إعلام الخلف - ج ٢

صادق العلائي

إعلام الخلف - ج ٢

المؤلف:

صادق العلائي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الآفاق للدراسات الإسلامية
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٦٣
الجزء ١   الجزء ٢ الجزء ٣
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

عن أن عليا عليه السلام قد أنكر بالملازمة وليس بالصراحة كونها آية قرآنية ، فإنه عليه السلام لما جلد شراحة الهمدانية يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة قال : حددتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم (١) ، فلو كان عليه السلام يری أن حكم الرجم ثابت بآية قرآنية قد نسخت تلاوتها كما رأی عمر لم يقل ذلك (٢) ، ورفض علمائنا سددهم الله لهذه المزعومة أشهر من أن يمثل له بمثال .

أقوال من أنصف القرآن من أهل السنة

قلنا : إن مضامين هذه الروايات يضرب الشيعة بها عرض الجدار لبداهة أن قبولها يعني تحريف القرآن بالزيادة فيه أو النقص منه ، كما بينا سابقا ، ناهيك عن ركاكة نظمها وضعف أُسلوبها الذي ينادي به القرآن (إِنْ هَـٰذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ) (٣) ، وللأسف فإن أغلب أهل السنة يرونها قرآنا منزلا ، وبعض من حكم عقله منهم ذهب إلی ما ذهب له الإمامية ، وقد مرت بعض كلماتهم في مبحث نسخ التلاوة .

قال في كتاب الفقه علی المذاهب الأربعة : أما ما نقله البخاري تعليقاً

___________

(١) انظر جواهر الكلام ٤١ : ٣٠ ، عوالي اللآلئ ٢ : ١٥٢ و ٣ : ٥٥٣ ، ورواه أحمد والبخاري والنسائي والحاكم وغيرهم .

(٢) هامش كتاب عدة الأُصول للشيخ الطوسي ٢ : ٥١٦ .

(٣) المدثر : ٢٥ .

٣٦١
 &

من أن الذي كان في كتاب الله ورفع لفظه دون معناه ، فهو ـ الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة الخ ـ فإنني لا أتردد في نفيه ؛ لأن الذي يسمعه لأوّل وهلة يجزم بأنه كلام مصنوع ، لا قيمة له بجانب كلام الله الذي بلغ النهاية في الفصاحة والبلاغة ، فضلاً عن كونه لا ينتج الغرض المطلوب ، فإن الرجم شرطه الإحصان والشيخ في اللغة من بلغ الأربعين ، فمقتضی هذا أنه يرجم ولو كان بكر لم يتزوج ، وكذا إذا زنی الفتی في سن العشرين مثلاً وهو متزوج فانه لا يرجم ، مثل هذه الكلمة لا يصح مطلقاً أن يقال : أنها من كتاب الله ... فالخير كل الخير في ترك مثل هذه الروايات . أما الأخبار التي فيها أن بعض القرآن المتواتر ليس منه ، أو أنّ بعضاً منه قد حذف فالواجب علی كل مسلم تكذيبها بتاتاً ، والدعاء علی راويها بسوء المصير ؛ لأن إدخال شيء في كتاب الله ليس منه ، وإخراج شيء منه رِدّة نعوذ بالله منها . (١)

وقال آخر في فتح المنان : إن الحق أن هذا النوع من النسخ غير جائز لأن الآثار التي اعتمدوا عليها لا تنهض دليلاً لهم ، والآيتان (الرجم والرضاع) لا تسمحان بوجوده إلّا علی التكلّف ، ولأنّه يخالف المعقول والمنطق ، ولأن مدلول النسخ وشروطه التي اشترطها العلماء فيه لا تتوفّر ، ولأنّه يفتح ثغرة للطاعنين في كتاب الله تعالی من أعداء الإسلام الذين يتربّصون به الدوائر وينتهزون الفرصة لهدمه وتشكيك الناس فيه . والعجيب أنّه قد وردت رواية

___________

(١) كتاب الفقه علی المذاهب الأربعة ٤ : ٢٥٧ ـ ٢٥٩ ، ط . الاستقامة السادسة .

٣٦٢
 &

عن عمر : ولولا أن يقال زاد عمر في المصحف لكتبتها . فهذا الكلام يدلّ علی أنّ لفظها موجود لم ينسخ ، فكيف يقال : إنّها ممّا نسخ لفظه وبقي حكمه ! وهي موجودة ومسطّرة ومحفوظة علی قولهم . ولو كانت آية من القرآن وتحقّق منها عمر لأثبتها من غير تردّد ولا وجل . (١)

وقال في كتاب النسخ في القرآن الكريم : علی أنه قد ورد في الرواية عن عمر قوله بشأن آية حد الرجم فيما زعموا (ولولا أن يقال زاد عمر في المصحف لكتبتها) ، وهو كلام يوهم أنه لم ينسخ لفظها أيضاً ، مع أنهم يقولون أنها منسوخة اللفظ باقية الحكم ! كذلك ورد نص الآية في الروايات التي أوردته بعبارات مختلفة ، فواحدة منها تذكر قيد الزنی بعد ذكر الشيخ والشيخة ، وواحدة لا تذكره ، وثالثة تذكر عبارة (نكالاً من الله) ، ورابعة لا تذكرها ، وما هكذا تكون نصوص الآيات القرآنية ولو نسخ لفظها !

وفي بعض هذه الروايات ، جاءت بعض العبارات التي لا تتفق ومكانة عمر ولا عائشة مما يجعلنا نطمئن إلی اختلاقها ، ودسّها علی المسلمين . (٢)

وقال في كتاب القرآن نظرة عصرية جديدة عن هذه الآية المزعومة : أما أن تنسخ التلاوة ويبقی الحكم ، فقد قال به بعضهم محتجاً بأنه كانت هناك آية قيل : إن نصها كان (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة) ولا أميل شخصياً إلی القول بهذا الرأي ، وأری أن حكم الرجم للزاني المحصن ثبت بالحديث

___________

(١) فتح المنان في نسخ القرآن ، للشيخ علي حسن العريض مفتّش الوعظ بالأزهر : ٢٣٠ .

(٢) النسخ في القرآن الكريم ـ دراسة تشريعية تاريخية نقدية ـ ١ : ٢٨٤ مسألة رقم ٣٨٩ .

٣٦٣
 &

الشريف والإجماع .

وقال : إنه بالنظر في هذه العبارة التي زعموا أنها كانت آية من القرآن لا أحس بأن بها نسج القرآن ولا روعته ، فقد وردت بها كلمة البتّة ولا أری أن هذه الكلمة قرآنية ، وهي لم ترد في القرآن أبداً ، وليس لها جمال ألفاظ القرآن ، واستعملت فيها كلمة الشيخ والشيخة بقصد الرجل والمرأة المتزوجة وهو استعمال فيه تكلّف ، فالشيخ في اللغة هو الطاعن في السن ، ولا يلزم أن يكون شيخاً ، بل كثيراً ما يكون شاباً ، وللقرآن تعبير جميل عن الرجل المتزوج أو المرأة المتزوجة وهو المحصن والمحصنة ، أما كلمة شيخ فاستعمالها في القرآن محدود بكبر السن ، وقد وردت في القرآن في ثلاث مواضع نعرضها لنبيّن اتجاه القرآن في استعمال هذه الكلمة اتجاهاً لم يختلف ؛ وهو لا شك متفق مع ذوق اللغة أو هو قدوة للاستعمال العربي السليم ، ـ ثم ذكر تلك الآيات ـ . (١)

وأنصف الشيخ محمود أبو ريّة في كتابه القيم أضواء علی السنّة المحمّدية عندما استنكر ما تفعله الروايات في كتاب الله عز وجل ، وهاك مقتطفات منه :

ولم يقف فعل الرواية عند ذلك ، بل تمادت إلی ما هو أخطر منه من ذلك ، حتی زعمت أن في القرآن نقصاً ولحناً وغير ذلك مما أورد في كتب السنّة ، ولو شئنا أن نأتي به كله هنا لطال الكلام ـ ولكنا نكتفي بمثالين مما قالوه في نقص القرآن ، ولم نأت بهما من كتب السنة العامة ، بل مما حمله الصحيحان ، ورواه الشيخان البخاري ومسلم . أخرج البخاري وغيره عن

___________

(١) من مقالة للدكتور أحمد شلبي في كتاب القرآن نظرة عصرية جديدة : ١٥٤ ـ ١٥٥ .

٣٦٤
 &

عمر بن الخطاب أنه قال ـ وهو علی المنبر ـ : إن الله بعث محمداً بالحق نبيّا وأنزل عليه الكتاب ، فكان مما أنزل آية الرجم قرأناها وعقلناها ووعيناها . رجم رسول الله صلی الله عليه [واله] وسلم ورجمنا بعده فأخشی إن طال بالناس زمان أن يقول قائل : ما أجد آية الرجم في كتاب الله فيضل بترك فريضة أنزلها الله ، والرجم في كتاب الله حق علی من زنی إذا أحصن من الرجال والنساء . ثم إنا كنا نقرأ فيما يقرأ في كتاب الله ، (ألا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم) .

وأخرج مسلم عن أبي الأسود عن أبيه قال : بعث أبو موسی الأشعري إلی قرّاء البصرة فدخل عليه ثلاثمئة رجل قد قرأوا القرآن فقال : أنتم خيار أهل البصرة وقراؤهم ، ولا يطولن عليكم الأمد فتقسوا قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم ، وإنا كنا نقرأ سورة كنا نشبهها في الطول ببراءة فأنسيتها ، غير أني قد حفظت منها : (لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغی وادياً ثالثاً ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب) ، وكنا نقرأ سورة كنا نشبهها بإحدی المسبحات فأنسيتها ، غير أني حفظت منها : (يا ايها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ، فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة) (١) ، نجتزئ بما أوردنا ، وهو كاف هنا لبيان كيف تفعل الرواية حتی في الكتاب الأول للمسلمين ، وهو القرآن الكريم ! ولا ندري كيف تذهب هذه الروايات التي تفصح بأن القرآن فيه نقص ، وتحمل مثل هذه المطاعن مع قول الله سبحانه (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ

___________

(١) وسيأتي الكلام عنها ، بإذن الله تعالی .

٣٦٥
 &

وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (١) . فأيهما نصدّق ؟! اللهم إن هذا أمر عجيب يجب أن يتدبره أولو الألباب . (٢)

كلام من فضحه الله !

بعد أن ذكرنا كلام المنصفين من أهل السنة لا بأس بذكر كلمة لمن فضحه الله تعالی عندما حاول أن ينال من الشيعة في شريطه (الشيعة والقرآن) وهو الوهابي (عثمان . خ) ، قال هذا المسكين :

أمثلة من الآيات المنسوخة تلاوتها : آية الرجم وهي قوله تعالی أو ما يذكر فيها الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة ، فهذه أولا قراءة آحادية شاذة لم تثبت قرآنا . (٣)

فهو يعترف أولا أنها آية منسوخة ، ثم يرجع ويقول بعدم ثبوت قرآنيتها ! ، فكيف هي آية منسوخة ولم تثبت قرآنيتها ؟! ، ثم من أين جاءنا بـ (قراءة آحادية شاذة) ؟! ، آية الرجم عند أهل السنة من المنسوخ تلاوة وليست قراءة شاذة ! وهذا أمر واضح لأن القراءة الشاذة تتغير فيها أحرف أو بعض مفردات الآية ولا تكون بإضافة آية كاملة للقرآن ! وإلا لما كان هناك معنی للشذوذ ، لأن الشذوذ يتحقق عندما يتخالف الشاذ مع الأصل ، وآية

___________

(١) الحجر : ٩ .

(٢) أضواء علی السنّة المحمّدية : ٢٥٦ ـ ٢٥٧ ، ط . الأعلمي الخامسة .

(٣) الوجه الثاني من شريط (الشيعة والقرآن) .

٣٦٦
 &

الرجم لا يوجد أصل لها حتی تخالفه ! ، وكل هذه الموارد تدل علی أن هذا الوهابي (عثمان . خ) جاهل بكل ما للكلمة من معنی .

آية الرجم جاء بها عمر من توراة اليهود !

كنت دائما أتساءل من أين جاءنا عمر بهذه الجملة ؟! هل هي من نسج خياله ؟ أم هي جملة سمعها فأعجبته كما أعجبته جملة (الصلاة خير من النوم) التي حشرها في الأذان؟! ، فاتضح لي أن هذه الجملة مقتبسة من توراة اليهود ! ولا أدري علی أي أساس أراد ابن الخطاب إدخال شيء من كتاب اليهود المحرف في القرآن ؟!

فقد أخرج الطبري بسنده رواية مطولة تتحدث عن حد الزاني في شريعة اليهود المحرفة إلی أن تقول : وكان النبي صلی الله عليه [وآله] وسلم قال لهم : من أعلمكم بالتوراة ؟ فقالوا : فلان الأعور . فأرسل عليه فأتاه فقال : أنت أعلمهم بالتوراة ؟ قال : كذلك تزعم اليهود . فقال النبي صلی الله عليه [وآله] وسلم : أنشدك بالله وبالتوراة التي أنزلها علی موسی يوم طور سيناء ما تجد في التوراة في الزانيَين فقال : يا أبا القاسم يرجمون الدنيئة ، ويحملون الشريف علی بعير ، ويحممون وجهه ، ويجعلون وجهه من قبل ذنب البعير ويرجمون الدنيء إذا زنی بالشريفة ، ويفعلون بها هي ذلك . فقال له النبي صلی الله عليه [وآله] وسلم : أنشدك بالله وبالتوراة التي أنزلها علی موسی يوم طور سيناء ما تجد في التوراة ؟! فجعل يروغ والنبي صلی الله عليه [وآله] وسلم ينشده بالله وبالتوراة التي أنزلها علی موسی يوم طور سيناء ، حتی قال : يا أبا

٣٦٧
 &

القاسم ، (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة) فقال رسول الله صلی الله عليه [وآله] وسلم : فهو ذاك ، اذهبوا بهما فارجموهما . (١)

وقد أخرج هذه الحادثة البخاري في خمسة مواضع من صحيحه وهذا نصه : عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالی عنهما أن اليهود جاءوا إلی رسول الله صلی الله عليه [وآله] وسلم ، فذكروا له : أن رجلا منهم وامرأة زنيا ، فقال لهم رسول الله صلی الله عليه [وآله] وسلم : ما تجدون في التوراة في شأن الرجم ؟ فقالوا نفضحهم ويجلدون . فقال عبد الله بن سلام : كذبتم إن فيها الرجم ، فأتوا بالتوراة فنشروها فوضع أحدهم يده علی آية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها ، فقال له عبد الله بن سلام : ارفع يدك فرفع يده فإذا فيها آية الرجم ، فقالوا : صدق يا محمد فيها آية الرجم ، فأمر بهما رسول الله صلی الله عليه [وآله] وسلم فرجما . قال عبد الله : فرأيت الرجل يحنأ علی المرأة يقيها الحجارة . (٢)

ومما يدل علی أن الرجم لم ينزل فيه شيء من القرآن ما أخرجه ابن الضريس والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس قال :

___________

(١) تفسير الطبري ٦ : ١٥٧ ، ط . دار المعرفة الثالثة .

(٢) صحيح البخاري ٣ : ١٣٣٠ ، ح ٣٤٣٦ ، ٤ : ١٦٦٠ ، ح ٤٢٨٠ باب (قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) ، ٦ : ٢٤٩٩ ، ح ٦٤٣٣ باب الرجم في البلاط ، ٦ : ٢٥١٠ ، ح ٦٤٥٠ ، ٦ : ٢٧٤٢ ، ح ٧١٠٤ .

٣٦٨
 &

من كفر بالرجم فقد كفر بالقرآن من حيث لا يحتسب ، قال تعالی (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ) (١) . قال : فكان الرجم مما أخفوا . (٢)

ومن كلام ابن عباس يتضح عدم نزول آية في القرآن تحكي الرجم صريحا ، وإلا لكان الأُولی لابن عباس ، وهو جبل التفسير أن يذكرها لا أن يستدل بآية غير ظاهرة فيه !

بل هناك رواية أظهر من هذه وردت في صحيح البخاري وهي : حدثنا سلمة بن كهيل قال : سمعت الشعبي يحدث عن علي رضي الله عنه حين رجم المرأة يوم الجمعة وقال : قد رجمتها بسنة رسول الله صلی الله عليه [وآله] وسلم . (٣) ، ولو كانت آية الرجم في القرآن وقد رفعت تلاوتها وبقي حكمها لقال عليه السلام : إني رجمتها بكتاب الله ، أو لا أقل أن يقول عليه السلام رجمتها بكتاب الله وسنة رسوله صلی الله عليه وآله وسلم لا أن يغفل أمر القرآن ؟

وهذه الرواية نص في ثبوت الرجم بالسنة لا بالقرآن ، وقد أخرجها عبد الرزاق الصنعاني في المصنف : عن ابن التيمي عن إسماعيل بن أبي خالد

___________

(١) المائدة : ١٥ .

(٢) الدر المنثور ٢ : ٢٦٩ ، ط . دار المعرفة .

(٣) صحيح البخاري ٨ : ٢١ .

٣٦٩
 &

عن عامر قال : قال علي ـ عليه السلام ـ في الثيب : ((أجلدها بالقرآن ، وأرجمها بالسنة ، قال : وقال أُبيّ بن كعب مثل ذلك)) (١) .

وبعد هذا لنتساءل ، هل جهل الإمام علي عليه السلام ـ والعياذ بالله ـ وهو باب مدينة علم رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم ، وسيد القرّاء أُبيّ ابن كعب ، وحبر الأُمة ابن عباس عن نزول آية في القرآن تحكي الرجم ؟! ناهيك عن إجماع أهل السنة بأن الرجم قد ثبت بالسنة لا بالقرآن !

وليس بعزيز علی ابن الخطاب أن يأخذ هذه الجملة من توراة اليهود فعلاقته كانت قوية معهم ، حتی أنه كان يتعلم شيئا من التوراة منهم ويعلمونه ، ويوما ما اقترح علی الرسول صلی الله عليه وآله تعليمه للمسلمين ، فغضب منه صلی الله عليه وآله وسلم حتی احمرت وجنتاه واجتمعت الأنصار شاكةً بالسلاح وأمر بالصلاة جامعة لهول ما قاله عمر !

أخرج أبو يعلی وابن المنذر وابن أبي حاتم ونصر المقدسي في الحجة والضياء في المختارة عن خالد بن عرفطة قال : كنت جالسا عند عمر ... فقال ـ عمر ـ : انطلقت أنا فانتسخت كتابا من أهل الكتاب ثم جئت به في أديم فقال لي رسول الله صلی الله عليه [وآله] وسلم : ما هذا في يدك يا عمر ؟ فقلت : يا رسول الله كتاب نسخته لنزداد به علما إلی علمنا . فغضب رسول الله صلی الله عليه [وآله] وسلم حتی احمرت وجنتاه ثم نودي بالصلاة جامعة فقالت الأنصار : (أغضب نبيكم ، السلاح !) فجاءوا حتی أحدقوا بمنبر رسول

___________

(١) مصنف عبد الرزاق الصنعاني ٧ : ٣٢٨ ، ح ١٣٣٥٦ .

٣٧٠
 &

الله صلی الله عليه [وآله] وسلم فقال : يا أيها الناس إني قد أوتيت جوامع الكلم وخواتيمه واختصر لي اختصارا ، ولقد أتيتكم بها بيضاء نقية ، فلا تتهوكوا ولا يغرنكم المتهوكون ، قال عمر رضي الله عنه : فقمت ، فقلت : رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبك رسولا ، ثم نزل رسول الله صلی الله عليه [وآله] وسلم . (١)

___________

(١) الدر المنثور ٤ : ٣ ، وجاء هذا المعنی أيضا في ٥ : ١٤٨ ـ ١٤٩ : أخرج عبد الرزاق وابن سعد وابن الضريس والحاكم في الكنی ، والبيهقي في شعب الإيمان عن عبد الله بن ثابت بن الحرث الأنصاري قال : دخل عمر بن الخطاب رضي الله عنه علی النبي صلی الله عليه [وآله] وسلم بكتاب فيه مواضع من التوراة ، فقال : هذه أصبتها مع رجل من أهل الكتاب أعرضها عليك ، فتغير وجه رسول الله صلی الله عليه [وآله] وسلم تغيرا شديدا ، لم أر مثله قط ، فقال عبد الله بن الحارث لعمر رضي الله عنه : أما تری وجه رسول الله صلی الله عليه [وآله] وسلم ؟! فقال عمر رضي الله عنه : رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا فسري عن رسول الله صلی الله عليه [وآله] وسلم ، وقال : (لو نزل موسی فاتبعتموه وتركتموني لضللتم ، أنا حظكم من النبيين وأنتم حظي من الأُمم) .

وكذا : (أخرج عبد الرزاق والبيهقي عن أبي قلابة أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مر برجل يقرأ كتابا ، فاستمعه ساعة فاستحسنه ، فقال للرجل : اكتب لي من هذا الكتاب قال : نعم ، فاشتری أديما فهيأه ، ثم جاء به إليه فنسخ له في ظهره وبطنه ، ثم : أتی النبي صلی الله عليه [وآله] وسلم فجعل يقرأه عليه ، وجعل وجه رسول الله صلی الله عليه [وآله] وسلم يتلون ، فضرب رجل من الأنصار بيده الكتاب ، وقال : ثكلتك أمك يا ابن الخطاب ! أما تری وجه رسول الله صلی الله عليه [وآله] وسلم منذ اليوم ، وأنت تقرأ عليه هذا الكتاب ، فقال

٣٧١
 &

ولم ينته عمر عن الأخذ عنهم ، لاسيما في زمن تأمره علی الناس

___________

النبي صلی الله عليه [وآله] وسلم عند ذلك : إنما بعثت فاتحا وخاتما وأعطيت جوامع الكلم وفواتحه ، واختصر لي الحديث اختصارا فلا يهلكنكم المتهوكون) .

وكذا : (أخرج ابن الضريس عن الحسن : أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : يا رسول الله ، إن أهل الكتاب يحدثونا بأحاديث قد أخذت بقلوبنا ، وقد هممنا أن نكتبها فقال : يا ابن الخطاب !! أمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصاری ؟! أما والذي نفس محمد بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية ، ولكني أعطيت جوامع الكلم واختصر لي الحديث اختصارا) .

وكذا في مجمع الزوائد ١ : ١٧٤ : (وعن أبي الدرداء قال : جاء عمر بجوامع من التوراة إلی رسول الله صلی الله عليه [وآله] وسلم فقال : يا رسول الله ، جوامع من التوراة أخذتها من أخ لي من بني زريق ، فتغير وجه رسول الله صلی الله عليه [وآله] وسلم ، فقال عبد الله بن زيد الذي أري الأذان : أمسخ الله عقلك ؟! ألا تری الذي بوجه رسول الله صلی الله عليه [وآله] وسلم ؟! فقال عمر : رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا وبالقرآن إماما ، فسري عن رسول الله صلی الله عليه [وآله] وسلم ، ثم قال : والذي نفس محمد بيده لو كان موسی بين أظهركم ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم ضلالا بعيدا ، أنتم حظي من الأمم ، وأنا حظكم من النبيين) ، وعلق عليه الهيثمي : (رواه الطبراني في الكبير ، وفيه أبو عامر القاسم بن محمد الأسدي ، ولم أر من ترجمه ، وبقية رجاله موثقون) . انتهی .

أقول : بعد أن نقل ابن حجر العسقلاني هذه الروايات ، قال في فتح الباري ١٣ : ٥٢٥ : (وهذه جميع طرق هذا الحديث ، وهي وان لم يكن فيها ما يحتج به ، لكن مجموعها يقتضي أن لها أصلا) .

٣٧٢
 &

وقصصه وحكاياته مع كعب الأحبار أشهر من أن تذكر أو تنقل ، فمن شاء الإطلاع فليراجع المصادر (١) .

فلا يُستبعد اقتباس عمر بن الخطاب لهذه الجملة من توراة اليهود ، أو علی أحسن التقادير أنه كان متواجدا في الحادثة السابقة ، وعلقت تلك الجملة في رأسه .

النتيجة :

بعدما صحّ عند أهل السنة نسبة هذه الجملة إلی عمر بن الخطاب ، وأنه أول من تفوّه بها ونشرها بين المسلمين ، من أي مصدر كان التوراة أم غيره فيكون أمامنا ثلاثة خيارات لا رابع لها :

إما أن نقول : بكفر عمر بن الخطاب ، لأنه أضاف للقرآن شيئا ليس منه ، فمصحف المسلمين محرف في نظره ، أو إن صحيح البخاري وغيره فيه روايات موضوعة ، قد نسبت للخليفة الأكاذيب والمدسوسات تريد النيل منه أو إن القرآن محرف حقا ، وقد سقط منه آية الرجم .

والاحتمال الأول يؤيّده ما مرّ من قول عمر في التحريف الإجمالي لآيات القرآن : وادعائه أن القرآن كان ألف ألف آية وسبعة وعشرين ألف آية !

___________

(١) راجع مشورة عمر لكعب الأحبار ، وأخذه بآرائه وتنبؤاته ، مسند أحمد ١ : ٤٢ ، تاريخ المدينة ٣ : ٨٩١ ، تاريخ الطبري ١ : ٣٢٣ ، مجمع الزوائد ٩ : ٦٥ و ١٠ : ٣٣١ ، كنز العمال ١٢ : ٥٦١ و : ٥٦٧ ، الدر المنثور ٤ : ٥٧ و : ٣٤٧ و ٦ : ٢٥٧ ، وغيرها من المصادر .

٣٧٣
 &

وعلی أي حال فالاختيار كله لأهل السنة !

آية الرضاع !

أخرج مسلم في صحيحه أن عائشة قالت : كان فيما أنزل من القرآن (عشر رضعات معلومات يحرمن) ثم نسخن بـ (خمس معلومات) ، فتوفي رسول الله صلی الله عليه [وآله] وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن . (١)

وأخرج عبد الرزاق الصنعاني في مصنفه بسند صحيح : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا ابن جريج قال : سمعت نافعا يحدث أن سالم بن عبد الله حدثه : أن عائشة زوج النبي صلی الله عليه [وآله] وسلم أرسلت به إلی أختها أم كلثوم ابنة أبي بكر لترضعه عشر رضعات ليلج عليها إذا كبر فأرضعته ثلاث مرات ثم مرضت فلم يكن سالم يلج عليها . قال : زعموا أن عائشة قالت : لقد كان في كتاب الله عز وجل عشر رضعات ثم رد ذلك إلی خمس ولكن من كتاب الله ما قبض مع النبي صلی الله عليه [وآله] وسلم . (٢)

هنا تدعي عائشة أن جملة (خمس معلومات يحرمن) كانت إلی ما بعد وفاة الرسول الأعظم صلی الله عليه وآله وسلم من جنس القرآن المقروء كغيرها

___________

(١) صحيح مسلم ٤ : ١٦٧ ، وسنن الدارمي ٢ : ١٥٧ ، والمصنف للصنعاني ٧ : ٤٦٧ ، ٤٧٠ ، وسنن الترمذي ٣ : ٤٥٦ ، والسنن الكبری للبيهقي ٧ : ٤٥٤ ، ح ١٥٣٩٧ ، ومشكل الآثار للطحاوي ٣ : ٦ ، والنسائي ٦ : ١٠٠ ، وسعيد بن منصور : ٩٧٦ ، والمحلی لابن حزم ١١ : ١٩١ ، وموطأ مالك ٢ : ١١٧ ، ومسند الشافعي ١ : ٢٢٠ وغيرها .

(٢) مصنف عبد الرزاق ٧ : ٤٦٩ ، ح ١٣٩٢٨ .

٣٧٤
 &

من آيات القرآن ، وهذه الدعوی من عائشة طامة كبری ! لأنها تزعم ـ وبكل صراحة ـ أن سبب سقوط الآية المزعومة وعدم كتابتها في القرآن الكريم هو موت النبي صلی الله عليه وآله وسلم وهذا يعني أنه الوحيد الذي كان يحفظها دون المسلمين ، ولم يعلم بهذه الآية المزعومة سوی النبي صلی الله عليه وآله وسلم وعائشة التي كانت تحتفظ بنصها في صحيفة تحت سريرها ! ، وقد اختفت الصحيفة ! ولكن أين ؟!

في بطن السخلة !

وخير من يخبرنا عن أمر هذا القرآن المفقود هي عائشة نفسها ، فقد ذكرت أن الآية المزعومة كانت في صحيفة تحت سريرها فدخلت سخلة وأكلتها حين تشاغلوا بدفن الرسول صلی الله عليه وآله وسلم (١) ، وهكذا انتفت هذه الآية من الوجود بوفاة رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم التي اختص بحفظها ولأكل الداجن المعجزة للصحيفة !

قال ابن حزم في المحلی : ثم اتفق القاسم بن محمد وعمرة كلاهما عن عائشة أم المؤمنين قال : لقد نزلت آية الرجم والرضاعة فكانتا في صحيفة تحت سريري ، فلما مات رسول الله صلی الله عليه [وآله] وسلم تشاغلنا بموته فدخل داجن فأكلها . قال أبو محمد ـ ابن حزم ـ : وهذا حديث صحيح (٢) .

___________

(١) من أين يأتيها التشاغل ، وما شاركت بتغسيله ولا بتكفينه صلی الله عليه وآله وسلم ؟! ، ولا حتی أبوها الذي أخذته الدنيا وزبرج الملك والإمارة ورسول الله صلی الله عليه وآله وسلم لا يزال في المغتسل لم يوار بعد !

(٢) المحلی بالآثار لابن حزم الأندلسي ١١ : ٢٣٥ ـ ٢٣٦ رجم المحصن .

٣٧٥
 &

وفي سنن ابن ماجة عن عائشة : لقد نزلت آية الرجم ، ورضاعة الكبير عشراً . ولقد كان في صحيفة تحت سريري ، فلما مات رسول الله صلی الله عليه [وآله] وسلم وتشاغلنا بموته ، دخل داجن فأكلها (١) .

قال الطبراني في المعجم الأوسط : عن عبد الله بن أبي بكر ، عن عمرة عن عائشة ، وعن عبد الرحمان بن القاسم ، عن أبيه عن عائشة قالت : نزلت آية الرجم ورضاع الكبير عشرا ، فلقد كان في صحيفة تحت سريري ، فلما مات رسول الله صلی الله عليه [وآله] وسلم تشاغلنا بموته فدخل داجن فأكلها (٢) .

ورواية صحيح مسلم إما أن يقبلها أهل السنة ، فيلزم ذلك أنهم يعتقدون بتحريف القرآن ، وإما أن يكفّروا عائشة ؛ لأنها كانت تدعي تحريف القرآن ، وإما أن يرفضوا الرواية ويجزموا ببطلانها ، واعتقد أن الأسلم عند الجميع هو الطريق الثالث ، إلّا عند من يقدّس صحيح مسلم أكثر من القرآن (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) (٣) .

بعض علماء أهل السنة يقبل الرواية علی علاتها !

عانی كثيرٌ من علمائهم من هذه الرواية التي أخرجها مسلم في

___________

(١) سنن ابن ماجة ١ : ٦٢٥ ـ ٦٢٦ ، ح ١٩٤٤ .

(٢) المعجم الأوسط ٨ : ١٢ ، ح ٧٨٠٥ ، ومسند أبي يعلی ٨ : ٦٤ ، ح ٤٥٨٨ ، وسنن الدارقطني ٤ : ١٧٩ ، ح ٢٢ .

(٣) يوسف : ١٠٣ .

٣٧٦
 &

صحيحه ، فوجد هؤلاء الذين أجبروا علی قبول الرواية أنه لا مفر لهم إلا بتأويلها وتوجيهها بوجه لا يلزم منه القول بتحريف القرآن ولا رمي عائشة به ، فصاروا يتصيدون لها المخارج ويقلبون لها الوجوه ـ كالعادة ـ حتی عثروا عليه ، وهو تأويل هذا المقطع المشكل (توفي ، وهن فيما يقرأ من القرآن) بأن تلك الآية نسخت تلاوةً (!) في أواخر حياة النبي صلی الله عليه وآله وسلم ولم يبلغ بعض الصحابة نسخها ، فكانوا يقرأونها كقرآن إلی ما بعد رحيل الرسول الأعظم صلی الله عليه وآله وسلم إلی ربّه !!

قال النووي في شرحه علی صحيح مسلم : وقولها فتوفي رسول الله صلی الله عليه [وآله] وسلم وهن فيما يقرأ هو بضم الياء من يقرأ ، ومعناه أن النسخ بخمس رضعات تأخر إنزاله جدا حتی أنه صلی الله عليه [وآله] وسلم توفي وبعض الناس يقرأ (خمس رضعات) ويجعلها قرآنا متلوا لكونه لم يبلغه النسخ لقرب عهده ، فلما بلغهم النسخ بعد ذلك رجعوا عن ذلك وأجمعوا علی أن هذا لا يتلی (١) ، وقلده كثير في تأويله هذا .

نسخ أغرب من الخيال !

وقبل الخوض في مناقشة الرواية ومصداقية تأويلها بأُسطورة نسخ التلاوة علينا بيان ما قصدوه من النسخ هنا ، فنقول :

إن نسخ التلاوة المدعی في هذا المورد هو نوعٌ آخر من النسخ غير

___________

(١) شرح النووي علی صحيح مسلم ١٠ : ٢٩ .

٣٧٧
 &

النسخ المدعی لآية الرجم ؛ لأنه نسخ للتلاوة مع الحكم خلاف نسخ آية الرجم الذي زعموا أنه للتلاوة دون الحكم ، وعليه يكون معنی قول عائشة هو أن الله عز وجل قد أنزل قرآنا في عدد الرضعات المحرِّمة ، وهي عشر رضعات ، ثم نسخ الله تلك الآية فرفع تلاوتها ورفع حكمها أيضا ، ثم مرة ثانية أنزل عز وجل آية علی غرار الآية السابقة ، آيةً تتضمن عدد الرضعات المحرِّمة ، وهي خمس رضعات فقط ، ثم جاء مرة ثالثة فرفع الله عز وجل تلاوة آية الخمس رضعات كما فعله في آية العشر السابقة !! ، وأما بالنسبة لحكمها فترددوا في نسخه ! فعلی ما ذهب له الشافعي لم ينسخ الله عز وجل في هذه المرة حكم الآية ، وإنما نسخت تلاوتها فقط ، مستندا في ذلك لرأي عائشة في عدد الرضعات المحرمة ، وفي نسبته لعائشة نظر كما سيأتي ، أما جمهور فقهائهم الذين صححوا الرواية فقد ذهبوا إلی أن الله عز وجل حينما رفع آية الخمس رضعات رفع حكمها أيضا .

وقد يكون النسخ نسخاً للحكم والتلاوة معاً مثل : كان فيما أنزل عشر رضعات معلومات يحرمن ، فنسخت هذه الآية بخمس معلومات ثم نسخت الخمس أيضاً تلاوة وحكماً عند الإمام مالك ، وتلاوة فقط عند الشافعي (١) .

قول عائشة في صحيح مسلم لا يمكن قبوله لعدة جهات

هناك جهات عدة تمنع المنصف المتدبر من قبول قول عائشة ، وتقف دون احتمال اخبارها عن الواقع :

___________

(١) اختلاف الفقهاء والقضايا المتعلقة به في الفقه الإسلامي المقارن : ٣٤ ، د . أحمد محمد الحصري .

٣٧٨
 &

أولا : الفقه المأثور عن عائشة في مسألة الرضاع مضطرب جدا ، ولا يمكن التعويل علی هذه الرواية ؛ لأنها معارضة .

فقد روی البيهقي في سننه الكبری بسنده : حدثنا الربيع ، حدثنا الشافعي ، حدثنا مالك عن نافع إن سالم بن عبد الله أخبره أن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلی الله عليه [وآله] وسلم أرسلت به وهو يرضع إلی أختها أم كلثوم ، فأرضعته ثلاث رضعات ثم مرضت ، فلم ترضعه غير ثلاث رضعات ، فلم أكن أدخل علی عائشة رضي الله عنها من أجل أن أم كلثوم لم تكمل لي عشر رضعات (١) .

أقول : وسيتضح أن عائشة لا تجيز دخوله إلا بعشر رضعات ، فلو كان ما نسبته عائشة للقرآن في رواية مسلم صحيحا لما خالفته وصارت لغيره ، ولا مجال للقول بأن رأيها في عشر رضعات كان في حياة رسول الله صلی الله عليه [وآله] وسلم وبعد أن نسخ في آخر حياته صلی الله عليه وآله وسلم عملت بخمس رضعات ؛ وذلك لأن الروايات تحكي رضاع سالم في ما بعد وفاة النبي صلی الله عليه وآله وسلم ؛ لأن سالما ولد في زمن تأمر عثمان علی الناس .

قال الذهبي : سالم بن عبد الله ابن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ... وأُمه أم ولد . مولده في خلافة عثمان (٢) .

___________

(١) السنن الكبری للبيهقي ٧ : ٤٥٧ .

(٢) سير أعلام النبلاء ٤ : ٤٥٨ ، ت ١٧٦ .

٣٧٩
 &

فلا يحتمل حينئذ أن تأمر عائشة أختها بأن ترضعه في آخر حياة النبي صلی الله عليه وآله وسلم حتی يقال : إن ذلك قبل أن ينسخ الحكم بخمس رضعات .

وروی أيضا بسنده : حدثنا إبراهيم بن عقبة إنه سأل عروة بن الزبير عن المصة والمصتين قال : كانت عائشة رضي الله عنها لا تحرم المصة ولا المصتين ولا تحرم إلا عشرا فصاعدا (١) .

وفي كتاب السنن : حدثنا سعيد قال : نا عبد العزيز بن محمد عن إبراهيم بن عقبة أنه سأل عروة بن الزبير عن الرضاع قال : كانت عائشة لا تری المصة ولا المصتين شيئا دون عشر رضعات فصاعدا (٢) .

وفي مصنف ابن أبي شيبة : حدثنا ابن علية عن أيوب ، عن نافع قال : كانت عائشة إذا أرادت أن يدخل عليها أحد أمرت به فأرضع ، فأمرت أم كلثوم أن ترضع سالما عشر رضعات ، فأرضعته ثلاثا فمرضت ، فكان لا يدخل عليها وأمرت فاطمة بنت عمر أن ترضع عاصم بن سعيد مولی لهم فأرضعته عشر رضعات فكان يدخل عليها (٣) .

وقد قال ابن حجر في فتح الباري : ثم اختلفوا : فجاء عن عائشة عشر رضعات ، أخرجه مالك في الموطأ ، وعن حفصة كذلك ، وجاء عن عائشة أيضا

___________

(١) السنن الكبری للبيهقي ٧ : ٤٥٨ ـ ٤٥٩ .

(٢) كتاب السنن ١ : ٢٧٦ ، ح ٩٦٨ .

(٣) مصنف ابن أبي شيبة ٣ : ٥٤٨ ، ح ١٧٠٣١ .

٣٨٠