إعلام الخلف - ج ٢

صادق العلائي

إعلام الخلف - ج ٢

المؤلف:

صادق العلائي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الآفاق للدراسات الإسلامية
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٦٣
الجزء ١   الجزء ٢ الجزء ٣
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

متی تطرّق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال ، وقد رأينا كثيرا من الاحتمالات التفسيرية التي تساندها القرائن والشواهد وجهت إلی الآيات الثلاث . أما من ناحية التقسيم فنحن معتبر منسوخ التلاوة والحكم ، ومنسوخ التلاوة دون الحكم من قبيل التقسيم الافتراضي (١) . أما منسوخ الحكم دون التلاوة فنحن محكومون بالمواضع القرآنية التي قال عنها العلماء إنها أمثلة لقضايا النسخ . (٢)

القرآن نظرة عصريّة جديدة : أما أن تنسخ التلاوة ويبقی الحكم فقد قال به بعضهم محتجاً بأنه كانت هناك آية قيل إن نصها كان : الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة ، ولا أميل شخصياً إلی القول بهذا الرأي وأری أن حكم الرجم للزاني المحصن ثبت بالحديث الشريف والإجماع ، ويقول الأستاذ الخضري : ولا أفهم معنی آية أنزلها الله ... ونقل ما ذكرناه سابقا .

ثم قال : وأزيد علی ما قاله الأستاذ الخضري أنه بالنظر في هذه العبارة التي زعموا أنها كانت آية من القرآن لا أحس بأن بها نسج القرآن ولا روعته فقد وردت بها كلمة (البتّة) ولا أری أن هذه الكلمة قرآنية ، وهي لم ترد في القرآن أبداً وليس لها جمال ألفاظ القرآن واستعملت فيها كلمة الشيخ والشيخة بقصد الرجل والمرأة المتزوجة ، وهو استعمال فيه تكلّف

___________

(١) وهذا التقسيم الافتراضي هو الذي ذكره علماء الشيعة في كتبهم ، وإن رفضوا وقوع نسخ التلاوة بشقيه في آيات القرآن .

(٢) مباحث في علوم القرآن : ٢٥٨ ـ ٢٦٤ للدكتور القصبي زلط ط . دار القلم .

٢٤١
 &

فالشيخ في اللغة هو الطاعن في السن لا يلزم أن يكون المتزوج شيخاً بل كثيراً ما يكون شاباً ، وللقرآن تعبير جميل عن الرجل المتزوج أو المرأة المتزوجة وهو المحصن والمحصنة ، أما كلمة شيخ فاستعمالها في القرآن محدود بكبر السن وقد وردت في القرآن في ثلاثة مواضع نعرضها لنبيّن اتجاه القرآن في استعمال هذه الكلمة اتجاهاً لم يختلف ، وهو لا شك متفق مع ذوق اللغة أو هو قدوة للاستعمال العربي السليم ، وهذه الآيات هي : (قَالَتْ يَا وَيْلَتَىٰ أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَـٰذَا بَعْلِي شَيْخًا) (١) . (قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا) (٢) . (وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ) (٣) . ومن هذا التحليل نميل إلی أنه لم يوجد نسخ للتلاوة مع بقاء الحكم (٤) .

وقال في التفسير القرآني للقرآن : وقيل لا يقع النسخ بمعنی الرفع في قرآن نُزّل وتُلي ، ذلك أن القول بأن من القرآن ما نزّل وتلي ثم رفع بالنسخ فيه تعسّف شديد ومدخل إلی الفتنة والتخرّص . فإذا ساغ أن ينزل القرآن ويتلی علی المسلمين ، ثم يُرفع ، ساغ لكل مُبطل أن يقول أي قول ، ثم يدّعي

___________

(١) هود : ٧٢ .

(٢) يوسف : ٧٨ .

(٣) القصص : ٢٣ .

(٤) من مقالة للدكتور أحمد شلبي في كتاب القرآن نظرة عصرية جديدة : ١٥٤ ـ ١٥٥ .

٢٤٢
 &

له أنه كان قرآنا ثم نسخ ... وهكذا تتداعی علی القرآن المفتريات والتلبيسات ، ويكون لذلك ما يكون من فتنة وابتلاء . ثم من جهة أخری ، ما حكمة هذا القرآن الذي ينزل لأيام أو لشهور ، ثم يرفع ، فلا يتلی ولا يعرف له وجه بعد هذا ؟ أيكون ذلك الرفع بقرآن يقول للناس : إن آية كذا رفعت تلاوتها ، فلا تجعلوها قرآناً يتلی ؟ أم أن هذا النوع من النسخ يقع بمعجزة ترفع من صدور الناس ما قد حفظوا من هذا القرآن المنسوخ ؟ وإذا رفع بتلك المعجزة ، فهل تكون معجزة أُخری يرفع بها ما كتب بأيدي كتاب الوحي بين يدي النّبي ؟ وإذا رفع من الصدور أو من الصحف المكتوبة بمعجزة من المعجزات ، فما الذي يدلّ علی أن قرآنا كان ثم رفع ؟ إن هذا القول مسرف في البعد عن مجال المنطق والعقل ! (١) .

قال في أُصول الفقه الإسلامي : وقد حاولوا التمثيل له بما روي أنه كان فيما نزل من القرآن (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما) ويريدون بالشيخ المحصن وبالشيخة المحصنة ، وبما روي عن عائشة رضي الله عنها (خمس رضعات يحرمن) وكون ذلك مما نزل من القرآن أولاً في مجال النظر . لأن سند الأول ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال : (لولا أن يقول الناس زاد عمر في المصحف لأثبتّ في حاشيته الشيخ والشيخة إذا زنيا) وهو كما يقول أبو الحسين البصري (٢) لو كان ذلك قرآنا في الحال أو كان قد نسخ لم يكن ليقول

___________

(١) التفسير القرآني للقرآن ١ : ١٢٢ ، ط . دار الفكر العربي . للشيخ عبد الكريم الخطيب .

(٢) المعتمد ١ : ٤٢٩ .

٢٤٣
 &

ذلك ، فعلمنا أن ذلك سنة من النبي صلی الله عليه [وآله] وسلم وأراد عمر إن يخبر بتأكيده ، والثاني طريقه مضطرب أيضاً لأنه جاء في بعض رواياته (كان فيما نزل من القرآن عشر رضعات يحرمن ثم نسخن بخمس رضعات يحرمن وتوفي رسول الله وهن فيما يقرأ من القرآن) ، فقبول ذلك يؤدي إلی الطعن في القرآن بأنه ضاع منه شيء ، ويرد هذا كفالة الله بحفظه ، وإجماع الأُمة علی أن القرآن الذي توفي رسول الله صلی الله عليه [وآله] وسلم عنه لم يضع منه حرف واحد . وأبعد من هذا محاولة بعض الأُصوليين التمثيل لهذا النوع بالقراءة غير المتواترة . كقراءة عبد الله بن مسعود في كفارة اليمين (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) وقراءة سعد بن أبي وقاص (وله أخ أو أُخت من أُم) ، لأن القراءة غير المتواترة لم تثبت قرآنيتها حتی يقال : نسخت تلاوتها ، لأن التلاوة فرع قرآنيتها وهو غير ثابت بالاتفاق .

وإذا كانت الحكمة واضحة في نسخ الحكم دون التلاوة ... فأي حكمة في نسخ التلاوة دون الحكم ؟ وإذا كانت التلاوة نسخت فأين دليل الحكم بعد نسخ التلاوة ؟ فإن قيل إنه سنة رسول الله ، قلنا : ولِمَ لا يكون الدليل من الأول هو السنة ، وأي فائدة في تكلف القول بأنه نزل قرآن ثم نسخت تلاوته وبقي حكمه ؟ وإذا كانت الآية نزلت لبيان الحكم وللإعجاز بلفظها فليس من المعقول نسخ التلاوة وبقاء الحكم ! (١) .

___________

(١) أُصول الفقه الإسلامي : ٥٥٤ ـ ٥٥٥ . للأستاذ محمد مصطفی شلبي أستاذ ورئيس قسم الشريعة بالجامعة العربية ، أقول : روي في خطبة فاطمة الزهراء عليها السلام قولها : وسيعلم

٢٤٤
 &

قال في كتاب دراسات في علوم القرآن : الضرب الأول : وهو ما كان منسوخ التلاوة والحكم معاً فلا يجوز قراءته ولا العمل به ... وقد حكي عن قوم آخرين أنهم أنكروا هذا الضرب من النسخ لروايته من طريق الأخبار الآحاد . ومعلومٌ أن الأخبار الآحاد لا تصلح للقطع علی إنزال قرآن أو نسخه فمثل هذا الشأن العظيم الخطير لا يثبت علی القطع إلا من طريق التواتر .

الضرب الثاني : ما كان منسوخ الحكم دون التلاوة ... الضرب الثالث : ما كان منسوخ التلاوة دون الحكم ... وقد أنكر قوم هذا الضرب من النسخ لكونه غير متواتر من حيث النقل والرواية . فالأخبار الواردة في نقله أخبار آحاد وهي لا تفيد القطع في الثبوت . وقضايا القرآن من حيث الإنزال والنسخ تقتضي تواتراً في الخبر ليمكن التصديق في قطع وتعيين . وقد أجمع المحققون علی أن خبر الواحد لا ينسخ القرآن ولا الخبر المتواتر لأنه رفع للمقطوع به بالمظنون (١) .

وقال في القرآن والملحدون : أما النوع الثاني : أي المنسوخ تلاوة والباقي حكماً فلا يورد الذين يقولون به إلا الآية المسماة بآية الرجم وقد روي لها نصان وهما هذان :

١ ـ (إذا زنا الشيخ والشيخة فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيز

___________

التالون غبّ ما أسس الأولون .

(١) دراسات في علوم القرآن د . أمير عبد العزيز ، ط . دار الفرقان الأُولی .

٢٤٥
 &

حكيم)

٢ ـ (الشيخ والشيخة فارجموهما إذا زنيا البتة بما قضيا من اللذة) .

ونحن نتوقف في التسليم بهذا النوع ونعتقد أن الأُولی والله أعلم أن تكون هذا الآية نسخت حكماً وتلاوة إذا كان حقاً مما نزل ورفع . وأن الرجم في الإسلام للزاني المحصن هو حكم نبوي غير مستند إلی هذه الآية ، بدليل ما بين مدی الآية ومدی التشريع النبوي من فرق واضح ، فليس في الآية تفريق بين محصن وغير محصن ، وقد اختصت بالشيخ والشيخة دون سائر الزناة (١) .

قال في علوم القرآن : ما نسخ تلاوته دون حكمه ومثاله آية الرجم ، فعن أمامة بن سهل أن خالته قالت : لقد قرأ لنا رسول الله صلی الله عليه واله وسلم آية الرجم (الشيخ والشيخة فارجموهما البتة بما قضيا من اللذة) وعن أبي موسی الأشعري قال : نزلت سورة نحو براءة ثم رفعت وحفظ منها (إن الله سيؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم ولو أن لابن آدم واديين من مال لتمنی واديا ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله علی من تاب)

___________

(١) القرآن والملحدون : ٣٤٠ ـ ٣٤١ محمد عزة دروزة ، أقول : المؤلف لا يسلم بوقوع نسخ للتلاوة دون الحكم ، ثم يعوّل علی الظن ويحتمل أنها لو صحت تكون من باب نسخ التلاوة مع الحكم ، ومعلوم أن الظن لا يغني عن الحق شيئا ، ولازم احتماله أن الإسلام في بداية الأمر كان يحكم برجم الزاني والزانية غير المحصنين إذا كانا طاعنين في السن وهذا غريب ! وعلی أي حال فمرادنا ما ذهب له أوّلا من عدم التسليم بنسخ التلاوة دون الحكم .

٢٤٦
 &

وقد أنكر قوم هذا النوع من النسخ وهو الأرجح (١) .

قال محقق كتاب ناسخ القرآن ومنسوخه في هامش روايات نسخ التلاوة : إن صحة الإسناد لا تستدعي صحة المتن بالضرورة ... وأما مضمون هذا الحديث فإنه لا يليق بالقرآن العظيم الذي نقله الخلف عن السلف نقلا متواترا حماه من شكوك المشككين وخيالات أصحاب الأوهام المريضة لأنه الكتاب الذي تولی الرحمان حفظه فقال (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (٢) (٣) .

قال الدكتور محمد سعاد : لا نستطيع الاقتناع بصحة وجود المنسوخ

___________

(١) علوم القرآن : ١٠٠ ، أقول : كثير من علماء أهل السنة رفضوا الروايات التي أدعي فيها آيات غير موجودة في المصحف كآيتي الرجم والرضاع ، ولم نذكرهم ضمن من أنكر نسخ التلاوة لعدم وجود الملازمة الظاهرة ، وإن كان التدقيق يدخلهم في ضمن هؤلاء لأن رفض هذه الروايات لا يعني إلا عدم وجود وجه مقبول لها عندهم ، أي عدم قبول نسخ التلاوة ، وكثير من علماء الشيعة أخذوا بحشد كلمات علماء أهل السنة الذين طعنوا في حديث الرضاع أو حديث آية الرجم والأحاديث الأخری وحملوا ذلك علی إنكار مبدأ نسخ التلاوة ، ولكنا ابتعدنا عن هذا الأمر لأنه إنكار بالملازمة ولوجود كم هائل من علماء أهل السنة قد رفضوا نسخ التلاوة صراحة .

(٢) الحجر : ٩ .

(٣) ناسخ القرآن ومنسوخه لابن الجوزي : ١٣٢ .

٢٤٧
 &

تلاوة الثابت حكما لأن صفة القرآنية لا تثبت لنصّ إلا بدليل قطعي والنسخ الوارد علی القطعي لا بد أن يكون قطعياً . فلابد لإثبات كون النصوص المذكورة قرآنا منسوخا من دليلين قطعيين ، أحدهما : دالّ علی ثبوت القرآنية للنّص ، وثانيهما : دال علی زوال هذه الصفة . وواحد من الدليلين لم يقم لواحد من تلك النصوص ، فلا يتم كونه قرآنا منسوخا فلا يصح عندنا في موضع الخلاف إلا القول بثبوت النسخ في الحكم دون التلاوة (١) .

إنصافا هذه الكلمات لا يقيّم بكمها ولا بقائليها بل بما تحويه من مضامين وفكر نير ، فما أشكله هؤلاء العلماء والمشايخ والأساتذة والدكاترة من أهل السنة ، ووجهوه من اعتراضات علی مزعومة نسخ التلاوة ، لا يمكن لمن اعتقد نسخ التلاوة الإجابة عنها ، وتعتبر بمجموعها سدّا منيعا وعقبة كؤود أمام كل من يغلق عقله وفكره ويتّبع الموروثات من الماضين بلا تحقيق ولا تدقيق ، فهاهو نسخ التلاوة قول متآكل الأطراف ، واضح الفساد ، ظاهر العوار لكل من تجرّد عن الهوی والتعصب والتقليد المحض لمن حاول تعمية العقول عما هرج به بعض السلف وشانوا به القرآن .

وقوع نسخ التلاوة التزام بتحريف القرآن

بعدما اتضح فساد هذا الأصل وعدم إمكان التمسك به يمكننا القول : إن

___________

(١) صيانة القرآن من التحريف : ٣٠ .

٢٤٨
 &

عدّ من يزعم وقوع نسخ التلاوة في زمرة من يقول بتحريف القرآن ليس مبالغة ، لأن تفسير بعض الجمل المتهالكة والركيكة في أسلوبها من منسوخ التلاوة يعني التسليم بقرآنيتها في الرتبة السابقة ، وهذا يحتاج إلی تواتر في النقل لإثبات قرآنيتها ، وبما أنه مفقود في الموارد التي أدعي نسخها تلاوةً فيصبح قولنا إن هذه الجملة ـ غير المتواترة ـ من المنسوخ تلاوةً يعني نسبة ما ليس من القرآن له ، وهو عين التحريف .

ومن جهة أخری لو سلمنا أنه أمكن إثبات تواتر كل الموارد التي أدعي نسخها علی أنها كانت من القرآن ـ ودونه خرط القتاد ـ فيجب حينئذ إثبات نسخها ورفعها بالتواتر ، وهذا مفقود أيضا ، فيكون قد ثبتت قرآنية الآيات ولم يثبت نسخها مع أنها غير موجودة في مصحفنا ! وهذا عين التحريف .

وعليه يصح إلزام أهل السنة بتحريف القرآن بمقتضی قولهم بوقوع نسخ التلاوة ، لأن تحريف القرآن لازم لا ينفك عنه بفقد التواتر كما بينا ، وإن لم يعترفوا بذلك وتهربوا منه بلقلقة اللسان ، فأمرهم كأمر من يقر باستحالة التناقض ، ولكنه يعتقد أن الله واحد لكنه ثلاثة ، وثلاثة لكنه واحد ! ، فلو قال قائل إن هذا الرجل يؤمن بالتناقض مع أنه لا يعترف به بلسانه لكان صادقا بلا ريب .

لذا ذكر السيد الخوئي رضوان الله تعالی عليه في كتابه البيان : إنه يمكن أن يُدّعی أن تحريف القرآن من مذهب أهل السنة بمقتضی مبانيهم ، حتی ولو كابر أهل السنة ولم يعترفوا بدعوی هذا المدعي ، قال رضوان الله تعالی عليه :

٢٤٩
 &

وغير خفي أن القول بنسخ التلاوة بعينه القول بالتحريف والاسقاط . وبيان ذلك : إن نسخ التلاوة هذا إما أن يكون قد وقع من رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم وإما أن يكون ممن تصدی للزعامة من بعده ، فإن أراد القائلون بالنسخ وقوعه من رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم فهو أمر يحتاج إلی الاثبات . وقد اتفق العلماء أجمع علی عدم جواز نسخ الكتاب بخبر الواحد ، وقد صرح بذلك جماعة في كتب الأُصول وغيرها ، بل قطع الشافعي وأكثر أصحابه وأكثر أهل الظاهر بامتناع نسخ الكتاب بالسنة المتواترة ، وإليه ذهب أحمد بن حنبل في إحدی الروايتين عنه ، بل إن جماعة ممن قال بإمكان نسخ الكتاب بالسنة المتواترة منع وقوعه وعلی ذلك فكيف تصح نسبة النسخ إلی النبي صلی الله عليه وآله وسلم بأخبار هؤلاء الرواة ؟ مع أن نسبة النسخ إلی النبي صلی الله عليه وآله وسلم تنافي جملة من الروايات التي تضمنت أن الاسقاط قد وقع بعده . وإن أرادوا أن النسخ قد وقع من الذين تصدوا للزعامة بعد النبي صلی الله عليه وآله وسلم فهو عين القول بالتحريف . وعلی ذلك فيمكن أن يُدّعی أن القول بالتحريف هو مذهب أكثر علماء أهل السنة ، لأنهم يقولون بجواز نسخ التلاوة . سواء أنسخ الحكم أم لم ينسخ ، بل تردد الأُصوليون منهم في جواز تلاوة الجنب ما نسخت تلاوته ، وفي جواز أن يمسه المحدث . واختار بعضهم عدم الجواز . نعم ذهبت طائفة من المعتزلة إلی عدم جواز نسخ التلاوة (١) .

___________

(١) البيان في تفسير القرآن : ٢٠٥ .

٢٥٠
 &

ولكن الوهابي (عثمان . خ) الذي لايزال يتحفنا بشيء من نوادره المتنوعة فقد زاد علی جهله الذي اعتدنا عليه شيئا من شعوذته ودجله فقد تلاعب بالنص السابق من كتاب البيان ، بقوله :

قال الخوئي ـ رضوان الله تعالی عليه ـ : إن القول بنسخ التلاوة بعينه القول بالتحريف والاسقاط . وقال : إن القول بالتحريف هو مذهب أكثر علماء أهل السنة ، لأنهم يقولون بجواز نسخ التلاوة . هكذا يلبّسون علی الناس (١) .

فهذا بترة لكلام السيد الأمجد رضوان الله تعالی عليه واضح للعيان ، إذ لم يقل السيد (إن القول بالتحريف هو مذهب أكثر علماء أهل السنة) بل قال (وعلی ذلك فيمكن أن يُدّعی أن القول بالتحريف هو مذهب أكثر علماء أهل السنة) ، ولكن الوهابي بعد أن بتر أول الكلام (وعلی ذلك فيمكن أن يُدّعی) قام بتحريف (أن) التي تدل علی أن هناك كلاما سبقها وله علاقة بما بعدها ، وغيّرها إلی (إن) التي لا تدل علی وجود مثل هذا الإتصال ، وواضح أن هناك فرقا كبيرا بين القول (فيمكن أن يُدّعی أن) التي تدل علی إمكان الإدعاء من أي مدع وبين القول (قال الخوئي : إن تحريف القرآن هو مذهب أكثر علماء أهل السنة) !! ، وعلی أي حال فقد بيّن السيد الخوئي رضوان الله تعالی عليه علة إمكان مثل هذه الدعوی ، فذكر كلاما مفصلا ودليلا محكما به صارت هذه الدعوی نتيجة منطقية وأمرا لازما لا محيص عنه ، فلماذا أعرض

___________

(١) شريط الشيعة والقرآن .

٢٥١
 &

عنه الوهابي واقتطع النتيجة ثم نسبها علی نحو الجزم للسيد رضوان الله تعالی عليه نفسه ؟! ، مع أن السيد لم ينسب هذه الدعوی لنفسه بل قال (يمكن أن يُدّعی) علی صيغة المبني للمجهول !

بل حتی لو جزم به السيد رضوان الله تعالی عليه فلا وجه لاعتراض الجاهل ، فإن هذه النسبة صحيحة وجائزة بعد أن دلل عليها السيد الأمجد وأثبتها ، فصارت نتيجة منطقية للمقدمات التي يقر بصحتها أهل السنة فقوله (وعلی ذلك فيمكن أن يُدّعی أن القول بالتحريف هو مذهب أكثر علماء أهل السنة) قول صحيح نبع عن الصحيح الذي يقر به أهل السنة فصار المقام كما مثلنا لك سابقا عمن يؤمن بالنقيضين وينفيه بلقلقة اللسان ومع كل هذا الجهل والبتر والتلبيس يقول لك المخادع : (هكذا يلبّسون علی الناس) !!

ثم زاد هذا الوهابي للطين بلة ! فقال في الموضع نفسه من الشريط : هذا التيجاني نقل عن الخوئي ، هذا الخوئي الآن الذي (كذا كلامه) يقول السنة كلهم يقولون بالتحريف لأنهم يقولون بنسخ التلاوة ، هذا التيجاني ينقل عن الخوئي ، قال : قال الخوئي : فالمسلمون اخوة سواء كانوا شيعة أو سنة فهم يعبدون الله وحده ولا يشركون به شيئا وقرآنهم واحد ونبيهم واحد ، هذا في كتاب (ثم اهتديت) ، هنا برأ الخوئي ـ رضوان الله تعالی عليه ـ أهل السنة من القول بالتحريف مع أنهم جميعا يقولون بنسخ التلاوة وهو الذي قال ذلك . فهل قال هذا تقية ؟ أو أن التيجاني كذب عليه ؟ .

فهاهو لا يفرق بين اللازم والملزوم المعتقد ، فالسيد الخوئي رضوان الله

٢٥٢
 &

تعالی عليه يقول : إن رأي أهل السنة في وقوع نسخ التلاوة بلا تواتر يلزمهم اعتقاد التحريف وإن كانوا لا يصرحون به ولا يلتفتون لما تؤديه مبانيهم ، فهم يعتقدونه من حيث لا يشعرون ، فالكلام كله منسجم مع بعضه البعض والتيجاني صادق والوهابي (عثمان . خ) هو الجاهل الكاذب .

٢٥٣
 &
٢٥٤
 &

ثانيا : الشيعة الإمامية ونسخ التلاوة

الوهابية مجددا !

مازلنا نتكبد معاناة تعليم هذه الجماعة ألف باء التفكير المنطقي ، فها قد بزغ الجاهل (عثمان . خ) برأسه ليدعي أن الشيعة كأهل السنة يقولون بنسخ التلاوة وكتبهم مشحونة بذكره إما في كتبهم الأُصولية وإما في تفاسيرهم حيث يقسمون النسخ إلی ثلاثة أقسام ، نسخ الحكم دون التلاوة ونسخ الحكم والتلاوة ونسخ التلاوة دونه ، وقام بسرد المصادر !

والنقطة الجوهرية التي تحكم بجهله وجهل من التفوا حوله أن شيعة أهل البيت عليهم السلام في كتبهم الأُصولية ذكروا نسخ التلاوة ضمن التقسيم الافتراضي لموارد النسخ ، أي ذكروا أنواع النسخ المتصورة التي من الممكن أن تقع في القرآن ، لا أنها قد وقعت حقا ! ، وقد درسنا في أوليات علم المنطق أن الجواز أعم من الوقوع ، فمن الجائز عقلا أن يطمس الله عقول الوهابية ولكنه لم يقع بعد أو لعله وقع فعلا (١) .

___________

(١) (عثمان . خ) هذا قال في شريطه (الشيعة والقرآن) ما نصه : (والنسخ لا يتناول العقائد ولا الأخبار وإنما يتناول النسخ الأحكام فقط ، النسخ لا يتناول إلا الأحكام) ، وقام في مسرحية دارت بينه وبين أحد عوام الشيعة بإضفاء شيء من العلمية علی كلامه ! فأعاد نفس الكلام السابق من أن النسخ لا يتعلق إلا بالأحكام الشرعية . مع أنه كان بصدد الدفاع عما ورد في صحيحي البخاري ومسلم من الجمل التي نسبت للقرآن نحو هذه (أن بلغوا قومنا أن قد لقينا

٢٥٥
 &

وأما ذكر نسخ التلاوة في بعض تفاسير الشيعة ، فلأن الآية الكريمة (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) (١) تدل علی جواز النسخ وسبب النزول واضح في أن النسخ متعلق بالأحكام والشرائع ، ولكن البعض منهم لم يقصر الآية علی الأحكام والشرائع بل استفاد من إطلاق الآية جواز وقوع النسخ في التلاوة أيضا ، وحينما يقع يأت الله بمثلها أو بخيرٍ منها ، وقوله تعالی (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّـهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) يدل علی أن المقام مقام التذكير بقدرته تعالی علی كل شيء .

وكذا مفاد الآية الكريمة (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللَّـهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) (٢) لا يتعدی ما سبق ، وكل مسلم ـ لا الشيعة وحدهم ـ يقول إن الله تعالی قادر علی كل شيء حتی أنه يقدر

___________

ربنا فرضي عنا وأرضانا) وأمثالها بأنها لا تمس التحريف بل هي من موارد النسخ !! ، ولا أدري أين كان عقل الوهابي لينظر هل هذه الجملة المنسوخة ـ بزعمه ـ حكم شرعي أم نسخ للتلاوة ؟!! سلمنا ، فهل يوجد فيها حكم شرعي ؟!! ثم كيف يزعم أن النسخ لا يكون في الأخبار وهذا نسخ في الأخبار ؟!! أي جهل هذا ؟ ، ولا أدري كيف غفل هذا المتحدث عن لسان الشيعة ـ وما هو من العلماء !! ـ عن كثير من التناقضات والمغالطات التي دارت حول رأس الوهابي ؟! والمضحك أن الوهابية يقومون بنشر هذه الأشرطة في الأسواق فرحين مستبشرين بهذا الفتح العظيم الذي حققه أحد مشايخ (!!) الوهابية علی أحد عوام الشيعة !

(١) البقرة : ١٠٦ .

(٢) النحل : ١٠١ .

٢٥٦
 &

علی رفع القرآن بتمامه كما قال عز وجل (وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا) (١) ولكنه لم يقع ، ولكن الوهابي (عثمان . خ) الذي اعتدنا علی جهله خلط بين الوقوع والإمكان ، فساوی بين علماء الشيعة الذين يتكلمون عن إمكانه مع أهل السنة الذين يقولون بوقوعه !! فصار المسكين يلطم ذات اليمين ويركل ذات الشمال !

ولنذكر كلمات بعض علماء الشيعة الذين جوزوا وقوع نسخ التلاوة والتي ذكر بعضها الوهابي مستفيدا منها قولهم بوقوع النسخ ، والعجيب أن بعضها نص صريح في الجواز دون الوقوع !!

كلمات علماء الشيعة في جواز وقوع نسخ التلاوة :

(السيد علم الهدی المرتضی)

قال السيد المرتضی رضوان الله تعالی عليه في الذريعة في أُصول الشيعة : اعلم أن الحكم والتلاوة عبادتان يتبعان المصلحة ، فجائز دخول النسخ فيهما معا ، وفي كل واحدة دون الأخری ، بحسب ما تقتضيه المصلحة . ومثال نسخ الحكم دون التلاوة : نسخ الاعتداد بالحول ، وتقديم الصدقة أمام المناجاة . ومثال نسخ التلاوة دون الحكم غير مقطوع به ، لأنه من جهة خبر الآحاد ، وهو ما روي أن من جملة القرآن الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة فنسخت تلاوة ذلك . ومثال نسخ الحكم والتلاوة معا موجود أيضا في أخبار الآحاد

___________

(١) الإسراء : ٨٦ .

٢٥٧
 &

وهو ما روي عن عائشة أنها قالت : كان فيما أنزل الله سبحانه (عشر رضعات يحرمن) فنسخ بخمس ، وأن ذلك كان يتلی . (١)

وكلام السيد المرتضی رضوان الله تعالی عليه واضح في أنه لا يقر بوقوع النسخ لأنه آحاد ، ولكن لننظر لما فعله المشعوذ (عثمان . خ) الذي بتر الكلام ولم ينقل إلا عنوان الفصل ، بقوله :

المرتضی الذي لم يقل بالتحريف ، الوحيد الذي لم يثبت عنه (٢) ، قال :

___________

(١) الذريعة في أُصول الشيعة ١ : ٤٢٨ ـ ٤٢٩ ، أقول : لاحظ أن علماء الشيعة إذا استشهدوا بأمثلة لبيان ما ادُّعي حصول النسخ فيه فإنهم لا يتجاوزون روايات أهل السنة ، مع أن روايات الشيعة التي تضيف للقرآن جملا ليست منه كثيرة العدد ناهيك عن وجود رواية في الكافي تذكر آية الرجم المزعومة وسيأتي الكلام عنها بإذنه تعالی ، وهذا أدل دليل علی أن نسخ التلاوة صناعة سنية من رأسها إلی أخمص قدميها ، وحتی لو فرضنا وجود قائل بوقوع نسخ التلاوة من علماء الشيعة فإننا نجده مستندا في ذلك إلی آية الرجم لعمر أو رضاع للكبير لعائشة وغيرها مما ترعرع في أحضان أهل السنة ، ونستخلص أن هذا القائل ـ إن وجد ـ قال به نتيجة لتأثره بما عند أهل السنة وركونه إليهم في هذا الرأي المائل ، وكثيرا ما يحصل هذا الأمر عند القدماء وذلك لإحسانهم الظن بعلوم الغير التي لا تمس ركائز المذهب الشيعي ، وهذا ليس بعزيز وخاصة في الفقه ، ومن اطلع علی كلمات القدماء من علمائنا عليهم الرحمة يعلم أن هناك نوع تأثر بالمدرسة السنية .

(٢) قوله عن السيد المرتضی بأنه (الوحيد الذي لم يثبت عنه) كذبة أخری زادها لرصيده في الكذب ، لأنه نقل قبل ذلك في مسرحيته أسماء علماء الشيعة الذين تبرؤوا من القول بتحريف القرآن ولم يقتصر علی السيد المرتضی رضوان الله تعالی عليه ، وهذا نص كلامه في الشريط (نحن ننصف الشيعة أكثر من الشيعة أنفسهم ، قال الله تبارك وتعالی (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ

٢٥٨
 &

فصلٌ في جواز نسخ الحكم دون التلاوة ونسخ التلاوة دونه ، وهذا في الذريعة إلی أُصول الشيعة صفحة ثماني وعشرين وأربعمائة . (١)

فلم ينقل إلا عنوان الفصل ولم ينقل ما كتبه المرتضی داخله حتی لا يضطر لنقل قول السيد رضوان الله تعالی عليه : ومثال نسخ التلاوة دون الحكم غير مقطوع به ، لأنه من جهة خبر الآحاد ، فالوهابي نقل عنوان الفصل كدليل علی الوقوع !! فدلس وخادع بعدم نقل حقيقة رأي السيد المرتضی وتعامی عما كتبه تحت العنوان ، وحسب الجاهل أن الجواز هو نفس الوقوع !!

(الشيخ الطوسي)

ذكر الشيخ رضوان الله تعالی عليه في التبيان : فالنسخ في الشرع علی ثلاثة أقسام : نسخ الحكم دون اللفظ ، ونسخ اللفظ دون الحكم ، ونسخهما

___________

آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّـهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ وَاتَّقُوا اللَّـهَ إِنَّ اللَّـهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (المائدة : ٨) هذه الآية هي ميزاننا (!!) ، هي الآية هي (كذا) التي تمنعنا من أن نتقول عليهم بغير ما قالوه ، إن هناك من علماء الشيعة من تبرأ من القول بالتحريف ، الأول : ابن بابويه الصدوق ، والثاني : المفيد ، والثالث : المرتضی والرابع : أبو جعفر الطوسي ، والخامس : أبو علي الطبرسي ... الخ) ، هذا نص كلامه ، فكيف يأتي الآن في آخر مسرحيته ويكذب نفسه ويستهزئ بكلام الله عز وجل الذي جعله ميزانه ـ بزعمه ـ فيقول بكل جرأة إن السيد المرتضی رضوان الله تعالی عليه هو الوحيد الذي لم يثبت عنه التحريف ، فأين قوله السابق ؟!! وكما قيل حبل الكذب قصير ، ولا حافظة لكذوب .

(١) من شريط الشيعة والقرآن ، للوهابي (عثمان . خ) .

٢٥٩
 &

معا . فالأول ... والثاني كآية الرجم قيل إنها كانت منزلة فرفع لفظها وبقي حكمها . والثالث هو مجوز وإن لم يقطع بأنه كان . وقد روي عن أبي بكر أنه كان يقرأ لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر .

المعنی : واختلفوا في كيفية النسخ علی أربعة أوجه : قال قوم : يجوز نسخ الحكم والتلاوة من غير إفراد واحد منهما عن الآخر . وقال آخرون : يجوز نسخ الحكم دون التلاوة . وقال آخرون : يجوز نسخ القرآن من اللوح المحفوظ ، كما ينسخ الكتاب من كتاب قبله . وقالت فرقة رابعة : يجوز نسخ التلاوة وحدها والحكم وحده ، ونسخهما معا وهو الصحيح . وقد دللنا علی ذلك ، وأفسدنا سائر الأقسام في العدة في أُصول الفقه . (١)

وقال في موضع آخر : وقد أنكر قوم جواز نسخ القرآن ، وفيما ذكرناه دليل علی بطلان قولهم ، وقد جاءت أخبار متظافرة بأنه كانت أشياء في القرآن نسخت تلاوتها ، فمنها ما روي عن أبي موسی : إنهم كانوا يقرأون لو أن لابن آدم واديين من مال لابتغی إليهما ثالثاً ، لا يملا جوف ابن آدم إلا التراب . ويتوب الله علی من تاب . ثم رفع . وروي عن قتادة قال : حدثنا انس بن مالك أن السبعين من الأنصار الذين قتلوا ببئر معونة : قرأنا فيهم كتابا بلغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا ، فرضي عنا وأرضانا ، ثم إن ذلك رفع . ومنها الشيخ والشيخة وهي مشهورة . ومنها ما روي عن أبي بكر أنه قال : كنا نقرأ : لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر . ومنها ما حُكي : إن سورة الأحزاب كانت

___________

(١) التبيان في تفسير القرآن ١ : ٣٩٣ : ٣٩٤ .

٢٦٠