إعلام الخلف - ج ٢

صادق العلائي

إعلام الخلف - ج ٢

المؤلف:

صادق العلائي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الآفاق للدراسات الإسلامية
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٦٣
الجزء ١   الجزء ٢ الجزء ٣
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

تحريف القرآن الصريح عند أهل السنة

الكلام هنا عن التحريف الصريح ويشتمل علی عدة أنواع

أولها : دعوی تحريف سور القرآن بزيادة ونقصان سور كاملة عن المصحف .

ثانيها : دعوی تحريف آيات القرآن بزيادة ونقصان بعض الآيات المزعومة عن المصحف .

ثالثها : التلاعب في مفردات الآية الواحدة ، وبعض هذه الموارد قد تؤول بنسخ التلاوة ، وقد خلصنا فيما سبق أنه لا يوجد دليل واحد يمكن التمسك به لإثبات وقوع نسخ للتلاوة ، ومحض الادعاء لا يؤخذ به في أُمورنا الدنيوية ، فكيف بالقرآن وهو ناموس الشريعة وركنها ؟!

ونزيد عليه ، أنه لو سلمنا جدلا بوقوع نسخ لتلاوة بعض آيات القرآن فهذا لا يجوّز لنا قبول ادعاء أي مدع ينسب للقرآن جملة زعم نسخها ! وهذا الحكم فضلا عن كونه معروفا ومشهورا بين علماء الأُصول فإن العقل قاض به ، لذلك اشترط علماء الأُصول عند أهل السنة في المنسوخ أن ينقل متواترا فالمستفيض ـ فضلا عن خبر الواحد ـ لا يركن إليه لإثبات النسخ ، وقد مرّت كلمات جملة من علمائهم في مبحث نسخ التلاوة .

وعليه فالموارد الآتية لا يمكن أن تكون من منسوخ التلاوة ؛ لأنها بأجمعها تفقد هذا التواتر الذي هو شرط لتحقق النسخ ، وحيث لا تواتر فلا نسخ .

٢٨١
 &

هذا مع العلم أن أهل السنة لا تأويل عندهم لهذه الموارد غير نسخ التلاوة ، قال البيهقي في السنن الكبری : بسنده عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة رضي الله تعالی عنها قالت نزلت (فعدة من أيام أُخر متتابعات) فسقطت : (متتابعات) . قال البيهقي : قولها سقطت تريد : نُسخت . لا يصح له تأويل غير ذلك (١) .

وهذه الموارد لم تتواتر فليست بمنسوخة وحيث لا تأويل لها غير النسخ فهو تحريف صريح للقرآن بسقوط هذه الآيات ، ومن يدّعي نسخ أي جملة من الجمل التي نسبها الصحابة للقرآن فعليه أن يثبت وقوع نسخها بالتواتر ودونه خرط القتاد .

ونزيد عليه بأن إقرار أهل السنة بنسخ تلك الجمل تهربا من نسبة التحريف للقرآن أو لمعتقد الصحابة مبتنٍ علی تسليمهم المسبق بقرآنية ما ادعاه الصحابي وهذا بعينه تحريف للقرآن بالزيادة ، لأن إثبات قرآنيتها في الرتبة السابقة يحتاج إلی تواتر نقلها كقرآن كما مرت كلماتهم سابقا ، فكيف أثبتوا قرآنيتها بدعوی أحد الصحابة ؟! ، وهاك الإشكال بصورته الدقيقة :

دليل لإثبات التحريف الصريح لمن يدعي النسخ تلاوةً

بهذا الإشكال ذي الشقين يثبت تحريف القرآن لأهل السنة ثبوتا قطعيا ، سواء قالوا بشيء اسمه نسخ التلاوة أم لا ، ونحتاج لتقديم مقدمة فنقول :

___________

(١) السنن الكبری للبيهقي ٤ : ٢٥٨ ، ح ٨٠٢٣ ، باب قضاء شهر رمضان إن شاء متفرقا وإن شاء متتابعا .

٢٨٢
 &

أجمع علماء أهل السنة علی أمرين :

١ ـ آيات القرآن لا تثبت إلا بالتواتر ، فأي جملة نسبت للقرآن ، ولم يتواتر نقلها كقرآن فهي عندهم ليست من القرآن قطعا (١) .

٢ ـ نسخ أية آية من القرآن لا يثبت إلا بالتواتر ، وما لم يتحقق التواتر فليست بمنسوخة قطعا .

واتفقوا أيضا علی أن وجوه الصحابة ادعوا قرآنية بعض الجمل والمقاطع التي ورد بعضها في صحيحي البخاري ومسلم ، وقال أهل السنة : إن تلك الجمل قرآن نزل من السماء ، وبعد أن قرأه الناس وتعبدوا به رفعه الله عز وجل ونسخت تلاوة تلك الآيات ، وعلی هذا نقول :

١ ـ كيف أثبت أهل السنة بأخبار آحاد قرآنية هذه السور والجمل الآتية ، مع أنها ليست من القرآن في نظرهم بعد أن كانت من أخبار الآحاد التي لا يثبت بها القرآن قطعا ؟!

فهذا إذن تحريف للقرآن بالزيادة ، لأنهم قالوا بقرآنية ما ليس بقرآن .

٢ ـ سلمنا جدلا أن أهل السنة أثبتوا قرآنية كل تلك الجمل بالتواتر ـ ولن يثبتوا ـ فلماذا لم تكتب في المصحف ؟! فإن قيل : نسخت تلاوته ! نقول : أين تواتر نسخها الذي هو شرط لوقوع النسخ ؟!

وحيث أن شرط النسخ غير متحقق ، فيثبت تحريف القرآن بالنقيصة لأن مصحفنا اليوم لا يحوي تلك الجمل التي ادّعی الصحابي قرآنيتها .

___________

(١) وقد مرت كلماتهم في القراءات الشاذة فراجع .

٢٨٣
 &

وعلی العادة نعقب كلامنا بما يؤيده من كلمات أهل السنة ، وهذا ما قاله أحدهم وهو الأستاذ محمد سعاد :

لا نستطيع الاقتناع بصحة وجود المنسوخ تلاوة الثابت حكما ؛ لأن صفة القرآنية لا تثبت لنصّ إلا بدليل قطعي ، والنسخ الوارد علی القطعي لابد أن يكون قطعياً . فلابد لإثبات كون النصوص المذكورة قرآنا منسوخا من دليلين قطعيين ، أحدهما : دالّ علی ثبوت القرآنية للنّص . وثانيهما : دال علی زوال هذه الصفة . وواحد من الدليلين لم يقم لواحد من تلك النصوص ، فلا يتم كونه قرآنا منسوخا ، فلا يصح عندنا في موضع الخلاف إلا القول بثبوت النسخ في الحكم دون التلاوة (١) .

فنخلص إلی أن التحريف ثابت لأهل السنة ، سواء قالوا بنسخ التلاوة أم لا ؛ لأن مجرد قبولهم الروايات التي فيها ادعاء الصحابي قرآنية ما ليس في مصاحفنا يلزمهم التحريف بالزيادة أولا ؛ لأنهم أدخلوا في القرآن ما لم يتواتر نقله كقرآن ، وهو شرط لثبوت القرآنية .

ولو أثبتوا قرآنيتها بالتواتر ـ ولن يثبتوا ـ ، فيقال لهم : أين ذهبت هذه الآيات ؟ فإن ادعوا نسخ تلاوتها تهربا من القول بنقص القرآن ، فنقول لهم : إن هذه الدعوی باطلة ؛ لأن وقوع نسخ التلاوة للآية إنما يثبت بالتواتر وحيث إن نسخ تلك الآيات لم يتواتر فلم تنسخ ، فلا مفر لهم إلا القول بفقدانها من المصحف ، وهذا عين التحريف بالنقيصة ، لذا فالموارد الآتية

___________

(١) صيانة القرآن من التحريف : ٣٠ .

٢٨٤
 &

تثبت التحريف بلا أدنی شبهة ، فاحفظ هذا الاستدلال بشقيه ، ولا داعي لتكراره في كل مورد (١) .

___________

(١) واتضح إلی هنا أن نسخ التلاوة بالإضافة لكونه مبنی هشا متآكلا كما مر في مبحثه ، لا ينفي التحريف بل يثبته ، فلا ضرورة للإطالة السابقة في مناقشة نسخ التلاوة لإثبات تحريف القرآن عند أهل السنة ، إذ هو ثابت سواء قلنا بنسخ التلاوة أو لم نقل .

٢٨٥
 &

( قسم السور )

أولا : زيادة سورتي الحفد والخلع للقرآن !

هذا نص سورة الخلع المزعومة :

(اَللّهُمّ إِنّا نَسْتَعِيْنُك وَنَسْتَغْفِرُكَ ونُثْنِيْ عَلَيْكَ اَلْخَيْرَ ، ولا نَكْفُرُك ، ونَخْلَعُ ونَتْرُكُ مَنْ يَفْجُرُك)

وهذا نص سورة الحفد المزعومة :

(اَللّهُمّ إيّاكَ نَعْبُدُ ، ولَكَ نُصَلِّي ، ونَسْجُدُ وَإِلَيْكَ نَسْعَی ونَحْفِدُ نَرْجُوْ رَحْمَتَكْ ونَخْشَی عَذَابَكَ الجَدّ إِن عَذَاْبَكَ بِالكُفّاْرِ مُلحِقٌ)

روايات أهل السنة القائلة أنهما قرآن منزل :

لنستعرض بعض رواياتهم التي تدل علی أنهما سورتان كغيرهما من سور القرآن ، وهذا يتم من ناحيتين : فتارة تنص تلك الروايات علی أنهما سورتان ، وأن بعض الصحابة كان يقرأ بهما في صلاته بل ومنهم من يحلف بالله أنهما نزلتا من السماء ، وتارة أخری تدعي الروايات أن بعض الصحابة كانوا يكتبون السورتين بين سور مصاحفهم ، وهاك نبذة منها :

النص علی كونهما سورتين :

أخرج محمد بن نصر والطحاوي عن ابن عباس أن عمر بن الخطاب كان يقنت بالسورتين (اللهم إياك نعبد) و (اللهم إنا نستعينك) . وأخرج محمد بن نصر عن عبد الرحمان بن أبزي قال : قنت عمر رضي الله عنه بالسورتين .

٢٨٦
 &

وأخرج محمد بن نصر عن عبد الرحمان بن أبي ليلی أن عمر قنت بهاتين السورتين : (اللهم إنا نستعينك) و (اللهم إياك نعبد) (١) .

وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الملك بن سويد الكاهلي أن عليا قنت في الفجر بهاتين السورتين : (اللهم إنا نستعينك ... ) (٢) .

وأخرج محمد بن نصر عن سفيان قال : كانوا يستحبون أن يجعلوا في قنوت الوتر هاتين السورتين : (اللهم إنا نستعينك) و (اللهم إياك نعبد) . وأخرج محمد بن نصر عن إبراهيم قال : كان يقرأ في الوتر السورتين : (اللهم إياك نعبد) (اللهم إنا نستعينك ونستغفرك) .

وأخرج محمد بن نصر عن الحسن قال : نبدأ في القنوت بالسورتين ، ثم ندعو على الكفار ، ثم ندعو للمؤمنين والمؤمنات .

وأخرج محمد بن نصر عن خصيف قال : سألت عطاء بن أبيّ رباح : أي شيء أقول في القنوت قال : هاتين السورتين اللتين في قراءة أُبي : (اللهم إنا نستعينك) و (اللهم إياك نعبد) .

___________

(١) الدر المنثور ٦ : ٤٢٠ (ذكر ما ورد في سورة الخلع وسورة الحفد) ، أقول : قد يتبادر إلی الذهن أن القنوت بهما يدل علی كونهما دعاء ، وليس كذلك ، فإن القرآن يصح أن يقرأ كدعاء مثل قوله تعالی (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ) (آل عمران : ٨) .

(٢) الدر المنثور ٦ : ٤٢٠ .

٢٨٧
 &

وأخرج ابن أبي شيبة ومحمد بن نصر عن ميمون بن مهران ، قال في قراءة أُبيّ بن كعب : (اللهم إنا نستعينك) (١) .

وعن أبي إسحاق قال : أمّنا أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد بخراسان ، فقرأ بهاتين السورتين (إنا نستعينك) و (نستغفرك) (٢) .

وأخرج محمد بن نصر عن عطاء بن السائب ، قال : كان أبو عبد الرحمان يقرئنا (اللهم إنا نستعينك) زعم أبو عبد الرحمان أن ابن مسعود كان يقرئهم إياها ، ويزعم أن رسول الله صلی الله عليه [وآله] وسلم كان يقرئهم إياها (٣) .

وأخرج أبو الحسن القطان في المطولات عن أبان بن أبي عياش قال : سألت أنس بن مالك عن الكلام في القنوت فقال : (اللهم إنا نستعينك ونستغفرك) قال أنس : والله إنْ أنزلتا إلا من السماء ! (٤) .

وأخرج محمد بن نصر عن يزيد بن أبي حبيب قال : بعث عبد العزيز بن مروان إلی عبد الله بن رزين الغافقي فقال له : والله إني لأراك جافيا ما أراك تقرأ القرآن ! قال : بلی والله إني لأقرأ القرآن وأقرأ منه ما لا تقرأ به . فقال له

___________

(١) الدر المنثور ٦ : ٤٢٢ .

(٢) مجمع الزوائد ، ٧ : ١٥٧ (باب فيما نسخ) وعلق عليه بـ (رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح) وعن الإتقان في علوم القرآن ١ : ٦٥ ، أقول : واضح أن الصلاة لا تتم بقراءة غير القرآن .

(٣) الدر المنثور ٦ : ٤٢٢ .

(٤) الدر المنثور ٦ : ٤٢٠ (ذكر ما ورد في سورة الخلع وسورة الحفد) .

٢٨٨
 &

عبد العزيز : وما الذي لا أقرأ به من القرآن ! قال : القنوت ، حدثني علي بن أبي طالب أنه من القرآن (١) .

ولا أری نصوصا هي أوضح وأجلی مما سبق لإثبات جزئيتهما من القرآن في نظر سلفهم الصالح .

أما في مذهب أهل البيت عليهم السلام الذي يدين به الشيعة ، فإن كل تلك الروايات وغيرها التي تفيد المعنی المزبور مرفوضة ، وعرض الجدار مضربها .

دمج بعض الصحابة لهما في المصحف علی أنهما سورتان :

قال ابن الضريس في فضائله : أخبرنا موسی بن إسماعيل ، أنبانا حماد قال : قرأنا في مصحف أُبيّ بن كعب (اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك الخير ، ولا نكفرك ، ونخلع ونترك من يفجرك) قال حماد : هذه الآن سورة . واحسبه قال : (اللهم إياك نعبد ، ولك نصلي ونسجد وإليك نسعی ونحفد ، نخشی عذابك ، ونرجو رحمتك ، إن عذابك بالكفار ملحق) (٢) .

وفي مصحف ابن عباس قراءة أُبيّ وأبي موسی (بسم الله الرحمن الرحيم اللهم إنا نستعينك ، ونستغفرك ونثني عليك الخير ولا نكفرك ، ونخلع ونترك من

___________

(١) الدر المنثور ٦ : ٤٢٠ .

(٢) نفس المصدر .

٢٨٩
 &

يفجرك) . وفي مصحف حجر (اللهم إنا نستعينك) (١) .

أخرج البيهقي إن عمر بن الخطاب قنت بعد الركوع فقال : (بسم الله الرحمن الرحيم اللهم إنا نستعينك ... ) قال ابن جريج : حكمة البسملة أنهما سورتان في مصحف بعض الصحابة .

وأخرج محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة عن أُبيّ بن كعب أنه كان يقنت بالسورتين ، فذكرهما وأنه كان يكتبهما في مصحفه (٢) .

وفي مصحف ابن مسعود مئة واثنتا عشرة سورة ؛ لأنه لم يكتب المعوذتين ، وفي مصحف أُبيّ ست عشرة ؛ لأنه كتب في آخره سورتي الحفد والخلع (٣) .

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف ، ومحمد بن نصر والبيهقي في سننه عن عبيد بن عمير : أن عمر بن الخطاب قنت بعد الركوع فقال (بسم الله الرحمن الرحيم اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ... ) وزعم عبيد أنه بلغه أنهما سورتان من القرآن من مصحف ابن مسعود (٤) .

شبهة !

قد يقال : إن تلك الروايات التي تحكي كتابة السورتين في مصحف كل

___________

(١) نفس المصدر .

(٢) ، (٣) الإتقان في علوم القرآن ١ : ٦٥ ، ط . الحلبي الثالثة .

(٤) الدر المنثور ٦ : ٤٢١ .

٢٩٠
 &

من أُبيّ بن كعب وابن مسعود (١) وابن عباس لا يستفاد منها إلحاقها كسورتين مثل بقية سور القرآن ، وإنما كتبتا كذكر ودعاء ، في آخر المصحف حتی يسهل إيجادهما وقراءتهما ، فليس كل ما يضاف في آخر المصحف يعتبر من القرآن المنزل ، وهذا أشبه بما يفعل اليوم من دمج دعاء ختم القرآن في آخره ، وهذا لا يعني أنه دمج كسورة في المصحف .

وهذا الكلام غير صحيح ؛ لأن الروايات صريحة في كونهما سورتين ولم يعهد التعبير عن الدعاء بالسورة ، ثم إن رواياتهم بينت محل السورتين في مصحف بعض الصحابة وكيفية وضعها فيه :

فائدة : قال ابن أشته في كتاب المصاحف : أنبأنا محمد بن يعقوب ، حدثنا أبو داود ، حدثنا أبو جعفر الكوفي قال : هذا تأليف مصحف أُبيّ : الحمد ثم البقرة ثم النساء ثم آل عمران ثم الأنعام ثم الأعراف ثم المائدة ثم يونس ثم الأنفال ـ إلی أن يقول ـ ثم الضحی ثم ألم نشرح ثم القارعة ثم التكاثر ثم العصر ثم سورة الخلع ثم سورة الحفد ثم ويل لكل همزة ... إلخ (٢) .

وقال ابن النديم في الفهرست : باب ترتيب القرآن في مصحف أُبيّ بن كعب : ... الصف ، الضحی ، ألم نشرح لك ، القارعة ، التكاثر ، الخلع ثلاث

___________

(١) هذه النسبة لمصحف ابن مسعود وقعت محل كلام وخلاف .

(٢) الإتقان في علوم القرآن ١ : ٦٤ ، ط . الحلبي .

٢٩١
 &

آيات ، الحفد ست آيات اللهم إياك نعبد وآخرها بالكفار ملحق ، اللمز ، إذا زلزلت ، العاديات ، أصحاب الفيل ، التين ، الكوثر ، القدر ، الكافرون ، النصر أبو لهب ، قريش ، الصمد ، الفلق ، الناس ، فذلك مئة وست عشرة سورة ، قال : إلی هاهنا أصبحت في مصحف أُبيّ بن كعب وجميع آي القرآن في قول أُبيّ بن كعب ستة آلاف آية ومئتان وعشر آيات وجميع عدد سور القرآن (١) .

وعليه فالسورتان المزعومتان وقعتا بين السور ، وترتيبهما بهذا النحو في مصحف أُبيّ بن كعب شاهد علی أنهما دمجتا كسورتين من سور المصحف لا كدعاء ألحق في آخر صفحاته ! بل إن راوي الرواية قد صرّح بكونهما سورتين ، فجزئيتهما واضحة لا غبار عليها ، ومما يزيد الأمر وضوحا هذه الرواية :

وأخرج محمد بن نصر عن الشعبي قال : قرأت أو حدثني من قرأ في بعض مصاحف أُبيّ بن كعب هاتين السورتين : (اللهم إنا نستعينك) ، والأخری بينهما (بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ) قبلهما سورتان من المفصل وبعدهما سور من الفصل (٢) .

وواضح من موضع السورتين في المصحف أن دمجهما كان باعتبار قرآنيتهما ، وإلا لو كانتا دعاءً لما صح أن توضعا بين السور ، بل توضعا في آخر المصحف أو في هامش الصفحات ، وهذا التقريب ليس بذاك الشيء بعد

___________

(١) الفهرست ١ : ٤٠ .

(٢) الدر المنثور ٦ : ٤٢٠ ، وللزيادة تراجع روايات سورتي الخلع والحفد في الدر المنثور .

٢٩٢
 &

صراحة الروايات السابقة ونصها علی أنهما سورتان .

من عدهما سورتين من الصحابة والتابعين

يمكن أن تزودنا نظرة عابرة في رواياتهم بقائمة كبيرة من أسماء سلفهم الصالح الذين كانوا يقولون بقرآنيتهما ، وهم : أبي بن كعب ، وعبد الله بن عباس ، وأبو موسی الأشعري ، وأنس بن مالك ، وعبد الله بن مسعود وإبراهيم النخعي ، وسفيان الثوري ، والحسن البصري ، وعطاء بن رباح ، وأبو عبد الرحمان بزعم عطاء بن السائب ، وقد قال ابن عباس وعبد الرحمان بن أبي ليلی وعبد الرحمان بن أبزی وعبيد بن عمير : إن عمر بن الخطاب كان يقرأ هاتين السورتين في الصلاة .

وسيأتي ذكر كلمات علماء أهل السنة الذين صرحوا بأن هذين المقطعين سورتان في مصاحف بعض الصحابة كبقية سور القرآن .

ومن الغريب أن علّامتهم جلال الدين السيوطي قد وضع هذه الجمل التي لا ترقی لمستوی البلاغة القرآنية في آخر تفسيره الدر المنثور بعد المعوذتين إيمانا منه بأنهما سورتان من القرآن ! ولا أدري كيف خفي عليه وهو رجل أدب وحليف لغةٍ وبلاغة ما لأسلوبها من اضمحلال وضعف عن رونق الإعجاز القرآني ، وليت شعري كيف نحتج باعجاز القرآن وبلاغته علی غير أهل ملتنا مع تجويز دخول تلك العبارات في حريم القرآن ، أفلا ينفيها إعجازه البلاغي ؟!

أين ذهبت ؟!

السؤال المهم الذي علی أهل السنة الإجابة عنه هو أين ذهبت هاتان

٢٩٣
 &

السورتان ؟ ، ولماذا لم تكتبا في المصحف زمن عثمان ؟ خاصة وأن الصحابة كانوا يقرأونها بعد وفاة النبي صلی الله عليه وآله وسلم بمدة طويلة بعد زمن عثمان ، وكتبوهما في مصاحفهم ، بل كان الخليفة وغيره من التابعين يؤمّون الناس بهما في الصلاة ولا من نكير أو معترض !

ثانيا : إخراج سورتي الفلق والناس عن حريم القرآن !

هذا نوعٌ آخر من التحريف وهو إنكار المسلّم الثابت ضرورة بإجماع المسلمين ، فبعض كبار الصحابة أنكر هذا الضروري وقال بنفي قرآنية المعوذتين ، بل ادعی نزولهما من السماء كعوذتين عوّذ رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم بهما الحسنين سيدي شباب أهل الجنة عليهما السلام ، وكان هذا الصحابي متجاهرا بذلك يجادل فيه أهل لا إله إلا الله الذي اجمعوا علی خلافه ، بل ويحكّها من المصحف بدعوی أنها ليست منه ! وهذا ما نصت عليه أصح الروايات عند أهل السنة وكذا ذكرته روايات الشيعة .

من هو ابن مسعود ؟

عبد الله بن مسعود الصحابي غني عن التعريف ، ولنقتصر في الكلام عنه بما جاء في الإصابة لابن حجر : عبد الله بن مسعود . أحد السابقين الأولين ، أسلم قديما وهاجر الهجرتين وشهد بدرا والمشاهد بعدها ولازم النبي صلی الله عليه [وآله] وسلم وكان صاحب نعليه ، وحدث عن النبي صلی الله عليه [وآله] وسلم بالكثير . وآخی النبي صلی الله عليه [وآله] وسلم بينه وبين الزبير ، وبعد الهجرة بينه وبين سعد بن معاذ ، وقال له في أول الإسلام : إنك لغلام معلَّم .

٢٩٤
 &

وأخرج البغوي من طريق القاسم بن عبد الرحمان بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال : قال عبد الله : لقد رأيتني سادس ستة ، وما علی الأرض مسلم غيرنا .

وبسند صحيح عن ابن عباس قال : آخی النبي صلی الله عليه [وآله] وسلم بين أنس وابن مسعود .

وقال أبو نعيم : كان سادس من أسلم ، وكان يقول : أخذت من في رسول الله صلی الله عليه [وآله] وسلم سبعين سورة . أخرجه البخاري . وهو أول من جهر بالقرآن بمكة . ذكره ابن إسحاق عن يحيی بن عروة عن أبيه وقال النبي صلی الله عليه [وآله] وسلم : من سره أن يقرأ القرآن غضا كما نزل فليقرأ علی قراءة بن أم عبد . وكان يلزم رسول الله صلی الله عليه [وآله] وسلم ويحمل نعليه ، وقال علقمة : قال لي أبو الدرداء : أليس فيكم صاحب النعلين والسواك والوساد ، يعني عبد الله .

وقال له رسول الله صلی الله عليه [وآله] وسلم : أذنتك علی أن ترفع الحجاب وتسمع سوادي حتی أنهاك . أخرجهما أصحاب الصحيح . وعن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلی الله عليه [وآله] وسلم : تمسكوا بعهد ابن أم عبد . أخرجه الترمذي في أثناء حديث .

وأخرج الترمذي أيضا من طريق الأسود بن يزيد عن أبي موسی قال : قدمت أنا وأخي من اليمن ، وما نری ابن مسعود إلا أنه رجل من أهل بيت النبي صلی الله عليه [وآله] وسلم ؛ لما نری من دخوله ودخول أُمّه علی النبي صلی الله عليه [وآله] وسلم .

٢٩٥
 &

وعند البخاري في التاريخ بسند صحيح عن حريث بن ظهير جاء نعي عبد الله بن مسعود إلی أبي الدرداء فقال : ما ترك بعده مثله (١) .

وقد قتل علی يد جلاوزة ابن عفان حينما أمر عثمان بحمله ورميه خارج المسجد ، فأخذ وحُمل ودُقّ بالأرض فتكسّرت أضلاعه ، ومن قبلها عزله عثمان عن عمله بعد أن كان خازنا لبيت مال المسلمين في الكوفة ، وحرمه عطاءه ، ودفن ليلا بوصية منه لعمار رضوان الله تعالی عليه بعد أن استشهد بسبب كسره ، وكان مما أوصی به عمار أن لا يشهد عثمان جنازته ، وقد فعل عمار رضوان الله تعالی عليه ذلك .

مكانة ابن مسعود من القرآن عندهم

روايات أهل السنة تصور لنا ابن مسعود القارئ الأوحدي للقرآن ، وقد اعتنی به رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم أيما اعتناء ، حتی أخذ ابن مسعود من فيه صلی الله عليه وآله وسلم سبعين سورة ، وقد ذكرت رواياتهم أن : من أراد أن يقرأ القرآن غضا طريا ، كما أنزل فليقرأ بقراءة ابن مسعود ، وذكرت أيضا أنه صلی الله عليه وآله وسلم أمر الصحابة بأن يأخذوا القرآن من أربعة ، وشيخهم المتربع علی عرشهم هو ابن مسعود ، وهذه من تلك الروايات :

أخرج البخاري في صحيحه أن رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم أمر

___________

(١) الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني ٤ : ٢٣٣ ، ت ٤٩٥٧ .

٢٩٦
 &

الصحابة باستقراء القرآن من أربعة : أولهم ابن سعود .

قال عبد الله بن عمرو : إن رسول الله صلی الله عليه [وآله] وسلم لم يكن فاحشاً ولا متفحّشاً . وقال : إن أحبكم إليّ أحسنكم أخلاقاً . وقال : استقرئوا القرآن من أربعة : من عبد الله بن مسعود ، وسالم مولی أبي حذيفة وأُبيّ بن كعب ، ومعاذ بن جبل (١) .

وفي صحيح مسلم أن ابن مسعود رد نصيحة من نصحه بالقراءة علی قراءة زيد قائلا : علی قراءة من تأمروني أن أقرأ ؟! فلقد قرأت علی رسول الله صلی الله عليه [وآله] وسلم بضعاً وسبعين سورة ، ولقد عَلِم أصحاب رسول الله صلی الله عليه [وآله] وسلم أنّي أعلمهم بكتاب الله ، ولو أعلم أن أحداً أعلم مني لرحلت إليه ، قال شقيق : فجلست في حَلَق أصحاب محمد صلی الله عليه [وآله] وسلم فما سمعت أحدا يردُّ ذلك عليه ولا يعيبه (٢) .

فتدل هذه علی أن ابن مسعود لا يری أحدا أعلم بالقرآن منه ! وهو مفاد رواية أُخری أخرجها مسلم : والذي لا إله غيره ما من كتاب الله سورة إلّا أنا أعلم حيث نزلت ، وما من آية إلّا أنا أعلم فيما أنزلت ، ولو أعلم أحدا

___________

(١) صحيح البخاري (كتاب فضائل الصحابة) باب مناقب عبد الله بن مسعود ٤ : ١٩٩ .

(٢) صحيح مسلم ٧ : ١٤٨ ، لعل شقيقا هذا لم يجلس عند معلم الكل بعد رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم وهو الإمام علي عليه السلام .

٢٩٧
 &

هو أعلم بكتاب الله مني تبلغُه الإبل لركبت إليه (١) .

___________

(١) نفس المصدر .

أقول : مما لا ريب فيه أن هذا الكلام باطل ، ويكاد يغلب علی ظني أنها من نسج بني أمية الذين عمدوا لفضائل وأقوال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فنسبوها لغيره من الصحابة ، والقول السابق مشهور عنه عليه السلام ، قال العلامة الأميني رضوان الله تعالی عليه في الغدير ٦ : ١٩٣ ـ ١٩٥ : ... ويرفع عقيرته علی صهوات المنابر بقوله سلام الله عليه : ((سلوني قبل أن لاتسألوني ولن تسألوا بعدي مثلي)) . (أخرجه الحاكم في المستدرك ٢ : ٤٦٦ وصححه هو ، والذهبي في تلخيصه) .

وقوله عليه السلام : لا تسألوني عن آية في كتاب الله تعالی ولا سنة عن رسول الله صلی الله عليه [وآله] وسلم إلا أنبأتكم بذلك (أخرجه ابن كثير في تفسيره ٤ : ٢٣١ من طريقين وقال : ثبت أيضا من غير وجه) وقوله عليه السلام : سلوني والله لا تسألوني عن شيء يكون إلی يوم القيامة إلا أخبرتكم ، وسلوني عن كتاب الله ، فوالله ما من آية إلا وأنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار في سهل أم في جبل . (أخرجه أبو عمر في جامع بيان العلم ١ : ١١٤ ، والمحب الطبري في الرياض ٢ : ١٩٨ ، ويوجد في تاريخ الخلفاء للسيوطي : ١٢٤ ، والإتقان ٢ : ٣١٩ تهذيب التهذيب ٧ : ٣٣٨ ، فتح الباري ٨ : ٤٨٥ ، عمدة القاري ٩ : ١٦٧ ، مفتاح السعادة ١ : ٤٠٠) .

وقوله عليه السلام : ألا رجل يسأل فينتفع وينفع جلساءه . (أخرجه أبو عمر في جامع بيان العلم ١ : ١١٤ ، وفي مختصره : ٥٧) .

وقوله عليه السلام : والله ما نزلت آية إلا وقد علمت فيم أُنزلت ، وأين أُنزلت ، إن ربي وهب لي قلبا عقولا ، ولسانا سؤولا . (أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء ١ : ٦٨ ، وذكره

٢٩٨
 &

___________

صاحب مفتاح السعادة ١ : ٤٠٠) .

وقوله عليه السلام : سلوني قبل أن تفقدوني ، سلوني عن كتاب الله ، وما من آية إلا وأنا أعلم حيث أنزلت بحضيض جبل أو سهل أرض ، وسلوني عن الفتن ، فما من فتنة إلا وقد علمت من كسبها ومن يقتل فيها . (أخرجه إمام الحنابلة أحمد وقال : روي عنه نحو هذا كثيرا (ينابيع المودة ص ٢٧٤) .

وقوله عليه السلام وهو علی منبر الكوفة ، وعليه مدرعة رسول الله صلی الله عليه واله وسلم ، وهو متقلد بسيفه ومتعمم بعمامته صلی الله عليه واله وسلم ، فجلس علی المنبر وكشف عن بطنه فقال : سلوني قبل أن تفقدوني ، فإنما بين الجوانح مني علم جم ، هذا سفط العلم ، هذا لعاب رسول الله صلی الله عليه واله وسلم ، هذا ما زقني رسول الله صلی الله عليه واله وسلم زقا زقا ، فو الله لو ثنيت لي وسادة فجلست عليها لأفتيت أهل التوراة بتوراتهم ، وأهل الإنجيل بإنجيلهم ، حتی ينطق الله التوراة والإنجيل فيقولان : صدق عليٌّ قد أفتاكم بما اُنزل فيَّ وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون . (أخرجه شيخ الإسلام الحمويني في فرائد السمطين عن أبي سعيد) .

وقال سعيد بن المسيب : لم يكن أحد من الصحابة يقول : سلوني . إلا علي بن أبي طالب وكان إذا سئل عن مسألة يكون فيها كالسكة المحماة ويقول :

٢٩٩
 &

والأهم من هذا كله أن ابن مسعود كان آخر الصحابة عهدا بالوحي وعرضة القرآن الأخيرة علی النبي صلی الله عليه وآله وسلم ، ولسان الرواية يقول : إن ابن مسعود علم ـ بزعمهم ـ ما نُسخ وما بُدّل من الآيات ، وعليه فابن مسعود في رواياتهم أعلم الصحابة بالقرآن ، ويحتم علينا الرجوع له في معرفة نصوصه ؛ لأن قراءته هي القراءة التي استقر عليها كتاب الإسلام

___________

إذا المشكلات تصدين لي

كشفت حقائقها بالنظر

فإن برقت في مخيل الصواب

عمياء لا يجتليها البصر

مقنعة بغيوب الأُمور

وضعت عليها صحيح الفكر

لسانا كشقشقة الأرحبي

أو كالحسام اليماني الذكر

وقلبا إذا استنطقته الفنون

أبر عليها بواه درر

ولست بإمعة في الرجال

يسائل هذا وذاما الخبر ؟

ولكنني مذرب الأصغرين

أبين مع ما مضی ما غبر

(أخرجها أبو عمر في العلم ٢ ص ١١٣ ، وفي مختصره : ١٧٠ ، والحافظ العاصمي في زين الفتی شرح سورة هل أتی ، والقالي في أماليه ، والحصري القيرواني في زهر الآداب ١ : ٣٨ والسيوطي في جمع الجوامع كما ترتيبه ٥ : ٢٤٢ ، والزبيدي الحنفي في تاج العروس ٥ : ٢٦٨ نقلا عن الأمالي . وذكر منها البيتين الاخيرين الميداني في مجمع الأمثال ٢ : ٣٥٨ اه ، وهو في تفسير القرطبي ١ : ٣٥ ، فتح الباري ٨ : ٥٩٩ ، تهذيب التهذيب ٧ : ٢٩٧ ، تهذيب الكمال ٢٠ : ٤٨٧ ، الطبقات الكبری ٢ : ٣٣٩) .

٣٠٠