إعلام الخلف - ج ٢

صادق العلائي

إعلام الخلف - ج ٢

المؤلف:

صادق العلائي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الآفاق للدراسات الإسلامية
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٦٣
الجزء ١   الجزء ٢ الجزء ٣
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

أقول : فعلی هذا ما المانع أن تكون المعوذتان قد نُسختا بالعرضة الأخيرة للقرآن ، وأن ابن مسعود علم ذلك وحده لاستئثاره بالقراءة الأخيرة فكان يمحوها من المصحف ويقول : لا تخلطوا فيه ما ليس منه لعلمه بما نسخ وما بُدّل ؟! ، بل هو الصحيح علی مذهب أهل السنة .

٢ ـ اتفق البخاري ومسلم علی أن الرسول صلی الله عليه وآله وسلم أمر الصحابة أن يستقرئوا القرآن من ابن مسعود وأن يتلقوه منه :

قال صلی الله عليه [وآله] وسلم : استقرئوا القرآن من أربعة : من عبد الله بن مسعود ، وسالم مولی أبي حذيفة ، وأُبيّ بن كعب ، ومعاذ بن جبل .

وكذا : عن مسروق قال : كنا عند عبد الله بن عمرو ، فذكرنا حديثا عن

___________

عليه السلام كان يعارض النبي صلی الله عليه [وآله] وسلم بالقرآن في كل عام مرة ، فلما كان العام الذي قبض فيه عارضه به مرتين ، والعرضة الأخيرة هي قراءة زيد بن ثابت وغيره) !! وابن تيمية وجد في كلمة (وغيره) مندوحة ، أو قل : مهرباً من المؤاخذة ، لأن ابن مسعود والصحابة وأنا وأنت ندخل في قوله (وغيره) !! وأضف إلی ذلك أن عثمان كان يأمر كتبة المصحف حال اختلافهم مع زيد أن يذروا قراءة زيد ويكتبوه بلسان قريش ، فكيف يكون زيد هذا آخر الناس عهدا بعرض القرآن علی النبي صلی الله عليه وآله وسلم ؟! ، قال ابن حجر في الفتح ٩ : ٢٠ : (قال ابن شهاب : فاختلفوا يومئذ في التابوت والتابوه . فقال القرشيون التابوت وقال زيد التابوه فرفعوا اختلافهم إلی عثمان فقال : اكتبوه التابوت فانه نزل بلسان قريش) ، فالظاهر أن ابن تيمية يری مخيلته كافية للحكم والبت بأي شيء يعترضه !

٣٢١
 &

عبد الله بن مسعود ، فقال إن ذاك الرجل لا أزال أحبه بعد شيء سمعته من رسول الله صلی الله عليه [وآله] وسلم يقوله : سمعته يقول : إقرؤا القرآن من أربعة نفر ، من ابن أم عبد ، فبدأ به ، ومن أُبيّ بن كعب ، ومن سالم مولی أبي حذيفة ، ومن معاذ بن جبل (١) .

___________

(١) صحيح البخاري (كتاب فضائل الصحابة) باب مناقب عبد الله بن مسعود ٤ : ١٩٩ ، وباب مناقب سالم مولی أبي حذيفة ، وكذا مناقب معاذ بن جبل ، ومناقب أُبيّ بن كعب ، وصحيح مسلم ٤ : ٩١٣ . أقول : لم تعان المعوذتان من ابن مسعود فقط ، بل إن أُبيّ بن كعب ، وهو الرجل الثاني الذي أمر الرسول صلی الله عليه وآله وسلم الصحابة باستقرائه القرآن يشك ـ بحسب رواياتهم ـ في أن المعوذتين نزلت من السماء قرآنا أم لا ! ، حيث قال عندما سئل عن المعوذتين (فقلت : يا أبا المنذر! إن أخاك ابن مسعود يحكّها من المصحف ، قال : إني سألت رسول الله صلی الله عليه [وآله] وسلم قال : قال لي : ((قل)) ، فقلت . فنحن نقول كما قال رسول الله صلی الله عليه [وآله] وسلم) . وكلام أُبيّ بن كعب يعني أن النبي صلی الله عليه وآله لم يصرح بقرآنية المعوذتين ! بل إنه صلی الله عليه وآله وسلم قال : (قال لي جبرئيل : (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ...) ، (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ... !!) فلم يبين لهم صلی الله عليه وآله وسلم أنهما منه ! ، والمتيقن عند أُبيّ بن كعب أنهما أنزلتا من السماء ، ولكنه يشك في نوع هذا التنزيل ، أقرآن هو أم عوذتان ! ، ويؤيد ذلك ما قاله ابن حجر العسقلاني في لسان الميزان ٣ : ٨١ : (واختلف علی أُبيّ بن كعب في إثبات المعوذتين) وكل هذا يدعم ويؤيد ما ذهب له ابن مسعود من عدم وجود نص صادر من النبي صلی الله عليه وآله وسلم يدل علی قرآنيتهما ! ، بل إن المتأمل في ما حكته الرواية من قول رسول الله صلی الله عليه وآله

٣٢٢
 &

بالإضافة للروايات التي تجعل قراءة ابن مسعود طبق الأصل من الكتاب الذي أنزله الله عز وجل : من سره أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل فليقرأه من أم عبد . (١)

فكل هذه النصوص تأخذ بأعناق أهل السنة بوجوب التمسك بقراءة ابن مسعود ، وعليه فيجب عليهم اتّباعه في إنكار المعوذتين .

٣ ـ لو وقفت الروايات عند هذا الحد لهان الأمر ، لكن رواياتهم ذهبت إلی أبعد من ذلك ، مما يجعل مخالفة ابن مسعود مساوية لسخط الرسول صلی الله عليه وآله وسلم ؛ لأننا مأمورون بقبول ما حدثنا به ابن مسعود ومن باب أولی يجب علينا عدم مخالفته في القرآن الذي كان مرجعا فيه دون غيره وبز فيه الجميع .

فقد جاء في مجمع الزوائد : قال رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم : ((رضيت لأمتي ما رضي لها ابن أم عبد ، وكرهت لأُمتي ما كره لها ابن أم

___________

وسلم يشعر أن النبي صلی الله عليه وآله وسلم نفسه لم يكن يعلم ماهية المعوذتين هل هما قرآن أم عوذتان !!

(١) مسند أحمد ١ : ٧ ، ٢٦ ، ٣٨ ، ٤٥٤ ، و ٢ : ٤٤٦ ، و ٤ : ٢٧٩ ، سنن ابن ماجة ١ : ٤٩ ، السنن الكبری ١ : ٤٥٢ ، مجمع الزوائد ٩ : ٢٨٧ ، المصنف ٧ : ١٨٤ ، صحيح ابن حبان ١٥ : ٥٤٢ المعجم الوسيط ٣ : ٣٣٧ .

٣٢٣
 &

عبد)) (١) .

وجاء في صحيح الجامع الصغير للألباني : اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر واهتدوا بهدي عمار ، وما حدثكم ابن مسعود فاقبلوه . (٢)

فيجب علی أهل السنة أن يقبلوا حديث ابن مسعود وما ادعاه من تحريف المصحف وزيادة عوذتين ليستا من القرآن .

النتيجة :

طبقا لما ألزموا به أنفسهم ، فإن أمامهم خيارين لا ثالث لهما ، فإما أن يقولوا أن المعوذتين ليستا من القرآن ، وإنهما مجرد عوذتين عوّذ بهما رسول

___________

(١) مجمع الزوائد ٩ : ٢٩٠ وعلق عليه (رواه الطبراني في الأوسط باختصار الكارهة ، ورواه في الكبير منقطع الإسناد ، وفي إسناد البزار محمد بن حميد الرازي وهو ثقة ، وفيه خلاف وبقية رجاله وثقوا) .

(٢) صحيح الجامع الصغير وزيادته للألباني ١ : ٢٥٤ ، ح ١١٤٤ ، ط . المكتب الإسلامي . أقول : هذه الرواية وما يماثلها لا شك في كذبها علی رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم ، فإن أول الرواية يناقص آخرها ، إذ كيف نهتدي بهدي عمار فنعتصم في بيت فاطمة عليها السلام ولا نبايع ابن أبي قحافة ، ومع ذلك نقتدي بابن أبي قحافة ، ثم لماذا لم يحتج بها ابن أبي قحافة وابن الخطاب عندما صارت المشادة في سقيفة بني ساعدة ، وصار كل منهم يدلي بدلوه ويفتخر بما عنده ويذكر بقرابته من رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم ؟! ولو فرضنا أنهما نسيا أو لم يسمعا بها فما بال الأنصار نسيت ولم تسمع به ؟! ، والحق إن هذين الرجلين لو قدر لهما وخرجا من قبريهما وقرآ هذه الروايات لما علما من المقصود من أبي بكر وعمر !

٣٢٤
 &

الله صلی الله عليه وآله الحسن والحسين عليهما السلام ، وإما أنهما من القرآن وابن مسعود أنكر سورتين من القرآن فهو كافر مرتد .

ومقتضی أدلتهم الصحيحة المبينة قدر ومنزلة ابن مسعود عندهم وعلمه بالعرضة الأخيرة للقرآن التي لا علم للصحابة بها يلزمهم الأخذ بالشق الأول فيكون المسلمون كلهم من السلف إلی الخلف يتعبّدون بقرآن محرّف ؛ لأنهم أدخلوا فيه عُوذتين .

وبإختصار إما أن ابن مسعود قال بتحريف القرآن ؛ لأنه أسقط منه سورتين فهو كافر (١) ، وإما أن ابن مسعود مصيب لاختصاصه بالعرضة الأخيرة ، فالقرآن محرّف بزيادة عوذتين .

ثالثا : فقدان سورتين : إحدهما تعدل التوبة وأخری المسبحات !

أخرج مسلم في صحيحه : عن أبي الأسود ظالم بن عمرو قال : بَعثَ أبو موسی الأشعري إلی قرّاء أهل البصرة ، فدخل عليه ثلاثمئة رجلٍ قد قرأوا القرآن . فقال : أنتم خيار أهل البصرة وقرّاؤهم . فأتلوه ولا يطولن عليكم

___________

(١) لا وجود لهذه اللغة في مذهب أهل البيت عليهم السلام ، لما مر من أن الحكم بالكفر لإنكار الضروري لا يصح مع الشبهة والالتباس ـ إن سلمنا أن سلامة القرآن من التحريف ضروري من الدين لما مرّ في محله ـ فما المانع أن يلتبس الأمر علی ابن مسعود بعد أن سمع الرسول صلی الله عليه وآله وسلم يعوّذ بهما الحسن والحسين عليهما السلام ، فظن أنهما أنزلتا من السماء كعوذتين لا كقرآن ؟ ، ولكنا نلزمهم بما ألزموا به أنفسهم .

٣٢٥
 &

الأمد فتقسوا قلوبكم ، كما قست قلوب من كان قبلكم ، وإنّا كنّا نقرأ سورةً كنّا نشبِّهها في الطّول والشّدة ببراءة ، فأنْسيتُها ، غير أنّي قد حفظت منها : (لو كان لابن آدم واديان من مالٍ لابتغی وادياً ثالثاً ، ولا يملأ جوف ابن آدم إلّا التراب) وكنّا نقرأ سورة كنّا نشبّهها بإحدی المسبِّحات فأنسيتها غير إنّي حفظت منها (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون فتكتب شهادةٌ في أعناقكم فتُسألون عنها يوم القيامة) (١) .

وعن الدر المنثور وأخرج أبو عبيد في فضائله وابن الضريس عن أبي موسی الأشعري قال : نزلت سورة شديدة نحو براءة في الشدة ، ثم رفعت وحفظت منها (إن الله سيؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم) (٢) .

وفي مجمع الزوائد : عن أبي موسی الأشعري قال : نزلت سورة نحو من براءة ، فرفعت فحفظت منها (إن الله سيؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم) (٣) .

ولا أدري هل شبيهة براءة في الروايتين الأخيرتين هي نفس الشبيهة الأُولی أم غيرها ؟ ، وعلی أقل تقدير قد فقدنا سورتين من المصحف ، والسؤال

___________

(١) صحيح مسلم ٣ : ١٠٠ كتاب (الزكاة باب كراهية الحرص علی الدنيا) وبشرح النووي ٧ : ١٣٩ ، ١٤٠ ، وعن المسند الجامع ١١ : ٤١٤ (أبو موسی الأشعري) ، وسيأتي الكلام عن الآيتين المزعومتين ، وعن الإتقان في علوم القرآن ٢ : ٢٥ (ذكر جزءاً من الحديث الأخير فقط)

(٢) الدر المنثور ١ : ١٠٥ .

(٣) مجمع الزوائد ٥ : ٣٠٢ وعلق عليه ابن حجر الهيثمي : (رواه الطبراني ، ورجاله رجال الصحيح غير علي بن زيد وفيه ضعف ، ويحسن حديثه لهذه الشواهد) .

٣٢٦
 &

هنا : أين ذهبت هاتان السورتان ؟ ، ولماذا لم يذكرهما غير أبي موسی الأشعري ؟ وكيف أثبتوا ما ليس من القرآن فيه برواية آحاد ؟ أسئلة كثيرة لا جواب عنها إلا تحريف القرآن بالزيادة أو النقيصة ، كما مر .

إلی هنا ثبت أن هناك ست سور مطروحة علی طاولة التحريف عند أهل السنة وهي الفلق ، والناس ، والحفد ، والخلع ، وعِدل براءة ، وعِدل المسبحات .

٣٢٧
 &
٣٢٨
 &

قسم الآيات

أولاً : التحريف بفقدان آيات كاملة من القرآن :

بعد الفراغ من مبحث السور ننقل الكلام إلی مبحث الآيات ، وهذا المبحث ينقسم إلی قسمين : المبحث الأول يتناول آيات مجهولة النص ، فقدت من القرآن ، وعددها كبير جدا كما تمليه رواياتهم الآتية ، ولنسمه : بالتحريف الإجمالي ، وهذا القسم عظيم الضرر علی ما بين أيدينا من القرآن ؛ لأنه يرفع حجية العمل بكل آية في المصحف لاحتمال أن الناسخ أو المخصص أو المقيد قد سقط وحُرّف .

المبحث الثاني : هو آيات معروفة النص ، ذكرها بعض الصحابة ، وليست موجودة في مصحفنا ، ولنسمه : بالتحريف التفصيلي ، هذا فقط بالنسبة لتحريف الآيات الكاملة ، وسيأتي بإذنه تعالی الكلام عن تحريف كلمات الآية الواحدة .

٣٢٩
 &

(١) التحريف الإجمالي

يوم اليمامة ضياع القرآن !

قد مر ـ عندما تكلمنا عن جمع القرآن الأول في زمن أبي بكر ـ أن روايات أهل السنة ـ علی ما فيها من التناقض ـ تذهب إلی أن ما دعاهم لجمع القرآن هو قتل كثير من قرّاء القرآن في يوم اليمامة أثناء محاربة مسيلمة الكذاب ، وقد جاءتنا روايات صحيحة صريحة عن أكابر أهل السنة تحكي صريحة في ضياع آيات من القرآن ، ولا يمكن تأويل هذه الروايات بأي وجه حيث أن هذا الفقدان كان بعد زمن النبوة .

وهذا ما رواه أبو بكر بن أبي داود بسند صحيح في المصاحف : حدثنا أبو الربيع ، أخبرنا ابن وهب قال أخبرني يونس ، عن ابن شهاب ـ الزهري ـ قال : بلغنا أنه كان قرآن كثير ، فقتل علماؤه يوم اليمامة ، الذين كانوا قد وعوه ، ولم يعلم بعدهم ولم يكتب ، فلما جمع أبو بكر وعمر وعثمان القرآن ولم يوجد مع أحد بعدهم ... (١)

قال الحافظ ابن عبد البر في التمهيد : وروی أبو نعيم الفضل بن دكين قال حدثنا سيف عن مجاهد قال : كانت الأحزاب مثل سورة البقرة أو أطول ولقد ذهب يوم مسيلمة قرآن كثير ، ولم يذهب منه حلال ولا حرام . (٢)

___________

(١) المصاحف لأبي بكر بن أبي داود : ٣١ ، ونقله عنه في منتخب كنز العمال المطبوع بهامش مسند أحمد ، ط . ١ و ٢ : ٥٠ .

(٢) التمهيد في شرح الموطأ ٤ : ٢٧٥ ، شرح حديث ٢١ .

٣٣٠
 &

قال الحافظ عبد الرزاق الصنعاني في المصنف : قال سفيان الثوري : وبلغنا أن أُناسا من أصحاب النبي صلی الله عليه [وآله] وسلم كانوا يقرأون القرآن أصيبوا يوم مسيلمة فذهبت حروف من القرآن . (١)

ولا شك أنا نبرأ إلی الله من هذه الأقوال ، ونعوذ بالله منها ، وستأتي ترجمة كل واحد من هؤلاء الذين قالوا بهذا الكفر ـ بزعم الوهابية ـ لبيان أن هؤلاء من أكابر العلماء عند أهل السنة ، وأرفع سادات سلفهم الصالح ! .

عمر يعترف أن القرآن كان أضعاف هذا الموجود!

في الدر المنثور : أخرج ابن مردويه عن عمر بن الخطاب قال : قال رسول الله صلی الله عليه [وآله] وسلم : القرآن ألف ألف حرف وسبعة وعشرون ألف حرف ، فمن قرأه صابرا محتسبا فله بكل حرف زوجة من الحور العين . (٢)

وما نسبه عمر لرسول الله صلی الله عليه وآله وسلم واضح بسقوط

___________

(١) المصنف للصنعاني ٧ : ٣٣٠ ، ذيل حديث ١٣٣٦٣ .

(٢) الدر المنثور ٦ : ٤٢٢ ، الإتقان في علوم القرآن ٢ : ٧٠ .

ملاحظة : هذه الرواية عن عمر ذكرها الدكتور محمد سالم محيسن في كتابه : رحاب القرآن الكريم : ١٣٢ لبيان عدد حروف القرآن الكريم ، واقتصر عليها ولم يعلّق عليها بكلمة ، ولم يشر إلی أن القرآن الموجود بين أيدينا اليوم أقل من هذا الرقم بكثير ، وهذا الأمر لو صدر من عالم من علماء الشيعة لكان في نظر الوهابية ممن يقول بتحريف القرآن جزما ولطبلوا ولزمروا ولرموا الشيعة كلهم بتهمة تحريف القرآن ، وحتی لو تأسّف وأقرّ بخطئه وقال هذا من سهو القلم ، لقالوا : إنها التقية ! ، فلا يقف تهريج الوهابية عند حد ! .

٣٣١
 &

أكثر من ثلثي القرآن الكريم لأن عدد أحرف القرآن الموجود بين أيدي المسلمين اليوم هو ثلاثمائة ألف وثلاثة وعشرون حرفا وستمائة وواحد وسبعون حرفا ! وسيتضح أن عمر حاول تأكيد فكرة وقوع التحريف في آيات القرآن بمقولات كثيرة ستأتي بإذنه تعالی ، ومنها ما أخرجه عبد الرزاق الصنعاني في المصنّف :

عن يوسف بن مهران أنه سمع ابن عباس يقول : أمر عمر بن الخطاب مناديا ، فنادی : إن الصلاة جامعة . ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنی عليه ، ثم قال : يا أيها الناس لا يجز عن من آية الرجم ، فإنها آية نزلت في كتاب الله وقرأناها ولكنها ذهبت في قرآن كثير ذهب مع محمد ! (١)

فأين ذهبت كل هذه الجموع من الآيات التي اختص الله علمها بابن الخطاب ؟ ، وكيف ذهب قرآن كثير حينما ذهب النبي صلی الله عليه وآله وسلم ، ولم يحفظه غيره حتی فُقد قدر مجلدين ، وبقي مجلد واحد وهو مصحفنا ؟!

ملاحظة : لا مجال هنا للقول بخزعبل نسخ التلاوة ، كما ذهب له بعض علماء أهل السنة ، وهو ما ذكره السيوطي : قال بعض العلماء : هذا العدد باعتبار ما كان قرآنا ونسخ رسمه ، وإلا فالموجود الآن لا يبلغ هذه العدة . (٢)

___________

(١) المصنف للصنعاني ٧ : ٣٤٥ ، ح ١٣٣٢٩ .

(٢) الدر المنثور ٦ : ٤٢٢ ، أقول : وهذا يدل علی أن الرواية معتمدة عند هؤلاء العلماء ، ولكن

٣٣٢
 &

فهذه الموارد خارجة عن نسخ التلاوة ، إذ أن نسخ التلاوة يعني رفع آية وإحلال آية أُخری محلّها لصريح ما استدلوا به من قوله تعالی (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) (١) وواضح أن هذا العدد الذي ذكره عمر لم يحل محله آخر ، وإلا لما نقص (٢) ، فأين ذهب ؟!

القرآن ذهب منه الكثير !

وبسند صحيح عن ابن عمر قال : لا يقولن أحدكم قد أخذت القرآن كلّه ، وما يدريه ما كلّه ! قد ذهب منه قرآن كثير ، ولكن ليقل قد أخذت منه ما ظهر . (٣)

وكلام ابن عمر هذا نصٌ صريح في سقوط كثير من آي القرآن وفقدانها ، وهو التحريف المقصود بحدّه وحدوده .

___________

الذهبي تفرد بخدش الراوي علی مزاجه ، وهذا التفرد أشار له ابن حجر كما قلنا .

(١) البقرة : ١٠٦ .

(٢) وأنا إنما أذكر هذه التأويلات السخيفة والفاسدة حتی يتضح لدی القارئ الكريم أن لدی أهل السنة مهمة رئيسية وحاجة ملحة تشغل حيزا كبيرا من فكرهم وعقائدهم ، وهي التأويل والتوجيه للمصائب والرزايا التي ابتلوا بها بسبب أفعال سلفهم الصالح وآرائهم في الدين ! ، فهم دائما يحاولون تقويم آرائهم وأفعالهم المعوجة ، وللأسف فإن هذا التقويم يكون في الغالب علی حساب الدين .

(٣) الدر المنثور ٢ : ٢٩٨ .

٣٣٣
 &

ولكن بعض علماء أهل السنة حاول ستر ريح ما جاءهم به ابن عمر فقالوا مؤولين متلكئين : إنه قصد بالذي ذهب من القرآن منسوخ التلاوة !

وهذا الكلام باطل بلا ريب لأمور :

١ ـ قوله : (وما يدريه ما كله ؟!) هو استفهام استنكاري يفيد النفي والتعجب من قول من يقول : إنه قد أخذ القرآن كاملا ، وهذا لا يمكن تفسيره بنسخ التلاوة ؛ لأن الله عز وجل في نسخ التلاوة ـ كما زعموا ـ يلغي الآية وينسخها فيحل محلها ويسد نقصها بآية أُخری مكانها ، فلا ترفع آية أو تمحی إلا وتنزل مثلها أو خير منها تقوم مقامها ، لذا لا تنقص الآيات وإنما تتبدل وهذا لم يقصده ابن عمر ، وإنما قصد النقص وذهاب كثير من القرآن ، وليس في نسخ التلاوة نقص للقرآن وإنما تبديل وإحلال .

ولنذكر بعض كلمات علماء أهل السنة في هذا المجال ، قال الشنقيطي في مذكرة أُصول الفقه : فالعجب كل العجب من كثرة هؤلاء العلماء وجلالتهم من المالكية والشافعية والحنابلة وغيرهم القائلين بجواز النسخ لا إلی بدل ووقوعه ، مع أن الله يصرح بخلاف ذلك في قوله تعالی : (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) (١) . فقد ربط بين نسخها وبين الإتيان بخير منها أو مثلها بأداة الشرط ربط الجزاء بشرطه ، ومعلوم عند المحققين أن الشرطية إنما يتوارد فيها الصدق والكذب علی نفس الربط ، ولا شك أن هذا

___________

(١) البقرة : ١٠٦ .

٣٣٤
 &

الربط الذي صرح الله به بين هذا الشرط والجزاء في هذه الآية صحيح لا يمكن تخلفه بحال ، فمن ادعی انفكاكه ، وأنه يمكن النسخ بدون الإتيان بخير أو مثل فهو مناقض للقرآن مناقضة صريحة لا خفاء بها ، ومناقض القاطع كاذب يقيناً لاستحالة اجتماع النقيضين ، صدق الله العظيم ، وأخطأ كلام من خالف شيئاً من كلامه جل وعلا .

وقال : وقول المؤلف ـ ابن قدامة ـ رحمه الله : فأما الآية فإنها وردت في التلاوة وليس للحكم فيها ذكر ، ظاهر السقوط ـ كما تری ـ لأن الآية الكريمة صريحة في أنه مهما نسخ الآية أو أنساها أتی بخير منها أو مثلها . (١)

وقال العلامة العضُد : والظاهر أن مراد القائلين بوجوب البدل في النسخ هو إثبات حكم آخر متعلق بذلك الفعل الذي ارتفع عنه الحكم المنسوخ ، كالإباحة عند نسخ الوجوب ، أو الحرمة علی ما ذهب إليه صاحب الكشاف من أن النسخ هو الإذهاب إلی البدل ، والإنساء هو الإذهاب لا إلی بدل ، واعترض عليه بأن الآية تدل علی وجوب البدل فيهما جميعا . والجواب : إن المراد بالبدل حكم آخر متعلق بذلك الفعل والآية الأخری لا يلزم أن تكون كذلك ، بل قد تدل علی ما لا تعلق له بذلك الفعل ، هذا والحق أنه يجوز النسخ بلا حكم بأن يدل الدليل علی ارتفاع الحكم السابق من غير إثبات حكم آخر ، فلا يحتاج إلی تقييد البدل بالتكليف . (٢)

___________

(١) مذكرة أُصول الفقه للشيخ محمد الشنقيطي : ٤٩ .

(٢) شرح العلامة العضد علی مختصر المنتهی الأُصولي ، وهي بهامش حاشية العلامة التفتازاني

٣٣٥
 &

وقال الشيخ الخضري بك في أُصول الفقه : احتج الذين حتموا أن يكون في النص الناسخ حكم شرعي بدلا عن الحكم المنسوخ بقوله تعالی (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) (١) . فلا بد ـ إلا إذا أحللنا محلها آية ـ من حكم هو خير . والجواب : إن المراد بالبدل إنما هو اللفظ ، يعني : إنا لا نرفع آية هي خير منها في الفصاحة والبلاغة والإعجاز ، والآية مسماها لفظ لا حكم ، وليس النزاع نسخ الألفاظ بلا بدل أو ببدل ، وإنما الكلام في نسخ الأحكام (٢) .

٢ ـ لنغلق عقولنا ولنسلم جدلا بأن ابن عمر قصد نسخ التلاوة ، فهذا أيضا يدل علی أنه يری تحريف المصحف !

لأنه يعتقد أن المصحف الكامل هو ما كان مشتملا علی المنسوخ تلاوة مع أن أهل السنة يرون أن المنسوخ تلاوة ليس من القرآن ، بل هو ملغي لا يصلی به ، ولا يترتب عليه أحكام القرآن ، ويحرم قراءته كقرآن ، وعلی هذا فإما ان ابن عمر حرف القرآن ؛ لأنه زاد فيه ما ليس منه ، وإما أهل السنة أنقصوا من القرآن ما هو منه !

٣ ـ ظاهر اللفظ حجة وخلافه يحتاج إلی دليل ، فأين الدليل علی أن

___________

وحاشية الهروي علی حاشية الجرجاني ٢ : ١٩٣ .

(١) البقرة : ١٠٦ .

(٢) أُصول الفقه : ٢٥٩ ، ط . إحياء التراث العربي لمفتش الأزهر الشيخ الخضري بك .

٣٣٦
 &

ابن عمر قصد بقوله السابق منسوخ التلاوة ؟! ، لا دليل .

الوهابية تتكلم من جديد !

افتری أحد الوهابية في كتيبه علی السيد الخوئي رضوان الله تعالی عليه وقال : إن السيد الأمجد رضوان الله تعالی عليه قد نسب تحريف القرآن للسيوطي ! ، وكان دليل الوهابي علی ذلك هو أن السيد رضوان الله تعالی عليه أخذ قول ابن عمر السابق من الإتقان للسيوطي ، وقال : إن هذه الرواية ظاهرة في تحريف ، في حين أن السيوطي وضعها في مبحث نسخ التلاوة !

وهذا مضحك ؛ لأن السيد رضوان الله تعالی عليه نظر للرواية وحكم بأنها ظاهرة في التحريف ، هذا كل شيء ، وما زاد عليه من استنتاجات خيالية فهو من كيس الوهابي ! ، ولو كان الوهابي صادقا لأشار إلی رقم الصفحة من كتاب البيان لنری متی خاطب السيد رضوان الله تعالی عليه السيوطي أو عناه بقوله أو حتی ألمح إلی شخصه فيه ؟!

وكان الوهابي الظريف حاول أن يعطينا قاعدة جليلة القدر عظيمة الفائدة ، وهي أن الرواية حيث ذكرت في المصدر تحت عنوان معين أو في باب معين فعلی جميع العلماء أن يوقفوا عقولهم ولا يتجاوزوا حدود فهم المؤلف لدلالة الرواية ؛ لأن الرواية أخذت من مصنفه فيجب تقليده في معناها ! ، فلو ذكرها مثلا في نسخ التلاوة الخرافي يجب علی الجميع أن يكونوا خرافيين مثله ! ، مع أن عامة الناس يعلمون أن العلماء لا يقفون عند حدود فهم بعضهم للنصوص .

٣٣٧
 &

سورة الأحزاب التي عرفها الصحابة أربعة أضعاف الموجودة !!

أخرج أحمد بن حنبل في مسنده : حدثنا عبد الله ، ثنا خلف بن هشام ثنا حماد بن زيد عن عاصم بن بهدلة ، عن زر ، عن أُبيّ بن كعب أنه قال : كم تقرأون سورة الأحزاب ؟ قلت : ثلاثا وسبعين آية . قال : قط ! لقد رأيتها وإنّها لتعادل سورة البقرة ، وفيها آية الرجم ! قال زرّ : قلت : وما آية الرجم ؟ قال : (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم) (١) .

هذه الرواية صريحة في أن سورة الأحزاب التي عرفها سيد القرّاء أُبيّ بن كعب كانت ثلاثة أضعاف الموجود ، وإنه لم يعهد السورة بهذا العدد القليل من الآيات ، فتعجب من سقوط أكثرها ، وكما تری لو كان للضياع أصل يعوّل عليه لما خفي عن مثل سيد القرّاء أُبيّ بن كعب ، وإلا فما معنی أن الرسول صلی الله عليه وآله وسلم أمر الصحابة أن يستقرئوه القرآن بعد عبد الله بن مسعود ؟!

وهنا رواية أشكل من سابقتها : عن عروة بن الزبير عن عائشة قالت : كانت سورة الأحزاب تقرأ في زمن النبي صلی الله عليه [وآله] وسلم مئتي آية فلما كتب عثمان المصاحف لم نقدر منها إلا ما هو الآن (٢) .

___________

(١) مسند أحمد ٥ : ١٣٢ ، ح ٢١٢٤٥ ، والسنن الكبری للنسائي (باب الرجم) ، والإتقان للسيوطي ٢ : ٢٥ ، ط . الحلبي ، والمسند الجامع ١ : ٥٣ ـ ٥٤ ، عن أُبيّ بن كعب (باب القرآن) .

(٢) الإتقان في علوم القرآن ٢ : ٢٥ .

٣٣٨
 &

فإن بين طياتها اتهاما لعثمان بتحريف المصاحف ، وحذف أكثر من مئتي آية من سورة الأحزاب ، وهذا الكلام موافق لما تبناه أهل السنة من أن عثمان حذف ستة أضعاف القرآن (١) .

سورة براءة سقط منها الكثير !

بعد تشكيك روايات أهل السنة في قرآنية آخر آيتين من سورة براءة ـ كما أوضحناه في مبحث جمع القرآن ـ بدأ فصل تآكل أطرافها الأُخری ، ففي عدة من مصادر أهل السنة ذكرت أن حذيفة بن اليمان رضوان الله تعالی عليه كان يتحسف من تسمية الناس لهذه السورة باسم سورة التوبة ، وهي في الأصل سورة العذاب ؛ لأن الناس يقرأون ربعها فقط ولو علموا بأصلها لما سموها التوبة ! فالتي نزل بها جبريل عليه السلام علی الرسول الأعظم صلی الله عليه وآله وسلم أضعاف الموجود ، وهذا ما أخرجه ابن أبي شيبة والطبراني في الأوسط ، وأبو الشيخ والحاكم وابن مردويه عن حذيفة رضي الله عنه قال : التي تسمّونها سورة التوبة هي سورة العذاب ، والله ما تركت أحداً إلا نالت منه ، ولا تقرأون منها مما كنا نقرأ إلا ربعها (٢) .

___________

(١) إلا أن يتمسك بنسخ التلاوة الفاسد ، فيقال : هل من المعقول أن عائشة والصحابة بقرينة (لم نقدر منها) لم يكونوا علی علم بنسخ تلاوة أضعاف سورة الأحزاب طيلة ثلاث عشرة سنة علی الأقل ؟! ، فمن خفي عليه أمر القرآن طيلة ثلاث عشرة سنة كان خفاء أقوال الرسول صلی الله عليه وآله وسلم عنه أحری وأولی ! فمن يقبل بهذا من أهل السنة !

(٢) الدر المنثور للسيوطي ٣ : ٢٠٨ ، المستدرك علی الصحيحين ٣ : ٢٠٨ وعلق عليه (هذا حديث

٣٣٩
 &

وأخرج الحاكم في موضع آخر بسنده : عن حذيفة رضي الله عنه قال : ما تقرأون ربعها ـ يعني براءة ـ وهي سورة العذاب . (١)

وفي مجمع الزوائد : عن حذيفة قال : تسمون سورة التوبة وهي سورة العذاب وما تقرأون منها مما كنا نقرأ إلا ربعها . (٢)

ويا ليت أمرها اقتصر علی الروايات فقط ، بل تعداه إلی ما يعتقده القوم ! حتی ذهب إمام المالكية مالك بن أنس إلی أن سورة براءة ـ التوبة ـ سقط منها الكثير عندما سقطت البسملة ، محاولا بهذا الرأي الفاسد تبرير علة فقدان البسملة من أول السورة ، وهذا ما ذكره الزركشي في البرهان عن إمامهم مالك بن أنس حين تعرضه لأسباب سقوط البسملة من أوّل براءة فقال الزركشي : وعن مالك أنّ أوّلها لما سقط سقطت البسملة . (٣)

وذكره السيوطي في الإتقان : وعن مالك إن أوّلها لما سقط سقط معه البسملة ، فقد ثبت أنها كانت تعدل البقرة لطولها . (٤)

___________

صحيح الإسناد ولم يخرجاه) ، وعن المصنّف لابن أبي شيبة ١٠ : ٥٠٩ ، ح ١٠١٤٣ ، ومجمع الزوائد ٧ : ٢٨ (سورة براءة) علق عليه : (رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات) ، وقد مر الكلام عن مضمون هذه الرواية في مبحث الشيعة وتحريف القرآن ، فراجع .

(١) المستدرك ٢ : ٣٣٠ علق عليه : (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه) .

(٢) مجمع الزوائد ٧ : ٢٨ وعلق عليه ابن حجر : (رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات) .

(٣) البرهان في علوم القرآن ، ١ : ٢٦٣ .

(٤) الإتقان في علوم القرآن ١ : ٦٥ ، ط . الحلبي الثالثة .

٣٤٠