إعلام الخلف - ج ٢

صادق العلائي

إعلام الخلف - ج ٢

المؤلف:

صادق العلائي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الآفاق للدراسات الإسلامية
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٦٣
الجزء ١   الجزء ٢ الجزء ٣
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

القرينة فلا يبعد علی هذا : أن يكون المراد نوعاً آخر من النسخ ، إذ قد ذيلت الآية بما يشير بوضوح إلی أن المراد بكلمة (آية) أمر سماوي ، يحتاج إلی قدرة وسلطان ، وملكية مطلقة ، وحقيقة للسماوات والأرض ، إلی حد أنه لا يستطيع أحد أن يجد له ولياً أو نصيراً من دون الله سبحانه ، يمكنه أن يمنع من إصابته بتلك الآية . ثم هو يوبّخهم بأنهم يريدون أن يسألوا رسولهم ، كما سأل بنو إسرائيل نبي الله موسی من قبل أن يريهم الله جهرة ونحو ذلك ، وكل ذلك قرينة علی أن المراد بلفظ (آية) في هذا المورد ، هو الأمر العظيم الخارق للعادة والآتي من قبل الله سبحانه ، فانظر إلی سياق الآيات ، فإنها كما يلي : (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّـهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّـهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّـهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ * أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ) ؟ . (١)

وهكذا سبب النزول يعد قرينة قوية جدا علی أن النسخ المقصود في الآية الكريمة هو نسخ الأحكام والشرائع لا نسخ الآيات والألفاظ كما زعم ابن حجر ومن تبعه من المقلدة (٢) .

___________

(١) حقائق هامة حول القرآن الكريم : ٣١٤ ـ ٣١٥ .

(٢) وقد مر ذكر أحد أولئك المقلدة وهو شيخ الوهابية ابن عثيمين ، وحتما وبكل سهولة ويسر سنضم إلی قائمة المقلدين ذلك الجاهل السابق (عثمان . خ) الذي استدل في شريطه (الشيعة والقرآن) علی وقوع النسخ بالآية الكريمة !! ، ومن العجب ألا تجد لهذا الوهابي أي مطلب

١٨١
 &

والآية الكريمة الأُخری (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللَّـهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) (١) ، حالها كحال أُختها ، سبب النزول هو تبديل الأحكام ونسخها ، قال السيد الطباطبائي رضوان الله تعالی عليه في تفسير الميزان :

قوله تعالی : (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللَّـهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) (٢) . إشارة إلی النسخ وحكمته وجواب عما اتهموه صلی الله عليه وآله وسلم به من الافتراء علی الله والظاهر من سياق الآيات أن القائلين هم المشركون وان كانت اليهود هم المتصلبين في نفي النسخ ومن المحتمل أن تكون الكلمة مما تلقفه المشركون من اليهود فكثيرا ما كانوا يراجعونهم في أمر النبي صلی الله عليه وآله وسلم . (٣)

وعلی أي حال ، فالعمدة في المقام أن أداة الشرط (إذا) غاية ما تدل عليه تحقق الجزاء حال تحقق الشرط ولا دليل علی الوقوع ، فنتوصل إلی خلو القرآن من أية آية تثبت وقوع هذا النوع من النسخ .

___________

سليم من الخداع أو الخطأ والغلط !!

(١) النحل : ١٠١ .

(٢) النحل : ١٠١ .

(٣) تفسير الميزان ١٢ : ٣٤٥ .

١٨٢
 &

ثانياً : السنّة النبويّة الشريفة :

أما السنة النبوية فلا يكفي لإثبات وقوع النسخ في القرآن وجود حديث واحد أو ما يعد علی الأصابع من الأحاديث النبوية الصحيحة ، فهذا لا يقبله أهل العلم ، لأن النسخ في القرآن يشترط فيه التواتر بلا خلاف ، خاصةً إذا اقترنت بعض تلك الروايات بمعجزة إلهية والتي من شأنها التواتر ، وهذا كله تفتقده الروايات التي تحكي وقوع هذا النسخ فهي لا تعدو روايات آحاد ووجدنا أن الروايات الواردة عن النبي صلی الله عليه وآله وسلم في هذا المجال لم تتجاوز الرواية الواحدة :

أخرج الطبراني عن ابن عمر قال : قرأ رجلان من الأنصار سورة أقرأها رسول الله صلی الله عليه [وآله] وسلم ، وكانا يقرآن بها فقاما يقرآن ذات ليلة يصليان ، فلم يقدرا منها علی حرف ، فاصبحا غاديين علی رسول الله صلی الله عليه [وآله] وسلم فقال : إنها مما نسخ أو نسئ فالهوا عنه (١) .

___________

(١) الدر المنثور ١ : ١٠٤ ، ط . دار المعرفة ، أقول : لم أجد هذه الرواية في الطبراني عن ابن عمر وإنما عن سالم عن أبيه ، المعجم الكبير ١٢ : ٢٢٣ ، ح ١٣١٤١ : (قرأ رجلان من الأنصار سورة أقرأهما رسول الله صلی الله عليه [وآله] وسلم وكان يقرآن بهما ، فقاما ذات ليلة يصليان فلم يقدرا منها علی حرف ، فأصبحا غاديين علی رسول الله صلی الله عليه [وآله] وسلم فذكرا له ذلك فقال رسول الله صلی الله عليه [وآله] وسلم : إنها مما نُسخَ) ، وفي إسناده سليمان بن أرقم ، قال في تهذيب الكمال ١١ : ٣٥١ ـ ٣٥٤ : (سليمان بن أرقم أبو معاذ البصري ... قال أبو بكر بن خيْثمة عن أحمد بن حنبل : أبو معاذ الذي روی عنه سفيان

١٨٣
 &

وأخرج أبو داود في ناسخه ، وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف وأبو ذر الهروي في فضائله عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف : إن رجلا كانت معه سورة ، فقام من الليل فقام بها ، فلم يقدر عليها ، وقام آخر بها فلم يقدر عليها ، وقام آخر فلم يقدر عليها ، فاصبحوا فأتوا رسول الله صلی الله عليه [وآله] وسلم فاجتمعوا عنده فاخبروه ، فقال : إنها نسخت البارحة (١) .

___________

الثوري عن الحسن اسمه سليمان بن أرقم ، ليس بشيء . وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه : لا يسوی حديثه شيئاً ، ولا يروی عنه الحديث . وقال عباس الدّوريّ عن يحيی بن معين : ليس بشيء ليس يسوی فلساً . وقال عثمان بن سعيد عن يحيی : ليس بشيء . وقال عمرو بن علي : ليس بثقة ، روی أحاديث منكرة ، قال : وقال محمد بن عبد الله الأنصاري : كانوا ينهونا ونحن شباب عنه ، وذكر عنه أمراً عظيماً . وقال البخاري : تركوه وقال أبو عبيد الآجري : سألت أبا داود عن سليمان بن الأرقم ، فقال : متروك الحديث ، قلت لأحمد : روی سليمان بن أرقم عن الزهري ، عن أنس في التلبية . فقال : لا نُبالي روی أو لم يروِ . وقال أيضا : سألت أبا داود عن حديث الصدقات حديث الحكم بن موسی السّمسار في الصدقات ، قال : لا أحدّث به حدّثني أبو هبيرة محمد بن الوليد الدمشقي قال : قرأت هذا الحديث في أصل يحيی بن حمزة عن سليمان بن أرقم عن الزهري . وقال أبو حاتم والترمذي والنسائي وعبد الرحمان بن يوسف خِراش ، وغير واحد : متروك الحديث . وقال أبو زرعة : ضعيف الحديث ، ذاهب الحديث . وقال إبراهيم بن يعقوب الجُوزْجانيُّ : ساقط . وقال أبو أحمد بن عَدِي : عامة ما يرويه لا يُتابع عليه) .

(١) الدر المنثور ١ : ١٠٤ .

١٨٤
 &

وأخرج أبو داود في ناسخه ، والبيهقي في الدلائل من وجه آخر عن أبي أمامة : إن رهطا من الأنصار من أصحاب النبي صلی الله عليه [وآله] وسلم أخبروه : أن رجلا قام من جوف الليل يريد أن يفتتح سورة كان قد وعاها فلم يقدر منها علی شئ إلا بسم الله الرحمن الرحيم ، ووقع ذلك لناس من أصحابه ، فاصبحوا فسألوا رسول الله صلی الله عليه [وآله] وسلم عن السورة ، فسكت ساعة لم يرجع إليهم شيئا ، ثم قال : نسخت البارحة . فنسخت من صدورهم ومن كل شيء كانت فيه (١) .

___________

(١) الدر المنثور ١ : ١٠٤ ـ ١٠٥ ، أقول : إن أسعد المكنی بأبي أمامة لم يسمع من النبي صلی الله عليه وآله وسلم مباشرة وإنما ولد قبل وفاة النبي صلی الله عليه وآله وسلم ومن غير المعقول أن يروي هذه الواقعة ، وهذه ترجمته في الإصابة ١ : ١٨١ ، ت ٤١٤ لابن حجر : (أسعد بن سهل بن حنيف بن واهب الأنصاري ، أبو إمامة ، مشهور بكنيته ولد قبل وفاة النبي صلی الله عليه [وآله] وسلم لعامين وأُتي به النبي صلی الله عليه [وآله] وسلم فحنكه وسماه باسم جده لأُمه أبي أمامة أسعد بن زرارة وقد روی عن النبي صلی الله عليه [وآله] وسلم أحاديث أرسلها ، وروی عن جماعة من الصحابة كعمر وعثمان وزيد بن ثابت وأبيه وعمه عثمان وغيرهم ، وأنكر أبو زرعة سماعه من عمر ، وقال البخاري أدرك النبي صلی الله عليه [وآله] وسلم ولم يسمع منه كذا قال البغوي وابن السكن وابن حبان وغيرهم وقال ابن أبي داود : صحب النبي صلی الله عليه [وآله] وسلم وبايعه وأنكر ذلك عليه ابن منده وقال : قول البخاري أصح ، وقال الباوردي : مختلف في صحبته إلا أنه ولد في عهد النبي صلی الله عليه [وآله] وسلم ، وقال أحمد بن صالح : أخبرنا عنبسة عن يونس عن بن شهاب حدثني أبو أمامة

١٨٥
 &

والمحصلة : إن لهذه الرواية ـ علی ما فيها من اضطراب في النقل ـ ثلاثة طرق وكلها لا يعبأ بها حيث ينتهي سند اثنين منها إلی أبي أمامة فهما معلولتان بالإرسال لأنه لم يسمع من النبي صلی الله عليه وآله وسلم ، والرواية الثالثة في سندها كذاب ! ، وحتی لو تغاضينا عن السند فلا يمكن قبولها لأن إثبات نسخ القرآن لا يثبت إلا بالتواتر كما مر سابقا في مبحث القراءات ناهيك عن أن الروايات تضمنت معجزة وهي مدعاة للنقل المتواتر ، وهو مفقود .

ولغرابة رواية أبي أمامة علق عليها محقق كتاب ناسخ القرآن ومنسوخه لابن الجوزي بقوله : وأن تنزل سورة كاملة للدعوة والإرشاد أو لتقرير ما هو ضروري وأساسي من القواعد لبناء مجتمع القرآن ، ثم تنسخ بكاملها من الصدور ومن كل شيء كانت فيه فأمر غير مقبول ، لأنه من غير الجائز أن يسلب النبي صلی الله عليه [وآله] وسلم شيئا من القرآن بعدما أنزل إليه والله تعالی يمتن عليه ببقاء القرآن محفوظاً بعد المنة العظيمة في تنزيله إذ يقول (وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ) (١) . والذي نذهب إليه ـ سائلين الله الرشاد ـ أن قبول هذا الحديث وأمثاله فتحٌ لأبواب فتن يدخل منها الحاقدون

___________

ابن سهل وكان قد أدرك النبي صلی الله عليه [وآله] وسلم وسماه وحنكة وقال الطبراني : له رؤية ، قال خليفة وغيره مات سنة مئة وقال ابن الكلبي : تراضی الناس أن يصلي بهم وعثمان محصور) .

(١) الإسراء : ٨٦ .

١٨٦
 &

بضروب من الأقاويل التي عرفوها من التشويه والتبديل والتحريف ـ وقد أصابت كتبهم ـ يسقطون ذلك علی كتابنا المجيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه لأنه (تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ) (١) . (٢)

وهناك بعض الروايات جاءت عن الصحابة ، وهذه الآثار لا تفيد شيئا في إثبات وقوع هذا النسخ لما فيه من أهمية بالغة تقتضي ورود تلك الروايات عن النبي صلی الله عليه وآله وسلم مبلغ القرآن ، لا أن يجتهد الصحابة فيها من عند أنفسهم ، وعلی أي حال لنستعرض تلك الروايات :

الأُولی : وردت في البخاري رواية عن أنس بن مالك : أن النبي صلی الله عليه [وآله] وسلم أتاه رعل وذكوان وعصية وبنو لحيان فزعموا أنهم قد أسلموا ، واستمدوه علی قومهم ، فأمدهم النبي صلی الله عليه [وآله] وسلم بسبعين من الأنصار ، قال أنس : كنا نسميهم القرّاء يحتبطون بالنهار ويصلون بالليل . فانطلقوا بهم حتی بلغوا بئر معونة غدروا بهم وقتلوهم ، فقنت شهرا يدعو علی رعل وذكوان وبني لحيان قال قتادة : وحدثنا أنس أنهم قرأوا فيهم قرآنا (ألا بلغوا عنا قومنا بأنا قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا) ثم رفع ذلك بعد (٣) .

والاعتماد علی هذا الخبر لإثبات وقوع نسخ التلاوة فاسد ، لأُمور :

___________

(١) الواقعة : ٨٠ .

(٢) هامش ناسخ القرآن ومنسوخه لابن الجوزي : ١٣٧ .

(٣) صحيح البخاري ٣ : ١١٥ ، ح ٢٨٩٩ و ٤ : ١٥٠ ، ح ٣٨٦٢ .

١٨٧
 &

أولا : لأنه خبر آحاد لا يثبت به قرآنية تلك الجملة ، فضلا عن نسخها .

ثانيا : يناقض روايات أخری وردت في صحيح البخاري ومسلم .

فالرواية السابقة تذكر أن الجملة كانت آية ثم نسخت ، وعند مقارنتها بالروايات الأخری التي تذكر نفس الحادثة تنعكس القضية بحيث تصبح تلك الآية المزعومة قولا للشهداء لا قولا لله عز وجل !

فعن أنس بن مالك قال : جاء ناسٌ إلی النبي صلی الله عليه [وآله] وسلم فقالوا : أن ابعث معنا رجالاً ـ إلی أن يقول ـ فبعثهم النبي صلی الله عليه [وآله] وسلم إليهم فعرضوا لهم فقتلوهم قبل أن يبلغوا المكان فقالوا : (اللهم بلّغ عنّا نبيّنا أنّا قد لقيناك فرضينا عنك ورضيت عنّا) ، قال : وأتی رجلٌ حراماً خال أنسٍ من خلفه فطعنه برمحٍ حتی أنفذه فقال حرامٌ : فزت ورب الكعبة فقال رسول الله صلی الله عليه [وآله] وسلم لأصحابه : إنّ إخوانكم قد قُتلوا وإنّهم قالوا : (اللهم بلّغ عنا نبينا أنّا قد لقيناك فرضينا عنك ورضيت عنّا) (١) .

وكذا الحال في رواية أحمد : عن عبد الله بن مسعود قال : إياكم أن تقولوا مات فلان شهيداً أو قتل شهيدا فإن الرجل يقاتل ليغنم ويقاتل ليُذكر ويقاتل ليری مكانه فإن كنتم شاهدين لا محالة فاشهدوا للرهط الذين بعثهم رسول الله صلی الله عليه [وآله] وسلم فقتلوا فقالوا : (اللهم بلغ نبيّنا صلی الله عليه

___________

(١) صحيح البخاري ٣ : ٢٠ ، وصحيح مسلم ٦ : ٤٥ .

١٨٨
 &

[وآله] وسلم أنا قد لقيناك فرضينا عنك ورضيت عنا) (١) .

وكذا في تفسير الطبري عن الضحاك قال : لما أُصيب الذين أُصيبوا يوم أُحد لقوا ربهم فأكرمهم فأصابوا الحياة والشهادة والرزق الطيب ، قالوا : يا ليت بيننا وبين إخواننا من يبلّغهم : (أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا) ، فقال الله : أنا رسولكم إلی نبيكم وإخوانكم فأنزل الله ، (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ ـ إلی قوله ـ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) (٢) .

ثالثا : بلاغة القرآن وفصاحته دليل دامغ علی أن هذه الجملة ليست من جنس القرآن ولا تمت له بأي صلة ، فإن القرآن ببلاغته لا يمكنه أن يمتزج بهذه الجملة مع وهنها وضعف أُسلوبها ، والذوق السليم المنصف شاهد علی ما نقول .

الثانية : ما أخرجه مسلم : عن شقيق بن عقبة عن البراء بن عازب قال : نزلت هذه الآية (حافظوا علی الصلوات وصلاة العصر) فقرأناها ما شاء الله ثم نسخها الله ، فنزلت (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ) (٣) . فقال رجل كان جالسا عند شقيق له : هي إذن صلاة العصر ؟ فقال البراء : قد أخبرتك كيف نزلت وكيف نسخها الله والله أعلم (٤) .

___________

(١) مسند أحمد بهامشه منتخب الكنز ١ : ٤١٦ .

(٢) آل عمران : ١٦٩ ـ ١٧٠ .

(٣) البقرة : ٢٣٨ .

(٤) صحيح مسلم ١ : ٤٣٨ ، ح ٦٣٠ عُلق عليه : قال مسلم ورواه الأشجعي عن سفيان الثوري عن

١٨٩
 &

ولا يمكن الاعتماد عليها لإثبات وقوع النسخ ، لأمور :

أولا : لأنها من الآحاد التي لا يثبت بها قرآنية (صلاة العصر) .

ثانيا : ولو سلمنا بقرآنية المقطع ، فلا تثبت نسخ هذا المقطع (صلاة العصر) للعلة نفسها .

ثالثا : هذا المقطع من الآية كان محلا لاجتهاد الصحابة والتابعين ، ولو قلنا بثبوته عن البراء فلعله اجتهد برأيه كما اجتهد غيره فيها ، خاصة أنه لم يسند هذا الرأي إلی رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم .

رابعا : البراء لم يكن متيقنا من أن هذه الزيادة كانت من خصوص هذه الآية أم من غيرها ! وهذا يدل علی أن كلامه لم يكن علی وجه الضبط والدقة ، ويدل عليه هذه الرواية :

أخرج البيهقي عن البراء قال : قرأناها مع رسول الله صلی الله عليه [وآله] وسلم أياما (حافظوا علی الصلوات وصلاة العصر) ثم قرأناها (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ) (١) فلا أدری ، أهي هي ؟ أم لا ؟ (٢) فشكه فيها يمنع من الاعتماد علی قوله .

___________

الأسود بن قيس شقيق بن عقبة عن البراء بن عازب قال : قرأناها مع النبي صلی الله عليه [وآله] وسلم زمانا بمثل حديث فضيل بن مرزوق .

(١) البقرة : ٢٣٨ .

(٢) الدر المنثور ١ : ٣٠٢ .

١٩٠
 &

خامسا : إن الصحابة ومن بعدهم وقع الخلاف بينهم علی أشده في تفسير معنی قوله سبحانه (وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ) ، ولو كانت تلك الزيادة (صلاة العصر) من القرآن حقا ثم نسخت لتواترت الزيادة ككل الآيات أولا ولتواتر نسخها ثانيا أي للزم تكرار تواترها ! ولما وجدنا أقوالا متعارضة بين الصحابة في تفسير الآية ، ولفُضّ النزاع وعُلم أن الصلاة الوسطی هي صلاة العصر (١) .

سادسا : من غير المعقول أن ينسخ مقطع الآية المزعوم (صلاة العصر) الذي يبين مجملها فيتركها علی الإبهام حتی يحتار فيها الصحابة ، فهل أن الغرض من النسخ هو الإبهام والتعقيد ؟!

سابعا : الجمع بين رواياتهم يفيد أن هذه الزيادة (صلاة العصر) إنما هي تفسير للآية قاله النبي صلی الله عليه وآله وسلم في وقعة الأحزاب فاشتبه

___________

(١) لو كانت هذه الزيادة من القرآن ثم نسخت لما تخبط الصحابة ومن بعدهم في تحديد معنی الصلاة الوسطی ، وهاتان الروايتان تحكيان لنا علم سلفهم بتفسير هذه الآية : (أخرج ابن جرير عن سعيد بن المسيب قال : كان أصحاب رسول الله صلی الله عليه [وآله] وسلم مختلفين في الصلاة الوسطی هكذا وشبك بين أصابعه) ! ، وتحكي لنا هذه الرواية ضجر ابن عمر من كثة اختلافهم في تفسيرها : (أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عمر انه سئل عن الصلاة الوسطی فقال : هي فيهن فحافظوا عليهن كلهن) . راجع الدر المنثور ١ : ٣٠٠ وللزيادة راجع ما بعدها من الصفحات .

١٩١
 &

الأمر علی البراء فحسب أن هذا من القرآن (١) .

___________

(١) يدل علی أنها نزلت من السماء بلا إضافة (صلاة العصر) بل نزلت كما هي في القرآن (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّـهِ قَانِتِينَ) (البقرة : ٢٣٨) ما أخرجه البخاري في صحيحه ٤ : ١٦٤ ح ٤٢٦٠ : (عن زيد بن أرقم قال : كنا نتكلم في الصلاة ، يكلم أحدنا أخاه في حاجته حتی نزلت هذه الآية : (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّـهِ قَانِتِينَ) فأمرنا بالسكوت) ، وفي الدر المنثور ١ : ٣٠١ : (وأخرج أحمد والبخاري في تاريخه ، وأبو داود وابن جرير والطحاوي والروياني وأبو يعلی والطبراني والبيهقي من طريق الزبرقان ، عن عروة بن الزبير ، عن زيد بن ثابت أن النبي صلی الله عليه [وآله] وسلم كان يصلي الظهر بالهاجرة وكانت أثقل الصلاة علی أصحابه فنزلت (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ) قال : لأن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين ، وأخرج أحمد وابن المنيع والنسائي وابن جرير والشاشي والضياء من طريق الزبرقان : إن رهطا من قريش مر بهم زيد بن ثابت وهم مجتمعون ، فأرسلوا إليه غلامين لهم يسألانه عن الصلاة الوسطی فقال : هي الظهر ، ثم انصرفا إلی أسامة بن زيد فسألاه فقال : هي الظهر ، إن رسول الله صلی الله عليه [وآله] وسلم كان يصلي الظهر بالهجير فلا يكون وراءه إلا الصف والصفان والناس في قائلتهم وتجارتهم فأنزل الله (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّـهِ قَانِتِينَ) فقال رسول الله صلی الله عليه [وآله] وسلم : لينتهين رجال أو لأحرقن بيوتهم) وكذا في : ٣٠٢ : (وأخرج النسائي والطبراني من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب قال : كنت مع قوم اختلفوا في الصلاة الوسطی وأنا أصغر القوم فبعثوني إلی زيد بن ثابت لأسأله عن الصلاة الوسطی فأتيته فسألته فقال : كان رسول الله صلی الله عليه [وآله] وسلم يصلي الظهر بالهاجرة والناس في قائلتهم وأسواقهم ، فلم يكن يصلي وراء رسول الله صلی الله عليه

١٩٢
 &

___________

[وآله] وسلم إلا الصف والصفان فانزل الله (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّـهِ قَانِتِينَ) فقال رسول الله صلی الله عليه [وآله] وسلم : لينتهين أقوام أو لأحرقن بيوتهم) . والرواية الآتية تدل علی أن الآية نزلت من السماء بلا ذكر لمعنی الصلاة الوسطی وأن الرسول صلی الله عليه وآله وسلم هو الذي عرفها ، في الدر المنثور ١ : ٣٠٢ : (أخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن زرّ قال : قلت لعبيدة : سل عليا عن صلاة الوسطی فسأله ، فقال : كنا نراها الفجر حتی سمعت رسول الله صلی الله عليه [وآله] وسلم يقول يوم الأحزاب شغلونا عن الصلاة الوسطی صلاة العصر ملأ الله قبورهم وأجوافهم نارا) وهي في السنن الكبری ١ : ١٥٢ ، ح ٣٦٠ ، مسند أحمد ١ : ١٢٢ ، ح ٩٩٠) ، وكذا : (أخرج ابن جرير من وجه آخر عن زرّ قال : انطلقت أنا وعبيدة السلماني إلی علي فأمرت عبيدة أن يسأله عن الصلاة الوسطی فسأله فقال : كنا نراها صلاة الصبح فبينا نحن نقاتل أهل خيبر فقاتلوا حتی أرهقونا عن الصلاة وكان قبيل غروب الشمس ، قال رسول الله صلی الله عليه [وآله] وسلم : اللهم املأ قلوب هؤلاء القوم الذين شغلونا عن الصلاة الوسطی وأجوافهم نارا ، فعرفنا يومئذ أنها الصلاة الوسطی . وأخرج أحمد وابن جرير والطبراني عن سمرة إن رسول الله صلی الله عليه [وآله] وسلم قال حافظوا علی الصلوات والصلاة الوسطی وسماها لنا وإنما هي صلاة العصر . وأخرج الطبراني عن سمرة بن جندب قال أمرنا رسول الله صلی الله عليه [وآله] وسلم أن نحافظ علی الصلوات كلهن وأوصانا بالصلاة الوسطی ونبأنا أنها صلاة العصر) . وعلی هذا فلا مجال للقول بأن هذه الزيادة كانت قرآنا نسخ تلاوته .

١٩٣
 &

الثالثة : أورد البخاري قولا لعمر : أقرؤنا أُبيّ وأقضانا علي عليه السلام وإنا لندع من قول أُبيّ وذاك أن أُبيّاً يقول لا أدع شيئا سمعته من رسول الله صلی الله عليه [وآله] وسلم وقد قال الله تعالی (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) (١) . (٢)

واجتهاد عمر هذا لا يعتمد عليه ، ويدل عليه أُمور :

أولا : أن معرفة المنسوخ وغيره لا تأتي إلا عن طريق الرسول صلی الله عليه وآله وسلم فلا معنی لأن يعيب ابن الخطاب علی أُبيّ بن كعب رضي الله عنه بأنه لا يترك شيئا سمعه من رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم ؟! فهل كان عمر يعلم بالمنسوخ من الله عز وجل مباشرة ؟!

ثانيا : إن كثيرا من المشادات التي حصلت بين عمر وأُبيّ بن كعب رضي الله تعالی عنه كانت حول نفس الآيات التي ادعی أهل السنة نسخها ، ومع ذلك نجد عمر يرضخ لرأي أُبيّ بن كعب في إثبات تلك الآيات للقرآن !

___________

(١) البقرة : ١٠٦ .

(٢) صحيح البخاري ٤ : ١٦٢٨ ، ح ٤٢١١ باب قوله (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا) صحيح البخاري ٤ : ١٩١٣ ، ح ٤٧١٩ : (عن ابن عباس قال : عمر : أُبيّ أقرأنا وإنا لندع من لحن أُبيّ ، وأُبيّ يقول أخذته من فيّ رسول الله صلی الله عليه [وآله] وسلم قال : لا أتركه لشيء ، قال الله تعالی (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا)) ، راجع المستدرك علی الصحيحين ٣ : ٣٤٥ ، ح ٥٣٢٨ ، السنن الكبری ٦ : ٢٨٩ ، ح ١٠٩٩٥ ، مسند أحمد ٥ : ١١٣ ، ح ٢١١٢٢ .

١٩٤
 &

وسيأتي ذكرها بإذنه تعالی .

ثالثا : لماذا لم يواجه عمر أُبيّاً ولو في واحدة من تلك هذه المشاجرات ويقول له إن هذه الآيات نسخت تلاوتها ؟! هل كان خائفا منه ؟! أم أن اجتهادات عمر لم تكن لتنطلي علی سيد القرّاء ؟

رابعا : لو كان هذا الاجتهاد صحيحا لما غفل عنه أُبيّ بن كعب وابن مسعود وغيرهما من رؤوس القرّاء في ذلك الوقت ، فما دام قد أمر رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم الصحابة أن يستقرئوا القرآن من ابن مسعود وأُبيّ بن كعب علی ما جاء في البخاري ، ومادام عمر قد اعترف بأن أُبيّاً هو أقرؤهم للقرآن ، فالأحری أن يغفل عنه عمر الذي كان يلهيه الصفق بالأسواق لا أُبيّ بن كعب !

خامسا : لا يمكن لأهل السنة الاعتماد علی قول عمر فضلا عن الشيعة لأن بعض آيات مصحفنا كانت في نظر عمر من المنسوخ تلاوة مع أنها لم تنسخ بإجماع أهل القبلة ! ، فدعوی عمر نسخ بعض الآيات إنما هو اجتهاد منه ، وهو اجتهاد خاطئ لا يلتفت إليه ، ويدل عليه ما أخرجه أبو عبيد في فضائله وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف عن خرشة بن الحر قال : رأی معي عمر بن الخطاب لوحا مكتوبا فيه (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّـهِ) (١) . فقال من

___________

(١) الجمعة : ٩ .

١٩٥
 &

أملی عليك هذا ؟ قلت : أُبيّ ابن كعب ! قال : إن أبيا أقرؤنا للمنسوخ قرأها (فامضوا إلی ذكر الله) .

وكذا أخرج عبد بن حميد عن إبراهيم قال : قيل لعمر إن أُبياً يقرأ (فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّـهِ) قال عمر : أُبيّ أعلمنا بالمنسوخ وكان يقرأها (فامضوا إلی ذكر الله) (١) .

لذا قد يكون المنسوخ الذي قصده عمر في رواية البخاري من هذا القبيل ، فتسقط هذه الرواية عن الحجية لو فرضت .

سادسا : لو سلمنا بكل ما سبق ، فإن قول عمر هذا لا يفيد علما ولا عملا ، فما فائدة قول أحدهم : إن من القرآن ما نسخ تلاوة ؟! ، لا شيء ؛ لأن القول بنسخ أي جملة من القرآن يفتقر إلی التواتر سواء أدعي علی نحو الإجمال وقوع النسخ أم لا ، فادعاء عمر السابق لا يفيد شيئا .

وإلی هنا نتوصل إلی أنه لا توجد حتی رواية واحدة عن رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم تحكي وقوع هذا النسخ في آيات القرآن ولو وجدت فهي روايات آحاد لا يعبأ بها فكيف إن كانت ضعيفة السند ! ، وأما الآثار التي جاءت من عند غير من أمرنا الله عز وجل باتباعه فالشقي كل الشقي من يعول عليها في إضافة جمل ليست من كتاب الله عز وجل فيه ، والمتجرئ من

___________

(١) الدر المنثور ٦ : ٢١٩ ، ط . دار المعرفة ، وسيأتي المزيد منها في مبحث القراءات الشاذة إن شاء الله .

١٩٦
 &

يقول إن الله عز وجل جعل هذه الكلمات من القرآن ، ثم يأتي بعد ذلك فيدعي أن الله عز وجل قد نسخها ! ناهيك عن أنها روايات آحاد ومعلولة المتن كما أوضحنا .

الخلاصة :

لا يوجد دليل يعتمد عليه لإثبات وقوع نسخ التلاوة لا من قرآن ولا من سنّة ، ومن غير اللائق تأسيس مثل هذا الأصل الخطر علی كتاب الله ، لأنه يفتح المجال للمتلاعبين والمتقولين علی الله عز وجل ، فينسب لساحته المقدسة كلام لم يقله . وعلی أي حال فالأصل عدم وقوع النسخ وخلافه يحتاج إلی دليل وهو مفقود ، بل الدليل علی خلافه قائم كما سيأتي بإذنه تعالی ، وقد يعجب العاقل من تمسك أهل السنة بشيء لا أصل له في الدين يزاد به في كتاب الله عز وجل وينقص منه بلا بينة ولا برهان ، ولكنها تزول بعد العلم بمنشأ تمسكهم بنسخ التلاوة هذا ، الذي لا وجود له إلا في مخيلتهم .

ما هو منشأ القول بوقوع نسخ التلاوة ؟

اتضح مما سبق أنه لا أصل للقول بوقوع نسخ التلاوة ، وبالتالي يتولد منه سؤال وهو ما هو دافع أهل السنة للقول بنسخ التلاوة مع علمهم بفساد أدلته ؟

هنا نحتاج إلی تقديم مقدمة وهي أن أهل السنة ألزموا أنفسهم منذ البداية بجملة من المباني والأُصول التي تسالموا ـ إلّا القليل منهم ـ علی قبولها وحصانتها من النقد والتشكيك وبعض هذه الأُصول هي من المشهور الذي لا أصل له ، وسنتكلم هنا عن بعض تلك الأُصول والمباني التي تتعلق بمبحثنا .

١٩٧
 &

منها : الحكم بصحة كل ما أخرجه البخاري ومسلم وقبوله قبولا أعمی بلا مناقشة للمتن ولا للسند ، حتی لو كانت الرواية مخالفة للمنقول والمعقول .

ومنها : القول بعدالة كل مسلم رأی رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم ومات علی الإسلام وحسن الظن المطلق به ، وقد كان عددهم مئة ألف واثني عشر ألف شخص كلهم عدول مؤمنون مخلصون لا يكذبون ولا يتعاركون ولا يتقاطعون ولا يؤذي جارٌ جاره ، ولا ينتقص أحدهم غيره ، وهذه حالهم علی الوئام طيلة حياتهم إلی أن يتوفاهم الله ، ولو ثبت عن أحدهم الفسق وشرب الخمر قالوا بتوبته ورجوعه قبل موته ، لذا إذا ثبتت الرواية عن أحدهم فهي الحق الذي لا مرية فيه .

وهنا أصل مشهور ومتفق عليه بين أركان المذاهب الإسلامية ، وهو تكفل الله عز وجل بصيانة القرآن من التحريف وعدم تعرّضه للنقص أو للزيادة .

وبعد ، كان من المحتم علی أهل السنة قبول مضمون أي رواية وردت في صحيحي البخاري ومسلم ، حتی لو ورد فيهما روايات رواها أكابر الصحابة تنص علی وجود آيات غير موجودة في مصحفنا كآية الرجم وآية الرضاع وغيرهما من الجمل الغربية ، والفهم البسيط لهذه الروايات هو اعتقاد هؤلاء الصحابة تعرض القرآن للتحريف والنقص بفقد هذه الآيات وأن الموجود في مصاحفنا اليوم ليس هو كل القرآن .

وحيث ثبت قول بعض الصحابة بتحريف القرآن الذي لا يمكن التزامه وجد علماء أهل السنة أنفسهم بين عدّة خيارات :

الخيار الأول : رفض تلك الروايات والحكم بكذبها علی الصحابة

١٩٨
 &

وأنهم أجل وأرفع من أن يدّعوا نقصان القرآن وتعرّضه للتحريف .

وهذا يخدش ما تسالموا عليه من الحكم بصحّة جميع ما في البخاري ومسلم من روايات ، فلا يمكنهم قبوله !

الخيار الثاني : قبول تلك الروايات وتوجيه الطعن للصحابة وأن أكابرهم كعمر وعائشة وابن مسعود وأبي موسی الأشعري وغيرهم ادعوا تحريف القرآن كذبا علی الله عز وجل الذي تكفل بحفظ كتابه ، أو أنهم علی أحسن التقادير قد أخطأوا في ذلك خطأ فاحشا لا عذر فيه .

وهذا الخيار أشكل من سابقه ولا يمكنهم قبوله بأي حال من الأحوال .

الخيار الثالث : الأخذ بمسلمات مذهبهم من عدالة الصحابة وعصمة البخاري ومسلم من الخطأ في كتابة المجلدات ، فينتج أن القرآن محرّف وقد أسقط منه آيات ذكرها الصحابة العدول وأخرجتها أصح الكتب ، فلا يمكن التشكيك بعدالة الصحابة ورميهم بالكذب والافتراء ، ولا يسعهم القول بعدم صحّة جميع ما في البخاري ومسلم وقد تسالموا عليه .

والإشكال في هذا الخيار واضح إذ فيه التزام بعدم صيانة القرآن من التحريف وأن التهاون والتضييع للقرآن قد حصل من الصحابة بعد وفاة رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم مما أدّی إلی تحريف الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وبالنتيجة سيرجع الطعن إلی الصحابة لأن الصحابة ـ بزعمهم ـ هم أول من جمع القرآن .

وعليه فلا مجال لهم مع التسليم بمبانيهم السابقة إلا أن يلتزموا بالتحريف ، فلذا اضطروا وأُلجئوا علی إيجاد مخرج ومنفذ شرعي يصححون به كل ما في البخاري ومسلم ، وتسلم به عدالة الصحابة من الخدش ، فما كان

١٩٩
 &

لهم إلا أن قبلوا قول الصحابة بفقدان بعض الآيات من المصحف ، وحيث أنه يناقض الإيمان بسلامة القرآن من التحريف صاروا لاختراع مبدأ يعالج مشكلة التعارض بين القول ان هناك آيات قرآنية لم تكتب في المصحف وبين سلامة القرآن من التحريف ، فكان مفاد هذا المبدأ ـ المخترع ـ هو نسبة نقص الآيات وإسقاطها من المصحف إلی نفس من أنزل القرآن وهو الله عز وجل !! ، فكما أن الله عز وجل أنزل آيات القرآن كذلك هو سبحانه رفع بعض الآيات منه فاخترع شيءٌ اسمه نسخ التلاوة وابتدع كأصلٍ يمكنهم علی ضوئه الخروج من مأزق التنازل عن أي من تلك المسلمات والمباني التي نصبت ليقوم علی أعوادها مذهبهم (١) .

والذي يدل علی أنهم اخترعوا نسخ التلاوة من عند أنفسهم ، هو عدم وجود أي دليل ومستند شرعي يدل علی وقوع نسخٍ التلاوة في زمن النبي صلی الله عليه وآله وسلم ، فهذا دليل واضح علی أنه أمرٌ حادث لا أصل له .

وأما لماذا نشأ نسخ التلاوة من خصوص تلك المسلمات ، فيتضح ذلك عندما نلاحظ حال علماء أهل السنة الذين رفضوا مبدأ نسخ التلاوة ، فهؤلاء بمجرد أن تتزعزع عندهم قدسية الصحيحين ، أو يضعف حسن الظن الساذج

___________

(١) يعلم أهل السنة أن روايات الآحاد لا تجدي نفعا في المقام ، لذا لا يقال إن صحابيا قال بنسخ بعض آيات من القرآن فاقتفی أهل السنة أثره ! نعم قد يذكرون قوله كشاهد لا كدليل ، وأما لو حصل وذكروه كدليل فمعناه أن أهل السنة رفعوا الشاهد الذي لا يعتمد عليه إلی مستوی الدليل المتواتر المعتمد باعتباره المخرج الوحيد لهم من تلك الخيارات المحرجة .

٢٠٠