إعلام الخلف - ج ٢

صادق العلائي

إعلام الخلف - ج ٢

المؤلف:

صادق العلائي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الآفاق للدراسات الإسلامية
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٦٣
الجزء ١   الجزء ٢ الجزء ٣
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

التالية ، إما الحكم بكون الرواية فاسدة متنا وأن صحيح مسلم يحوي غير الصحيح كهذه الرواية وهو ما ذهب له بعض أهل السنة ، أو أن عائشة زادت للقرآن ما ليس منه وهذا كفر عندهم فيلزمهم تكفيرها ، أو أن القرآن محرّف كما ادعته عائشة .

آية شهداء بئر معونة

أخرج عدّة من الحفّاظ منهم البخاري ومسلم هذه الرواية ، واللفظ لأولهما : عن أنس بن مالك قال : بعث النبي صلّی الله عليه [وآله] وسلم أقواماً من بني سليم إلی بني عامر في سبعين ، فلما قدموا ، قال لهم خالي : أتقدمكم ، فإن أمنوني حتی أبلغهم عن رسول الله صلّی الله عليه [وآله] وسلم وإلّا كنتم مني قريباً . فتقدم ، فأمنوه ، فبينما يحدثهم عن النبي صلّی الله عليه [وآله] وسلم ، إذ أومأوا إلی رجل منهم فطعنه فأنفذه ، فقال : الله أكبر فزت ورب الكعبة . ثم مالوا علی بقية أصحابه فقتلوهم ، إلّا رجلاً أعرج صعد الجبل ، قال همام : فأراه آخر معه ، فأخبر جبريل عليه السلام النبي صلّی الله عليه [وآله] وسلم أنهم قد لقوا ربهم فرضي عنهم وأرضاهم ، فكنا نقرأ (أن بلغوا قومنا أن قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا) ثم نسخ بعد ، فدعا عليهم أربعين صباحاً ، علی رعل وذكوان وبني لحيان وبني عصية الذين عصوا الله تعالی ورسوله صلّی الله عليه [وآله] وسلم . (١)

___________

(١) صحيح البخاري ٣ : ١٩ ـ ٢٠ ، و ٢ : ١١٧ ، وصحيح مسلم ٢ : ١٣٦ ، طبقات ابن سعد ٢ : ٥٣ ـ ٥٤ ، ط : صادر ، والسنن الكبری ٢ : ١٩٩ ، ومشكل الآثار للطحاوي ٢ : ٤٢٠ ، وتاريخ

٤٠١
 &

وفي موضع آخر منه : قال قتادة وحدثنا أنس : أنهم قرأوا بهم قرآناً (ألا بلغوا عنا قومنا بأنا قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا) ثم رفع ذلك بعد (١) .

ذكرنا في مبحث نسخ التلاوة وجود تضارب بين هذه الرواية وروايات أُخری أُخرجت في نفس الصحيحين ، تدل علی أنّ هذا المقطع الذي زُعم هنا كقرآن هو قول لشهداء بئر معونة ، ومما يدل دلالة واضحة علی ترجيح مضمون تلك الروايات ، أُسلوب هذه الجملة ونظمها الهابط عن مستوی القرآن ، الذي يدل علی عدم قرآنيتها ، بالإضافة لعدم تواتره .

وهنا أمر يستحق التنبيه عليه ، وهو إني لم أجد رواية واحدة نسبت تلك الجملة إلی القرآن إلّا وراويها أنس بن مالك ! ، وهذا أمر يشككنا في مصداقية هذه النسبة للقرآن ، إذ من غير المعقول إلّا يبلّغ الرسول صلّی الله عليه وآله وسلم تلك الآيات لأحد إلّا لأنس بن مالك ، فيتفرّد أنس بنقلها كقرآن ، مع أن القرآن من طبيعته أن يتواتر ! ، ثم إن عبد الله بن مسعود نقلها علی أنها قول للشهداء ، كما أسلفنا في محله ، وعبد الله بن مسعود أخبر بالقرآن من أنس بن مالك ، ناهيك عن أن أَنَساً كان يتفاخر بأن الله عزّ وجلّ قد أنزل

___________

الطبري ٢ : ٥٥٠ ، ومسند أحمد ٣ : ٢٨٩ ، وغيرها .

(١) صحيح البخاري ٣ ، باب العون والمدد ، ح ٢٨٩٩ . ونفسه في باب (الذين استجابوا لله والرسول) .

٤٠٢
 &

هذه الجملة الركيكة في خاله الذي استشهد مع شهداء بئر معونة ! وهذا ما يزيد الأمر ريبة !

ولكن للأسف ، مع مناقضتها لصريح روايات البخاري ومسلم الأُخری ومخالفتها لمبانيهم الأُصولية في عدم قرآنية ما لم يتواتر ، نجد أن علماء أهل السنة يصرّون علی أنها قرآن منزل ! ، وقد رفض بعضهم ذلك ، قال أبو بكر الرازي :

وروي عن أنس أنهم كانوا يقرأون : (بلغوا قومنا عنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا) . ونحو ذلك مما يروی أنه كان في القرآن ، فإنه لا مطعن لملحد فيه ؛ لأن هذه الأخبار ورودها من طريق الآحاد ، فغير جائز إثبات القرآن بها (١) .

فنقول للأغلبية ، كيف أثبتم قرآنية هذه الجمل السمجة بلا تواتر ؟! فهذا تحريف بالزيادة ، ولو سلمنا أنكم أثبتم تواترها ، فكيف ضاعت من المصحف ؟ إن قلتم بالنسخ نقول : سلمنا (٢) ، ولكن النسخ يحتاج إلی تواتر وحيث لا تواتر ، فثبت التحريف بنسبة النقص لكتاب الله عزّ وجلّ ! .

___________

(١) الفصول في الأصول ٢ : ٢٥٧ .

أقول : إنّ الرازي هذا هو صاحب تعريف نسخ التلاوة الذي اعتمدوا عليه ، ومع ذلك فقد أنكر كون هذه آية من المنسوخ تلاوة !!

(٢) نقول : (سلمنا) لأننا أثبتنا في فصل مستقل فساد القول بوقوع نسخ التلاوة .

٤٠٣
 &

ومع كل هذا يوجد إشكال آخر وهو : أين الحكم الشرعي في هذه الآية المزعومة حتی يتعلق بها النسخ لو سلمنا بوقوعه في التلاوة ؟! لأن علماءهم قالوا إنّ النسخ لا يتعلق إلّا بالأحكام ! .

وهكذا الحال في بقية الموارد التي لا تتضمن الآيات المزعومة أي حكم شرعي ، فلا داعي للإعادة ، ولا داعي للإطالة في إبطال هذا الهرج والسخف !

آية الواديين !

إن التأمل في هذه الجمل التي ألصقوها بالقرآن يوقفك علی إعجاز القرآن وإتقان صنعه ولطيف سبكه ، فالقرآن ببديع نظمه ينفي هذه الجمل الباردة عن آياته ، ولا تستطيع الصمود أمام ذلك الاعجاز ، والضمائر الحرة من أهل الاختصاص هي الحكم في قبول دعوی قرآنية هذه الجمل : (لو كان لابن آدم واديان من مالٍ لابتغی وادياً ثالثاً ، ولا يملأ جوف ابن آدم إلّا التراب ، ويتوب الله علی من تاب) .

أو (لو كان لابن آدم واد من ذهب أحب أن له وادياً آخر ، ولن يملأ فاه إلّا التراب ، والله يتوب علی من تاب)

فهل هذه آية من القرآن الحكيم ، أهذا هو الاعجاز القرآني والسحر البياني ؟ لا والله ! ، فنحن لا نناقشهم في علة فقدها من مصحف المسلمين وإنما في أصل كونها قرآنا (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) !

٤٠٤
 &

لفتة للوهابي !

وأحب أن أذكر هنا بما نقلنا سابقاً عن الوهابي (ناصر . ق) الذي شنع علی كلمات التنزيل المروي في الكافي الشريف وغيره من كتب الشيعة وحكم بأنها ليست من القرآن لضعفها البلاغي ، حيث قال في أُصول مذهب الشيعة :

وهذه الإضافات التي تزعم الشيعة نقصها من كتاب الله (!!) ألا يلاحظ القارئ العربي أن السياق لا يتقبلها ، وأنها مقحمة إقحاماً بلا أدنی مناسبة ولذلك يكاد النص يلفظها (١) ، وأنها من وضع أعجمي لا صلة له بلغة العرب ، ولا معرفة له بأساليب العربية ، ولا ذوق له في اختيار الألفاظ وإدراك المعاني (٢) .

أقول : فأين هو مما يعتقده ويدين به أهل السنة من قرآنية هذه الجمل التي لا تكاد تقرأ حتی تنقبض النفس من نسبتها للقرآن الكريم لما فيها من العوار والضعف ؟!

التهافت في النقل :

الآية المزعومة حصل في نقلها اختلاف وتضارب ، وهذه نبذة من تلك

___________

(١) وهذا صحيح لأنها تفسير للقرآن وليست منه ، لذلك هي للإقحام أقرب له من الإنسجام التام .

(٢) أُصول مذهب الشيعة ١ : ٢٤٣ .

٤٠٥
 &

الروايات :

جاء في صحيح مسلم عن أبي الأسود ظالم بن عمرو قال : بَعثَ أبو موسی الأشعري إلی قرّاء أهل البصرة ، فدخل عليه ثلاثمئة رجلٍ قد قرأوا القرآن . فقال : أنتم خيار أهل البصرة وقرّاؤهم . فاتلوه ولا يطولن عليكم الأمد ، فتقسوا قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم ، وإنّا كنّا نقرأ سورةً كنّا نشبِّهها في الطّول والشّدة ببراءة ، فأنْسيتُها ، غير أنّي قد حفظت منها : (لو كان لابن آدم واديان من مالٍ لابتغی وادياً ثالثاً ، ولا يملأ جوف ابن آدم إلّا التراب) (١) .

عن أنس بن مالك عن رسول الله صلّی الله عليه [وآله] وسلم أنه قال : (لو كان لابن آدم وادٍ من ذهب أحب أن له وادياً آخر ، ولن يملأ فاه إلّا التراب ، والله يتوب علی من تاب) (٢) .

وفي مجمع الزوائد : عن زيد بن أرقم قال : لقد كنا نقرأ علی عهد رسول الله صلّی الله عليه [وآله] وسلم : (لو كان لابن آدم واديان من ذهب وفضة لابتغی إليها آخر ولا يملأ جوف ابن آدم إلّا التراب ويتوب الله علی من

___________

(١) صحيح مسلم ٣ : ١٠٠ كتاب الزكاة ، باب كراهية الحرص علی الدنيا ، وبشرح النووي ٧ : ١٣٩ .

(٢) صحيح مسلم ٣ : ٩٩ ، كتاب الزكاة ، باب الحرص علی الدنيا .

٤٠٦
 &

تاب) (١) .

وعن جابر قال : سمعت رسول الله صلّی الله عليه [وآله] وسلم يقول : (لو كان لابن آدم وادي نخل تمنی مثله ثم تمنی مثله حتی يتمنی أودية ، ولا يملأ جوف ابن آدم إلّا التراب) (٢) .

وأخرج الحاكم في المستدرك : عن أُبيّ بن كعب قال : قال لي رسول الله صلّی الله عليه [وآله] وسلم إنّ الله قد أمرني أن أقرأ عليك القرآن فقرأ : (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ) ومن بقيّتها : (لو أن ابن آدم سأل وادياً من مالٍ فأعطيته سأل ثانياً ، وإن سأل ثانياً فأعطيته سأل ثالثاً ولا يملأ جوف ابن آدم إلّا التراب ، ويتوب الله علی من تاب ، وإن الدين عند الله الحنيفية غير اليهوديّة ولا النصرانية ، ومن يعمل خيراً فلن يكفره) (٣) .

وليست هذه زيادتهم الوحيدة لسورة البيّنة ، وإنما تطرق لها التعديل والتغيير أكثر من مرة وسيأتي بإذنه تعالی عرض أشكال متنوعة لها !

___________

(١) مجمع الزوائد ١٠ : ٢٤٣ (باب لا يملأ جوف ابن آدم إلّا التراب) ، وعلق ابن حجر عليه (رواه الطبراني والبزار بنحوه ورجالهم ثقات) .

(٢) نفس المصدر : ٢٤٥ وعلق ابن حجر عليه (رواه أحمد وأبو يعلی والبزار ، ورجال أبي يعلی والبزار رجال الصحيح) .

(٣) المستدرك علی الصحيحين ٢ : ٢٢٤ علق عليه الحاكم بـ (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه) ووافقه الذهبي ، ملاحظة : المقطع الأخير لفظ آية أخری كما سيتضح بإذنه تعالی .

٤٠٧
 &

وأخرج الترمذي في سننه : عن زرّ بن حبيش عن أُبيّ بن كعب : أن رسول الله قال له : إنّ الله أمرني أن أقرأ عليك ـ إلی قوله ـ وقرأ عليه (ولو أنّ لابن آدم وادياً من مالٍ لابتغی إليه ثانياً ، ولو كان له ثانياً لابتغی إليه ثالثاً ولا يملأ جوف ابن آدم إلّا التراب ، ويتوب الله علی من تاب (١) .

وفي مسند أحمد عن زيد بن أرقم قال : لقد كنا نقرأ علی عهد رسول الله صلّی الله عليه [وآله] وسلم : (لو كان لابن آدم واديان من ذهب وفضة لابتغی إليهما آخر ، ولا يملأ بطن ابن آدم إلّا التراب ، ويتوب الله علی من تاب) (٢) .

وفي الدر المنثور : وأخرج ابن الضريس : ليؤيدن الله هذا الدين برجال مالهم في الآخرة من خلاق (لو أن لابن آدم واديين من مال لتمنی وادياً ثالثاً ولا يملأ جوف ابن آدم إلّا التراب إلّا من تاب ، فيتوب الله عليه والله غفور رحيم) (٣) .

ولنقتصر علی هذا القدر في بيان تضاربهم في نقل المزعومة ، فمرة تذكر الروايات لفظ مالاً ، وأخری ذهباً ، وثالثة ذهباً وفضة ، ورابعة نخلاً ، ومرّة

___________

(١) سنن الترمذي ٣٧٩٣ ، ح ٣٨٩٨ وعلق عليه الترمذي بـ (حسن صحيح) ، ومسند أحمد ٥ : ١٣١ الطبعة الميمنية ، وعبد الله ابن أحمد ٥ : ١٣٢ .

(٢) مسند أحمد ٤ : ٣٦٨ .

(٣) الدر المنثور ١ : ١٠٥ ، ط . دار المعرفة بالأوفست .

ملاحظة المقطع الأول آية مزعومة أُخری .

٤٠٨
 &

وادياً ، وأخری واديين ، ومرّة سأل وأخری يملك ، ومرّة تذكر بطناً ومرة فاهاً وأخری جوفاً ، ومرة ثانياً وأُخری تزيد إلی ثالثاً ، ومرة تصرح الرواية أن الآية كانت في سورة أنسيت ، ومرّة أُخری أن الآية كانت في ضمن سورة البيّنة ، إلی غيره من التضارب الذي يتضح بقليل من التأمل وزيادة الخير والبركة بمراجعة المصادر الأُخری (١) .

الآية المزعومة كتبت في المصحف في زمن عمر وفقدت اليوم !

عن مسند أحمد بن حنبل : حدثنا أبو معاوية عن أبي إسحاق الشيباني عن يزيد بن الأصم ، عن ابن عباس قال : جاء رجلٌ إلی عمر يسأله ، فجعل ينظر إلی رأسه مرّة وإلی رجليه أُخری ، هل يری عليه من البؤس شيئاً ، ثم قال له عمر : كم مالك ؟ قال : أربعون من الإبل ، قال ابن عباس فقلت : صدق الله ورسوله (لو كان لإبن آدم واديان من ذهب لابتغی الثالث ، ولا يملأ جوف ابن آدم إلّا التراب ويتوب الله علی من تاب) قال عمر : ما هذا ؟ فقلت : هكذا أقرأنيها أُبيّ . قال : فمُر بنا إليه ، قال : فجاء إلی أُبيّ ، فقال : ما يقول هذا ؟ قال أُبيّ : هكذا أقرأنيها رسول الله صلّی الله عليه [وآله] وسلم قال : فأثبتها ؟ فأثْبَتها (٢) .

___________

(١) نحو مشكل الآثار للطحاوي ٢ : ٤١٩ ، المصنف للصنعاني ١٠ : ٤٣٦ ، مناهل العرفان للزرقاني ٢ : ٢٥ ، تفسير الطبري ١ : ٣٨١ ، البرهان في علوم القرآن ٢ : ٣٦ وغيرها .

(٢) المسند لأحمد بن حنبل ٥ : ١١٧ ، ط . الميمنية ، وعنه مجمع الزوائد للهيثمي ٧ : ١٤١ (سورة لم

٤٠٩
 &

أقول : مرّ في مبحث جمع القرآن أنّ إلحاق الآيات بالمصحف كان بشهادة رجلين بزعمهم ، وهنا شهد كل من حبر الأُمة ابن عباس وسيد القرّاء أُبيّ بن كعب عند عمر بن الخطاب بأنّ هذه الجملة المزعومة آية من القرآن ، فقبل عمر شهادتهما وأثبتها في المصحف ، كلّه علی طبق الموازين ! ، فلماذا لا نجد هذه الجملة في مصحفنا اليوم ؟ أليس هذا تحريفاً وسقوطاً لآيات دونت في المصحف زمن عمر ؟ فأين ذهبت إذاً ؟! ومن الذي حرف المصحف ؟

آية (إن الدين الحنيفية غير اليهودية ولا النصرانية) !

أخرج الترمذي في سننه : عن زرّ بن حبيش عن أُبيّ بن كعب : إنّ رسول الله قال له : إنّ الله أمرني أن أقرأ عليك ، فقرأ عليه (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) (١) . فقرأ فيها (إنّ ذات الدين عند الله الحنيفية المسلمة لا اليهوديّة ولا النّصرانية ، من يعمل خيراً فلن يكفره) (٢) .

___________

يكن) بلفظ (قال : أفأثبتها في المصحف ؟ قال : نعم) ، وعلق عليه الهيثمي بـ (رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح) .

(١) البينة : ١ .

(٢) سنن الترمذي ، ح ٣٧٩٣ ، وح ٣٨٩٨ وعلق عليه الترمذي بـ (حسن صحيح) ، المستدرك علی الصحيحين ٢ : ٢٢٤ علق عليه الحاكم بـ (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه) ووافقه الذهبي .

٤١٠
 &

وفي مسند أحمد : عن زر ، عن أُبيّ بن كعب قال : قال لي رسول الله صلّی الله عليه [وآله] وسلم : إنّ الله تبارك وتعالی أمرني أن أقرأ عليك ، قال : فقرأ علي (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا) ـ إلی قوله تعالی ـ (إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ) (١) (إن الدين عند الله الحنيفية غير المشركة ولا اليهودية ولا النصرانية ومن يفعل خيراً فلن يكفره) قال شعبة : ثم قرأ آيات بعدها ثم قرأ : (لو أنّ لابن آدم واديين من مال لسأل وادياً ثالثاً ولا يملأ جوف ابن آدم إلّا التراب) قال ثم ختمها بما بقي منها (٢) .

وهي تحريف صريح اما بالزيادة في القرآن ما ليس منه أو لنقصها من المصحف ، كما بيّنا فيما سبق فلا نعيد .

___________

(١) البينة : ١ ـ ٤ .

(٢) مسند أحمد ٥ : ١٣٢ ، وكنز العمال ٢ : ٥٦٧ ، ح ٤٧٤٢ عن (ط حم ت حسن صحيح ك ص) مجمع الزوائد عن مسند أحمد ٧ : ١٤٠ ـ ١٤١ . وعلق عليه (وفيه عاصم بن بهدلة وثقهُ قوم وضعفه آخرون ، وبقية رجاله رجال الصحيح) ، واعترض في تحرير تقريب التهذيب ٢ : ١٦٥ علی من قال إن عاصما صدوق له أوهام فقال : بل ثقة يهم ، فهو حسن الحديث ، وقوله : ((صدوق له أوهام)) ليس بجيد ، فقد وثقه يحيی بن معين وأحمد بن حنبل وأبو زرعة الرازي ويعقوب بن سفيان وابن حبان ، وجعله ابن معين من نظراء الأعمش ، وإن فضّل هو وأحمد الأعمش عليه . وكل هؤلاء وثقوه مع معرفتهم ببعض أوهامه اليسيرة .

٤١١
 &

آية جهاد آخر الزمان !

ذكر السيوطي في الدر المنثور : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما أنّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأله فقال : أرأيت قول الله تعالی لأزواج النبي صلّی الله عليه [وآله] وسلم (وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ) (١) هل كانت الجاهلية غير واحدة ؟ فقال ابن عباس رضي الله عنهما : ما سمعت بأولی إلّا ولها آخرة . فقال له عمر رضي الله عنه : فأنبأني من كتاب الله ما يصدق ذلك ؟ قال : إنّ الله يقول (جاهدوا في الله حق جهاده كما جاهدتم أول مرّة) . فقال عمر رضي الله عنه : مَن أمرنا أن نجاهد ؟ قال : بني مخزوم وعبد شمس (٢) .

أخرج ابن مردويه عن عبد الرحمان بن عوف قال : قال لي عمر : ألسنا كنا نقرأ فيما نقرأ : (وجاهدوا في الله حق جهاده في آخر الزمان كما جاهدتم في أوله) ؟ قلت : بلی ! فمتی هذا يا أمير المؤمنين ؟ قال : إذا كانت بنو أُمية الأمراء وبنو المغيرة الوزراء (٣) .

___________

(١) الأحزاب : ٣٣ .

(٢) الدر المنثور في تفسير قوله تعالی (وَجَاهِدُوا فِي اللَّـهِ حَقَّ جِهَادِهِ) ٤ : ٣٧١ ، ط . دار المعرفة بالأوفست . يقصد بعبد شمس بني أُمية .

(٣) الدر المنثور في تفسير قوله تعالی (وَجَاهِدُوا فِي اللَّـهِ حَقَّ جِهَادِهِ) ٤ : ٣٧١ .

٤١٢
 &

وأقصی علم هؤلاء الصحابة بهذه الجملة المزعومة أنها سقطت كغيرها الذي سقط من القرآن ! ، وقال عمر لعبد الرحمان بن عوف : ألم تجد فيما أُنزل علينا (أن جاهدوا كما جاهدتم أوّل مرّة) فإنّا لا نجدها ؟ قال : أُسقطت فيما أُسقط من القرآن (١) .

آية الولد للفراش وللعاهر الحجر !

قبل الكلام عن هذه الآية المزعومة نقدم مقدّمة لعل فيها توضيحاً لبعض الحقيقة ، لقد استقرأنا بعض مصادر أهل السنة فوجدنا تصريح عدد كبير من الصحابة في عشرات الموارد أن الآية المزعومة هي في الحقيقة حديث نبوي قاله رسول الله صلّی الله عليه وآله وسلم ، وهذا موضع اتفاق مع مصادر الشيعة ، ذكر هنا بعض الروايات من مصادرهم لنری من هم هؤلاء الصحابة :

عبد الله بن مسعود : عن ابن مسعود قال : إني لبين يدي رسول الله صلّی الله عليه [وآله] وسلم يوم الحج ، وإنّ زبد ناقته ليقع علی ظهري

___________

(١) الإتقان ٢ : ٢٥ ، مشكل الآثار ٢ : ٤١٨ ، كنز العمال ٢ : ٣٨٥ ، الدر المنثور ١ : ١٠٦ عن أبي عبيد وابن الضريس وابن الأنباري ، مشكل الآثار ٢ : ٤١٨ .

أقول : سواء فسرنا السقوط بالضياع أم بنسخ التلاوة فهو يفيد التحريف كما أشرنا له سابقاً ، ولفظ (سقط) بعيد عن النسخ كما هو واضح .

٤١٣
 &

فسمعته يقول : أدوا إلی كل ذي حق حقه ، والولد للفراش وللعاهر الحجر ومن تولّی غير مواليه أو ادعی إلی غير أبيه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل (١) .

عبد الله بن عباس : وعن ابن عباس أنّ النبي صلّی الله عليه [وآله] وسلم أمر صارخاً يصرخ في بطن مكة يأمر بصدقة الفطر ويقول : هي حق واجب علی كل مسلم ذكر أو أُنثی صغير أو كبير حر أو عبد حاضر أو باد مدان من قمح أو صاع مما سوی ذلك من الطعام ، ألا وإنّ الولد للفراش وللعاهر الحجر (٢) .

كتب ابن عباس رسالة وجّهها إلی لعين السماوات والأرض يزيد بن معاوية حينما أراد الأخير أن يشكره علی خذلانه لعبد الله بن الزبير ، وهو أحد أعداء يزيد ، فأرسل ابن عباس رسالة طويلة وهذا مقطع منها : أتراني أنسی قتلك فتيان بني عبد المطلب مصابيح الدجی ونجوم الأعلام ، وغادرتهم خيولك بأمرك ، فأصبحوا مصرعين في صعيد واحد ، مزملين بالدماء ، مسلوبين

___________

(١) المعجم الكبير للطبراني ١٧ : ٢٦١ ، ح ٧١٩ .

أقول : والظاهر أنّ هناك خلطاً في نقل الحادثة ، إذ رويت عن عمرو بن خارجة الآتي ذكره ، وهنا عن ابن مسعود ومن المستبعد التطابق التام .

(٢) مجمع الزوائد ٣ : ٨٠ ـ ٨١ وعلق عليه : (رواه كله البزار ، وفيه يحيی بن عباد السعدي فيه كلام) .

٤١٤
 &

بالعراء ، لا مكفنين ولا موسدين ، تسفيهم الرياح ، تغزوهم الذئاب ، وتنتابهم عوج الضبع ، حتی أتاح الله لهم قوماً لم يشركوا في دمائهم ، فكفنوهم وأَجُّنوهم ، وبهم والله وبي من الله عليك ، فجلست في مجلسك الذي أنت فيه ، ومهما أنس من الأشياء فلست أنسی تسليطك عليهم الدعي ابن الدعي (١) الذي كان للعاهرة الفاجرة ، البعيد رحماً ، اللئيم أبا وأُمّاً ، الذي اكتسب أبوك ـ معاوية ـ في ادعائه له العار والمأثم والمذلة والخزي في الدنيا والآخرة ؛ لأنّ رسول الله صلّی الله عليه [وآله] وسلم قال : الولد للفراش وللعاهر الحجر . وأنّ أباك يعزم أن الولد لغير الفراش ولا يضير العاهر ويلحق به ولده ، كما يلحق ولد البغي الرشيد ، ولقد أمات أبوك السنة جهلاً وأحيا الأحداث المضلة عمدا (٢) ومهما أنس من الأشياء فلست أنسی تسييرك

___________

(١) يقصد زياد بن أبيه الذي ألحقه معاوية بأبيه ، فصار يسمی زياد بن أبي سفيان ؛ عناداً ومخالفة لأمر رسول الله صلّی الله عليه وآله وسلم .

(٢) قد اعترف بذلك معاوية في ما ذكره في مجمع الزوائد ٥ : ١٤ (وعن محمد بن إسحاق قال : ادّعی نصر بن الحجاج بن علاط السلمي عبد الله بن رياح مولی خالد بن الوليد ، فقام خالد بن خالد بن الوليد فقال : مولاي ولد علی فراش مولاي ، وقال نصر : أخي أوصاني بمنزله قال : فطالت خصومتهم فدخلوا معه علی معاوية وفهر تحت رأسه ، فدعيا فقال معاوية : سمعت رسول الله صلّی الله عليه [وآله] وسلم يقول : ((الولد للفراش وللعاهر الحجر)) . قال نصر : فأين قضاؤك هذا يا معاوية في زياد ! فقال معاوية : قضاء رسول الله صلّی الله عليه [وآله] وسلم خير من قضاء معاوية) . رواه أبو يعلی وإسناده منقطع ورجاله ثقات .

٤١٥
 &

حسيناً عليه السلام من حرم رسول الله صلّی الله عليه [وآله] وسلم إلی حرم الله ، وتسييرك إليه الرجال وادساسك إليهم إن هو نذر بكم فعاجلوه ، فما زلت بذلك وكذلك حتی أخرجته من مكة إلی أرض الكوفة ، تزأر إليه خيلك وجنودك زئير الأسد عداوة مثلك لله ولرسوله ولأهل بيته ، ثم كتبت إلی ابن مرجانة يستقبله بالخيل والرجال والأسنة والسيوف ... الخ (١) .

أقول : لاحظ كيف استدل ابن عباس علی ضلال معاوية لرده أمر الرسول صلّی الله عليه وآله وسلم ، ولو كانت هذه الجملة من قول الله عزّ وجلّ كما يزعم أهل السنة لكان الأبلغ في الحجة أن يذكرها ابن عباس علی أنها قرآن .

وكذا قال البراء بن عازب وزيد بن أرقم (٢) ، وأبو أمامة الباهلي (٣) ، وعمرو بن خارجة (٤) ، وعبدالله بن حذافة بن قيس (٥)

___________

أقول : ذكره ابن حجر في فتح الباري ١٢ : ٣٩ شرح حديث رقم ٦٣٦٩ .

(١) المعجم الكبير للطبراني ١٠ : ٢٤١ ، ح ١٠٥٩٠ .

(٢) المعجم الكبير للطبراني ٥ : ١٩١ ، ح ٥٠٥٧ في مسند زيد بن أرقم رضوان الله عليه .

(٣) سنن ابن ماجة ١ : ٦٤٧ ، ح ٢٠٠٧ علق عليه في الزوائد (إسناده صحيح ورجاله ثقات) ، سنن الترمذي ٣ : ٢٩٣ ، ح ٢٢٠٣ ، مسند أحمد ٥ : ٢٦٧ .

(٤) سنن ابن ماجة ٢ : ٩٠٥ ح ٢٧١٢ ، سنن الترمذي ٣ : ٢٩٤ ، ح ٢٢٠٤ علق عليه (هذا حديث حسن صحيح) ، مسند أحمد ٤ : ١٨٤ ، و ١٨٦ ، و ٢٣٨ ، و ٢٣٩ من عدّة طرق .

(٥) مستدرك الحاكم ٣ : ٦٣١ .

٤١٦
 &

وعائشة (١) ، وأبو هريرة (٢) ، وأنس بن مالك (٣) ، وعبدالله بن عمرو بن العاص (٤) ، وعروة بن الزبير (٥) .

___________

(١) صحيح البخاری ٣ : ٤ ـ ٥ و٣٩ و٩١ و١٨٧ ، و٥ : ٩٦ ، و٨ : ١١٦ ، صحيح مسلم ٤ : ١٧١ من طريقين ، سنن ابن ماجة ١ : ٦٤٦ ، ح ٢٠٠٤ (باب الولد للفراش وللعاهر الحجر) ، سنن أبي داود ١ : ٥٠٧ ، ح ٢٢٧٣ (باب الولد للفراش) ، وسنن الدارمي ٢ : ١٥٢ (باب الولد للفراش) ، والسنن الكبری ٦ : ٨٦ ، و ٧ : ٤١٢ من طريقين و ١٠ : ١٥٠ ، ٢٦٦ ، ومسند أحمد ٦ : ٣٧ ، ١٢٩ ، ٢٠٠ ، ٢٢٦ ، ٢٣٧ ، ٢٤٦ ـ ٢٤٧ ، وسنن النسائي ٦ : ١٨٠ (باب إلحاق الولد بالفراش إذا لم ينفه صاحب الفراش) .

(٢) صحيح مسلم ٤ : ١٧١ ، سنن ابن ماجة ١ : ٦٤٧ ، ح ٢٠٠٦ ، وسنن الترمذي ٢ : ٣١٣ ، ح ١١٦٧ (باب ما جاء أن الولد للفراش) ، والسنن الكبری ٧ : ٤٠٢ من طريق ، و ٧ : ٤١٢ ومسند أحمد ٢ : ٢٣٩ ، ٢٨٠ ، ٣٨٦ ، ٤٧٥ ، وسنن النسائي ٦ : ١٨٠ (باب إلحاق الولد بالفراش إذا لم ينفه صاحب الفراش) بطريقين .

(٣) مسند الشاميين ١ : ٣٦٠ ، ح ٦٢٠ .

(٤) سنن أبي داود ١ : ٥٠٧ ـ ٥٠٨ ، ح ٢٢٧٤ (باب الولد للفراش) ، مجمع الزوائد ٦ : ١٧٧ ـ ١٧٨ (رواه الطبراني ورجاله ثقات) ، مسند أحمد ٢ : ١٧٩ ، ٢٠٧ .

(٥) سنن الدارمي ٢ : ٣٨٩ . بهذا اللفظ : (قال عروة بلغنا ان رسول الله صلی الله عليه [واله] وسلم ، قال : الولد للفراش وللعاهر الحجر) .

لاحظ أن صيغة (بلغنا) لا تدل علی التمريض أو عدم الوثوق عندهم كما هو سائد بيننا اليوم ، وكشاهد يحضرني هو اعتماد الإمام الشافعي في كتابه (الأُم) علی ما يقول في أوله (بلغنا) .

٤١٧
 &

هؤلاء قالوا بأن تلك الجملة نص نبوي قاله الرسول صلّی الله عليه وآله وسلم ، وما جاء عن التابعين لا أكاد أُحصيه ومنه : عن ابن جريج قال : قلت لعطاء : أرأيت إن نفاه بعد ما تضعه ؟ قال يلاعنها والولد لها ، قلت : أو لم يقل النبي صلّی الله عليه [وآله] وسلم : ((الولد للفراش وللعاهر الحجر ؟)) قال : نعم ، إنما ذلك لأنّ الناس في الإسلام ادعوا أولاداً ولدوا علی فراش رجال فقالوا : هم لنا ، فقال النبي صلّی الله عليه [وآله] وسلم : ((الولد للفراش وللعاهر الحجر)) (١) .

وكذا أقوال العلماء في الفقه واستدلالاتهم علی حكم المسألة لا يكاد يخلو كتاب منه ، وهذا ما ذكره البيهقي في سننه : استدلالاً بما روينا في الحديث الثابت عن عائشة وأبي هريرة أنّ النبي صلّی الله عليه [وآله] وسلم قال : ((الولد للفراش وللعاهر الحجر)) ، فلم يجعل لماء العاهر حرمة (٢) .

وما ذكره ابن حجر العسقلاني : قال ابن عبد البر : هو من أصح ما يروی عن النبي صلّی الله عليه [وآله] وسلم جاء عن بضعة وعشرين نفساً من الصحابة ، فذكره البخاري في هذا الباب عن أبي هريرة وعائشة ، وقال

___________

(١) كنز العمال ١٥ : ٢١٠ ، ح ٤٠٦٠٧ (عب) .

(٢) السنن الكبری للبيهقي ٧ : ١٥٧ (باب لا عدة علی الزانية ، ومن تزوج امرأة حبلی من زنا لم يفسخ النكاح) .

٤١٨
 &

الترمذي عقب حديث أبي هريرة : (وفي الباب عن عمر وعثمان وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمرو وأبي أُمامة عمرو وابن عمر) . وزاد أبو القاسم بن منده في تذكرته : (معاذ بن جبل وعبادة بن الصامت وأنس بن مالك وعلي بن أبي طالب والحسين بن علي وعبد الله بن حذافة وسعد بن أبي وقاص وسودة بنت زمعة) (١) .

فكون هذه العبارة قولاً للنبي صلّی الله عليه وآله وسلم لا يشك فيها إلّا معتوه ، ولم يقتصر الأمر علی مصادر أهل السنة ، فحتی مصادر الشيعة مشحونة بذلك ، وكمثال نذكر رواية الكافي :

عن سعيد الأعرج ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : سألته عن رجلين وقعا علی جارية في طهر واحد لمن يكون الولد ؟ قال : للذي عنده لقول رسول الله صلّی الله عليه وآله : الولد للفراش وللعاهر الحجر (٢) .

فالصحابة بأكابرهم ، كابن مسعود وحبر الأُمة ابن عباس وغيرهم من حملة القرآن لا تجد أحداً منهم لا يصرح ، بأنّ الجملة السابقة هي قول للنبي صلّی الله عليه وآله وسلم ، لا أنها قرآن منزل ! خاصة وأنّ فيهم من كان

___________

(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري للعسقلاني ١٢ : ٣٩ شرح حديث رقم ٦٣٦٩ .

(٢) الكافي ٥ : ٤٩١ ـ ٤٩٢ ، ح ٣ ب (١٣٥) (الرجل يبيع الجارية من غير أن يستبرئها فيظهر بها حبل بعد ما مسها الآخر) ، وقريب منه في من لا يحضره الفقيه ٣ : ٤٥٧ و ٤ : ٣٨٠ ، تهذيب الأحكام ٨ : ١٦٨ ، ١٨٣ ، ٢٠٨ ، ٣٤٣ ، ٣٤٤ و٩ : ٣٤٦ ، الاستبصار ٣ : ٣٦٨ و٤ : ١٨٣ و ١٨٥ .

٤١٩
 &

مغرماً بقراءة الزيادات مع القرآن وخلطه بها كابن مسعود ، ومن البعيد جداً أن يهمل هذا المورد ، وكذا التابعون ، لم نر فيهم من صرّح بأنها قرآن ، وكذا تابعهم والفقهاء في مصنفاتهم من السنة والشيعة .

وأما عمر !

ومع كل ما مرّ من أقوال جمهرة الصحابة واتفاق فقهاء المسلمين قاطبة وتصافق الأيدي علی كون الجملة السابقة قولاً للنبي صلّی الله عليه وآله وسلم ، ومع كل هذا يأتينا ابن الخطاب ليفرغ لنا ما في جعبته فيقول : هي قرآن !! فقدناه ! ، وأُبي بن كعب أيّده علی ذلك !!

عن عدي بن عدي بن عميرة بن فروة ، عن أبيه ، عن جده أنّ عمر بن الخطاب قال لأبيّ : أو ليس كنا نقرأ من كتاب الله (أن انتفاءكم من آبائكم كفر بكم) ؟ فقال : بلی ، ثم قال : أو ليس كنا نقرأ (الولد للفراش وللعاهر الحجر) فُقِد فيما فقدنا من كتاب الله ؟ قال : بلی (١) ، (إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُولِي الْأَبْصَارِ) (٢) .

آية (لا ترغبوا عن آبائكم) !

وما زلنا مع ابن الخطاب وما تحويه جعبته من الآيات التي خصّها الله عزّ

___________

(١) كنز العمال ٦ : ٢٠٨ ، ح ١٥٣٧٢ (ابن عبد البر في التمهيد) .

(٢) آل عمران : ١٣ .

٤٢٠