إعلام الخلف - ج ٢

صادق العلائي

إعلام الخلف - ج ٢

المؤلف:

صادق العلائي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الآفاق للدراسات الإسلامية
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٦٣
الجزء ١   الجزء ٢ الجزء ٣
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

الجصاص ـ وهو من اعتمد عليه أهل السنة في بيان حقيقة هذا النسخ المزعوم ـ فأنكر أصل قرآنية تلك الجمل فضلا عن نسخها تلاوة !

وزاد صاحب البرهان في الطنبور نغمة فقال عند كلامه عن نسخ تلاوة آية الرجم وحديث عمر (لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبتها بيدي) :

الظاهر قوله : (لولا أن يقول الناس ... ) أن كتابتها جائزة ، وإنما منعه قول الناس ، والجائز في نفسه قد يقوم من خارج ما يمنعه ، . وإذا كانت جائزة لزم كونها ثابتة ، لأن هذا شأن المكتوب (١) .

فعلی قوله يصبح من الجائز كتابتها في القرآن ودمجها بين آياته !! فيعارض تعريف الجصاص لنسخ التلاوة بأنه : نسخ الرسم والتلاوة إنّما يكون بأن ينسيهم الله إياه ويرفعه من أوهامهم ويأمرهم بالإعراض عن تلاوته وكتبه في المصحف فيندرس علی الأيّام كسائر الكتب القديمة .

فكيف يجتمع جواز كتابته في المصحف مع أمر الله عز وجل بالإعراض عن كتابته في المصحف ؟! .

ومع كل هذا التضارب كيف يوثق بشيء اسمه نسخ التلاوة ؟! ، سلمنا أنه يمكن الإيمان بشيء لا نعرف حقيقته (!!) ، ولكن كيف نعلم أن هذه الجملة التي نسبها الصحابي للقرآن أنها من منسوخ التلاوة حقا ولم يأت بها من مخيلته ؟! ، أفتونا مأجورين .

___________

(١) البرهان في علوم القرآن ٢ : ١٦٧ .

٢٢١
 &

٧ ـ عبثية هذا القول

ذهب بعض العلماء من الفريقين إلی رفض هذا النسخ ، لأنهم ما وجدوا سببا للقول به إلا التزام أن تلك الآيات أصاب تلاوتها خلل ونقص في إعجازها البلاغي ، فكانت عوارا يشوب القرآن ويحط من بلاغته ، لذا كان علی الله عز وجل أن يحذفها ويلغيها حتی لا يطلع الناس علی الوجه الآخر للقرآن ، وهذا الاحتمال فاسد لا يقبله مسلم ، ولو كان هناك احتمال آخر لهذا النسخ لملنا إليه ، ولكن بقاء الحكم ورفع التلاوة التي يجب أن تبقی شاهدة علی ثبوت الحكم يقفان سدا دون أي تأويل آخر .

فيجد العقل نفسه مرغما علی رفض هذا النسخ لعبثية القول به ، وإلا فما الحكمة من نزول آية قرآنية تشرع حكماً ما ، ثم يبقی الحكم وترتفع الآية التي من شأنها أن تكون مستندا يثبت ذلك الحكم علی مرّ العصور والزمان ؟! أليس من مقتضی الحكمة والأصلح للشريعة أن تبقی تلك الآيات لتحفظ أحكام الله عز وجل من النسيان وفقدان المستند !

وحيث إننا خصصنا موضعا لذكر كلمات علماء أهل السنة في هذا المجال ، فنقتصر هنا علی ما قاله السيد السبزواري رضوان الله تعالی عليه عند تعرّضه لذكر أنواع النسخ في القرآن فقال عند ذكره لنسخ التلاوة دون الحكم :

واستدلوا بآية الرجم (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة) فقالوا : إن هذه الآية لم يعد لها وجود في القرآن ، مع أن حكمها ثابت . والحق عدم وقوع هذا النوع من النسخ ، بل يعد ذلك من التحريف الذي أجمعت الإمامية

٢٢٢
 &

علی نفيه في القرآن زيادة ونقيصة ، وما استدلوا به أخبار آحاد معارضة بروايات أخری كثيرة تدل علی أن الآية ليست من القرآن ، مضافاً إلی عدم وجود المصلحة فيه إن لم تكن فيه المفسدة .

وعن نسخ التلاوة مع الحكم قال رضوان الله تعالی عليه : واستدلوا علی وقوعه بما ورد عن عائشة أنها قالت : كان في ما أنزل من القرآن (عشر رضعات معلومات يحرمن) ثم نسخن بخمس معلومات ، وتوفي رسول الله (صلی الله عليه وآله) وهن في ما يقرأ من القرآن . ويرد عليه ما أورد علی النوع السابق . مع أنه لا يتصوّر معنی معقول للنسخ في هذا النوع (١) .

وتهافت كلمات علماء أهل السنة في استكشاف سبب وعلة هذا النسخ المزعوم شاهد علی ذلك ، فالقوم ما بين متوقّف لا يخوض فيه وإنما ينقل رأي غيره فقط ، وبين متكلف لا يخرج قوله عن التخرّص والرجم بالغيب ، وهذه بعض منها ، وقد أدار ابن الجوزي الدوامة واجتهد برأيه في بيان العلة ، فقال :

إنما كان کذلك ليظهر به مقدار طاعة هذه الأمة في المسارعة إلی بذل النفوس بطريق الظن من غير استفصال لطلب طريق مقطوع به ، فيسرعون بأيْسَر شيء ، كما سارع الخليل إلی ذبح ولده بمنام والمنام أدنی طرق الوحي (٢) .

وهذا الكلام سخيف ! لأمور :

١ ـ لماذا خفيت هذه المسارعة علی إمام الحنفية وإمام المالكية وإمام

___________

(١) مواهب الرحمن ١ : ٣٨٧ ، عند تفسير آية رقم ١٠٦ من البقرة .

(٢) البرهان ٢ : ٣٧ ، الإتقان ٢ : ٢٤ ـ ٢٥ .

٢٢٣
 &

الحنابلة حيث رفضوا العمل بمضمون رواية عائشة الموجودة في صحيح مسلم الناصة علی تحريم خمس رضعات مع العلم أن هذه الرواية من موارد نسخ التلاوة بزعمهم ؟!

٢ ـ من قال إن الله عز وجل يريد من المسلمين العمل بالظن ؟! وقد قال تعالی (وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّـهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ) (١) .

٣ ـ كأنه لا يعلم أن اقتفاء أثر الظن ولو بنية المسارعة والاستجابة لأمر الله عز وجل يوقع العلماء في أحضان الكذابين والدجالين ، فإن ديدن العلماء هو التثبت في أسانيد الأحكام الشرعية تحرزا من الكذب فيها .

ثم جاء السيوطي من بعده ليقول : وخطر لي في ذلك نكته حسنة ، وهو أن سببه التخفيف عن الأمة بعدم اشتهار تلاوتها وكتابتها في المصحف وإن كان حكمها باقياً لأنه أثقل الأحكام وأشدها وأغلط الحدود ، وفيه الإشارة إلی ندب الستر (٢) .

وهذا أسخف من سابقه ، لأمور :

١ ـ دين الله عز وجل ليس عُرضةً للنكات الحسنة ، والمزاج لا يحدد مراد الله عز وجل !

٢ ـ عمر أراد كتابة آية الرجم في المصحف ، فكيف خفي عليه ندب

___________

(١) يونس : ٣٦ .

(٢) الإتقان ٢ : ٢٦ .

٢٢٤
 &

الستر فيها واكتشفها السيوطي ؟!

٣ ـ سلمنا ، ولكم هذه العلة ذكرت لخصوص آية الرجم ، فكيف بآية الرضاع وآية واديان من ذهب وفضة ، والبقية الباقية ؟!

فواضح أن كلماتهم في بيان علة هذا النسخ تؤكد أن القضية محيرة عندهم وليست بواضحة وأن المزاج كان هو المنبع لكل وجه ، لذا اعتبر بعض العلماء من أهل السنة والشيعة هذا النسخ عبثا لا يتصور له معنی ، غير أن تلك الآيات المنسوخة فيها خلل ومنقصة بلاغية ، ولا ريب إن التزامه يعني أن الله عز وجل فشل في صياغة بعض الآيات البليغة فرفعها لكي لا يفتضح الأمر ، وهل يلتزم هذا مسلم ؟!

٨ ـ لا يمكن إهماله من قبل الله عز وجل

وكما قلنا سابقا فإن نسخ التلاوة أداة خطيرة يمكن أن يسيء استعمالها أي رجل فيما بعد العصر النبي صلی الله عليه وآله وسلم فينسب أية جملة بليغة وفصيحة للقرآن ، ويقول هذه نسخت تلاوتها وبقي حكمها ، لاسيما لو كان من أمراء الجور الذين تأمروا علی الناس ، فكيف يصح قبول وقوع نسخ التلاوة في القرآن ولا يقوم النبي صلی الله عليه وآله وسلم بتوضيح موارده ومصاديقه أو علی الأقل يبين لنا الشروط والقيود التي تنسب بها الجمل إلی منسوخ القرآن ، فما هو منه حقا يلتزم به المسلمون وما ليس منه نضرب به عرض الجدار ؟! ، بل كيف يظن عاقل أن الله جعل القرآن مقياسا وميزانا تقاس به الأحاديث النبوية وأمرنا بالتمسك به ، ومع ذلك يرفع الله عز وجل بعض آياته ويهمل تحديد ما رفع علی وجه القطع واليقين ليكون عرضة للمتقولين ؟! ، هذا بالإضافة إلی أن الإعجاز البلاغي للقرآن كان سببا لإسلام

٢٢٥
 &

كثير من الناس ، ونسبة أي جملة ركيكة إلی القرآن تهدم هذا الإعجاز ، فكيف يتهاون في تشخيص تلك الموارد كي نتحرز عما يسف ببلاغة القرآن إلی الحضيض ويكون وصمة عار علی جبينه ومزلقة لإعجازه ؟!

ذكر أقوال بعض من أنكر نسخ التلاوة من أهل السنة :

وبعد أن ذكرنا أدلة تبين فساد القول برفع تلاوة بعض الآيات ، نری من نافلة القول تأييد تلك الأدلة بشيء من أقوال علماء أهل السنة الذين رفضوا مبدأ نسخ التلاوة فضلا عن وقوعه في القرآن الكريم ، ونعتز بهذه الشهادات ؛ إذ أنها تنم عن التحرر من قيود المقدسات الموروثة والرفض لما أملاه التاريخ عليهم :

قال الجصاص : وقالت طائفة : لا يجوز نسخ القرآن وتلاوته ، ولكن يجوز نسخ الحكم مع بقاء التلاوة (١) .

قال أبو إسحاق الشيرازي : وقالت طائفة لا يجوز نسخ التلاوة مع بقاء الحكم ، لأن الحكم تابع التلاوة فلا يجوز أن يرتفع الأصل ويبقى التابع (٢) .

قال الزركشي : وجزم شمس الأئمة السّرخسي بامتناع نسخ التلاوة مع بقاء الحكم ، لأن الحكم لا يثبت بدون تلاوة . وقد أورد علی أثر عمر السابق

___________

(١) الفصول في الأُصول ٢ : ٢٥٣ .

(٢) اللمع في أُصول الفقه ١ : ٥٨ لأبي إسحاق الشيرازي ، وفي شرح اللمع ١ : ٤٩٧ مسألة رقم ٥٣١ ط . دار المغرب الإسلامي : (وذهبت طائفة إلی أنه لا يجوز نسخ الرسم مع بقاء الحكم ، واحتجوا بأن الحكم تابع للرسم فلا يجوز أن يرتفع الرسم ويبقی الحكم لا يتبعه) .

٢٢٦
 &

كونه مما نسخ رسمه لأن القرآن لا يثبت بمثل هذا فإن من أنكر آية من القرآن كفر ، وبمثل هذا لا يكفر فإذا لم يثبت كونه قرآنا ، فكيف يُدّعی نسخه ؟ والرجم ما عرف بهذا بل بحديث ماعز . وكذلك حديث عائشة فإن القرآن لا يثبت بخبر الواحد فلا تثبت به تلاوة ما هو من القرآن وحكمه معا ، فإنا لا نعقل كونه منسوخا حتی نعقل كونه قرآناً وكونه من القرآن لا يثبت بخبر الواحد .

وقال : ولهذا قال صاحب المصادر : وأما نسخ التلاوة دون الحكم فوجوده غير مقطوع به ، لأنه منقول من طريق الآحاد ، كذلك نسخهما جميعاً (١) .

قال أبو جعفر النّحاس : وأحسن ما قيل في معناه ـ أي معنی كلمة (نُنسِها) من آية النسخ : أو نتركها ونؤخّرها فلا ننسخها . ونسخٌ ثالثٌ ، وهو من نسخت الكتاب ، لم يذكر أبو عبيد إلّا هذه الثلاثة . وذكر غيره رابعاً فقال : تُنزّل الآية وتتلی في القرآن ثم تنسخ فلا تتلی في القرآن ولا تُثبّت في الخط ويكون حكمها ثابتاً . كما روی الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس قال : خطبنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال : كنا نقرأ : الشيخ والشيخة إن زنيا فارجموهما البتة بما قضيا من اللذة . قال أبو جعفر : وإسناد الحديث

___________

(١) البحر المحيط في أُصول الفقه للزركشي ٤ : ١٠٤ ، أقول : من المسلمات أن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر ، وكذا نسخه لأن القطعي لا يرفعه الظني ، لاحظ تكرار هذا المعنی ـ احتياج إثبات القرآن أو نسخه إلی التواتر ـ في كلماتهم .

٢٢٧
 &

صحيح ، إلّا أنه ليس حكمه حكم القرآن الذي نقله جماعة عن جماعة ولكنّه سنة ثابتة ، وقد يقول الإنسان : كنت أقرأ كذا لغير القرآن ، والدليل علی هذا أنّه قال ولولا أني أكره أن يُقال زاد عمر في القرآن لزدتها (١) .

قال الشوكاني : منع قوم من نسخ اللفظ مع بقاء حكمه ، وبه جزم شمس الدين السرخسي ، لأن الحكم لا يثبت بدون دليله (٢) .

وقال الشيخ الجزيري كلاما قيما للغاية يستحق الاحترام : إن المسلمين قد أجمعوا علی أن القرآن هو ما تواتر نقله عن رسول الله عن ربّ العزة ، فكيف يمكن الحكم بكون هذا قرآنا ، خصوصاً وقد صرّح بعض أئمة المسلمين بأن لا يجوز الحكم علی كتاب الله المتواتر بما ليس بمتواتر ، وعلی هذا فمن المشكل الواضح ما يذكره المحدثون من روايات الآحاد المشتملة علی أن آية كذا كانت قرآناً ونسخت ، علی أن مثل هذه الروايات قد مهّدت لأعداء الإسلام إدخال ما يوجب الشك في كتاب الله ، فمن ذلك ما روي عن ابن مسعود من أن المعوّذتين ليستا من كتاب الله من الروايات الفاسدة ، فإن معنی هذا التشكيك في كتاب الله المتواتر كلمة كلمة وحرفاً حرفا ، ولهذا جزم الفخر الرازي بكذب هذه الرواية ، ومن ذلك ما قيل : إن آية القنوت كانت موجودة في مصحف أُبيّ ثم سقطت . فهذا وأمثاله من الروايات التي فيها الحكم علی القرآن المتواتر بأخبار الآحاد ، فضلاً عن كونه ضاراً بالدين فيه تناقض ظاهر .

___________

(١) الناسخ والمنسوخ لأبي جعفر النحاس : ٦٠ ـ ٦١ تحقيق د . محمد عبد السلام محمد .

(٢) إرشاد الفحول : ١٩٠ ـ ١٩٨ .

٢٢٨
 &

ثم قال مبينا عبثية هذا النسخ : ولكن نسخ اللفظ وبقاء معناه لم تظهر له فائدة ما معقولة ، بل قد يقال عليه : إن نسخ الأحكام معقول لأنها تابعة لأحوال الأُمم وتطوراتها ، فلها فائدة واضحة ، بل قد تكون الأحكام الوقتية ضرورية للأُمة حديثة العهد بالتشريع ، أما رفع اللفظ مع بقاء معناه فإن دل علی شيء فإنما يدل علی أن هذا اللفظ لا يناسب وضعه في هذه الجملة فلما وضع وظهر فساده حُذف ، وهذا مستحيل علی الله تعالی العليم الخبير ، ومع هذا فقد يقال : إن الحكم لا بدل له من لفظ يدل عليه ، فإذا رفع اللفظ فما هو الدليل الذي يدل عليه ؟ فإن قلتم : إنه دل عليه قبل رفعه . قلنا : وقد انتفت الدلالة بعد رفعه فلم يبق للحكم دليل . فإن قلتم : إن دليل الحكم اللفظ الذي يبينه به الرسول ، قلنا : إن الحكم في هذه الحالة يكون ثابتا بالحديث لا بالقرآن المنسوخ ، فالحق أن القول بجواز نسخ اللفظ مع بقاء المعنی واه ، ومع ذلك كله فأي دليل يدل علی أن اللفظ نسخ وبقي معناه ؟ إنه لا دليل لا في قول عائشة ـ آية الرضاع ـ ولا في غيره (١) .

قال الشيخ محمد رشيد رضا : وقالوا : إن المراد بالإنساء إزالة الآية من ذاكرة النبي صلی الله عليه وآله ، وقد اختلف في هذا أيكون بعد التبليغ أم قبله ؟ فقيل بعده كما ورد في أصحاب بئر معونة وقيل قبله حيث إن السيوطي روی في أسباب النزول أن الآية كانت تنزل علی النبي صلی الله عليه وآله ليلا فينساها نهاراً فحزن لذلك فنزلت الآية . قال الأُستاذ

___________

(١) كتاب الفقه علی المذاهب الأربعة ٤ : ٢٥٧ ـ ٢٥٩ ، ط . الاستقامة السادسة .

٢٢٩
 &

الإمام (١) : ولا شك عندي في أن هذه الرواية مكذوبة وإن مثل هذا النسيان محال علی الأنبياء عليهم السلام لأنهم معصومون في التبليغ والآيات الكريمة ناطقة بذلك كقوله تعالی (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ) (٢) . وقوله : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (٣) . قد قال المحدثون والأُصوليون : إن من علامة وضع الحديث مخالفته للدليل القاطع عقليا كان أو نقليا كأُصول الاعتقاد وهذه المسألة منها فإن هذا النسيان ينافي العصمة المجمع عليها .

وعلّق الشيخ رشيد رضا علی ما نزل في بئر معونة وهي الآية المزعومة التي ذكرناها سابقا بقوله : وروی البخاري وغيره أنه نزل فيهم وحي منه حكاية عنهم (بلغوا قومنا أن قد لقينا ربّنا فرضي عنا ورضينا عنه) وليس كل وحي قرآناً فإن للقرآن أحكاماً ومزايا مخصوصة وقد ورد في السنة كثير من الأحكام مستندة إلی الوحي ولم يكن النبي صلی الله عليه واله وسلم ولا أصحابه يعدونها قرآنا ، بل جميع ما قاله عليه السلام علی أنه دين هو وحي عند الجمهور واستدلوا عليه بقوله : (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ) (٤) . وأظهره الأحاديث القدسية . ومن لم يفقه هذه التفرقة من العلماء وقعت لهم أوهام في بعض الأحاديث رواية ودراية وزعموا أنها كانت

___________

(١) شيخ الأزهر الشيخ محمد عبده .

(٢) القيامة : ١٧ .

(٣) الحجر : ٩ .

(٤) النجم : ٣ ـ ٤ .

٢٣٠
 &

قرآناً ونسخت (١) .

وقال الشيخ محمد الخضري بك : أما نسخ التلاوة مع بقاء الحكم فقد خالف فيه بعض المعتزلة وأجازه الجمهور محتجين بأخبار آحاد وردت في ذلك لا يمكن أن تقوم برهاناً علی حصوله (٢) ، وأنا لا أفهم معنی لآية أنزلها الله لتفيد حكماً ثم يرفعها مع بقاء حكمها ! لأن القرآن يقصد منه إفادته الحكم بنظمه فما هي المصلحة في رفع آية منه مع بقاء حكمها ؟ إن ذلك غير مفهوم وفي رأيي أنه ليس هناك ما يلجئني إلی القول به . وحكی القاضي أبو بكر في (الانتصار) عن قوم إنكار هذا القسم لأنّ الأخبار فيه أخبار آحاد ولا يجوز القطع علی إنزال القرآن ونسخه بأخبار آحاد لا حجة فيها . (٣)

وقال في فتح المنّان في نسخ القرآن : وذهبت طائفة من العلماء إلی إنكار هذا النوع من النسخ وعدم وقوعه في كتاب الله عز وجل ، لأنّه عيب لا يليق بالشارع الحكيم ، لأنه من التصرّفات التي لا تعقل لها فائدة ، ولا حاجة إليها وتنافي حكمة الحكيم .

والحق يقال : إن هذا النوع من النسخ وإن كان جائزاً عقلا ولكنّه لم يقع في كتاب الله عزّ وجل ، لأنّ هذه الروايات آحاد ، والقرآن الكريم لا يثبت

___________

(١) تفسير المنار ١ : ٤١٤ ـ ٤١٥ ، ط . دار المعرفة .

(٢) لاحظ أن هناك فرقا بين الحصول أي الوقوع وبين الجواز ، وهذا سنستفيد منه فيما يأتي بإذنه تعالی .

(٣) أُصول الفقه : ٢٥٧ ، ط . الاستقامة الثالثة .

٢٣١
 &

بروايات الآحاد مهما كانت مكانة قائلها ، ولابد فيه من التواتر ، كما أجمع عليه العلماء قديما وحديثا . ولو أنّه صح ما قالوه لاشتهر بين الصحابة جميعاً ولحفظه كثير منهم أو كتبوه في مصاحفهم . ولكن لم يرد شيء عن غير هؤلاء الرواة . فلا يمكن القطع بأنّ هذه الآيات التي ذكروها كانت مسطورة في عهد النبي صلی الله عليه [وآله] وسلم وفي صحف كتّاب الوحي ثمّ نسخت بعد ذلك ورفعت من المصحف ـ كما رواه بعض الصحابة ـ وبقي حكمها للعمل به . وأيضاً فإن الحكم لا يثبت إلّا من طريق النصّ ، ولم يظهر لزوال النص وحده حكمة من عمل الحكيم لأنّ الحكم ما زال قائماً لم ينسخ ، فأي فائدة في نسخ تلاوته ؟

قال : ولعلّ ما قاله سيدنا عمر بن الخطاب : (إنا كنّا نقرأ في كتاب الله . . .) الكتب التي كان يحفظها هو وغيره ، من باب المبالغة في تشبيه الأحكام التي قالها الرسول بالآيات القرآنية ، لأنّ كلاً من السنّة الصحيحة والقرآن الكريم واجب الطاعة . وقد كان من الصحابة من يكتب الحديث ليحفظه حتی نهی الرسول صلی الله عليه [وآله] وسلم عن كتابة ما ليس بقرآن ، إلّا ما كان في صحيفة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ، هنا نستطيع أن نقول : بأنّ هذه الآية التي قالها عمر كانت أحكاما حفظها عن الرسول بألفاظ الرسول صلی الله عليه [وآله] وسلم ، والتعبير بأنّها آية من كتاب الله مجاز ، ولو كان ما قاله سيدنا عمر من باب الحقيقة لا المجاز .

أقول : يقصد أن عمر بن الخطاب أخطأ في قوله : إن جملة الرجم آية من كتاب الله عز وجل بل هي من السنة ، فعلی هذا الكلام عمر يری تحريف

٢٣٢
 &

القرآن ولكنه أخطأ في رأيه .

وقال : ولأنّه يخالف المعقول والمنطق ، ولأن مدلول النسخ وشروطه التي اشترطها العلماء فيه لا تتوفّر ، ولأنّه يفتح ثغرة للطاعنين في كتاب الله تعالی من أعداء الإسلام الذين يتربّصون به الدوائر وينتهزون الفرصة لهدمه وتشكيك الناس فيه .

ثم قال في نهاية المطاف : وأميل إلی هذا الرأي لأنّ الصواب في جانبه . فالمنسوخ تلاوة الثابت حكماً غير موجود في كتاب الله تعالی . فالحق عدم جوازه (١) .

وقال في كتاب مباحثٍ في علوم القرآن : والولوع باكتشاف النسخ في آيات الكتاب أوقع القوم في أخطاء منهجيّة كان خليقاً بهم أن يتجنّبوها لئلّا يحملها الجاهلون حملاً علی كتاب الله (٢) : لم يكن يخفی علی أحد منهم أن القرآنية لا تثبت إلّا بالتواتر وأن أخبار الآحاد ظنّية لا قطعيّة ، وجعلوا النسخ في القرآن ـ مع ذلك ـ علی ثلاثة أضرب : نسخ الحكم دون التلاوة ، ونسخ التلاوة دون الحكم ، ونسخ التلاوة والحكم جميعاً ، وليكثروا إن شاءوا من

___________

(١) فتح المنان في نسخ القرآن : ٢٢٤ ـ ٢٣٠ للشيخ علي حسن العريض مفتّش الوعظ بالأزهر .

(٢) لا أظن أنه خفي علی الدكتور صبحي الصالح أن الولوع في تلميع صورة الصحابة وتنزيه ساحة الصحيحين هو السبب في اختراع هذا النسخ ، والعلة ليست هي الولوع باكتشاف النسخ في القرآن ! لأن موارد المنسوخ تلاوة ليست موجودة بين دفتي المصحف وإنما هي موجودة في الصحيحين وغيرهما .

٢٣٣
 &

شواهد الضرب الأول ، فإنهم فيه لا يمسّون النص القرآني من قريب ولا بعيد ، إذ الآية لم تنسخ تلاوتها بل رفع حكمها لأسرار تربويّة وتشريعيّة يعلمها الله ، أما الجرأة العجيبة في الضربين الثاني والثالث اللذين نسخت فيهما بزعمهم تلاوة آيات معينة إما مع نسخ أحكامها وإما دون نسخ أحكامها ، والناظر في صنيعهم هذا سرعان ما يكتشف فيه خطأً مركّبا : فتقسيم المسائل إلی أضرب إذا كان لكل ضربٍ شواهد كثيرة أو كافية علی الأقل ليتيسّر استنباط قاعدة منها . وما لعشّاق النسخ إلّا شاهد أو اثنان علی كل من هذين الضربين (١) ، وجميع ما ذكروه منها أخبار أحاد ، ولا يجوز القطع علی إنزال القرآن ونسخه بأخبار آحاد لا حجّة فيها ، وبهذا الرأي السديد أخذ ابن ظفر في كتابه الينبوع إذ أنكر عدّ هذا مما نسخت تلاوته وقال : لأن خبر الواحد لا يثبت القرآن (٢) .

___________

(١) ذكر في الهامش : وأما الضرب الذي نسخت تلاوته دون حكمه فشاهده المشهور ما قيل من أنه كان في سورة النور : (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتّة نكالاً من الله) ، ومما يدل علی اضطراب الرواية أنه جاء في صحيح ابن حبّان ما يفيد أن هذه الآية التي زعموا نسخ تلاوتها ليست من آيات سورة النور ، وأما الضرب الذي نسخت تلاوته وحكمه معاً فشاهد المشهور في كتب الناسخ والمنسوخ ما ورد عن عائشة رضي الله عنه أنها قالت : كان فيما أنزل من القرآن : عشر رضعات معلومات يحرمن ، ثم نسخن بخمس معلومات ، وتوفي رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم وهي فيما يقرأ من القرآن . اهـ

(٢) مباحث في علوم القرآن : ٢٦٥ ـ ٢٦٦ للدكتور صبحي الصالح .

٢٣٤
 &

وقال في إعجاز القرآن : ونحسب أن أكثر ذلك مما افترته المُلْحِدة وتزيّدت به الفئة الغالية ، وهم فِرقٌ كثيرة يختلفون فيه بغياً بينهم ، وكلهم يرجع إلی القرآن بزعمه ويری فيه حجّته علی مذهبه وبَيّنته علی دعواه ، ثم أهل الزيغ والعصبية لآرائهم في الحق والباطل ، ثم ضعاف الرواة ممن لا يميّزون أو ممن تُعارضهم الغفلة في التمييز وذلك سواء كله ظلمات بعضها فوق بعض ، ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ، وقد وردت روايات قليلة في أشياء زعموا أنها كانت قرآنا ورفع ، علی أن رسول الله صلی الله عليه [وآله] وسلم كان يقرر الأحكام عن ربّه إذا لم ينزل بها قرآن ، لأن السنة كانت تأتي مأتاه وكذلك قال عليه الصلاة والسلام : «أوتيت الكتاب ومثله معه يعني السنن . وليس كل وحي بقرآن ، علی أن ما ورد من ذلك ورد معه اضطرابهم فيه وضعف وزنه في الرواية ، وأكبر ظننا أنها روايات متأخرة من مُحْدثات الأُمور ، وأن في هذه المحدثات لما هو أشد منها وأجدی بشؤمه . ولو كان من ذلك شيء في العهد الأول لرُويت معها أقوال أخری للأئمة الأثبات الذين كان إليهم المفزعُ من أصحاب رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم وهم كانوا يومئذ متوافرين ، وكلهم مُقْرِن لذلك قويّ عليه ، وكانوا يعلمون أن المِراء في القرآن كفر ورِدّة ، وأن إنكار بعضه كإنكاره جملة ، وقد أجمعوا علی ما في مصحف عثمان وأعطوا بَذْلَ ألسنتهم في الشهادة ـ أي قوّتها ـ وما استطاعت من تصديق ، ونحن من جهتنا نمنع كل المنع ، ولا نعبأ أن يقال إنه ذهب من القرآن شيء ، وإن تأوّلوا ذلك وتمحلوا وإن أسندوا الرواية إلی جبريل وميكائيل ، ونعدّ ذلك من السَّوْءة الصلْعاء التي لا يرحضها من جاء

٢٣٥
 &

بها ، ولا يغسلها عن رأسه بعد قول الله : (لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ) (١) أفتُری باطلهم جاءه من فوقه إذن ... ؟ ولا يتوهم أحد أن نسبة بعض القول إلی الصحابة نصٌ في أن ذلك المقول صحيح البتة فإن الصحابة غير معصومين ، وقد ... الخ» (٢) ، وذكرنا تكملة قوله فيما سبق ، فراجع .

وقال في الفرقان : «ومن أعجب العجاب ادّعاؤهم أنّ بعض الآيات قد نسخت تلاوتها وبقي حكمها ، وهو قول لا يقول به عاقل إطلاقاً ! وذلك لأنّ نسخ أحكام بعض الآيات مع بقاء تلاوتها أمر معقول مقبول ، حيث إنّ بعض الأحكام لم تنزل دفعةً واحدةً ، بل نزل تدريجيّاً ... أمّا ما يدّعونه من نسخ تلاوة بعض الآيات مع بقاء حكمها فأمر لا يقبله إنسان يحترم نفسه ويقدّر ما وهبه الله تعالی من نعمة العقل ، إذن ما هي الحكمة في نسخ تلاوة آية مع بقاء حكمها ؟! ما الحكمة من صدور قانون واجب التنفيذ ، ورفع ألفاظ هذا القانون مع بقاء العمل بأحكامه ؟! ... » (٣) .

قال في النسخ في القرآن الكريم : ولابد من وقفة هنا ، عند النوع الثالث للنسخ ذكره الأُصوليون ، واعتمدوا فيه علی آثار لا تنهض دليلاً له ، مع أن الآيتين اللتين تتحدثان عن النسخ في القرآن كريم لا تسمحان بوجوده إلّا علی تكلّف ومع أنه يخالف المعقول والمنطق ، ومن أن مدلول النسخ وشروطه

___________

(١) فصلت : ٤٢ .

(٢) إعجاز القرآن للدكتور مصطفی صادق الرافعي : ٤٢ ـ ٤٣ ، ط . الاستقامة الخامسة .

(٣) الفرقان لابن الخطيب : ١٥٦ .

٢٣٦
 &

لا تتوافر فيه . وهذا النوع هو منسوخ التلاوة باقي الحكم ، كما يعبر عنه الأُصوليون . أما الآثار التي يحتجون له بها ، وهي تنحصر في آيتي رجم الشيخ والشيخة إذا زنيا وتحريم الرضعات الخمس (١) ، فمعظمها مروي عن عمر وعائشة رضي الله عنهما ، ونحن نستبعد صدور مثل هذه الآثار عنهما ، بالرغم من وردها في الكتب الصحاح ، فإن صحة السند لا تعني في كل الأحوال سلامة المتن ! .

ثم قال : علی أنه قد ورد في الرواية عن عمر قوله بشأن آية حد الرجم فيما زعموا (ولولا أن يقال زاد عمر في المصحف لكتبتها) وهو كلام يوهم أنه لم ينسخ لفظا أيضا ، مع أنهم يقولون إنها منسوخة اللفظ باقية الحكم ! . وكذلك ورد نص الآية في الروايات التي أوردته ، بعبارات مختلفة ، فواحدة منها تذكر قيد الزنا بعد ذكر الشيخ والشيخة ، وواحدة لا تذكره ، وثالثة تذكر عبارة (نكالا من الله) ، ورابعة لا تذكرها . وما هكذا تكون نصوص الآيات القرآنية ولو نسخ لفظها ! . وفي بعض هذه الروايات جاءت بعض العبارات

___________

(١) أقول : يتّضح هنا صحّة ما ذهبنا إليه من أن روايات الصحيحين هي المحفز لإيجاد تبرير ومنفذ شرعي يحكم علی ضوئه بصحة تلك الروايات مع عدم إدخال أحد الصحابة في دائرة تحريف القرآن فنتج القول بنسخ التلاوة ، ولهذا قال المؤلف إن أدلة الوقوع تنحصر في آية الرجم التي أخرجها البخاري ، وآية الرضاع التي أخرجها مسلم ، مع أن كثيرا من الموارد موجودة في كتب أخری ولكنه اقتصر علی ذكر هاتين الروايتين لما فيهما من خصوصية عدم إمكان تكذيبهما عند جمهور علماء أهل السنة .

٢٣٧
 &

التي لا تتفق ومكانة عمر ولا عائشة ، مما يجعلنا نطمئن إلی اختلاقها ودسها علی المسلمين .

ثم يتابع قائلا : وفي الروايات التي تذكر أنه قال قد نسخ لفظ التحريم بخمس رضعات وبقي حكمها معمولاً به ـ وهي مروية عن عائشة رضي الله عنها ـ فيها كثير من الاضطراب ، يحملنا علی رفضها من حيث متنها . ومن ثم يبقی منسوخ التلاوة باقي الحكم مجرد فرض ، لم يتحقق في واقعة واحدة ولهذا نرفضه ، ونری أنه غير معقول ولا مقبول (١) .

قال في كتاب مباحث في علوم القرآن : ذهب جمهور الفقهاء والأُصوليين والمفسرين إلی أن النسخ في القرآن ينقسم إلی ثلاثة أقسام : نسخ التلاوة والحكم ، نسخ التلاوة مع بقاء الحكم ، نسخ الحكم مع بقاء التلاوة . أدلة الجمهور ومناقشتها : استدل الجمهور علی وقوع النوع الأول في القرآن بقول عائشة رضي الله عنها : كان فيما أنزل الله عشر رضعات معلومات يحرمن فنسخن بخمس معلومات ، فتوفي رسول الله صلی الله عليه [وآله] وسلم وهنّ مما يقرأ من القرآن . ووجه الاستدلال أن هذا الحديث يدل بظاهره علی أنه كان من القرآن النازل علی رسول الله صلی الله عليه [وآله] وسلم والذي كان يردده الناس تلاوة وقراءة (عشر رضعات) ثم نسخت هذه الآية تلاوة وحكماً بـ (خمس معلومات) ، ثم نسخت الأخيرة قرب وفاة الرسول صلی الله عليه [وآله] وسلم ، ويری بعض الفقهاء أنها نسخت حكماً وتلاوة ، ويری آخرون

___________

(١) النسخ في القرآن الكريم د . مصطفی زيد ١ : ٢٨٣ ـ ٢٨٤ مسألة رقم ٣٨٨ وما بعد .

٢٣٨
 &

أنها نسخت حكماً دون التلاوة (١) فمن لم يبلغه النسخ كان يقرأها فيما يقرأ من القرآن بعد وفاة رسول الله صلی الله عليه [وآله] وسلم ، فالحكم لا يرتفع بوجود الناسخ ، بل ببلوغه ، كما يقول بعض الأُصوليين ، فأهل قباء كانوا يصلون إلی البيت المقدس إلی أن أتاهم الآتي فأخبرهم بالناسخ فمالوا نحو الكعبة . ونتسائل هل هذا الكلام ـ دليلاً واستدلالاً ـ مسلّم ؟ يقول بعض العلماء : حديث عائشة الذي رواه مالك وغيره لا يصح الاستدلال به ، لاتفاق الجميع علی أنه لا يجوز نسخ تلاوة شيء من القرآن بعد رسول الله صلی الله عليه [وآله] وسلم ولا إسقاط شيء منه . وهذا الحديث يفيد أنه سقط شيء من القرآن بعد وفاته ... وهذا الخطأ الصراح . ونقل صاحب البرهان عن بعض العلماء إنكار هذا القسم : لأن الأخبار فيه أخبار آحاد ولا يجوز القطع علی إنزال قرآن ونسخه بأخبار آحاد لا حجّة فيها (٢) ، وعلی فرض تسليم جعل الحديث السابق دليلا يصح أن يؤوّل تأويلا آخر يبعده عن دائرة الاستدلال في نظر بعض الباحثين : فقد يكون المراد من قول السيدة عائشة : كان فيما أنزل الله ، وحياً غير القرآن ، فالذي ينزل علی النبي ليس يلازم أن يكون قرآناً ، فقد يكون حديثاً نبوياً أو قدسياً ، وقد قال رسول الله صلی الله عليه [وآله] وسلم

___________

(١) أقول : هذا وهم من الكاتب والأصح أن يقول (تلاوة دون الحكم) لأن ما قاله هو التحريف الصريح !! ، ونحمد الله أن هذا الكاتب المحترم لم يكن شيعيا وإلا لتصيد الوهابية سهو قلمه وكان سهوه سببا لنسبة التحريف لكل أعيان الشيعة !

(٢) البرهان ٢ : ٣٩ ، راجع صحيح مسلم ١٠ : ٣٠ ، ونيل الأوطار للشوكاني ٧ : ١١٦ .

٢٣٩
 &

فيما أخرج البخاري : ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه . (١) ولكن هذا التأويل يرده حديث عائشة في نهاية الحديث : وهن مما يقرأ من القرآن ، إلا أن بهذه العبارة : أن حكم تحريم الرضاع بخمس من الأحكام التي دارت علی الألسنة واستقرت في النفوس مثل آيات من القرآن . وعلی كلٍ فإذا استبعدنا هذا التأويل ، فلا حرج إذا رفضنا الحديث كدليل لعدم صلاحيته .

واستدل الجمهور علی وقوع النوع الثاني لما روي عن عمر بن الخطاب أنه قال : إن الله قد بعث محمداً بالحق وأنزل عليه الكتاب فكان فيما أنزل آية الرجم قرأناها ووعيناها وعقلناها ، فرجم رسول الله ورجمنا بعده ، فأخشی إن طال بالناس زمان أن يقول قائل : ما نجد الرجم في كتاب الله ، فيضل بترك فريضة أنزلها الله .

ومن أدلّتهم أيضا حديث عائشة السابق ، وآية الرجم المشار إليها وهي الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة ، وروي عن عمر أيضاً أنه قال في تأكيد حكمها : لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبتها . ونتساءل مرّة ثانية هل هذا الكلام ـ دليلاً واستدلالاً ـ مسلّم ؟ أما الآثار الـتي يحتجون بها ... ـ فذكر ما نقلناه سابقا ـ .

ثم قال : نحن مقتنعون باستبعاد الأدلة الثلاثة ـ أدلة ثبوت النسخ بأقسامه الثلاثة ـ عن دائرة الاستدلال ، ولا حرج علينا إذا ناصرنا هذا الرأي ، فالدليل

___________

(١) النسخ في الشريعة الإسلامية : ١٤ ، أقول : وهذا ما ذكرناه سابقا من معنی التنزيل الموجود بكثرة في روايات الشيعة التي أوحت بشبهة التحريف .

٢٤٠