إعلام الخلف - ج ٢

صادق العلائي

إعلام الخلف - ج ٢

المؤلف:

صادق العلائي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الآفاق للدراسات الإسلامية
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٦٣
الجزء ١   الجزء ٢ الجزء ٣
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

واحتاط الإمام الخميني رضوان الله تعالی عليه في المسألة بقوله : الأحوط عدم التخلف عن إحدی القراءات السبع ، كما أن الأحوط عدم التخلف عما في المصاحف الكريمة الموجودة بين أيدي المسلمين ، وإن كان التخلف في بعض الكلمات مثل (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) و (كُفُوًا أَحَدٌ) غير مضر ، بل لا يبعد جواز القراءة بإحدی القراءات .

يجوز قراءة (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) و (مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ) ولا يبعد أن يكون الأول أرجح ، وكذا يجوز في (الصراط) أن يقرأ بالصاد والسين والأرجح بالصاد ، وفي (كفواً أحد) وجوه أربعة : بضم الفاء وسكونه مع الهمزة أو الواو ، ولا يبعد أن يكون الأرجح بضم الفاء مع الواو (١) .

وقال السيد السيستاني حفظه الله تعالی : الأنسب أن تكون القراءة علی طبق المتعارف من القراءات السبع وإن كان الأقوی كفاية القراءة علی النهج العربي وإن كانت مخالفة لها في حركة بنية أو إعراب ، نعم لا يجوز التعدي عن القراءات التي كانت متداولة في عصر الأئمة عليهم السلام فيما يتعلق بالحروف والكلمات (٢) .

وقد اقتصرنا علی ما ذكر لأن فيه الكفاية ، ومن أراد الزيادة فليراجع .

___________

(١) تحرير الوسيلة ١ : ١٦٦ ـ ١٦٧ .

(٢) منهاج الصالحين ١ : ٢٠٨ مسألة ٦١٦ .

١٦١
 &

الخلاصة :

اتضح إلی هنا أن الشيعة تری أن القرآن واحد نزل من عند الواحد لكن هذا الاختلاف والتغاير في القراءات جاء من قبل القرّاء كل باجتهاده ، وهذا المصحف بين أيدينا متواتر جملة وتفصيلا بنقل الكافة عن الكافة ، وكذا أهل السنة يعتقدون بتواتره جملة وتفصيلا ، لكنهم متذبذبون في أمر القراءات فبعضهم يقول متواترة ، وأهل الخبرة منهم يقولون غير متواترة ، وتذبذبهم علی أشده في القراءات الشاذة ، إذ قالوا إنها ليست من القرآن وخاصة تلك التي تخالف رسم المصحف مع أن سلفهم الصالح كان يقول بقرآنيتها ! والبعض يشك في أنها من القرآن ، أي لعلها منه ولكنها حذفت من المصحف !

والعاقل المنصف يعلم أي من النظرتين تصون القرآن من شبهة التحريف .

١٦٢
 &

المبحث الرابع

نسخ التلاوة

تصدی بعض علماء الشيعة رضوان الله تعالی عليهم لرد فرية تحريف القرآن التي أثارها بعض المأجورين ، وبالأثناء نقلوا روايات من مصادر أهل السنة تفيد أن القرآن قد حرف وتلوعب به ، وكان غرضهم من ذلك التنبيه إلی أن وجود شخصيات أو روايات عند أهل السنة تصرح بتحريف القرآن لا يعني أن أهل السنة يعتقدون تحريف القرآن والأمر بالمثل عند الشيعة ، فلا داعي للتهويل والتشنيع علی الشيعة بما هو موجود في كتب غيرهم ، هذا كل شيء . ولكن وجدنا أن بعضا من الوهابية اتخذ إثبات تحريف القرآن عند الشيعة هدف الحياة سواء أكان هذا الإثبات حقا أم باطلا ، والمضحك أن أولئك الذين ما وجدوا للإيمان حلاوة في قلوبهم قد أخذوا بتأويل تلك الروايات التي نقلها الشيعة من كتب أهل السنة فقالوا : إن تلك الروايات تتكلم عن الآيات التي نسخت تلاوة ـ بزعمهم ـ لا أن القرآن محرف ! ، مع أن الشيعة ما أرادوا إثبات تحريف القرآن عند أهل السنة ! وإنما نقلوا تلك الروايات من كتب أهل السنة لبيان أن عقيدة المسلمين في القرآن لا تتزلزل ببعض الأشخاص أو الروايات الموجودة عند الطرفين ، ولكن في المقابل تمسك الوهابية بنسخ التلاوة حتی يتهربوا من رواياتهم وتبقی الكرة في ملعب الشيعة ! وشر البلية ما يضحك !

ووجدنا أن القضاء علی هذا الخزعبل الذي تستروا به ، والملجأ الذي

١٦٣
 &

فروا إليه خوفا مما تثبته رواياتهم الصحيحة من تحريف القرآن أصبح ضرورة حتمية نبين فيها زيف هذا الستر ، وأن الفضيحة لا يغطيها الركون إلی المبتدعات والسنن المفبركة ، فنجرهم قهرا إلی مقصد الشيعة الأول وهو رفع القرآن عن مرمی سهامهم والكف عن لوك قداسته بألسنتهم .

بين يدي البحث

ما هو النسخ ؟

النسخ في الشريعة هو رفع تشريعٍ وحكم سابق كان يعتقد دوامه بتشريع آخر ، فيبطل العمل بالسابق بانتهاء أمده المكتوب والمعلوم مسبقا عن الله عز وجل ويحل محلّه اللاحق ، وهذا ما قرره علماء الشيعة وعلماء أهل السنة ، قال المحقق معرفة حفظه الله في التمهيد : هو رفع تشريع سابق ـ كان يقتضي الدوام حسب ظاهره ـ بتشريع لاحق ، بحيث لا يمكن اجتماعهما معاً ، إما ذاتا ، إذا كان التنافي بينهما بيناً ، أو بدليل خاص ، من إجماع أو نص صريح (١) .

وقال الخضري في تاريخ التشريع الإسلامي : إبطال الحكم المستفاد من نص سابق بنص لاحق ومثاله ما ورد في حديث : (كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها) ، بالنص الأول يطلب الكف عن الزيارة ، والنص الثاني يرفع ذلك النهي ويحل محله الإباحة والطلب (٢) .

___________

(١) التمهيد في علوم القرآن للمحقق محمد هادي معرفة ٢ : ٢٧٠ ، ط . مهر ، قم المقدسة .

(٢) تاريخ التشريع الإسلامي للخضري بك : ٢١ .

١٦٤
 &

ومفاد النسخ أن الله عز وجل كان يعلم برفع هذا التشريع المعين بعد فترة من الزمن وإحلال غيره محله لفائدة ولغاية يعلمها هو سبحانه وتعالی (١) .

أقسام النسخ في القرآن :

قسم علماء المسلمين النسخ المتصور والمفترض الوقوع في القرآن إلی ثلاثة أنواع :

١ ـ نسخ الحكم دون التلاوة : بأن تبقی الآية المنسوخ حكمها ثابتة في القرآن الكريم متلوّة ، وهذا أقرّه علماء الإسلام أجمع إلا ما ندر .

___________

(١) وهذا ما أقرّه علماء السنّة ، فقد قال أبو إسحاق الشيرازي في شرح اللمع ١ : ٤٨٣ : (قالوا : ولأن جواز النسخ يؤدي إلی البداء علی الله تعالی ! وذلك لا يجوز عليه ، والجواب أن البداء إظهار لشيء بعدما كان خافياً عليه من قولهم : (بدا له الصبح) إذا ظهر ، ونحن لا نقول : إن الله تعالی كان قد خفي عليه شيء في الأول وظهر في الثاني ، وإنما نقول : إنه خاطب بهذا الخطاب وهو عالم بأنه يسقطه عنه بعد زمان وهذا ليس ببداء) اهـ . أقول : وما ذكره أهل السنة في هذا المورد هو نفس عقيدة البداء عند الشيعة الإمامية بلا فرق ، ولكن الوهابية ـ كالجاهل السابق (عثمان . خ) في أحد أشرطته ـ يفترون علی الشيعة بأن من عقيدتهم أن الله عز وجل يجوز عليه البداء بمعنی أنه يعلم بعد جهل ! ، مع أن الشيعة تكفر من يعتقد بهذا الاعتقاد وهذا الافتراء ليس بجديد منهم ، والذي ساعدهم علی بثه بين البسطاء والسذج كلمة (بدا) التي يتبادر لمن يسمعها المعنی المحذور ، لذلك تجدهم عندما يتكلمون عن عقيدة البداء عند الشيعة يقتصرون علی نقل كلمات أهل اللغة في معنی الكلمة ، ولا ينقلون كلمات علمائنا في معناها ، فتنبه لذلك .

١٦٥
 &

٢ ـ نسخ التلاوة دون الحكم : بأن تنسخ تلاوة الآية ولفظها ويبقی الحكم الذي كان يحويه ثابتا في الشريعة . ومثّلوا له بما يسمی بآية الرجم ولها صيغ متعددة منها (والشيخ والشيخة فارجموهما نكالا من الله البتة) ، فنسخت تلاوتها ولكن حكمها مازال معمولا به في الشريعة .

٣ ـ نسخ الحكم مع التلاوة : بأن تنسخ تلاوة الآية وينسخ حكمها معها ومثلوا له بما يسمی بآية الرضاع التي أخبرت عنها عائشة في قولها : كان فيما نزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ، ثم نسخن بخمس معلومات يحرمن ، فتوفي رسول الله صلی الله عليه [وآله] وسلم وهن مما يقرأ من القرآن . (١)

والنوعان الأخيران من النسخ لم يصحح وقوعه جملة من علماء أهل السنة وكذا جل الشيعة الإمامية إن لم نقل كلهم وإن قسموا النسخ في القرآن علی مستوی التصور والافتراض إلی تلك الأقسام الثلاثة ، وأما النوع الأول من النسخ فواقع في القرآن الكريم وأجمع عليه المسلمون إلا من شذ ، وقد نسخ حكم بعض الآيات الكريمة وشهد القرآن الكريم والسنة النبوية بذلك فلا نحتاج هنا إلی التدليل علی وقوعه ، ونذكر مثالا واضحا وهو آية النجوی (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَٰلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّـهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (٢) ، ثم نسخت

___________

(١) صحيح مسلم كتاب الرضاع حديث رقم ٢٤ . وستأتي بقية مصادره إن شاء الله تعالی .

(٢) المجادلة : ١٢ .

١٦٦
 &

بعد ذلك ، وخفف الله عن هذه الأُمة بفعل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام الذي قدم بين يدي نجواه صدقة ، فكان يقول عليه السلام : ((بي خفف الله عن هذه الأُمة)) (١) ، وقال ابن عمر :

لقد كانت لعلي رضي الله عنه ثلاثة لو كانت لي واحدة منهن كانت أحب إلي من حُمُر النعم ، تزويجه فاطمة عليها السلام ، وإعطاؤه الراية يوم خيبر ، وآية النجوی (٢) .

فأنزل الله عز وجل الآية الناسخة للحكم وهي (أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّـهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّـهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّـهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (٣) ، وأما نسخ التلاوة بشقّيه فقد رفض علماء الإمامية التسليم بوقوعه وكثير من علماء أهل السنة لأسباب يأتي ذكرها بإذنه تعالی .

___________

(١) تفسير القرطبي ١٧ : ٣٠٢ نقلا عن الترمذي .

(٢) نفس المصدر .

(٣) المجادلة : ١٣ .

١٦٧
 &

أولا : أهل السنة ونسخ التلاوة

تحرير محل النزاع

اتضح مما سبق أن أهل السنة يتفقون مع الشيعة علی جواز وقوع ضروب النسخ الثلاثة في القرآن ، وتصورها فيه أمر ممكن ، ولكن أهل السنة افترقوا عن الشيعة بقولهم : إن نسخ التلاوة سواء مع الحكم أو بدونه قد وقع في القرآن الكريم ، بخلاف الشيعة الذين لا يقولون بوقوعهما وإن كانا جائزين عقلا ، فمحل النزاع بين القوم هو الوقوع وعدمه .

هل وقع نسخُ لتلاوة بعض آيات القرآن الكريم ؟

من الأُمور التي لا يتهاون فيها نسبة آية من الآيات إلی قائمة المنسوخ لذا فإن مبحث نسخ التلاوة الذي به تنفی آيات من القرآن أو علی الأقل يشك في بقائها أو حذفها أمر مهم جدا ، ناهيك عما ينتج عنه من فتح باب التلاعب والتقول بأحكام ليس لها في الإسلام نصيب بدعوی أنها كانت ضمن آيات نسخت نسخ تلاوة مع بقاء الحكم ! ، وعليه فمن الأهمية بمكان معرفة وقوع هذا النوع من النسخ في آيات القرآن من عدمه .

قال في التفسير القرآني للقرآن : فإذا ساغ أن ينزل قرآن ، ويتلی علی المسلمين ، ثم يُرفع ، ساغ لكل مُبطل أي قول ، ثم يدّعي له أنه كان قرآنا ثم نسخ ... وهكذا تتداعی علی القرآن المفتريات والتلبيسات ، ويكون لذلك ما

١٦٨
 &

يكون من فتنة وابتلاء . (١)

وحتی لو لم تكن هناك أحكام مبتدعة تدخل وتنسب للدين بالباطل عن طريق هذا النوع من النسخ ، فإن مجرد القول بقرآنية جملة بلا بينة أمر عظيم لذلك يجب تحديد موقفنا من وقوع هذا النوع الخطر من النسخ في القرآن فلو ثبت وجود آيات تنص علی وقوع هذا النسخ ، أو لا أقل تواترت الأخبار بذلك فحينها نجزم بوقوع نسخٍ لتلاوة بعض آيات القرآن ، فلننظر إذن فيما يمكن للأدلة إثباته .

الإثبات من ناحيتين

١ ـ الآيات القرآنية الدالة علی وقوع نسخ التلاوة .

٢ ـ الأحاديث النبوية الشريفة الدالة عليه .

أولا : الآيات القرآنية

لا توجد آية واحدة ولا حتی جزء من آية يصرّح بوقوع نسخ لتلاوة القرآن ، نعم ذكروا آيات تدل علی جوازه وإمكانه مثل (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) (٢) ، والإمكان أعم من الوقوع كما هو معلوم بالبداهة ، فكم من أمرٍ ممكن في نفسه ولكنه لم يقع ، ولا خلاف بين المسلمين شيعة وسنة علی أن الله عز وجل يمكنه أن ينزل آية ويرفع تلاوتها ـ كما

___________

(١) التفسير القرآني للقرآن ١ : ١٢٢ لعبد الكريم الخطيب ، ط . دار الفكر العربي .

(٢) البقرة : ١٠٦ .

١٦٩
 &

ذكرنا سابقا ـ وإنما الكلام في وقوع مثل هذا الشيء ، فالاستدلال بهذه الآية علی الوقوع غير صحيح البتة ، لأنها تبدأ بـ (ما) التي تفيد الشرط ، وغاية ما يستفاد منها هو وجوب تحقق الجزاء عند تحقق الشرط .

ولننقل كلمات علماء السنة في هذا الأمر ، قال الفخر الرازي في تفسيره الكبير : واعلم إنا بعد أن قررنا هذه الجملة في كتاب المحصول في أُصول الفقه تمسكنا في وقوع النسخ بقوله تعالی : (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) (١) والاستدلال به ضعيف أيضاً لأن (ما) هاهنا تفيد الشرط والجزاء وكما أن قولك (ومن جاءك فأكرمه) لا يدل علی حصول المجيء بل علی أنه متی جاء وجب الإكرام ، فكذا هذه الآية لا تدل علی حصول النسخ بل علی أنه متی حصل النسخ وجب أن يأتي بما هو خير منه (٢) .

وقال في مباحث في علوم القرآن : ومعنی هذا أن النسخ الذي أشارت إليه الآية الكريمة ، ليس لازماً أن يقع ، وإنما وقوعه أمر احتمالي ، يشهد له الواقع أو لا يشهد ، فإن شهد له اعتُبر وإلّا فلا . فأساليب الشرط في القرآن قد لا يراد وقوعها ، أو تحقيق جوابها ، ومن ذلك قوله سبحانه : (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ) (٣) (٤) .

وقال في قضايا القرآن عند كلامه حول آية النسخ : وإذ ننظر في وجه الآية

___________

(١) البقرة : ١٠٦ .

(٢) التفسير الكبير ٣ : ٢٢٩ ، ط . دار الكتب العلمية الثانية .

(٣) الحاقة : ٤٤ ـ ٤٦ .

(٤) مباحث في علوم القرآن : ٢٥٤ .

١٧٠
 &

الكريمة ننظر أولاً : هل إذا جاء شرط في القرآن الكريم ، أيجب أن يقع هذا الشرط وأن يتحقق تبعاً لذلك جوابه ؟ الجواب علی هذا : أن ليس من الحتم اللازم أنه إذا ورد في القرآن أسلوب شرطي أن يقع هذا الشرط وإنما الحتم اللازم هو أنه إذا وقع الشرط فلا بدّ من أن يقع ويتحقق الجواب المعلق علی وقوع هذا الشرط ، فما أكثر ما وردت أساليب شرطية في القرآن غير مراد وقوعها وتحقيق جوابها ، ومن ذلك قوله تعالی لنبيه الكريم : (وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّـهِ) (١) . وقوله تعالی عن نبيه الكريم أيضاً : (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ) (٢) وقوله تعالی خطاباً له (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) (٣) . فلم يقع شرط أي آية من هذه الآيات ولم يقع جوابها كذلك ، وعلی هذا يجوز في الآية الكريمة : (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) (٤) . يجوز ألا يقع شرطها وجوابها ، وتكون من قبيل القضايا الفرضية التي يراد بها العبرة والعظة . والذي نأخذه من هذا هو أن النسخ الذي أشارت إليه الآية الكريمة ليس لازماً أن يقع ، وإنما وقوعه أمر احتمالي ، يشهد له الواقع أولا يشهد ، فإن شهد له أعتبر وإلا فلا (٥) .

___________

(١) الأنعام : ١١٦ .

(٢) الحاقة : ٤٤ ـ ٤٦ .

(٣) الزمر : ٦٥ .

(٤) البقرة : ١٠٦ .

(٥) من قضايا القرآن : ٢٣ ـ ٢٤ .

١٧١
 &

قال ابن تيمية : أنه تعالی إنما وعد أنه إذا نسخ آية أو نسأها أتی بخير منها أو مثلها لما أنزل هذه الآية قوله (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) (١) ، فإن هذه الآية شرطية تضمنت وعده أنه لابد أن يأتي بذلك وهو الصادق الميعاد فما نسخه بعد هذه الآية أو أنسأ نزوله مما يريد إنزاله يأت بخير منه أو مثله ، وأما ما نسخه قبل هذه أو أنسأه فلم يكن قد وعد حينئذ أنه يأتي بخير منه أو مثله (٢) ، فهو إذن وعد ليس إلا .

قال في النسخ في القرآن الكريم : ولابد من وقفة هنا ، عند النوع الثالث للنسخ ذكره الأُصوليون ، واعتمدوا فيه علی آثار لا تنهض دليلاً له ، مع أن الآيتين اللتين تتحدثان عن النسخ في القرآن الكريم لا تسمحان بوجوده إلّا علی تكلّف (٣) .

ونذكر هنا كلمات لبعض علماء الشيعة رضوان الله تعالی عليهم ، قال الشيخ المظفر رضوان الله تعالی عليه في أُصول الفقه : ولكن باختصار نقول : إنّ نسخ التلاوة في الحقيقة يرجع إلی القول بالتحريف لعدم ثبوت نسخ التلاوة بالدليل القطعي ، سواء كان نسخاً لأصل التلاوة أو نسخاً لها ولما تضمّنه من حكم معاً وإن كان في القرآن الكريم ما يشعر بوقوع نسخ

___________

(١) البقرة : ١٠٦ .

(٢) كتب ورسائل وفتاوی ابن تيمية في التفسير ١٧ : ١٩٤ .

(٣) النسخ في القرآن الكريم د . مصطفی زيد ١ : ٢٨٣ ـ ٢٨٤ مسألة رقم ٣٨٨ وما بعد .

١٧٢
 &

التلاوة ، كقوله تعالی (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللَّـهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ) (١) . وقوله تعالی (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) (٢) . ولكن ليستا صريحتين بوقوع ذلك ولا ظاهرتين وإنما أكثر ما تدل عليه الآيتان علی إمكان وقوعه (٣) .

وقال الشيخ محمد جواد مغْنِية رضوان الله تعالی عليه في تفسير الكاشف : ومهما يكن فإن الآية بدليل وجود (ما) الشرطية لا تدل علی وقوع النسخ بالفعل ، بل تدل علی أنه لو افترض وقوعه لأتی الله بخير من المنسوخ (٤) .

فالشيعة والمدققون من أهل السنة اتفقوا علی أن الآية ما تدل عليه جواز وقوع النسخ ، وأن الجزاء يتحقق بتحقق الشرط والآية واضحة لا تحتاج إلی بيان زائد ، ومع كل ذلك نجد (محمد بن عثيمين) أحد شيوخ الوهابية يقول في كتيّبه الأُصول من علم الأُصول :

والنسخ جائز عقلا وواقع شرعا ، أما جوازه عقلا : ... الخ ، وأما وقوعه شرعا فلأدلة منها : قوله تعالی (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ

___________

(١) النحل : ١٠١ .

(٢) البقرة : ١٠٦ .

(٣) أُصول الفقه ٢ : ٥٣ .

(٤) التفسير الكاشف ١ : ١٦٩ .

١٧٣
 &

مِثْلِهَا) (١) (٢) ، أقول : انظر كيف جعل الآية دالة علی وقوع النسخ !! ، ما عشت أراك الدهر عجبا !

___________

(١) البقرة : ١٠٦ .

(٢) الأُصول من علم الأُصول لابن عثيمين : ٦٠ ، ط . دار عالم الكتب ، أقول : وكثير من الوهابية اغتروا بكلمات علمائهم وصاروا ينقلون الآية كدليل علی نسخ التلاوة منهم الوهابي (عثمان . خ) في شريطه (الشيعة والقرآن) الذي قال في معرض رده علی الشيعة الذين ينكرون وقوع نسخ للتلاوة : (أما الأدلة علی نسخ التلاوة ، منها قوله تعالی (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّـهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة : ١٠٦) ، وقوله تعالی (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللَّـهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) (النحل : ١٠١) ، آيات صريحة في أن الله تبارك وتعالی يبدل ما يشاء جل وعلا) أقول : ما دخل هذا الكلام بمحل النزاع وهو وقوع نسخ التلاوة ؟! ، وأكمل قائلا : (الشيعة يوافقوننا علی جواز نسخ الحكم حتی الذين يقولون بالتحريف حتی الذين لا يقولون بالتحريف ، كل الشيعة يقولون نسخ الحكم نوافق عليه ولكن ينكرون نسخ التلاوة ويزعمون أن أهل السنة يقولون بالتحريف لأنهم يقولون بنسخ التلاوة ، ولا شك أن هذا تحكم ! ، يعني أن الله يقول (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا) وقوله تبارك وتعالی (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ) قلنا هذا الحكم دون التلاوة ، هذا تحكم ، ما الذي جعله في الحكم دون التلاوة ؟ لو جاء جاءٍ وقال لا هو في التلاوة دون الحكم ، هذا تحكم ، ولذلك قال الجصاص إن عموم اللفظ يقتضي الأمرين ـ يعني الحكم والتلاوة ـ ومن حمله علی أحد الوجهين دون الآخر بغير دليل فهو متحكم قائل بغير علم) . أقول : هذا تمام هرجه وتقليده الأعمی لأسياده ! ، فما علاقة محل النزاع وهو وقوع نسخ التلاوة بما ذكره هذا الوهابي ؟! ، أفتونا مأجورين !

١٧٤
 &

ولعل الوهابي كان في كلامه هذا عيالا علی ابن حجر حيث قال في فتح الباري : واستدل بالآية المذكورة علی وقوع النسخ خلافا لمن شذ فمنعه وتعقب بأنها قضية شرطية لا تستلزم الوقوع وأجيب بأن السياق وسبب النزول كان في ذلك لأنها نزلت جوابا لمن أنكر ذلك (١) .

أقول : أما السياق فلا شيء فيه يدل علی وقوع النسخ ، والمقام لا يحتمل الدعاوی الفارغة ، وأما قوله أن سبب النزول يفيد دلالتها علی وقوع النسخ فمغالطة لأن البحث منذ البداية مقتصر علی دلالة لفظ الآية بغض النظر عن القرائن الخارجية ، والسؤال منذ البداية هو : هل أن لفظ الآية يدل علی وقوع النسخ أم لا ؟ وواضح أنه لا يدل وهذا كل شيء .

وأما سبب النزول فلم تنزل الآية في خزعبل نسخ التلاوة ! ، وهذه الدعوی غريبة من ابن حجر !

سبب نزول الآية الكريمة

وإرضاء لخاطر ابن حجر ومن دار في فلكه نضع بين أيديهم كلمات علماء أهل السنة التي تنص علی أن الآية نزلت ردا علی اليهود الذين أنكروا وقوع النسخ في الشرائع والأحكام ، وأن سبب النزول لا يمس نسخ التلاوة لا من قريب ولا من بعيد .

قال ابن جرير الطبري : فتأويل الآية ألم تعلم يا محمد ـ اللهم صل علی

___________

(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري ٨ : ١٦٧ ـ ١٦٨ .

١٧٥
 &

محمد وعلی آل محمد ـ أن لي ملك السماوات والأرض وسلطانهما دون غيري أحكم فيهما وفيما فيهما بما أشاء وآمر فيهما وفيما فيهما بما أشاء وأنهی عما أشاء وأنسخ وأبدل وأغير من أحكامي التي أحكم بها في عبادي بما أشاء إذ أشاء وأقر فيهما ما أشاء . ثم قال : وهذا الخبر وإن كان خطابا من الله تعالی لنبيه صلی الله عليه [وآله] وسلم علی وجه الخبر عن عظمته فإنه منه جل ثناؤه تكذيب لليهود الذين أنكروا نسخ أحكام التوراة وجحدوا نبوة عيسی ومحمد عليهما الصلاة والسلام لمجيئهما بما جاءا به من عند الله بتغير ما غير الله من حكم التوراة ، فأخبرهم الله أن له ملك السماوات والأرض وسلطانهما ، وأن الخلق أهل مملكته وطاعته ، وعليهم السمع والطاعة لأمره ونهيه ، وأن له أمرهم بما يشاء ونهيهم عما يشاء ونسخ ما يشاء وإقرار ما يشاء وإنشاء ما يشاء من إقراره وأمره ونهيه (١) .

وقال القرطبي : وهذه آية عظمی في الأحكام ، وسببها أن اليهود لما حسدوا المسلمين في التوجه إلی الكعبة وطعنوا في الإسلام بذلك وقالوا : إن محمدا يأمر أصحابه بشيء ثم ينهاهم عنه ، فما كان هذا القرآن إلا من جهته ، ولهذا يناقض بعضه بعضا فأنزل الله (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ) (٢) . وأنزل (مَا نَنسَخْ

___________

(١) تفسير ابن كثير ١ : ١٥٢ .

(٢) النحل : ١٠١ .

١٧٦
 &

مِنْ آيَةٍ) (١) . (٢)

وقال البغوي : قوله عز وجل : (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا) ، وذلك أن المشركين قالوا : إن محمدا يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ، ويأمرهم بخلاف ما يقوله إلا من تلقاء نفسه يقول اليوم قولا ويرجع عنه غدا . كما أخبر الله (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللَّـهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ) ، وأنزل (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا) فبين وجه الحكمة في النسخ بهذه الآية (٣) .

وقال ابن حيان الأندلسي : (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ) سبب نزولها فيما ذكروا أن اليهود لما حسدوا المسلمين في التوجه للكعبة وطعنوا في الإسلام قالوا : إن محمدا يأمر أصحابه بأمر اليوم وينهاهم عنه غدا ، ويقول اليوم قولاً ويرجع عنه غدا ، ما هذا القرآن إلا من عند محمد وأنه يناقض بعضه بعضا (٤) .

وقال ابن الجوزي : سبب نزولها أن اليهود قالت لما نسخت القبلة : إن محمدا يحل لأصحابه إذا شاء ويحرم عليهم إذا شاء فنزلت هذه الآية (٥) .

وقال النسفي : لما طعنوا في النسخ فقالوا : ألا ترون إلی محمد يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم ويأمرهم بخلافه ويقول اليوم قولا ويرجع عنه

___________

(١) البقرة : ١٠٦ .

(٢) تفسير القرطبي ٢ : ٦١ .

(٣) تفسير البغوي ١ : ١٠٣ .

(٤) تفسير البحر المحيط ١ : ٣٤١ .

(٥) زاد المسير ١ : ١٢٧ .

١٧٧
 &

غدا . نزل (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا) (١) .

وقال الثعالبي : ومعنی الآية أن الله تعالی ينسخ ما شاء ويثبت ما شاء ويفعل في أحكامه ما شاء هو قدير علی ذلك وعلی كل شيء ، وهذا لإنكار اليهود النسخ (٢) .

وقال ابن كثير : وفي هذا المقام رد عظيم وبيان بليغ لكفر اليهود وتزييف شبهتهم ـ لعنهم الله ـ في دعوی استحالة النسخ ، إما عقلا كما زعمه بعضهم جهلا وكفرا وإما نقلا كما تخرصه آخرون منهم افتراء وإفكا .

وقال : ففي هذا المقام بين تعالی جواز النسخ ردا علی اليهود عليهم لعنة الله حيث قال تعالی (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّـهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّـهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) الآية . فكما أن له الملك بلا منازع فكذلك له الحكم بما يشاء (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ) وقرئ في سورة آل عمران التي نزل في صدرها خطابا مع أهل الكتاب وقوع النسخ في قوله تعالی : (كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ) الآية كما سيأتي تفسيره (٣) .

وقال الآلوسي : نزلت لما قال المشركون أو اليهود : ألا ترون إلی محمد صلی الله تعالی عليه [وآله] وسلم يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه

___________

(١) تفسير النسفي ١ : ٦٣ .

(٢) تفسير الثعالبي ١ : ٩٧ .

(٣) تفسير ابن كثير ١ : ١٥٢ .

١٧٨
 &

ويقول اليوم قولا ويرجع عنه غدا ، ما هذا القرآن إلا كلام محمد عليه الصلاة والسلام يقوله من تلقاء نفسه ، وهو كلام يناقض بعضه بعضا (١) .

وقال البيضاوي : نزلت لما قال المشركون أو اليهود : ألا ترون إلی محمد يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمر بخلافه (٢) .

وقال أبو السعود : قيل نزلت حين قال المشركون أو اليهود : ألا ترون إلی محمد يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمر بخلافه (٣) .

وعليه فنزول الآية الكريمة كان في نسخ الأحكام والشرائع ، قال السيد الطباطبائي رضوان الله تعالی عليه في تفسير الميزان : وكيف كان فالنسخ لا يوجب زوال نفس الآية من الوجود وبطلان تحققها ، بل الحكم حيث علق بالوصف وهو الآية والعلامة مع ما يلحق بها من التعليل في الآية بقوله تعالی : (أَلَمْ تَعْلَمْ ... إلخ) أفاد ذلك أن المراد بالنسخ هو إذهاب أثر الآية من حيث أنها آية ، أعني إذهاب كون الشيء آية وعلامة مع حفظ أصله ، فبالنسخ يزول أثره من تكليف أو غيره مع بقاء أصله ، وهذا هو المستفاد من اقتران قوله (ننسها) بقوله (ما ننسخ) (٤) .

وقال رضوان الله تعالی عليه في موضع آخر : ومحصل ما استفيد منها إن

___________

(١) روح المعاني ١ : ٣٥١ .

(٢) تفسير البيضاوي ١ : ٣٧٧ .

(٣) تفسير أبي السعود ١ : ١٤٢ ـ ١٤٣ .

(٤) تفسير الميزان ١ : ٢٥٠ .

١٧٩
 &

النسخ قد يكون في الحكم كالآيات المنسوخة المثبتة في المصحف ، وقد يكون في التلاوة مع نسخ حكمها أو من غير نسخ حكمها ، وقد تقدم في تفسير قوله (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ) (١) . وسيأتي في قوله : (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ) (٢) أن الآيتين أجنبيتان عن الانساء بمعنی نسخ التلاوة ، وتقدم أيضا في الفصول السابقة أن هذه الروايات مخالفة لصريح الكتاب ، فالوجه عطفها علی روايات التحريف وطرح القبيلين جميعا (٣) .

قال السيد جعفر مرتضی حفظه الله في معرض رده علی استدلالهم بالآية لإثبات نسخ التلاوة : إن لفظ (آية) في قوله : (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ) إذا ورد في القرآن الكريم بصيغة المفرد ، فإنما يراد به الأمر العظيم ، الخارق للعادة الآتي من قبل الله سبحانه ، كالذي أشير إليه في قوله تعالی : (وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا) (٤) . ونحو ذلك (٥) . أما الآية بمعنی الفقرة القرآنية ، فلم يثبت : أن القرآن استعملها بلفظ المفرد ، وأراد بها ذلك . ولو سُلّم ، فإننا نقول : إن قوله تعالی : (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ) . قد ورد في مقام التعريض بأهل الكتاب والمشركين ، فلا بد وأن يراد به نسخ ما ورد في الشرايع السابقة ، لأجل هذه

___________

(١) البقرة : ١٠٦ .

(٢) النحل : ١٠١ .

(٣) تفسير الميزان ١٢ : ١٣٣ .

(٤) الإسراء : ٥٩ .

(٥) وقد أشار إلی ذلك بعض المحققين أيضا .

١٨٠