إعلام الخلف - ج ٢

صادق العلائي

إعلام الخلف - ج ٢

المؤلف:

صادق العلائي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الآفاق للدراسات الإسلامية
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٦٣
الجزء ١   الجزء ٢ الجزء ٣
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

وهو رأي ابن عجلان وسيأتي الكلام عنه ، وقد وافق ابن حزم قول الشيعة ، حيث قال في الإحكام :

وأيضا فقد روي عن البراء إن آخر سورة نزلت سورة براءة ، وبعث النبي بها صلی الله عليه [وآله] وسلم فقرأها علی أهل الموسم علانية ، وقال بعض الصحابة ـ وأظنه جابر بن عبد الله ـ : ما كنا نسمي براءة إلا الفاضحة ـ قال أبو محمد ـ ابن حزم ـ : فسورة قرئت علی جميع العرب في الموسم وتقرع بها كثير من أهل المدينة ، ومنها يكون منها آية خفيت علی الناس ؟! هذا ما لا يظنه من له رمق وبه حشاشة (١) .

وصدق ابن حزم في هذه ، ولكنه لم يصب كل الحقيقية ؛ لأننا قلنا فيما سبق : إن سورة براءة نزلت من السماء مردفة بتفسيرها الناص علی أسماء المنافقين ونواياهم ، فهي فاضحة ومزلزلة ، ولكن مع وجود تنزيلها أي تفسيرها السماوي ، لا النص القرآني بمفرده الذي لم يذكر فيه أسماء المنافقين وكذا الحال بالنسبة لسورة الأحزاب ، ولذلك كانت روايات أهل السنة والشيعة تركز علی أن سورتي براءة والأحزاب قد نقص منهما الكثير ، وهذا صحيح ؛ لأن التنزيل كان شديدا علی القوم فيهما ، فما كان لينسی من أذهانهم ، لذا قال صاحب سر رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم حذيفة بن اليمان : (ما تركتْ أحدا إلا ونالت منه) ! .

___________

(١) الإحكام في أُصول الأحكام لابن حزم ٦ : ٢٦٦ ـ ٢٦٨ .

٣٤١
 &

(٢) التحريف التفصيلي

بعد الفراغ من التحريف الإجمالي للآيات ننقل الكلام إلی التحريف التفصيلي المشتمل علی جمل معينة ، زعم وجوه سلفهم الصالح أنها من القرآن ، والخبير بأسلوب القرآن وسبكه يعلم مدی سخف من عدّ هذه الجمل من آياته ، إذ ان ركاكتها ونظمها القاصر يحول دون مقارنتها مع القرآن فضلا عن كونها منه ! ، إلّا بحالة واحدة ، وهي أن الرب الذي أنزلها هو غير ربنا الذي نعرفه ، سبحانه وتعالی عما يشركون .

وقبل سرد آياتهم المزعومة نذكّر بما أثبتناه مسبقا ، وهو أن التحريف بالزيادة يثبت لمن يدعي قرآنية جملة غير متواترة ، أو قل جملة غير قرآنية ، والتحريف بالنقيصة يلزم من يدعي رفعها ونسخها مع عدم تواتر نسخها ، وقد أثبتناه فيما سبق .

آية الرجم

وقد جاءت بألفاظ عدّة وهي :

١ ـ إذا زنيا الشيخ والشيخة فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم .

٢ ـ الشيخ والشيخة فارجموهما البتة بما قضيا من اللذة .

٣ ـ إن الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة .

هذه الجمل التي ألصِقت بكتاب الله كل صيغها مسودّة كئيبة ، يدفعها القرآن بجماله وينفيها برونق نظمه وبيانه ، ولا يكاد ينقضي عجبي من هؤلاء المحتجين علی غير أهل ملّتنا بإعجاز القرآن ، وانقطاع البشر كلهم عن أن

٣٤٢
 &

يأتوا بمثله ، وهم مع ذلك ينسبون له سورا وآيات لو وضعت بين آيات القرآن لكانت كالفحم بين رواصع الألماس ولجين اللؤلؤ ، وقد أشار لهذا المعنی بعض المنصفين من علماء أهل السنة ، كما سيأتي ذكر كلماتهم بإذنه تعالی .

وإن كانت آية الكرسي سيّدة آي القرآن فإن آية الرجم سيدة آي التحريف ، حيث أخرجها البخاري في صحيحه في أكثر من موضع عن ابن الخطاب ، وقد ألح عليها هذا في أكثر من موقف ومقام ، وأراد دمجها في المصحف الذي حاولوا إنجازه ليكون للمسلمين ملجأ ـ كما زعموا ـ ومصحفا رسميا للدولة في زمن أبي بكر ، ولكنهم فشلوا كما أوضحنا ، وحيث كان ابن الخطاب وحده ، لم يستطع دسها في القرآن ، وقد ذكرنا ذلك سابقا ونذكّر هنا بما أخرجه ابن أشته في المصاحف :

عن الليث ببن سعد قال : أول من جمع القرآن أبو بكر وكتبه زيد ... وإن عمر أتی بآية الرجم فلم يكتبها ؛ لأنه كان وحده . (١)

ويا ليت محاولته اقتصرت علی دسها في المصحف ، بل ظلت هذه الفكرة تراوده بين الحين والآخر ويتلهف لفشله في تنفيذ مخططه ، حتی قام خطيبا كاشفا عما يستره في صدره منذ أول زمن أبي بكر وزاد علی ذلك أنه يريد الآن إلحاقها في القرآن ، ولكنه يخاف من أن يقول الناس إن ابن الخطاب زاد في كتاب الله عز وجل ، وهذا قول عمر : لولا أن يقول الناس زاد عمر في

___________

(١) الإتقان في علوم القرآن ١ : ١٢١ ، ط . الحلبي .

٣٤٣
 &

كتاب الله لكتبت آية الرجم بيدي ، فهو لم يكن يخاف من رب الناس في دسها في كتاب الله ، لأنه يری أن تلك الآية من القرآن وإلحاقها فيه أمر مطلوب له عز وجل !

قال الزيلعي في نصب الراية : قلت : روی البخاري ومسلم عن ابن عباس أن عمر بن الخطاب خطب فقال : إن الله بعث محمدا صلی الله عليه [وآله] وسلم بالحق ، وأنزل عليه الكتاب ، فكان فيما أنزل عليه آية الرجم فقرأناها ووعيناها ، ورجم رسول الله صلی الله عليه [وآله] وسلم ورجمنا من بعده ، وإني حسبت إن طال بالناس الزمان أن يقول قائل ما نجد آية الرجم في كتاب الله ، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله ، فالرجم حق علی من زنی من الرجال والنساء إذا كان محصنا إن قامت البينة أو كان حمل أو اعتراف ، وأيم الله ! لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله عز وجل لكتبتها . (١)

وأخرج النسائي في سننه الكبری بسند صحيح : أخبرنا العباس بن محمد الدوري ، قال : ثنا أبو نوح عبد الرحمان بن غزوان ، قال : ثنا شعبة عن سعد بن إبراهيم عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن عبد الرحمان بن عوف ، قال : خطبنا عمر فقال : ثم قد عرفت أن أناسا يقولون إن خلافة

___________

(١) نصب الراية للحنفي الزيلعي ٣ : ٣١٨ ، وهي في صحيح البخاري ٤ : ١٢٢ (باب رجم الحبلی من الزنی) وص ١١٥ ، وفي صحيح مسلم ٥ : ١١٦ كتاب الحدود (باب رجم الثيب من الزنی) .

٣٤٤
 &

أبي بكر كانت فلتة . ولكن وقی الله شرها ، وإنه لا خلافة إلا عن مشورة (١)

___________

(١) وهل كانت خلافة عمر نفسه عن مشورة ؟! لا طبعا ، فإن أبا بكر هو الذي استخلفه بلا مشورة المسلمين بل كان بعض الصحابة معارضا استخلاف أبي بكر لعمر لأنه عتي وفظ وغليظ !! ، ففي فضائل الصحابة لابن حنبل ١ : ٣٣٧ ، ح ٤٨٥ بتحقيق وصي الله بن محمد عباس : (قال : حدثني القاسم بن محمد ... ثم إن أسماء بنت يزيد أخبرته أن رجلا من المهاجرين دخل علی أبي بكر حين اشتد وجعه الذي توفي فيه ، فقال : يا أبا بكر أذكرك الله واليوم الآخر ! فإنك قد استخلفت علی الناس رجلا فظا غليظا ، يزع الناس ولا سلطان لهم ، وان الله سائلك ! . فقال : أجلسوني . فأجلسناه . فقال : أبالله تخوفوني ؟ إني أقول اللهم إني استخلفت عليهم خيرهم) . علق عليه المحقق : (الأثر صحيح ، فقد أخرجه ابن سعد ... هذا إسناد حسن . وبإسناد آخر ... وفيه فدخل عليه علي وطلحة فقالا من استخلفت .. نحوه . هذا أيضا إسناد حسن . وأخرجه عبد الرزاق في المصنف .... وإسناده صحيح) . وقال ابن حجر العسقلاني في تلخيص الحبير ٤ : ٤٤ ـ ٤٥ : (حديث أن أبا بكر عهد إلی عمر هو صحيح مشهور في التواريخ الثابتة وفي البخاري عن ابن عمر ، إن عمر قال : إني إن استخلف فقد أستخلف من هو خير مني يعني أبا بكر الحديث . ولمسلم مثله والبيهقي من طريق ابن أبي مليكة عن عائشة قالت : لما ثقل أبي دخل عليه فلان وفلان ، قالوا : يا خليفة رسول الله ! ماذا تقول لربك غدا إذا قدمت عليه وقد استخلفت علينا ابن الخطاب ... الحديث) . المصنف لعبد الرزاق ٥ : ٤٤٩ ح ٩٧٦٤ (عبدالرزاق عن معمر ، عن الزهري ، عن القاسم بن محمد ، عن أسماء بنت عميس قالت : دخل رجل من المهاجرين علی أبي بكر رحمه الله وهو شاكٍ ، فقال : استخلفت عمر ؟! وقد كان عتا علينا ولا سلطان له ! فلو قد ملكنا لكان أعتی علينا وأعتی

٣٤٥
 &

___________

!! فكيف تقول لله إذا لقيته ؟! فقال أبو بكر : أجلسوني . فأجلسوه . فقال : هل تفرقني إلا بالله فإني أقول إذا لقيته استخلفت عليهم خير أهلك ، قال معمر ، فقلت للزهري : ما قوله خير أهلك ، قال : خير أهلك مكة) . وعن مصنف ابن أبي شيبة ٧ : ٤٣٤ ، ح ٧٠٥٦ (حدثنا وكيع وابن إدريس عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن زبيد بن الحارث ـ الحافظ الثقة ـ أن أبا بكر حين حضره الموت أرسل إلی عمر يستخلفه فقال الناس : تستخلف علينا فظا غليظا !! ولو قد ولينا كان أفظ وأغلظ !! فما تقول لربك إذا لقيته استخلفت علينا عمر ؟!!! قال أبو بكر : أبربي تخوفونني ...) ، ح ٣٧٠٥٧ : (حدثنا وكيع بن الجراح ـ ثقة حافظ ـ عن إسماعيل بن أبي خالد ـ ثقة ثبت ـ عن قيس بن أبي حازم ـ ثقة ثبت ـ قال : رأيت عمر بن الخطاب وبيده عسيب نخل وهو يجلس الناس ، ويقول : اسمعوا لقول خليفة رسول الله ! قال : فجاء مولی لأبي بكر يقال له شديد بصحيفة فقرأها علی الناس ، فقال : يقول أبو بكر : اسمعوا وأطيعوا لمن في هذه الصحيفة ، فوالله ما ألوتكم ! قال قيس : فرأيت عمر بن الخطاب بعد ذلك علی المنبر) . وفي سنن الترمذي ٤ : ٥٠٢ ، ح ٢٢٢٥ (حدثنا يحيی بن موسی ، حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر عن الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه ، قال : قيل لعمر بن الخطاب : ثم لو استخلفت ؟ قال : إن أستخلف فقد استخلف أبو بكر ...) وعلق عليه الترمذي : (وفي الحديث قصة وهذا حديث صحيح قد روي وجه عن ابن عمر) .

أقول : فإن كانت الخلافة لا تصح إلا عن مشورة فلا خلافة لعمر ، وتأمره علی الناس كان بغير حق هذا من جهة ، ومن جهة ثانية فإن حكمه بقتل من بايع رجلا من غير مشورة ؛ وقتل المبايع له يلزم منه هدر دمه ودم أبي بكر عندما بايعه عمر في سقيفة بني ساعدة وقال له : (ابسط يدك يا أبا بكر) بلا مشورة ، وقبل أن ينقضي الاختلاف ، ويهدأ اللغط الذي دار

٣٤٦
 &

وأيما رجل بايع رجلا مشورة لا يؤمر واحد منهما تغرة أن يقتلا . قال شعبة : قلت لسعد : ما تغرة أن يقتلا ؟ قال : عقوبتهما أن لا يؤمر واحد منهما . ويقولون : والرجم ؟ وقد رجم رسول الله صلی الله عليه [وآله] وسلم ورجمنا وأنزل الله في كتابه ، ولولا أن الناس يقولون زاد في كتاب الله لكتبته بخطي حتی ألحقه بالكتاب . (١)

أخبرني الحسين بن إسماعيل بن سليمان ، قال : ثنا حجاج بن محمد عن شعبة عن سعد بن إبراهيم ، قال : سمعت عبيد الله بن عبد الله يحدث عن ابن عباس عن عبد الرحمان بن عوف ، قال : ثم حج عمر فأراد أن يخطب الناس خطبته ، فقال له عبد الرحمان بن عوف : إنه قد اجتمع عندك رعاع الناس وسفلتهم فأخر ذلك حتی تأتي المدينة . قال : فلما قدم المدينة دنوت قريبا من المنبر ، فسمعته يقول : إني قد عرفت أن ناسا يقولون إن خلافة أبي بكر كانت فلتة . وأن الله وقی شرها ، إنه لا خلافة إلا عن مشورة ولا يؤمر واحد منهما تغرة أن يقتلا ، وأن ناسا يقولون : ما بال الرجم وإنما في كتاب الله الجلد ؟ وقد

___________

بينهم كما أخرجه البخاري في صحيحه ٦ : ٢٥٠٦ : (فقال قائل من الأنصار : أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب ، منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش ! فكثر اللغط وارتفعت الأصوات حتی فرقت من الاختلاف ، فقلت : ابسط يدك يا أبا بكر فبسط يده فبايعته) ، فعند هذه اللحظة يهدر دم عمر وأبي بكر ، علی فقه عمر نفسه .

(١) السنن الكبری ٤ : ٢٧٢ ، ح ٧١٥١ .

٣٤٧
 &

رجم رسول الله صلی الله عليه [وآله] وسلم ورجمنا بعده ، ولولا أن يقولوا أثبت في كتاب الله ما ليس فيه لأثبتها كما أنزلت . (١)

وقد قال عمر من قبل : إنها ذهبت بوفاة النبي صلی الله عليه وآله وسلم : ((عن ابن عباس قال : أمر عمر بن الخطاب مناديا فنادی : إن الصلاة جامعة . ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنی عليه ثم قال : يا أيها الناس لا تخدعن عن آية الرجم ، فإنها آية نزلت في كتاب الله وقرأناها ، ولكنها ذهبت في قرآن كثير ذهب مع محمد)) (٢) .

___________

(١) نفس المصدر : ٢٧٣ ، ح ٧١٥٤ .

(٢) المصنف للصنعاني ٧ : ٣٤٥ ، ح ١٣٣٢٩ ، وعن الدر المنثور ٥ : ١٧٩ . أقول : قد يقال بأن عمر قال ذلك علی المنبر ، فسكوت الصحابة عنه دليل علی صحته ! ، وهذا ليس بشيء ؛ لأن السكوت أعم من الإنكار ، هذا أولا ، ثم لا دليل علی أن الجميع قد شهد الحادثة ، ولو كان هذا كافيا حقا لاستطاع دمجها في المصحف ، لأنه يحتاج إلی شاهد آخر حتی تدمج ، ولو كانت دعواه محل إقرار الجميع لما ردّه زيد بن ثابت مسبقا ! ، ناهيك عن أن المتكلم هو صعب المراس ، الفظّ الغليظ ـ كما صرّحت به رواية البخاري في قول الجواري لعمر (أنت أفظ وأغلظ) ـ وصاحب المقرعة والمخفقة والدرّة والعراجين ! حتی أن ابن عباس كان ينتظر أوقات اعتدال مزاجه ليتسنی له الكلام معه ويصارحه مع تقديم المقدمات الطوال ، وقد كانت كلماته نافذة علی أبي بكر في خلافته ويلغي أوامره ، ويحل ويعقد بمرأی منه ومسمع ولا ينكر عليه ، بل وتطاول علی رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم ، كما في الحديبية ، وفي

٣٤٨
 &

___________

صلاته صلی الله عليه وآله وسلم علی عبد الله بن أبي سلول ، وودع النبي صلی الله عليه وآله وهو علی فراش المرض بالطعن في عقله الشريف حينما اتهمه بالهجر والهذيان والعياذ بالله وغيرها من الموارد ، فليس من العجيب أن يفضل البعض ـ من كان حاضرا وسمع قول عمر ـ عدم الاعتراض عليه ، وهو من لم يعرف إلا لغة الضرب والجلد لمن أراد أن يتفقه في دينه خاصة علوم القرآن !! ، فهاك فعله بمن أراد أن يطلب معاني مفردات القرآن : ففي الدر المنثور ٢ : ٧ ـ ٨ : (أخرج الدارمي في مسنده ونصر المقدسي في الحجة عن سليمان بن يسار أن رجلا يقال له صبيغ قدم المدينة ، فجعل يسأل عن متشابه القرآن ، فأرسل إليه عمر ، وقد أعد له عراجين النخل ، فقال من أنت ؟ فقال أنا عبد الله صبيغ . فقال : وأنا عبد الله عمر ! فأخذ عمر عرجونا من تلك العراجين فضربه حتی دمی رأسه فقال : يا أمير المؤمنين حسبك قد ذهب الذي كنت أجد في رأسي) . وكذا (أخرج الدارمي عن نافع أن صبيغا العراقي جعل يسأل عن أشياء من القرآن في أجناد المسلمين حتی قدم مصر ، فبعث به عمرو بن العاص إلی عمر بن الخطاب ، فلما أتاه أرسل عمر إلی رطائب من جريد فضربه بها حتی ترك ظهره دبره ثم تركه حتی برئ ثم عاد له ثم تركه حتی برئ فدعا به يعود له ، فقال صبيغ : إن كنت تريد قتلي فاقتلني قتلا جميلا ، وان كنت تريد أن تداويني فقد والله برأت ، فأذن له إلی أرضه وكتب إلی أبي موسی الأشعري أن لا يجالس أحدا من المسلمين) . وكذا : (أخرج ابن عساكر في تاريخه عن أنس أن عمر بن الخطاب جلد صبيغا الكوفي في مسألة عن حرف من القرآن حتی اطردت الدماء في ظهره) . وكذا : (وأخرج ابن الأنباري في المصاحف ، ونصر المقدسي في الحجة ، وابن عساكر عن السائب بن يزد أن رجلا قال لعمر : إني مررت برجل يسأل عن

٣٤٩
 &

___________

تفسير مشكل القرآن ، فقال عمر : اللهم أمكني منه ! فدخل الرجل يوما علی عمر فسأله فقام عمر فحسر عن ذراعيه وجعل يجلده ، ثم قال : ألبسوه تبانا ، واحملوه علی قتب ، وأبلغوا به حيه ثم ليقم خطيب فليقل : إن صبيغا طلب العلم فأخطأه ، فلم يزل وضيعا في قومه بعد أن كان سيدا فيهم) . وكذا : (أخرج نصر المقدسي في الحجة وابن عساكر عن أبي عثمان النهدي أن عمر كتب إلی أهل البصرة أن لا يجالسوا صبيغا ، قال : فلو جاء ونحن مئة لتفرقنا) . وكذا : (أخرج ابن عساكر عن محمد بن سيرين قال : كتب عمر بن الخطاب إلی أبي موسی الأشعري : أن لا يجالس صبيغا وأن يحرم عطاءه ورزقه) . وكذا : (أخرج نصر في الحجة وابن عساكر عن زرعة قال : رأيت صبيغ بن عسل بالبصرة كأنه بعير أجرب يجيء إلی الحلقة ويجلس وهم لا يعرفونه ، فتناديهم الحلقة الأخری : عزمة أمير المؤمنين عمر ، فيقومون ويدعونه) . وكذا : (أخرج نصر في الحجة عن أبي إسحاق أن عمر كتب إلی أبي موسی الأشعري : أما بعد فإن الأصبغ تكلف ما يخفی وضيع ما ولي ، فإذا جاءك كتابي هذا فلا تبايعوه ، وإن مرض فلا تعودوه ، وإن مات فلا تشهدوه) . وكذا : (أخرج الهروي في ذم الكلام عن الإمام الشافعي رضي الله عنه قال : حكمي في أهل الكلام حكم عمر في صبيغ أن يضربوا بالجريد ويحملوا علی الإبل ، ويطاف هم في العشائر والقبائل ، وينادی عليهم هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل علی علم الكلام) . وفي شرح الزرقاني ٣ : ٣٣ : (وروی الدارمي عن سليمان بن يسار ونافع قالا : قدم المدينة رجل فجعل يسأل عن متشابه القرآن فأرسل إليه عمر وأعد له عراجين النخل ، فقال : من أنت ؟ قال : أنا عبد الله صبيغ . قال : وأنا عبد الله عمر ! فضربه حتی دمي رأسه ، فقال : حسبك يا أمير المؤمنين قد ذهب الذي كنت أجده في

٣٥٠
 &

___________

رأسي ، ثم نفاه إلی البصرة . ورواه الخطيب وابن عساكر عن أنس ، والسائب بن يزيد وأبي عثمان النهدي وزادوا عن الثالث : وكتب إلينا عمر لا تجالسوه ، فلو جاء ونحن مئة لتفرقنا . وروی إسماعيل القاضي عن محمد بن سيرين قال : كتب عمر إلی أبي موسی لا تجالس صبيغا وأحرمه عطاءه . وأخرج ابن الأنباري وغيره بسند صحيح عن السائب بن يزيد قال : جاء صبيغ التميمي إلی عمر فسأله عن الذاريات ... الحديث . وفيه : فأمر عمر فضرب مئة سوط فلما برأ دعاه فضربه مئة أُخری ، ثم حمله على قتب وكتب إلی أبي موسی : حرم علی الناس مجالسته ، فلم يزل كذلك حتی أتی أبا موسی ، فحلف له أنه لا يجد في نفسه شيئاً ، فكتب إلی عمر أنه صلح حاله ، فكتب إليه خل بينه وبين الناس فلم يزل صبيغ وضيعا في قومه بعد أن كان سيدا فيهم) .

أقول : كل هذا لأنه سأل عن معنی الذاريات ذروا !! ، قارن بين فعل عمر وفعل أمير المؤمنين عليه السلام ، كما أخرجه الطبري في تفسيره ٢٦ : ١٨٦ : (عن أبي الصهباء البكري عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال وهو علی المنبر : لا يسألني أحد عن آية من كتاب الله إلا أخبرته ، فقام ابن الكواء وأراد أن يسأله عما سأل عنه صبيغ عمر بن الخطاب فقال : ما الذاريات ذروا ؟ قال علي عليه السلام : الرياح) ، وهكذا بلا أي معاناة ! ومحل الكلام من كل هذا أنه لأجل سؤال عن كلمة واحدة فعل به عمر ما فعل ، فيتضح أن عدم الإنكار والاعتراض علی شخص عمر ، وهو بهذه العصبية والغلظة لا يعني موافقة الناس ورضاهم ولا نظن أن الكل كان راضيا عن فعل عمر حينما أمر بجمع الحطب لإحراق بيت فاطمة عليها السلام ، ولكن الغلظة وبعض كبار المنافقين من وجوه الصحابة وكذا بنو أسلم الذين

٣٥١
 &

ولا ريب أن عمر بن الخطاب بتصريحه هذا وما تضمن من أنه لا يخاف الله في إلحاق الآية في المصحف ، ولكنه يخاف كلام الناس فقد ألقی ضلالا كثيرة من الشك علی تمامية القرآن وصيانته من التحريف ، ولو أحسن العاقل الظن به لسأل نفسه أليس من الأمر الجسيم المضر بالقرآن وأهله إصراره المتواصل وعلی المنبر أمام الملأ بأن هذه الآية سقطت وفقدت من القرآن بلا أن يذكر سبب ذلك ؟!

والصحيح أن ابن الخطاب ـ وهو ظاهر كلامه ـ كان معتقدا بقرآنية تلك الجملة وبوجوب دمجها مع بقية الآيات في المصحف ، ولكن كلام الناس هو الذي منعه من إصلاح هذا التحريف الذي وقع في القرآن بإسقاط هذه الآية ، وهذا كلامه الذي أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما : (وأيم الله ! لولا أن يقول الناس : زاد عمر في كتاب الله عز وجل لكتبتها) ، فهذا يعني أنها من نفس القرآن المدون في المصحف في نظر عمر !

لذلك احتار بعض علماء أهل السنة في توجيه هذه الجملة وما فيها من ملازمة بين الكتابة ومخافة قول الناس ! قال السبكي في الإبهاج :

وأنا لا يبين لي معنی قول عمر : لولا أن يقول الناس : زاد عمر في كتاب الله لكتبتها . إذ ظاهر هذا أن كتابتها جائزة ، وإنما منعه من ذلك قول الناس والجائز في نفسه قد يقوم من خارج ما يمنعه ، وإذا كانت كتابتها جائزة لزم أن

___________

كانوا يأتمرون بأمر عمر كانت بأجمعها أسبابا لسكوت البسطاء من الناس .

٣٥٢
 &

تكون التلاوة باقية ؛ لأن هذا شأن المكتوب ، وقد يقول القائل في مقابلة هذا : لو كانت التلاوة باقية لبادر عمر إلی كتابتها ، ولم يعرج علی مقال الناس ؛ لأن مقال الناس لا يصلح مانعا من فعل هذا الواجب ، وبالجملة لا يبين لي هذه الملازمة أعني (لولا قول الناس لكتبت) ولعل الله أن ييسر علينا حل هذا الأثر بمنه وكرمه ، فإنا لا نشك في أن عمر إنما نطق بالصواب ولكنا نتهم فهمنا . (١)

وهكذا ، نسخّف عقولنا لأن فلانا من الناس لا يُحتمل أن يخطئ ! فكل ما يقوله صواب في صواب مع أنهم يقولون بعدم عصمته ! ، ولا أدري كيف يقولون بعدم عصمته مع أنهم يعاملونه معاملة المعصوم ؟!

وعلی أيّ حال فإن الله عز وجل تكفّل بكتابه حافظا صائنا ، وقد قال تعالی في كتابه المجيد (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (٢) ، ومن أصدق من الله حديثا ؟

عمر يعتقد أن الله أخطأ في إنزال آية الرجم لذا كره النبي صلی الله عليه وآله وسلم كتابتها !

جاء بسند صحيح في مسند أحمد : حدثنا عبد الله ، حدثني أبي ، ثنا محمد بن جعفر ، ثنا شعبة عن قتادة عن يونس بن جبير عن كثير بن الصلت قال : كان ابن العاص وزيد بن ثابت يكتبان المصاحف ، فمروا علی هذه الآية فقال

___________

(١) الإبهاج في شرح المنهاج للسبكي ٢ : ٢٤٢ .

(٢) الحجر : ٩ .

٣٥٣
 &

زيد : سمعت رسول الله صلی الله عليه [وآله] وسلم يقول : الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموها البتة . فقال عمر : لما أنزلت هذه أتيت رسول الله صلی الله عليه [وآله] وسلم ، فقلت : أكتبنيها ؟ ـ قال شعبة : فكأنه كره ذلك ـ فقال عمر : ألا تری أن الشيخ إذا لم يحصن جلد وإن الشاب إذا زنی وقد أحصن رجم ؟! (١)

الرواية تدعي أن زيد بن ثابت ذكر هذه الجملة علی أنها قول للنبي صلی الله عليه وآله وسلم ، ولم يقل : أنها قول الله عز وجل حتی تكون قرآنا في نظره (٢) ، نعم قول عمر هو نص صريح في أنها قرآن في نظره ، ولكن قول عمر هو الكفر أقرب منه للإيمان ، إذ ادعی أن هذه الآية المزعومة حينما نزلت جاء عمر للنبي صلی الله عليه وآله وسلم ، وأراد عمر كتابتها فكره النبي صلی الله عليه وآله وسلم ذلك ! (٣) ، فعلل عمر لزيد سبب كراهية النبي صلی الله

___________

(١) مسند أحمد ٥ : ١٨٣ ، ح ٢١٦٣٦ ، سنن البيهقي الكبری ٨ : ٢١١ .

(٢) لذا لا يمكن قبول دعوی أن هناك من نسب هذه الجملة للقرآن قبل أن يتفوه عمر بها ؛ لأن هذا الرأي لا ينسجم مع عدم وجود شاهد آخر يشهد مع عمر علی أنها من القرآن ، خاصة وأن نفس زيد هذا هو الكاتب الذي طلب من عمر الشاهد الثاني ، فكيف يعلم زيد بقرآنيتها ثم يمتنع عن كتابتها ؛ لعدم وجود شاهد آخر مع عمر ؟! ، نعم قد يوجد من يقول بذلك تقليدا لعمر .

(٣) هل من المعقول أن يكره النبي صلی الله عليه وآله وسلم كتابة آية نزلت لتوها ؟! ، ولماذا ؟ ، هل لأن الله نسخها فور نزولها ؟!! ، أم أنها نزلت منسوخة ؟!! ، فما نسبه عمر للنبي صلی الله عليه وآله وسلم أمر لا يمكن تصديقه .

٣٥٤
 &

عليه وآله وسلم كتابة هذه الآية التي تنص علی أن الشيخ والشيخة إذا زنيا يرجمان مطلقا ، بأن الزاني إن لم يكن محصنا لا يرجم في الإسلام حتی وإن كان شيخا ! ، فقول عمر هذا صريح في أنه يری أن الله عز وجل أخطأ في هذه الآية وخالف حكمه المعروف في الشيخ الزاني غير المحصن الذي يجلد ولا يرجم ولا ريب أنا لا نقبل ما نسبه عمر لله ، تعالی الله عن ذلك علوا كبيرا ، لأن العقيدة الإسلامية تتناقض مع نسبة الخطأ والغلط لله عز وجل .

ولأعجب من ذلك أن زيد بن ثابت المتفاني في تقليد سيده عمر أخذ بهذا الكفر كما في رواية البيهقي بسنده :

عن محمد قال نبئت عن ابن أخي كثير بن الصلت قال : كنا ثم مروان وفينا زيد بن ثابت قال زيد : ثم كنا نقرأ (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة) . قال : فقال مروان : أفلا نجعله في المصحف ؟ ، قال : لا ! ألا تری الشابين الثيبين يرجمان ؟! ، قال وقال : ذكروا ذلك وفينا عمر بن الخطاب قال : أنا أشفيكم من ذاك ، قال : قلنا : كيف ؟ قال آتي النبي صلی الله عليه [وآله] وسلم فأذكر كذا وكذا فإذا ذكر الرجم ، أقول يا رسول الله أكتبني آية الرجم ؟ قال : فأتيته فذكرته ، قال : فذكر آية الرجم ، قال : فقال : يا رسول الله أكتبني آية الرجم ؟ قال : لا أستطيع ذاك . (١)

وهذه الرواية يدّعي فيها عمر أنه جاء مرة أُخری للنبي صلی الله عليه وآله وسلم يسأله عن آية الرجم ، ولكن هذه المرة كان سؤال عمر استدراجي

___________

(١) سنن البيهقي الكبری ٨ : ٢١١ .

٣٥٥
 &

وبطريقة غير مباشرة !

ملاحظة مهمة :

هذه الجملة المتهالكة والمسماة بآية الرجم وردت في كتب الشيعة الروائية ، وأقر الإمام جعفر الصادق عليه السلام بوجودها في القرآن ، ولا غرابة في ذلك ؛ لأن إنكاره لقرآنية هذه الجملة يعتبر رميا لنفسه في التهلكة إذ كلما ذكرت هذه المزعومة في محفل اقترن ذِكرها بذكر ابن الخطاب مرسي قواعد الخلافة المناهضة لأهل البيت عليهم السلام ، والذي كان موضع اعتزاز وتقدير عند أعداء أهل البيت من الخلفاء الأمويين والعباسيين علی حد سواء فيكون إنكاره عليه السلام لوجود مثل هذه الجملة ضمن آيات القرآن اتهاما صريحا لابن الخطاب بالكذب والافتراء علی الله عز وجل ، وهذا مدعاة لتناقل الغوغاء : إن جعفر بن محمد زعم : أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ممن قال الله فيهم : (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّـهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّـهُ وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّـهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ) (١) وهذه حينئذ فرصة لا تفوت ، وذريعة جيدة لتخلص خلفاء الجور ممن تلتف المعارضة حوله ، وتربص خلفاء الجور بأئمة أهل البيت عليهم السلام لا يمكن

___________

(١) الأنعام : ٩٣ .

٣٥٦
 &

إنكاره ، وهو ما اضطرهم للعمل بالتقية في أقل الأحكام كأحكام الحيض والنفاس حتی لا يقال (فلان بن فلان شقّ عصا المسلمين !) ، فلا غرابة إذن إن سئل عنها ولم ينف كونها من القرآن .

وهذا نص الرواية كما وردت في الكافي : عن عبد الله بن سنان قال : قال أبو عبد الله عليه السلام : الرجم في القرآن قول الله عز وجل : إذا زنی الشيخ والشيخة فارجموهما البتة فإنهما قضيا الشهوة . (١) .

وفي وسائل الشيعة : عن سليمان بن خالد قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام : ـ في القرآن رجم ؟ قال : نعم ، قلت كيف ؟ قال : الشيخ والشيخة فارجموهما البتّة فانهما قضيا الشهوة . (٢)

وننقل هنا كلمات العلماء ومراجع الشيعة العظام رضوان الله تعالی عليهم في بيان وجه صدور هذه الرواية : قال السيد الخوئي رضوان الله تعالی عليه حال حديثه عن تينك الروايتين :

فهما وإن كانتا تدلان علی ثبوت الرجم علی الشيخ والشيخة مع عدم الإحصان ، أيضا إذ مع تخصيصهما بالإحصان لا تبقی خصوصية لهما ، إلا أنه لا قائل بذلك منّا . ولا شك في أنهما وردتا مورد التقية ، فإن الأصل في هذا الكلام هو عمر بن الخطاب ، فإنه ادعی أن الرجم مذكور في القرآن ، وقد وردت آية بذلك ، ولكن اختلفت الروايات في لفظ الآية المدعاة ، فانها نقلت

___________

(١) الكافي ٧ : ١٧٧ ، التهذيب ١٠ : ٣ رقم ٧ ، من لا يحضره الفقيه ٤ : ٢٦ ، رقم ٤٩٤٨ .

(٢) وسائل الشيعة ١٨ : ٣٥٠ ، القضاء .

٣٥٧
 &

بوجوه : (فمنها) : ما في هاتين الصحيحتين . و (منها) : غير ذلك ، وقد تعرضنا لذلك في كتابنا (البيان) في البحث حول التحريف وأن القرآن لم يقع فيه تحريف . (١)

وقال السيد عبد الأعلی السبزواري رضوان الله تعالی عليه : ثم إن مقتضی صحيح عبد الله بن سنان أن ما ذكره عليه السلام كان آية من القرآن فحذفت ، ولكن أثبتنا في تفسيرنا (مواهب الرحمان) بطلان التحريف في القرآن بجميع الصور المتصورة فيه . (٢)

قال السيد الگلپايگاني رضوان الله تعالی عليه في (الدر المنضود) بعد ذكره للروايتين : فمقتضی الأخيرتين هو وجوب الرجم فقط ، بخلاف الروايات المتقدمة عليهما فإنها صريحة في الجمع بين الجلد والرجم ، ولا يخفی ؛ لأن روايتي عبد الله بن سنان وسليمان بن خالد ظاهرتان في وقوع التحريف في القرآن الكريم ، ولكن الأقوی والمستظهر عندنا عدم التحريف فيه حتی بالنقيصة ، خصوصا وان هذه العبارة المذكورة فيهما بعنوان القرآن لا تلائم آياته الكريمة التي قد آنسنا بها . هذا مع أن الأصل في هذا الكلام عمر ابن الخطاب . (٣)

وكلامه رضوان الله تعالی عليه واضح في أنه لا يقبل مضمون الروايتين

___________

(١) مباني تكملة المنهاج ١ : ١٩٥ ، ط . دار الزهراء .

(٢) مهذب الأحكام في بيان الحلال والحرام ٢٧ : ٢٧٤ .

(٣) الدر المنضود ١ : ٢٨٣ .

٣٥٨
 &

لأنهما تدلان علی أمر مرفوض وهو تحريف القرآن ، وقد أشار بالجملة الأخيرة إلی التقية .

وقال الميرزا جواد التبريزي حفظه الله في حديثه عنهما : فإن مقتضی التعليل فيهما عدم اختصاص الرجم بصورة الإحصان مع كون الزاني شيخا أو الزانية شيخة ، ولكن يتعين حملها علی التقية ، حيث أن الأساس في كون رجمهما من القرآن هو الثاني (١) ، وعدم الذكر في القرآن لنسخ التلاوة من توجيهاتهم ، ولعله يشير إلی ذلك تركه عليه السلام الذيل المروي ... نكالا من الله ولله عزيز حكيم (٢) ... ووجه الإشارة أن الكلام المزبور لا يشبه في السبك ألفاظه بالقرآن المجيد ، والذيل المروي الذي أريد به إعطاء الشباهة له لم ينقل في كلامه ليعطي صورة ما جری . (٣)

وقال الشيخ الفاضل اللنكراني حفظه الله : ثم إنه يظهر من رواياتنا أيضا ثبوت الرجم في القرآن مثل ما رواه عبد الله بن سنان ـ الحديث ـ ورواية سليمان بن خالد ـ الحديث ـ ولكن بعد قيام الأدلة القاطعة والبراهين

___________

(١) أي عمر بن الخطاب .

(٢) يقصد حفظه الله وسدد خطاه ، أن ما يشعِر بصدور هذه الرواية علی نحو التقية أن الإمام عليه السلام ترك هذا المقطع ولم يذكره لأجل مشابهته للسبك القرآني ، وبه يقرب التصديق بمضمون الرواية ، لذلك لم يذكر عليه السلام هذا المقطع فيها خلافا للعامة .

(٣) أُسس الحدود والتعزيرات : ١٠٩ .

٣٥٩
 &

الساطعة علی عدم وقوع التحريف في الكتاب وإن ما بأيدينا مطابق لما أنزل إلی الرسول بعنوان القرآنية لا يبقی مجال لمثل هذه الروايات ، بل لابد من حملها علی التقية أو علی أن المراد بالقرآن هو القرآن المشتمل علی الخصوصيات الأخری أيضا ، من الشرح والتفسير والتأويل وشأن النزول وأمثالها ، كقرآن أمير المؤمنين عليه السلام (١) مع أنه يرد علی تعبير الروايتين الإشكالات المتقدمة كلّاً أو جُلّاً كما لا يخفی . وقد انقدح من جميع ما ذكرنا عدم ثبوت الرجم في القرآن ، بل الدليل عليه هي السنة المستفيضة ، بل المتواترة . (٢)

بل إن رفض كل عالم من علماء الشيعة لقرآنية هذه المزعومة يعني إقرارا غير مباشر بأن هاتين الروايتين صدرتا تقية ؛ لأن الشيعة يتعبدون بكلام النبي صلی الله عليه وآله وسلم ومن يفرغ عنه وهم أهل بيته عليهم السلام فمن غير المعقول أن يعتقد صدور تلك الروايات علی غير التقية ، ومع ذلك يرفض مضمونها ، وكمثال واحد نذكره لمن رفض قرآنيتها ، قال الشيخ محمد رضا الأنصاري محقق كتاب عدة الأُصول :

والتدقيق في هذه الآية المزعومة ـ آية الرجم ـ ومقارنتها مع سياق بقية الآيات القرآنية ونفسها وأسلوبها يؤدي إلی إنكار كونها قرآنا ، هذا فضلا

___________

(١) سيأتي عدم دقة هذا الاحتمال .

(٢) تفصيل الشريعة في شرح تحرير الوسيلة ـ كتاب الحدود ـ : ١٢٩ .

٣٦٠