إعلام الخلف - ج ٢

صادق العلائي

إعلام الخلف - ج ٢

المؤلف:

صادق العلائي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الآفاق للدراسات الإسلامية
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٦٣
الجزء ١   الجزء ٢ الجزء ٣
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

بكل الصحابة واستبعاد غلطهم وخطئهم ، نجد أن من بين الضحايا التي تطفو علی السطح هو نسخ التلاوة ، فمثلا بعض علماء السنة يرفض مبدأ نسخ التلاوة لأن قداسة الصحيحين تزلزلت عندهم ، وهي التي لم يجرأ أحد ـ إلا النادر ـ أن يقلل من شأنها أو ينفيها (١) ، وسنذكر جملة من أقوال المنكرين لنسخ التلاوة من أهل السنة وسنجد أن هذا الرأي وهو عدم سلامة البخاري ومسلم من الخطأ واضح في كلماتهم ، فيتضح أن هذا المسلّم أحد الركائز التي قام عليها نسخ التلاوة .

وكشاهد نذكر قول أحد علمائهم الذي لم يقنع بعصمة البخاري ومسلم حيث شنع علی رواياتهما التي تنص علی وقوع التحريف في القرآن ، وتبرأ إلی الله منها ، وهذا يعني أنه لا يصحح تأويلها بأي وجه ، قال الشيخ محمود أبو رية :

ولم يقف فعل الرواية عند ذلك بل تمادت إلی ما هو أخطر منه من ذلك حتی زعمت أن في القرآن نقصاً ولحناً وغير ذلك مما أورد في كتب السنّة ولو شئنا أن نأتي به كله هنا لطال الكلام ـ ولكنا نكتفي بمثالين مما قالوه في

___________

(١) وذلك لأسباب سياسية حيث كانت تهمة الزندقة بالمرصاد لكل من تسوّل له نفسه العبث بهذه المسلمات ، حتی أن بعضهم قال بابتداع كل من هوّن قدر روايات البخاري ومسلم ! قال الدهلوي في حجة الله البالغة : (وأمّا الصحيحان فقد اتفق المحدّثون علی أنّ جميع ما فيهما من المتّصل المرفوع صحيح بالقطع ، وأنّهما متواتران إلی مصنّفيهما ، وأنّ كلّ من يهوّن أمرهما فهو مبتدع متّبع غير سبيل المؤمنين) .

٢٠١
 &

نقص القرآن ، ولم نأت بهما من كتب السنة العامة بل مما حمله الصحيحان ورواه الشيخان البخاري ومسلم . أخرج البخاري وغيره عن عمر بن الخطاب أنه قال ـ وهو علی المنبر ـ : إن الله بعث محمداً بالحق نبيّا وأنزل عليه الكتاب فكان مما أنزل آية الرجم فقرأناها وعقلناها ووعيناها . رجم رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم ورجمنا بعده ، فأخشی إن طال بالناس زمان أن يقول قائل : ما أجد آية الرجم في كتاب الله فيضل بترك فريضة أنزلها الله ، والرجم في كتاب الله حق علی من زنی إذا أحصن من الرجال والنساء . ثم إنا كنا نقرأ فيما يقرأ في كتاب الله ، (ألا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم) .

وأخرج مسلم عن أبي الأسود عن أبيه قال : بعث أبو موسی الأشعري إلی قرّاء البصرة فدخل عليه ثلاثمئة رجل قد قرأوا القرآن فقال : أنتم خيار أهل البصرة وقراؤهم ، ولا يطولن عليكم الأمد فتقسو قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم ـ وإنا كنا نقرأ سورة كنا نشبهها في الطول ببراءة فأنسيتها ، غير أني قد حفظت منها (لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغی وادياً ثالثاً ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب) ، وكنا نقرأ سورة كنا نشبهها بإحدی المسبحات فأنسيتها غير أني حفظت منها (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ، فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم

٢٠٢
 &

القيامة) (١) .

نجتزئ بما أوردنا وهو كاف هنا لبيان كيف تفعل الرواية حتی في الكتاب الأول للمسلمين وهو القرآن الكريم ! ولا ندري كيف تذهب هذه الروايات التي تفصح بأن القرآن فيه نقص وتحمل مثل هذه المطاعن مع قول الله سبحانه (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (٢) . فأيهما نصدّق ؟! اللهم إن هذا أمر عجيب يجب أن يتدبره أولو الألباب (٣) .

أما بالنسبة لعدالة الصحابة فإن مجرد احتمال خطئهم يكفي للقول ببطلان نسخ التلاوة عند بعض علمائهم ، فما ظنك لو شكك أحدهم بعدالة فلان من الصحابة الذي رويت عنه روايات التحريف ! فلا شك أنه سيرفس نسخ التلاوة برجله ويرمي به بريئا ، وهذا ما ذكره الدكتور مصطفی صادق الرافعي حيث قال في معرض استدلاله علی بطلان القول بنسخ التلاوة :

ولا يتوهمن أحد أن نسبة بعض القول إلی الصحابة نصٌ في أن ذلك المقول (٤) صحيح البتة فإن الصحابة غير معصومين ، وقد جاءت روايات صحيحة بما أخطأ فيه بعضهم من فهم أشياء من القرآن علی عهد رسول الله صلی الله عليه [وآله] وسلم وذلك العهد هو ما هو ، ثم بما وَهِلَ عنه

___________

(١) وسيأتي الكلام عنها ، بإذن الله تعالی .

(٢) الحجر : ٩ .

(٣) أضواء علی السنّة المحمّدية : ٢٥٦ ـ ٢٥٧ ، ط . الأعلمي الخامسة

(٤) ذهاب شيء من القرآن بنسخ التلاوة .

٢٠٣
 &

بعضهم (١) مما تحدثوا في أحاديثه الشريفة ، فأخطأوا في فهم ما سمعوا . ونقلنا في باب الرواية من تاريخ آداب العرب أن بعضهم كان يرد علی بعض فيما يُشَبِّه لهم أنه الصواب خوف أن يكونوا قد وهموا . وثبت أن عمر رضي الله عنه شك في حديث فاطمة بنت قيس ، بل شك في حديث عمار بن ياسر في التيمم لخوف الوهم ، مع أن عماراً ممن لا يتهم بتعمد الكذب ، ولا بالكذب وهْلةً ، لصحبته وسابقته مع رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم ولذلك أذن له عمر في رواية الحديث مع شكه هو في صحته (٢) .

وعليه فأي خدش وزعزعة لبعض مسلماتهم كالقول بأن الصحابي لا يتكلم إلا حقا وصدقا ، أو الحكم بصحة جميع ما أخرجه البخاري ومسلم سيؤدي إلی التنازل عن مبدأ نسخ التلاوة بكل سهولة ويسر ، وكلمات من رفض نسخ التلاوة من علمائهم دالة علی ذلك ، وستأتي بقية كلماتهم التي تثبته إن شاء الله تعالی .

___________

(١) غلط أو نسي .

(٢) إعجاز القرآن : ٤٣ ـ ٤٤ ، ط . الاستقامة الخامسة ، أقول : كلام الرافعي هنا فيه من المداراة واللف والدوران الشيء الكثير ، فالقول بأن كل تلك الموارد التي قال أكابر الصحابة بقرآنيتها كانت من باب الخطأ والاشتباه ، أمر غير معقول ، وعلی أي حال فقد حام الرافعي حول الحدود الحمراء التي حرّموا الدخول فيها وهي عدالة كل الصحابة ، وأن كل واحد منهم يعبر عن الواقع بقوله ، فآثر الرافعي القول بأن كل تلك الموارد التي تقدر بعدد من العشرات جاءت من باب الخطأ والسهو !!

٢٠٤
 &

الأدلة التي تنفي وقوع نسخ التلاوة :

١ ـ مناقضته لآيات القرآن الكريم

قال العلامة السيد الطباطبائي رضوان الله تعالی عليه : أو أن هذه الآيات ـ وقد دلت هذه الروايات علی بلوغها في الكثرة ـ كانت منسوخة التلاوة كما ذكره جمع من المفسرين من أهل السنة حفاظاً لما ورد في بعض رواياتهم أن من القرآن ما أنساه الله ونسخ تلاوته . فما معنی إنساء الآية ونسخ تلاوتها ؟ أكان ذلك لنسخ العمل بها ؟! فما هي هذه الآيات المنسوخة الواقعة في القرآن كآية الصدقة وآية نكاح الزانية والزاني وآية العدة وغيرها ؟ وهم مع ذلك يقسمون منسوخ التلاوة إلی منسوخ التلاوة والعمل معاً ومنسوخ التلاوة دون العمل كآية الرجم .

أم كان ذلك لكونها غير واجدة لبعض صفات كلام الله حتی أبطلها الله بإمحاء ذكرها وإذهاب أثرها ، فلم يكن من الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ؟! ولا منزه من الاختلاف ؟! ولا قولاً فصلاً ولا هادياً إلی الحق وإلی طريق مستقيم ؟! ولا معجزاً يتحدی به ؟! ولا ؟! ولا ؟! فما معنی الآيات الكثيرة التي تصف القرآن بأنه في لوح محفوظ ، وأنه كتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وأنه قول فصل ، وأنه هدی ، وأنه نور ، وأنه فرقان بين الحق والباطل ، وأنه آية معجزة ، وأنه ، وأنه ؟!

فهل يسعنا أن نقول : إن هذه الآيات علی كثرتها وإباء سياقها عن التقييد مقيدةٌ بالبعض ؟! فبعض الكتاب فقط وهو غير المنسي ومنسوخ التلاوة لا يأتيه الباطل وقول فصل وهدی ونور وفرقان ومعجزة خالدة ؟!

وهل جعلُ الكلام منسوخ التلاوة ونسياً منسياً غير إبطاله وإماتته ؟ وهل

٢٠٥
 &

صيرورة القول النافع بحيث لا ينفع للأبد ولا يصلح شأناً مما فسد غير إلغائه وطرحه وإهماله ؟ وكيف يجامع ذلك كون القرآن ذكراً ؟!

فالحق أن روايات التحريف المروية من طريق الفريقين وكذا الروايات المروية في نسخ تلاوة بعض الآيات القرآنية مخالفة للكتاب مخالفة قطعية (١) . انتهی كلامه أعلی الله مقامه .

٢ ـ السيرة النبوية مكذبة لوقوع نسخ التلاوة

اهتم الرسول الكريم صلی الله عليه وآله وسلم أشد اهتمام بتبليغ آيات القرآن الكريم ونشرها وبثّها بين المسلمين ، فكان يرسل الرسل والجماعات لتعليم الناس القرآن وتعريفهم بأُمور دينهم ، حتی أرسل إلی اليمن وغيرها من يبلغهم القرآن ، وقصة شهداء بئر معونة المشهورة شاهد علی ذلك ، ومن باب الأمانة في التبليغ وحذرا من التفريط في أمر الرسالة وتحرزا من عدم تأديتها علی أكمل وجه ، كان من المحتم علی الرسول صلی الله عليه وآله وسلم بعد أن بلغ للناس آيات القرآن ، أن يرسل الرسل مجددا ليبلغهم نسخها وإلغاء العمل بها ومنع قراءتها الذي كان بأمر من الله عز وجل حتی ينشغلوا عنها ويهملوا أمرها ، وإلا لكان تفريطا وإهمالا منه ـ حاشاه ـ صلی الله عليه وآله وسلم .

فأين هذه الرسل الذين أوعزت إليهم مهمة تبليغ القبائل وإعلامهم

___________

(١) الميزان في تفسير القرآن ١٢ : ١١٧ ، ط . الأعلمي الثانية .

٢٠٦
 &

بإلغاء الله عز وجل تلاوة بعض الآيات ونسخها ؟ ولماذا لم ينقل لنا التاريخ رواية واحدة تدل علی أن النبي صلی الله عليه وآله وسلم بعث فلانا وفلانا ليبلغوا الناس أن هناك الآيات من القرآن قد نسخت تلاوتها لئلا يهتموا بها وليتركوا التنقيب عنها ويذروا العمل بمضمونها وقراءتها في الصلاة ؟! (١)

٣ ـ عدم تعرّض علماء القرآن من الصحابة لذكر هذا الأصل المهم

إن موضوع نسخ التلاوة ليس بالأمر الهين الذي يمكن أن يُغفل عنه ، ولو صح نسخ تلاوة بعض الآيات لجاءت زرافات ومجاميع من الروايات تحكيه وتؤكد عليه ، ناهيك عن أن علماء القرآن وخبراءه من الصحابة وأكابر قرائهم الذين لم يذكروا هذا الأصل ولم يشيروا إليه ، وهل يعقل اشتغال

___________

(١) لربما يقال إن النسخ كان بنوع من المعجزة فلا داعي للتبليغ أو إرسال الرسل حيث تكفل الله عز وجل بنسخها وانسائهم إياها ، ولكن هذا الكلام لو تم فإنما يتم في المنسأ وهو غير محل كلامنا ، لأنا نتكلم عن نسخ التلاوة وجريان وهذا الاحتمال هنا ينفي الاحتمال نفسه ! إذ كيف ينسيهم الله إياها ومع ذلك وردت كل هذه الروايات الحاكية لنصها ؟!! ، ناهيك عن أن هذا الدليل ينفي وقوع المنسأ أيضا لعدم استفسار تلك القری عما كانوا يقرأونه وأنسوه وهو أمر طبيعي ، وقد زعمت بعض رواياتهم أن اثنين من الصحابة ذهبوا واستفسروا عما أنسوه من القرآن !! ، فأين رسل القری والقبائل أم أن القرآن لم يتنبه لفقدانه إلا هذان ؟! ، ثم أليس من الواجب علی رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم إخبار الناس بأنه لا داعي للتنقيب عما أنسيتموه ؟! .

٢٠٧
 &

الصحابة في تحديد آخر ما نزل من القرآن ، هل هي آية كذا أم كذا ، وما هي أول سورة نزلت في المدينة ، وتنقضي أوقاتهم في تحديد المنسوخ من الأحكام ولا يدركون ويشتغلون في التنبيه علی وقوع النسخ لتلاوة بعض الآيات حذرا من دمجها في القرآن ، وأن آية الرجم مثلا لا يجوز أن تجعل في المصحف ، وكذا آية الرضاع وآية الواديين وغيرها لا يصح أن يقرأ بها في الصلاة ، إلی ما هنالك من الأحكام ؟!! ، هذا لا يعقل .

والغريب أن عكسه هو الحاصل فالصحابة جزموا أن تلك الآيات المزعومة هي جزء من القرآن بلا أدنی إشارة لنسخها أو رفع تلاوتها !! بل إن بعضهم جاء شاهدا عليها عند جمع القرآن ليلحقها في مصحف المسلمين ولم يعترض عليه أحد بأن هذا من المنسوخ وإنما لم تقبل شهادته لأنه كان بمفرده ! بل إن بعضهم ألحقها في مصحفه الخاص بين آيات القرآن وصار يقرأ بها في صلاته ! كما سيأتي توضيحه بإذن الله ، فمع كل هذا لماذا لم تسمع أذن الدهر شيئا اسمه نسخ تلاوة من مثل أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام وابن مسعود وأبي بن كعب وابن عباس وأبي موسی الأشعري وأبي الدرداء وغيرهم ؟!!

٤ ـ مشاجرة الصحابة في تأدية النصوص القرآنية :

حدثت مشادات ومشاجرات بين الصحابة حول نفس ما ادعی أهل السنة نسخه تلاوة ، ومع ذلك لا تجد أحدا من الصحابة يذكر نسخ التلاوة ولو لفض النزاع بينهم ! ، أخرج الحاكم :

٢٠٨
 &

عن أُبيّ بن كعب رضي الله عنه أنه كان يقرأ : (إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية ، ولو حميتم كما حموا لفسد المسجد الحرام ، فأنزل الله سكينته علی رسوله) فبلغ ذلك عمر فاشتد عليه فبعث إليه وهو يهنأ ناقة له (١) فدخل عليه فدعا أناساً من أصحابه فيهم زيد بن ثابت فقال : من يقرأ منكم سورة الفتح ؟ فقرأ زيد علی قراءتنا اليوم فغلظ له عمر ، فقال له أبيّ : أأتكلم ؟ فقال تكلم ، فقال : لقد علمت أني كنت أدخل علی النبي صلی الله عليه [وآله] وسلم ويقرئني وأنتم بالباب ، فإن أحببتَ أن أقرئ الناس علی ما أقرأني أقرأت ، وإلا لم أقرئ حرفاً ما حييت ! قال : بل أقرئ الناس (٢) .

وفي الدر المنثور أخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وإسحاق بن راهويه وابن المنذر والبيهقي عن بجالة قال : مرّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه بغلام وهو يقرأ في المصحف : (النبي أولی بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم) فقال : يا غلام حكها ، فقال : هذا مصحف أبيّ ! فذهب إلی أبيّ فسأله فقال : إنه كان يلهيني القرآن ويلهيك الصفق بالأسواق (٣) .

وكما هو واضح لم يذكر أي من هذين الصحابيين أي شيء عن نسخ

___________

(١) يدهنها بالقطران لإزالة الجرب .

(٢) المستدرك ٢ : ٢٢٥ وعلق عليه الحاكم (هذا حديث صحيح علی شرط الشيخين ولم يخرجاه) روي في كنز العمال ٢ : ٥٨٦ عن عدّة من المصادر فراجعه .

(٣) الدر المنثور ٥ : ١٨٣ .

٢٠٩
 &

التلاوة من أن أهل السنة يدعون أن هذه العبارات من منسوخ التلاوة ! ، فكان من السهل لابن الخطاب أن يفض النزاع وينهي المشادة بقوله : (إن هذه الآية التي تقرأها مما نسخت تلاوته ولا يصح لك قراءتها في ضمن آيات القرآن !) ، فتنتهي المشكلة بلا تشاحن وغلظة وتنقيص بأن الصفق في الأسواق شغل عمر بن الخطاب عن القرآن .

وهذه ليست المشادة الأُولی والوحيدة من نوعها بين أبي بن كعب وابن الخطاب ، فإن مشكلة نصوص القرآن كانت تتكرر بينهما ولا ذكر لنسخ التلاوة في كل تلك المشادات ، ولو كان لنسخ التلاوة وجود في الشريعة لحلت جميعها هذه المشادات بسهولة وبكل محبة :

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : بينما أنا أقرأ آية من كتاب الله عز وجل وأنا أمشي في طريق من طرق المدينة فإذا أنا برجل يناديني من بعدي : أتبع ابن عباس ، فإذا هو أمير المؤمنين عمر ، فقلت أتبعك علی أبي بن كعب فقال : أهو أقرأكها كما سمعتك تقرأ ؟ قلت : نعم ، قال فأرسل معي رسولاً قال : اذهب معه إلی أبي بن كعب فانظر يقرأ أبي كذلك ، قال فانطلقت أنا ورسوله إلی أبي بن كعب قال : فقلت : يا أبي قرأت آية من كتاب الله فناداني من بعدي عمر بن الخطاب اتبع ابن عباس فقلت : اتبعك علی أبي بن كعب فأرسل معي رسوله أفأنت أقرأتنيها كما قرأت ؟ قال أبي : نعم . قال فرجع الرسول إليه فانطلقت أنا إلی حاجتي قال : فراح عمر إلی أبي فوجده ... فقال : ما حاجة أمير المؤمنين ؟ فقال عمر : يا أبيّ ! علام تقنط الناس ؟ فقال أبي : يا أمير المؤمنين إني تلقيت القرآن من تلقاء جبريل وهو رطب ، فقال عمر : تالله

٢١٠
 &

ما أنت بمنته وما أنا بصابر ، ثلاث مرّات ، ثم قام فانطلق ! (١) .

ومن المستبعد أن يخفی هذا النسخ علی سيد القرّاء أُبيّ بن كعب ، وقد رووا أن رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم أمر الصحابة أن يستقرئوه القرآن ، وعلی هذا كيف يصح قول عمر علی ما روي عنه : إنا لندع من قول أبي وذاك أن أبيا يقول لا أدع شيئا سمعته من رسول الله صلی الله عليه [وآله] وسلم وقد قال الله تعالی : (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا) ؟ ، ولماذا رضخ عمر لأُبيّ بن كعب في تلك المشادات حتی قال لأُبيّ : بل أقرئ الناس ؟! ، هل يخاف عمر من عرض اجتهاده الذي تفرد به أمام أُبيّ بن كعب الخبير بنصوص القرآن وآياته ؟!

٥ ـ الموارد المدّعی نسخها معلولة

الموارد التي ادعوا نسخها ليس لأي رجل عاقل يحترم عقله ادعاء نزولها من نفس المصدر الذي نزل منه القرآن ، فإن نصوصها تصرخ بشذوذها عن القرآن وخروجها عن سبكه وحيدها عن نظمه براءته منها ؛ لأن ركاكة تلك النصوص المدّعی قرآنيتها واضحة جلية ، ومن وقع بصره ولو لمرّة واحدة علی القرآن يعلم مدی بعدها عنه ، فكيف تخفی علی علماء القرآن والبلاغة ؟! ونهيب بالقارئ المنصف أن يقايس بين هذه الجمل المدعی نسخها وبين نصوص القرآن ، فيرجع البصر مرة واحدة حتی يری الفطور ، وأي فطور ! :

١ ـ (اَللّهُمّ إِنّا نَسْتَعِيْنُك وَنَسْتَغْفِرُكَ ونُثْنِيْ عَلَيْكَ اَلْخَيْرَ وَلا نَكْفُرُك

___________

(١) المستدرك ٢ : ٢٢٥ وعلق عليه (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه) .

٢١١
 &

وَنَخْلَعُ وَنَتْرُكُ مَنْ يَفْجُرُك)

٢ ـ (اَللّهُمّ إيّاكَ نَعْبُدْ ، وَلَكَ نُصَلِّي ونَسْجُدْ ، وَإِلَيْكَ نَسْعَی ونَحْفِدْ نَرْجُوْ رَحْمَتَكْ ونَخْشَی عَذَابَكَ اَلْجَدّ إِنّ عَذَاْبَكَ بالكُفّارِ مُلْحِقٌ)

٣ ـ (الشَّيْخُ والْشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارجمُوْهُمَا اَلْبَتَّة)

٤ ـ (أَنْ بَلّغُوْا قَوْمَنَا أَنْ قَدْ لَقِيْنَا رَبّنَا فَرَضِيَ عَنّا وَأَرْضَانَا)

٥ ـ (لَوْ كَانَ لابْنِ آدَم وَادِيَانٍ منْ مَالٍ لابتَغَی وَادِياً ثَالِثاً ، ولا يَمْلأ جَوْفَ ابْنِ آدَم إلّا التّرَاب وَيَتوبُ اللهُ عَلی مَنْ تَاب)

٦ ـ (إنّ ذاتَ الدّين عِنْد اللهِ الحَنفيّة المُسْلِمَة لا اليَهُوْديّة ولا النّصْرَانِيّة مَنْ يَعْمَل خَيْراً فَلَن يَكْفُرَه)

إن خروج تلك العبارات عن حريم القرآن بضعفها وركاكة أسلوبها لا مجال للنقاش فيه لمن أنصف ، وهذا قول شيخهم الجزيري في كتاب الفقه علی المذاهب الأربعة :

أما ما نقله البخاري تعليقاً من أن الذي كان في كتاب الله ورفع لفظه دون معناه ، فهو ـ الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة الخ ـ فإنني لا أتردد في نفيه لأن الذي يسمعه لأوّل وهلة يجزم بأنه كلام مصنوع لا قيمة له بجانب كلام الله الذي بلغ النهاية في الفصاحة والبلاغة . (١)

وعلی أي حال فإن إرداف هذه الآيات المباركة : (الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ * أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّـهَ إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ

___________

(١) كتاب الفقه علی المذاهب الأربعة ٤ : ٢٥٧ ـ ٢٥٩ ط ، الاستقامة السادسة .

٢١٢
 &

وَبَشِيرٌ) (١) ، وقوله تعالی : (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّـهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) (٢) . بعد كل جملة من تلك الجمل يوقفك علی الحقيقة الواضحة .

٦ ـ التضارب في تحديد ماهية الموارد التي ادعي النسخ فيها

قالوا تبعا للجصاص : نسخ الرسم والتلاوة إنّما يكون بأن ينسيهم الله إياه ويرفعه من أوهامهم ويأمرهم بالإعراض عن تلاوته وكتبه في المصحف فيندرس علی الأيّام كسائر الكتب القديمة التي ذكرها في كتابه في قوله (إِنَّ هَـٰذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَىٰ * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ) (٣) . ولا يعرف اليوم منها شيء ، ثم لا يخلو ذلك من أن يكون ذلك في زمن النبي صلی الله عليه [وآله] وسلم حتی إذا توفي لا يكون متلوّا من القرآن أو يموت وهو متلو موجود بالرسم ثم ينسيه الله الناس ويرفعه من أذهانهم وغير جائز نسخ شيء من القرآن بعد وفاة النبي صلی الله عليه [وآله] وسلم (٤) .

وقال السرخسي بمضمونه في الأُصول : ونسخ تلاوة الكتاب إنما يكون بغير الكتاب ، إما بأن يرفع حفظه من القلوب ، أو لا يبقی أحد ممن كان يحفظه

___________

(١) هود : ١ ـ ٢ .

(٢) النساء : ٨٢ .

(٣) الأعلی : ١٨ ـ ١٩ .

(٤) الفصول في الأُصول ٢ : ٢٥٣ لأبي بكر الرازي الجصاص .

٢١٣
 &

نحو صحف إبراهيم ومن تقدمه من الأنبياء عليهم السلام (١) .

وواضح أن هذا التعريف غير صحيح ، فما ذكروه من مصاديق نسخ التلاوة مازال محفوظا غير مرفوع من القلوب ولا أنساه الله الناس !

وتنبه لذلك ابن المنادي فقال في الناسخ والمنسوخ : ممّا رفع رسمه من القرآن ولم يرفع من القلوب حفظه سورتا القنوت في الوتر ، قال : ولا خلاف بين الماضين والغابرين أنهما مكتوبتان في المصاحف المنسوبة إلی أبيّ بن كعب ، وأنّه ذكر عن النبي صلی الله عليه [وآله] وسلم أنه أقرأه إياهما وتسمی سورتا الخلْع والحفد (٢) ، وعلی تقييد ابن المنادي لا يجب أن يرفع الله عز وجل منسوخ التلاوة من القلوب والأذهان ، فمنه ما يرفعه ومنه ما لا يرفعه .

ولكن الجصاص نفسه لم يقبل هذا الجمع ، فقال مخالفا للمشهور : إن ما نقل لنا من منسوخ التلاوة ليس من اللازم أن يكون هو النص القرآني ، إذ لا مانع من أن تكون الأخبار التي نقلت لنا نصوص تلك الآيات قد جاءت بمعناها لا بعينها ، قال :

تجويزنا لثبوت الخبر لا يمنع ما ذكرنا ولا ينقض تأويلنا ، لأن الخبر لم يقتض أن يكون هذا المنقول بعينه هو الذي كان من ألفاظ القرآن علی نظامه وتأليفه حسب ما نقلوه إلينا ، وليس يمتنع أن يكون ذلك قد نقلوه علی نظم

___________

(١) أُصول السرخسي ٢ : ٧٥ تحقيق أبو الوفا الأفغاني ، ط . دار المعرفة .

(٢) البرهان ٢ : ٣٧ .

٢١٤
 &

آخر ونسخ ذلك النظم وأنسي من كان يحفظه ولم ينسخ الحكم ، فنقلوه بلفظ غير اللفظ الذي كان رسم القرآن حين نزوله إلی أن رفع ، فلا يكون هذا من القرآن ، وهذا جائز أن يفعله الله (١) .

وكلام الجصاص لا يمكننا قبوله أنه مخالف لرأي المشهور وعلی أي حال فهو مجرد احتمال ، وجواز نقله بالمعنی لا يعني أنهم نقلوه كذلك حقا ، هذا من جهة ، ومن جهة أخری فإن بعض الروايات ظاهرة في أن ما ذكره الصحابي هو نص الآية ، كمثل ما أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي موسی الأشعري قال : وإنّا كنّا نقرأ سورةً كنّا نشبِّهها في الطّول والشّدة ببراءة فأنْسيتُها ، غير أنّي قد حفظت منها : (لو كان لابن آدم واديان من مالٍ لابتغی وادياً ثالثاً ، ولا يملأ جوف ابن آدم إلّا التراب) وكنّا نقرأ سورة كنّا نشبّهها بإحدی المسبِّحات فأنسيتها غير أنّي حفظت منها (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون فتكتب شهادةٌ في أعناقكم فتُسألون عنها يوم القيامة) (٢) .

وكذا ما أخرجه البخاري في صحيحه عن عمر بن الخطاب : فلا أحل لأحد أن يكذب عليّ إن الله بعث محمداً صلی الله عليه [وآله] وسلم بالحق وأنزل عليه الكتاب ، فكان مما أنزل الله آية الرجم فقرأناها وعقلناها ووعيناها ... ثم إنا كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله : (أن لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر

___________

(١) الفصول في الأُصول : ٢٦٢ .

(٢) صحيح مسلم ٣ : ١٠٠ كتاب الزكاة باب كراهية الحرص علی الدنيا ، وبشرح النووي ٧ : ١٣٩ ، ١٤٠ ، وعن المسند الجامع ١١ : ٤١٤ .

٢١٥
 &

بكم أن ترغبوا عن آبائكم) أو (إن كفرا بكم أن ترغبوا عن آبائكم) (١) .

وأمثلتها كثيرة وسنتعرض لها فيما بعد بإذنه تعالی ، فلا مجال لدعوی النقل بالمعنی مع وضوح دلالة الروايات علی أن العبارات إنما هي نص الآيات ضبطاً وكما أنزلت من السماء ، ونحن هنا بين احتمالين إما أن تلك العبارات قرآن بنصها وإما أنها ليست بقرآن وإنما بمعناه ، فيتردد القرآن المنسوخ عند علماء أهل السنة بين الإثبات والنفي .

وبعد ذلك نجد أن ابن ظفر في الينبوع ينكر كون آية الرجم من موارد نسخ التلاوة ! لأنها خبر الآحاد ولا يثبت به القرآن كما قلنا سابقا ، وإنما هي من الذي أنساه الله عز وجل ، مع العلم أن آية الرجم من الأُسس التي قامت أعواد نسخ التلاوة عليها ! ، قال :

وإنما هذا من المنسأ لا النسخ وهما مما يلتبسان والفرق بينهما أن المنسأ لفظه قد يسلم حكمه ويثبت أيضا . (٢)

وقول ابن ظفر هذا من العجائب ! لأن آية الرجم ذكرت في صحيح البخاري وغيره عن عمر ، فكيف تكون مما أنساه الله عز وجل ، وعمر يصرح بأن نصها هو كيت وكيت وأراد إدراجها في المصحف ؟!

___________

(١) صحيح البخاري ٤ : ١٢٢ (باب رجم الحبلی من الزنا) ، والترمذي ٤ : ٣٨ ، ح ١٤٣٢ والحميدي في مسنده ١ ح ٢٥ ، ومسلم في صحيحه ٥ : ١١٦ كتاب الحدود (باب رجم الثيب من الزنی) .

(٢) البرهان في علوم القرآن ٢ : ١٦٧ .

٢١٦
 &

ومن بعده جاء أبو بكر الباقلاني في كتابه الانتصار ، ونقل عن قوم إنكار هذا الضرب لكون الأخبار فيه أخبار آحاد ، ولا يجوز القطع بإنزال القرآن ونسخه بأخبار آحاد لاحجة فيها ، وعليه أصبحت آية الرجم وغيرها مما أخرجه البخاري ومسلم عند هؤلاء ليست مما نسخ تلاوته ! (١)

والأغرب من ذلك أن الجصاص نفسه ـ وهو مبتدع تعريف نسخ التلاوة ـ أنكر كون آية الرجم من القرآن فضلا عن كونها من منسوخ التلاوة وكذا بقية الموارد ! هذا مع العلم أن أهل السنة عوّلوا علی تعريف الجصاص وقالوا : إن آية الرجم سيدة المنسوخ تلاوة تطبيقا لتعريف الجصاص !! وهذا كلام الجصاص بتمامه :

وأما ما طعن به بعض أهل الإلحاد ممن ينتحل دين الإسلام وليس منه في شيء ، ثم كشف قناعه وأبدی ما كان يضمره من إلحاده بأن القرآن مدخول فاسد النظام لسقوط كثير منه . ويحتج فيه بما روي أن عمر رضي الله عنه قال : إن آية الرجم في كتاب الله تعالی وسيجيء أقوام يكذبون بالرجم وأنه كان فيه إذا زنی الشيخ والشيخة فارجموهما البتة . وأن أبي بن كعب قال : إن سورة الأحزاب كانت توازي البقرة أو هي أطول ، وإنه كان فيها آية الرجم ، وإنه كان فيها لو أن لابن آدم واديين من ذهب لابتغی إليهما ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله علی من تاب . وإنه روي عن أبي بكر الصديق

___________

(١) وكلامهم صحيح علی المباني التي أسسها أهل السنة ، ولكن جمهور علمائهم لم يلتزموا بمقتضی قواعدهم حيث قالوا : إنها من القرآن وقد نسخ مع أنها أخبار آحاد !! .

٢١٧
 &

رضي الله عنه أنه كان يقرأ : لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم . وروي عن أنس أنهم كانوا يقرأون : بلغوا قومنا عنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا . ونحو ذلك مما يروی أنه كان في القرآن ، فإنه لا مطعن لملحد فيه ، لأن هذه الأخبار ورودها من طريق الآحاد فغير جائز إثبات القرآن بها ... وعلی أن كل خبر ذكر في سياق لفظه ـ أي القرآن ـ فليس في ظاهره دلالة علی أن المراد به أنه كان من القرآن ، مثل خبر عمر رضي الله عنه فإن لفظه يحتمل معنيين ولا دلالة فيه علی أنه كان من القرآن لأنه قال : إن الرجم في كتاب الله قرأناه ووعيناه ، فهذا يحتمل أن يكون مراده أنه في فرض الله كما قال تعالی : كتب الله عليكم . يعني فرضه وكقوله تعالی ... وإذا كان كذلك لم يثبت أن مراده أنه كان من القرآن فنسخت تلاوته لأن ذلك لا يعلم إلا باستفاضة النقل في لفظ لا يحتمل إلا معنی واحدا .

ويدل علی أن مراده كان كما وصفنا ، أنه قال : لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبته في المصحف ، فلو كان عنده آية من القرآن لكتبها فيه قال الناس ذلك أو لم يقولوه ، فهذا يدل علی أنه لم يرد بقوله إن الرجم في كتاب الله أنه من القرآن ، وروي عنه أنه قال : إن الرجم مما أنزل الله وسيجيء قوم يكذبون به ، وهذا اللفظ أيضا لا دلالة فيه علی أنه أراد به أنه من القرآن لأن فيما أنزل الله تعالی قرآنا وغير قرآن ، قال الله تعالی في وصف الرسول عليه السلام : (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ) . وروي في بعض ألفاظ هذا الحديث أنه قال : إن مما أنزل الله آية الرجم .

وهذا اللفظ لو ثبت لم يدل أيضا علی أن مراده أنه كان من القرآن ، لأن

٢١٨
 &

ما يطلق عليه اسم الآية لا يختص بالقرآن دون غيره ، قال تعالی : (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) . ثم قال تعالی : (إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ) . فسمی الدلالة القائمة مما خلق علی توحيده آية فليس يمتنع أن يذكر (آية) الرجم وهو يعني أن ما يوجب الرجم أنزله الله علی رسوله عليه السلام بوحي من عنده .

وأيضا فإنه يحتمل أن يكون أصل الخبر ما ذكر فيه أن مما أنزل الله (الرجم) ثم كان تغيير الألفاظ فيه من جهة الرواة ، فعبر كل منهم بما كان عنده أنه هو المراد ، لأن من الرواة من يری نقل المعنی عنده دون اللفظ ، فظن بعض الرواة أنه إذا قال إنه مما أنزل الله فقد قال : إنه من القرآن وإنه آية منه فعبر عنه ذلك . فإن قيل : فلو لم يكن عنده من القرآن كيف كان يجوز له أن يقول : (لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبته في المصحف) ، وكيف يجوز أن يكتب في المصاحف ما ليس منه ؟ قيل له : يجوز أن يكون مراده أنه كان يكتبه في آخر المصحف ويبين مع ذلك أنه ليس من القرآن ليتصل نقله ويتواتر الخبر به كما يتصل نقل القرآن ...

وأما حديث أبي بن كعب ، فإن صحّ فهو من المنسوخ تلاوة لا محالة . وما روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه كان يقرأ : (لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم) فلا دلالة فيه علی أنه كان يراه من القرآن لأن السنن وسائر

٢١٩
 &

كلام الناس يُقرأ ، وكذلك حديث أنس (١) .

وهذا القول يناقض ما عليه جل بني جلدته الذين قالوا إن آية الرجم وغيرها من القرآن ، وكيف تصح أقوال هؤلاء العلماء من أنها مما أنساه الله وأيضا عدم كونها من المنسوخ تلاوة مع أن كلام ابن الخطاب عنها واضح في أنها نص الآية الكريمة ، بل وأراد أن يدمجها في المصحف المجموع زمن أبي بكر !

هكذا تخبط علماء أهل السنة في تحديد حقيقة نسخ التلاوة فقالوا : إن كل ما نسخ تلاوةً قد رفعه الله من الأذهان ، وبعضهم استثنی بعض الموارد ورُد بأن هذا الاستثناء لا داعي له بعد احتمال ألا تكون تلك الموارد هي نصوص الآيات ، واعترضنا عليه بأن الدليل علی خلافه قائم ، ثم جاء منهم من أنكر كون الموارد بأجمعها من القرآن وهم يوافقون الشيعة بذلك ، ثم استدرك البعض وقال : ليست هي من المنسوخ بل من المنسأ ، ثم جاء

___________

(١) الفصول في الأُصول ٢ : ٢٥٦ ـ ٢٦١ ، وقد حذفنا منه ما يطول المقام بذكره ، وهذا التطويل لبيان مدی استماتته في رد دعوی من يقول : إن آية الرجم المزعومة هي في الأصل آية من آيات القرآن الكريم نسخت تلاوتها ، وبهذا يتضح أن هذا الذي اعتمد علماء أهل السنة علی تعريفه لمفهوم نسخ التلاوة قد أخرج كثيرا من الآيات المزعومة من دائرة نسخ التلاوة التي أدخلها أهل السنة !! ، بل ويرفض كونها قرآنا في الأصل لأنها أخبار آحاد !!! ، فماذا نقول لمن ينسب هذه العبارات للقرآن الكريم ويقول هي منسوخة تلاوة وهو في الأصل معتمد علی تعريف الجصّاص من حيث لا يشعر !

٢٢٠