وغيرها من كتب استنباط الأحكام .

٤٤٤
 &

تقيةً ـ كذا ـ وهذا لاشك من أبطل الباطل ، لماذا ؟ لأن التقية لاتجوز بالبسملة عندهم ، عن جعفر بن محمد عليه السلام قال : التقية ديني ودين آبائي إلّا في ثلاث : في شرب المسكر ، وفي المسح علی الخفين ، وفي ترك الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم . وهذا في مستدرك الوسائل (١) . فقال بعد هذا قاصداً الشيعة ((مالهم من مخرج)) .

أقول : في بداية الأمر استدل المغفل (عثمان . خ) بالروايات علی أن الشيعة : حذفت البسملة من القرآن (!!) بروايات تتحدث عن البسملة في الصلاة (!!) ، ثم رجع ونسخ كلامه بقوله : إن الشيعة لا تأخذ بمضامين هذه الروايات لأنها صدرت علی نحو التقية عندهم !! ، فهاهو يكشف عن كذبه بنفسه ! ، فقد أخبر فيما سبق أن الشيعة تقول : كذا وكذا استناداً علی ما نقله من الروايات ، مع علمه أن الشيعة لا يأخذون بمضامينها !

ولا بأس ببيان حقيقة الرواية التي فرح بها الجاهل وحسب أنه الزم الشيعة عدم اعتقاد صدور الروايتين الأوليين تقية مع اعتقادهم بذلك ! فنقول :

١ ـ للمرة الحادية بعد الألف نكرر : إن وجود الرواية لا يعني : قال

___________

(١) مستدرك الوسائل ١ : ٣٣٤ ، نقلاً عن كتاب دعائم الإسلام ، كثير من الكتب التي اعتمد عليها صاحب مستدرك الوسائل غير معتمدة عند محققي الشيعة ، لذا لا يصح أخذها من الكتاب بلا تدقيق ، ولكن الوهابي جاهل في كل شيء !

٤٤٥
 &

الشيعة ! ، فحتی لو كانت صحيحة السند فقد لا يأخذ الفقهاء بها لكونها معارضة بأصح منها أو غير ذلك .

٢ ـ لا مصدر لهذه الرواية غير كتاب دعائم الإسلام الذي لم تحرز وثاقة مؤلفه . ومؤلف الكتاب ليس من الشيعة الإمامية !!

٣ ـ الرواية التي ركن إليها الجاهل مرسلة ، فلا إسناد لها من مؤلف الكتاب إلی الإمام الصادق عليه السلام ، وبينهما مئات السنين !

٤ ـ هذه الرواية المرسلة جاءت صحيحة السند في الكتب الأربعة المعتمدة عند الشيعة بدون الزيادة التي ركن إليها الوهابي (١) ، فلماذا قصر

___________

(١) وصف الشيعة لكتبهم بالمعتمدة لا يقصد به أن كل ما فيها صحيح ، فهذا ما يحاول الوهابية به خداع عوامهم ، ولننقل بعض تلك الروايات من الكافي :

(عن أبي عمر الأعجمي قال : قال لي أبو عبد الله عليه السلام : يا أبا عمر ، إن تسعة أعشار الدين في التقية ، ولا دين لمن لا تقية له ، والتقية في كل شيء إلّا في النبيذ ، والمسح علی الخفين) . وكذا (عن محمد بن الفضل الهاشمي قال : دخلت مع إخوتي علی أبي عبد الله عليه السلام فقلنا : إنا نريد الحج وبعضنا صرورة ، فقال : عليكم بالتمتع فإنا لانتقي في التمتع بالعمرة إلی الحج سلطاناً ، واجتناب المسكر ، والمسح علی الخفين) . وكذا (عن زرارة ، عن غير واحد قال : قلت لأبي جعفر عليه السلام : في المسح علی الخفين تقية ؟ قال : لا يتقی في ثلاثة قلت : وما هن ؟ قال : شرب الخمر ، أو قال : شرب المسكر ، والمسح علی الخفين ، ومتعة الحج) .

(الروايات الثلاث في ضمن هذه المصادر : الكافي ٢ : ٢١٧ (باب التقية) ، ٤ : ٢٩٣

٤٤٦
 &

عينه علی المرسلة ؟! أ للجهل أم للخداع ؟! مع أنك لا تجد لهذه الرواية التي فرح بها الوهابي أي موضع قدم بين كلمات فقهاء الشيعة ، حفظ الله الأحياء منهم ورحم الأموات .

نعم قد تذكر في كلماتهم لبيان عوارها وخللها ، كما فعله صاحب الجواهر رضوان الله تعالی عليه :

وكذا ينبغي أن يعلم أيضاً أن الظاهر بقاء حكم التقية في المقام ـ أي في الجهر بالبسملة ـ كغيرها من الأحكام ، ودعوی التواتر بعد عدم ثبوتها عندنا ، فهي بالنسبة إلينا آحاد لا تصلح لمعارضة أدلة التقية المعتضدة بالعقل وغيره ، مع أن المجلسي قد اعترف علی ما حكي عنه بعدم وصول خبر يدل علی ذلك ، إلّا خبر الدعائم : (روينا عن رسول الله صلّی الله عليه وآله وعن علي والحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد عليهم السلام أنهم كانوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم فيما يجهر فيه

___________

الاستبصار ٢ : ١٥١ ، تهذيب الأحكام ٥ : ٢٦ ، وج ٩ : ١١٤ ، ومن لا يحضره الفقيه ٢ : ٣١٧ ح ٢٥٥٥ . والمحاسن ١ : ٢٥٩ ، ح ٣٠٩ ، والخصال : ٢٢ ، وتحف العقول : ١٠٤ ، وراجع وسائل الشيعة ١ : ٣٢٥ ، ١١ : ٤٦٨ ، ٨ : ١٧٣) ، وكما تری لا أثر للبسملة في هذه الروايات ولا في غيرها إلّا في رواية الوهابي اليتيمة المرسلة ! ومع ذلك يريد الوهابي إلزام الشيعة بها بأنهم لا يعتقدون صدور الروايتين تقية !! .

٤٤٧
 &

بالقراءة من الصلوات في أول فاتحة الكتاب وأول السورة في كل ركعة ويخافتون بها فيما يخافت فيه من السورتين جميعاً .

قال الحسن بن علي : اجتمعنا ولد فاطمة علی ذلك .

وقال جعفر بن محمد عليه السلام : التقية ديني ودين آبائي ، ولا تقية في ثلاث : شرب المسكر والمسح علی الخفين والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم) وأنت خبير بقصوره عن الحكومة علی أدلة التقية من وجوه ، فيجب حمله علی ما لا ينافيها أو طرحه كما هو واضح ، مع أنه كما تری مشتمل علی ما هو معلوم خلافه عنهم من الإخفات بها في محل الإخفات ، وكفی به مسقطاً للخبر المزبور عن الحجية ، فتأمل ، والله أعلم (١) .

٥ ـ لو سلمنا بأن الرواية التي استند إليها الوهابي صحيحة السند ودلالتها غير معارضة ، وسلمنا باعتمادها من قبل علماء الشيعة فهذا لا يعني عدم جواز التقية في الجهر بالبسملة ، فحتی الروايات الصحيحة التي لم تذكر البسملة لا تدل علی عدم جواز التقية في المسح علی الخفين أو شرب النبيذ أو متعة الحج ؛ لأن هذه الروايات مسوقة لبيان أن موضوع التقية في هذه الأُمور غير متحقق في واقع المسلمين في الغالب ، لأن المسح علی الخفين في دين السلطان رخصة ، فقد يمسح عليهما المرء وقد يتركهما فلا مبرر للتقية إذن !

___________

(١) جواهر الكلام ٩ : ٣٩١ .

٤٤٨
 &

وكذا شرب النبيذ ؛ لأن جوازه اختص به الحنفية ولا يأخذ به كل أهل السنة فلا مبرر فيه للتقية ، والخمر أوضح لأنه حرام عند الجميع ، وكذا متعة الحج يعمل بها أهل السنة فلا مبرر للتقية فيها ، وهذا لا يمنع من أن يتحقق موضوعها في شرب النبيذ مثلا ، كأن يُهدد من لا يشربها بالقتل ، وكذا من لا يمسح علی خفيه .

قال : السيد الخوئي رضوان الله تعالی عليه : ومنها ما رواه ابن أبي عمر الأعجمي عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال : (إن التقية في كل شيء إلّا في شرب المسكر والمسح علی الخفين) ، والوجه في ذلك ، أي في عدم تشريع التقية في الموردين علی ما قدمناه مفصلاً عدم تحقق موضوعها فيهما ، أما في شرب المسكر فلأنّ حرمته من الضروريات في الإسلام ، وقد نطق بها الكتاب الكريم ، ولم يختلف فيها سني ولا شيعي ، فلا معنی للتقية في شربه . وأمّا في المسح علی الخفين فلأنا لم نعثر فيما بأيدينا من الأقوال علی من أوجبه من العامة ، وإنما ذهبوا إلی جواز كل من مسح الخفين وغسل الرجلين . نعم ذهبت جماعة منهم إلی أفضليته ، كما مرّ ، وعليه فلا يحتمل ضرر في ترك المسح علی الخفين بحسب الغالب . نعم يمكن أن تتحقق التقية فيهما نادراً ، كما إذا أجبره جائر علی شرب المسكر أو علی مسح الخفين ، إلّا أنه من الندرة بمكان ، ولا كلام حينئذ في مشروعية التقية ، فإنّ الرواية المانعة ناظرة إلی ما هو الغالب (١) .

___________

(١) فقه السيد الخوئي ٥ : ٢٨٢ .

٤٤٩
 &

حتی إن الشيخ الطوسي رضوان الله تعالی عليه عقد فصلاً في الاستبصار عنونه بجواز التقية في المسح علی الخفين ، ونقل رواية وهي :

عن أبي الورد قال : قلت لأبي جعفر عليه السلام : إنّ أبا ظبيان حدثني أنه رأی علياً عليه السلام أراق الماء ، ثم مسح علی الخفين فقال : كذب أبو ظبيان ، أما بلغك قول علي عليه السلام فيكم : سبق الكتاب الخفين ، فقلت : فهل فيهما رخصة ؟ فقال : لا ، إلّا من عدو تتقيه أو ثلج تخاف علی رجليك (١) .

ثم ذكر خبر استثناء التقية في المسح علی الخفين وبيّن أنه لا منافاة بينهما لوجوه منها :

أن يكون أراد لا أتقي فيه أحداً إذا لم يبلغ الخوف علی النفس أو المال وإن لحقه أدنی مشقة احتمله ، وإنما يجوز التقية في ذلك عند الخوف الشديد علی النفس أو المال .

إلی هنا تم الكلام عما هرّج به أحد الوهابية ، وقد أطلت الكلام في بيان تهريجه لأمر مهم ، يكرره مثقفو الشيعة دائماً فضلاً عن علمائهم حينما يُعترض عليهم تركهم المجال للوهابية ليسرحوا ويمرحوا مفترين علی مذهب أهل البيت عليهم السلام ، وهذا الأمر يتلخص في أن الرد علی أُولئك الوهابية يكلف المرء عناءً كبيراً ؛ لأن كلماتهم بعيدة الغور في الجهل ومخدوشة

___________

(١) الاستبصار ١ : ٧٧ ، ح ٢٣٦ .

٤٥٠
 &

الجوانب ومتآكلة الأطراف كما مر عليك ، والتصدي لمثل هذه المتهالكات والهرطقات يعني الالتزام بشرح علوم أولية في ثنايا الردود ، وعرض قواعدَ هي من مقدمات البحث العلمي ، وهذا ليس إلّا مضيعة للوقت وهدراً للجهد ناهيك عن السرد الطويل لما يعتقده الشيعة ؛ لأن الوهابية ترد علی مخيلتها وتصوراتها السقيمة من غير اطلاع علی كلمات مراجع الشيعة والمحققين منهم ، وهذا المثال الذي ناقشناه سابقاً دليل واضح علی أن المقطع الصغير الذي يتكلم به الوهابي والذي لا يتجاوز الجملتين مليء بالتناقضات وعدم المنهجية والخروج عن البحث وعدم استيعاب الفكرة والنقل المقطّع من المصادر ، مع شيء من الخداع والتدليس بعدم ذكره لأقوال العلماء التي أمام عينيه ، ثم يعود فيذكرها مما يعني عدم وجود الإشكال من الأصل ! وغير ذلك من حشف الكلام وحشوه وأساليب الخطابة المموهة واللامنطقية في الطرح .

فيا لله ! من له هذه الهمة الجبارة ليتتبع كل ما تثرثر به الوهابية علی كثرتها وكثرتهم ؟! ، مع جهلهم المركب الذي يصعب رفعه ، حتی شمخ الجاهل بأنفه وقصد الشيعة في آخر هرجه وتخبطه بقوله : ما لهم مخرج ، فاسمع واضحك !

البسملة عند الشيعة :

أما البسملة عند الشيعة أتباع أهل البيت عليهم السلام ، فننقل قول أحد أعلامهم ، وهو السيد الخوئي رضوان الله تعالی عليه :

هذه من المسائل الخلافية بين الخاصة والعامة ، فالمتسالم عليه بين الخاصة

٤٥١
 &

ـ أي الشيعة ـ أنها جزء من كل سورة ، والمشهور بين العامة أنها جزء لخصوص الفاتحة دون سائر السور ، وعلی هذا جرت المصاحف حتی اليوم ، فإنهم يذكرون علامة الآية بعد بسملة الفاتحة دون غيرها من بقية السور وأما البراءة فليست جزءاً منها باتفاق الجميع ، ثم ذكر ما يدله عليه (١) .

مشكلة البسملة عند أهل السنة من أين ؟

الطليق معاوية كان يتحری مخالفة أمير المؤمنين عليه السلام في كل ما يقوم به ، وقد عُرف عن الإمام علي عليه السلام جهره بالبسملة حتی في الصلاة الإخفاتية ، فمنع معاوية الجهر بها في الصلاة ، ومضی الأمر إلی أن جعلوا تركها في الصلاة سنة حتی في الفاتحة .

وهذه شهادة نأخذها من أحد علماء أهل السنة وهو الفخر الرازي في تفسيره :

وكان علي بن أبي طالب عليه السلام يقول : يا من ذكره شرف للذاكرين . ومثل هذا كيف يليق بالعاقل أن يسعی في إخفائه ؟ ولهذا السبب نقل أن علياً رضي الله عنه كان مذهبه الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في جميع الصلوات ، وأقول : إن هذه الحجة قوية في نفسي راسخة في عقلي لا تزول البتة بسبب كلمات المخالفين .

وقال : وأما أنّ علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان يجهر بالتسمية فقد

___________

(١) فقه السيد الخوئي ١٤ : ٣٥٢ مسألة ٨ .

٤٥٢
 &

ثبت بالتواتر ، ومن اقتدی في دينه بعلي بن أبي طالب فقد اهتدی ، والدليل عليه قوله عليه السلام : ((اللهم أدر الحق مع علي حيث دار)) .

وقال : وهذا يدل علی إطباق الكل علی أن علياً كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم .

وقال : إن الدلائل العقلية موافقة لنا ، وعمل علي بن أبي طالب عليه السلام معنا ، ومن اتخذ علياً إماماً لدينه فقد استمسك بالعروة الوثقی في دينه ونفسه (١) .

ونقل عن الشافعي قوله : إنّ معاوية قدم المدينة فصلّی بهم ، ولم يقرأ (بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ) ، ولم يكبر عند الخفض إلی الركوع والسجود (٢) ، فلما سلم ناداه المهاجرون والأنصار : يا معاوية ! سرقت منا الصلاة ، أين (بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ) ؟! وأين التكبير عند الركوع والسجود ؟! ثم إنه أعاد الصلاة مع التسمية والتكبير ، قال الشافعي : إنّ معاوية كان سلطاناً عظيم القوة شديد الشوكة ، فلولا أن الجهر بالتسمية كان كالأمر المتقرر عند كل الصحابة من المهاجرين والأنصار ، وإلّا لما قدروا علی إظهار الإنكار عليه بسبب ترك البسملة (٣) .

___________

(١) التفسير الكبير ١ : ٢٠٤ ـ ٢٠٧ ، ط . البهية ، مصر .

(٢) لاحظ أنّ صلاة أهل السنة اليوم نسخة عن صلاة معاوية !

(٣) التفسير الكبير ١ : ٢٠٤ ، ولكن معاوية استمر علی هذا النهج ، حتی وإن تراجع عنه في المدينة حين تزايدت عليه الصيحات ، فمن يجرؤ علی مخالفته في الشام ؟!

٤٥٣
 &

وقال الفخر الرازي : وهي أن علياً عليه السلام كان يبالغ في الجهر بالتسمية ، فلما وصلت الدولة إلی بني أُمية بالغوا في المنع من الجهر سعياً إلی إبطال آثار علي عليه السلام ، فلعل أنساً خاف منهم ، فلهذا السبب اضطربت أقواله فيه (١) .

والحمد الله الذي حبا الشيعة بأئمة أطهار أبرار فاتبعوهم ، قال الفخر الرازي : قالت الشيعة : السنة هي الجهر بالتسمية ، سواء كانت في الصلاة الجهرية أو السرية ، وجمهور الفقهاء يخالفونهم فيه (٢) ، اتباعاً لسنة معاوية بن أبي سفيان الطليق ابن الطليق .

___________

(١) التفسير الكبير ١ : ٢٠٦ .

(٢) نفس المصدر : ٣٠٧ .

٤٥٤
 &

الفهرس

المبحث الثالث

القراءات القرآنية ........................................................................  ٧

ماهي القراءة ؟ ...........................................................................  ٧

أصل القضية ........................................................................  ٨

ظهور المشكلة من جديد .............................................................  ١٠

أولاً : أهل السنة والقراءات القرآنية ....................................................  ١٢

أسباب نشأة القراءات ...............................................................  ١٢

تلميع ! ...........................................................................  ١٣

الدقة في المسألة .....................................................................  ١٥

من هم القرّاء السبعة ؟ ..................................................................  ١٦

تفصيل الكلام في القرّاء ...............................................................  ١٩

الشيوخ والرواة : المجموعة الأُولی ..........................................................  ١٩

المجموعة الثانية ..........................................................................  ٣١

تواتر القراءات السبع ....................................................................  ٣١

علاقة تواتر القرآن بتواتر القراءات ......................................................  ٣١

٤٥٥
 &

هل القراءات متواترة ؟ ...............................................................  ٣٦

من جهة طرقها ................................................................................  ٣٦

من جهة القراءة نفسها .........................................................................  ٣٨

الاعتراضات التي سجلت علی القراءات السبع ! ..................................................  ٤٠

كلمات علمائهم في نفي تواتر القراءات .........................................................  ٥٥

مع بعض الوهابية ! .....................................................................  ٦١

شروط قبولهم للقراءة ووصفها بالصحة .....................................................  ٦٩

وقال في طيبته ......................................................................  ٧٢

ملاحظات واعتراضات حول الأركان الثلاثة ................................................  ٧٣

التواتر مفقود ! .....................................................................  ٧٣

الرواة ليسوا كلهم ثقات ! ............................................................  ٧٥

الإعجاز البلاغي للقرآن ! ............................................................  ٧٧

الرسم حمّال ذو وجوه ! ..............................................................  ٧٨

ملاحظة ...............................................................................  ٨٠

ما ينتج عن مخالفة أحد تلك الأركان ...................................................  ٨٢

بعض كلماتهم في نفي قرآنية القراءات الشاذة ............................................  ٨٦

زبدة المخاض .........................................................................  ١٠٨

التحريف في القراءات الشاذة إما للصحابة وإما لعلماء أهل السنة ...........................  ١٠٩

ثانياً : الشيعة الإمامية والقراءات القرآنية ..............................................  ١١١

هل قرأ الرسول صلی الله عليه وآله وسلم بهذه القراءات ؟ ..................................  ١١١

قراءتنا المتواترة .........................................................................  ١١٤

٤٥٦
 &

إشكال ! ........................................................................  ١١٩

الوهابية من جديد ! ...................................................................  ١٢٢

زبدة المخاض .........................................................................  ١٤٠

أربعة قرّاء من القرّاء السبعة من الشيعة ...................................................  ١٤٤

الشيعة هم إسناد قراءة المسلمين اليوم ...............................................  ١٥٠

موقف الأعلام من التعبّد بالقراءات التي كانت في عهد الأئمة عليهم السلام ...............................................................................  ١٥٧

الخلاصة .............................................................................  ١٦٢

المبحث الرابع

نسخ التلاوة .........................................................................  ١٦٣

ما هو النسخ ؟ .......................................................................  ١٦٤

أقسام النسخ في القرآن ................................................................  ١٦٥

أولاً : أهل السنة ونسخ التلاوة .......................................................  ١٦٨

تحرير محل النزاع .......................................................................  ١٦٨

هل وقع نسخُ لتلاوة بعض آيات القرآن الكريم ؟ ..........................................  ١٦٨

الإثبات من ناحيتين ...............................................................  ١٦٩

أولاً : الآيات القرآنية .........................................................................  ١٦٩

سبب نزول الآية الكريمة .....................................................................  ١٧٥

ثانياً : السنّة النبويّة الشريفة ...................................................................  ١٨٣

٤٥٧
 &

ولا يمكن الاعتماد عليها لإثبات وقوع النسخ ، لأُمور ...................................  ١٩٠

واجتهاد عمر هذا لا يعتمد عليه ، ويدل عليه أُمور .....................................  ١٩٤

الخلاصة .............................................................................  ١٩٧

ما هو منشأ القول بوقوع نسخ التلاوة ؟ .................................................  ١٩٧

الأدلة التي تنفي وقوع نسخ التلاوة ......................................................  ٢٠٥

١ . مناقضته لآيات القرآن الكريم ....................................................  ٢٠٥

٢ . السيرة النبويّة مكذبة لوقوع نسخ التلاوة ...........................................  ٢٠٦

٣ . عدم تعرّض علماء القرآن من الصحابة لذكر هذا الأصل المهم ........................  ٢٠٧

٤ . مشاجرة الصحابة في تأدية النصوص القرآنية .......................................  ٢٠٨

٥ . الموارد المدّعی نسخها معلولة ....................................................  ٢١١

٦ . التضارب في تحديد ماهية الموارد التي ادّعي النسخ فيها ...............................  ٢١٣

٧ . عبثية هذا القول ...............................................................  ٢٢٢

٨ . لا يمكن إهماله من قبل الله عزّوجلّ ...............................................  ٢٢٥

ذكر أقوال بعض من أنكر نسخ التلاوة من أهل السنة .....................................  ٢٢٦

وقوع نسخ التلاوة التزام بتحريف القرآن ..................................................  ٢٤٨

ثانياً : الشيعة الإمامية ونسخ التلاوة ..................................................  ٢٥٥

الوهابية ومجدداً ! ......................................................................  ٢٥٥

كلمات علماء الشيعة في جواز وقوع نسخ التلاوة .........................................  ٢٥٧

السيد علم الهدی المرتضی ..........................................................  ٢٥٧

الشيخ الطوسي ...................................................................  ٢٥٩

ابن زهرة الحلبي ....................................................................  ٢٦٣

٤٥٨
 &

المحقق الحلي ......................................................................  ٢٦٤

العلامة الحلي .....................................................................  ٢٦٤

الفيض الكاشاني ..................................................................  ٢٦٥

الشيخ محمد جواد مُغْنِيّة ............................................................  ٢٦٥

ذكر بعض أقوال علمائنا الذين دونوا رفضهم لوقوع نسخ التلاوة ............................  ٢٦٧

جهل وكذب صريح ! ..............................................................  ٢٧٨

الخاتمة ...............................................................................  ٢٧٩

القسم الثاني

تحريف القرآن الصريح عند أهل السنة ................................................  ٢٨١

دليل لإثبات التحريف الصريح لمن يدّعي النسخ تلاوةً .....................................  ٢٨٢

قسم السور

أولاً : زيادة سورتي الحفد والخلع للقرآن ! .................................................  ٢٨٦

روايات أهل السنة القائلة أنهما قرآن منزل .............................................  ٢٨٦

النص علی كونهما سورتين ..........................................................  ٢٨٦

دمج بعض الصحابة لهما في المصحف علی أنهما سورتان ................................  ٢٨٩

شبهة ! ......................................................................................  ٢٩٠

من عدهما سورتين من الصحابة والتابعين ..............................................  ٢٩٣

أين ذهبت ؟! ....................................................................  ٢٩٣

ثانياً : إخراج سورتي الفلق والناس عن حريم القرآن ! .......................................  ٢٩٤

من هو ابن مسعود ؟ ..............................................................  ٢٩٤

٤٥٩
 &

مكانة ابن مسعود من القرآن عندهم ....................................................  ٢٩٦

موقف ابن مسعود من المعوّذتين ......................................................  ٣٠١

البخاري ذكر إنكار ابن مسعود لقرآنية المعوّذتين في صحيحه ! ............................  ٣٠٤

موقف علماء أهل السنة ............................................................  ٣٠٩

التفصيل .....................................................................................  ٣١٠

ابتدأت معمعة التأويل ! ......................................................................  ٣١٢

الغريق والقشة ! ..............................................................................  ٣١٦

وشهد شاهدٌ من أهلها .............................................................  ٣١٦

فذلكة البحث ....................................................................  ٣١٨

النتيجة ..........................................................................  ٣٢٤

ثالثاً : فقدان سورتين : إحداهما تعدل التوبة وأُخری المسبحات ! ...........................  ٣٢٥

قسم الآيات

أولاً : التحريف بفقدان آيات كاملة من القرآن .........................................  ٣٢٩

١ ـ التحريف الإجمالي ..................................................................  ٣٣٠

يوم اليمامة ضياع القرآن ! .............................................................  ٣٣٠

عمر يعترف أن القرآن كان أضعاف هذا الموجود ! ........................................  ٣٣١

القرآن ذهب منه الكثير ! ..............................................................  ٣٣٣

وهذا الكلام باطل بلا ريب لأُمور .......................................................  ٣٣٤

الوهابية تتكلم من جديد ! .............................................................  ٣٣٧

سورة الأحزاب التي عرفها الصحابة أربعة أضعاف الموجودة !! ..............................  ٣٣٨

٤٦٠