إعلام الخلف - ج ٢

صادق العلائي

إعلام الخلف - ج ٢

المؤلف:

صادق العلائي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الآفاق للدراسات الإسلامية
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٦٣
الجزء ١   الجزء ٢ الجزء ٣
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

أدلة أهل الحق بحكم الضرورة الأولية من مذهب الإمامية (١) .

قال العلامة البلاغي رضوان الله تعالی عليه : ومن أجل تواتر القرآن الكريم بين عامّة المسلمين جيلاً بعد جيل ، استمرّت مادّته وصورته وقراءته المتداولة ، علی نحو واحد ، فلم يؤثّر شيئاً علی مادّته وصورته ما يروی عن بعض الناس من الخلاف في قراءته من القرّاء السّبعة المعروفين وغيرهم ، فلم تسيطر علی صورته قراءة أحدهم اتّباعاً له ولو في بعض النّسخ ، ولم يسيطر عليه أيضاً ما روي من كثرة القراءات المخالفة له ممّا انتشرت روايته في الكتب كجامع البخاري ومستدرك الحاكم ... وأن القراءات السبع فضلا عن العشر إنما هي في صورة بعض الكلمات لا بزيادة كلمة أو نقصها ، ومع ذلك ما هي إلا روايات آحاد عن آحاد لا توجب اطمئنانا ولا وثوقا فضلا عن وهنها بالتعارض ومخالفتها للرسم المتداول بين عامة المسلمين في السنين المتطاولة (٢) .

___________

(١) أجوبة مسائل موسی جار الله : ٢٩ ، قوله رضوان الله تعالی عليه بأنه متواتر من طرقنا ، إن قصد به أن هذا التواتر متحقق بمقتضی طبيعة الأمر وأنه حاصل تلقائيا لشدة اهتمام المسلمين بالقرآن فهذا صحيح ، وأما إن قصد به رضوان الله تعالی عليه أن للشيعة طرقا إسنادية إلی كل كلمة في القرآن ، فأتمنی ـ من كل قلبي ـ أن أكون من هؤلاء المعتوهين الذين عناهم السيد المبجل رحمة الله تعالی عليه بقوله .

(٢) لعل العلامة رضوان الله تعالی عليه غفل عن أن قراءتنا اليوم منسوبة لأحد القراء السبعة وهو عاصم بن أبي النجود .

١٤١
 &

إذن فلا يحسن أن يعدل في القراءة عما هو المتداول في الرسم والمعمول عليه بين عامة المسلمين في أجيالهم إلی خصوصيات هذه القراءات . مضافا إلی أنا معاشر الإمامية قد أمرنا بأن نقرأ كما يقرأ الناس أي نوع المسلمين وعامتهم . ولعلَّ ما تقول : إن غالب القراءات السبع أو العشر ناشئ من سعة اللغة العربية في وضع الكلمة وهيئتها ـ إلی قوله ـ فعلی أي قراءة قرأتُ أكون قارئا علی العربية . ولكن كيف يخفی عليه أن تلاوة القرآن وقراءته يجب فيها وفي تحققها أن تتبع ما أوحي إلی الرسول وخوطب به عند نزوله عليه ؟ وهو واحد ، فعليك أن تتحراه بما يثبت به وليس قراءة القرآن عبارة عن درس معاجم اللغة (١) .

وهاك ما أغدقه علينا الإمام الخميني قدس الله نفسه الزكية عند ترجيحه للقراءة المتداولة (يَطْهُرْنَ) (٢) . بالتخفيف علی القراءة بالتشديد ، فقال :

هذا مع أن ترجيح قراءة التخفيف علی التضعيف كالنار علی المنار عند أولي الأبصار ضرورة أن ما هو الآن بين أيدينا من الكتاب العزيز متواتر فوق حد التواتر بالألوف والآلاف ، فإن كل طبقة من المسلمين وغيرهم ممن يبلغ الملايين أخذوا هذا القرآن بهذه المادة والهيئة عن طبقة سابقة مثلهم في العدد وهكذا إلی صدر الإسلام وقلما يكون شيء في العالم كذلك ، وهذه القراءات السبع أو العشر لم تمس كرامة القرآن رأسا ولم يعتن المسلمون بها

___________

(١) من مقدّمة تفسير آلاء الرحمن ١ : ٢٩ ـ ٣٠ ، ط . مكتبة الوجداني ـ مدينة قم المقدسة ـ .

(٢) البقرة : ٢٢٢ .

١٤٢
 &

وبقرائها ، فسورة الحمد هذه مما يقرأها الملايين من المسلمين في الصلوات آناء الليل وأطراف النهار ، وقرأها كل جيل علی جيل ، وأخذ كل طائفة قراءة وسماعا من طائفة قبلها إلی زمان الوحي .

تری أن القراء تلاعبوا بها بما شاءوا ومع ذلك بقيت علی سيطرتها ولم يمس كرامتها هذا التلاعب الفضيح وهذا الدّس القبيح وهو أدل دليل علی عدم الأساس لتواتر القراءات ، إن كان المراد تواترها عن النبي الأكرم صلی الله عليه وآله مؤيدا بحديث (١) وضعه بعض أهل الضلال والجهل وقد كذبه أولياء العصمة وأهل بيت الوحي قائلا : إن القرآن واحد من عند واحد . هذا مع أن كلا من القرّاء ـ علی ما حكي عنهم ـ استبد برأيه بترجيحات أدبية وكلما دخلت أُمّة لعنت أُختها ! وظني أن سوق القراءة لما كانت رائجة في تلك الأعصار فتح كل دكة لترويج متاعه والله تعالی بريء من المشركين ورسوله صلی الله عليه وآله .

نعم ما هو المتواتر هو القرآن الكريم الموجود بين أيدي المسلمين وغيرهم ، وأما غيره من القراءات والدعاوي فخرافات فوق خرافات ظلمات بعضها فوق بعض ، وهو تعالی نزل الذكر وحفظه أيَّ حفظ ، فإنك لو تری القرآن في أقصی بلاد الكفر لتراه كما تراه في مركز الإسلام وأيدي المسلمين وأي حفظ أعظم من ذلك (٢) ، انتهی كلامهم أعلی الله مقامهم .

___________

(١) يقصد حديث الأحرف السبعة .

(٢) فقه السيد الخميني قدس الله نفسه الزكية ١ : ١٤٢ ـ ١٤٣ .

١٤٣
 &

أربعة قرّاء من القرّاء السبعة من الشيعة :

القرّاء السبعة أربعة منهم شيعة ، وهم علی ترتيبهم الزمني من حيث الوفاة : عاصم (ت ١٢٨ هـ) ، أبو عمرو (ت ١٥٤ هـ) ، حمزة (ت ١٥٦ هـ) الكسائي (ت ١٨٩ هـ) .

قال في تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام : الطبقة التاسعة فيمن كان منها من الشيعة الذين هم أئمة القرّاء المشهورين عند الكل بالسبعة الذين عليهم المعول وإليهم المرجع :

(أبو عمرو بن العلاء) منهم : البصري أبو عمرو بن العلاء ، أحد الشيعة من السبعة ، قرأ علی سعيد بن جبير وهما كما عرفت من الشيعة الأعلام وأسند أبو عبد الله البرقي في المحاسن عنه أنه قال : قال أبو عبد الله الصادق عليه السلام : يا أبا عمرو ! تسعة أعشار الدين في التقيّة ، ولا دين لمن لا تقيّة له ، والتقية في كل شيء إلّا في شرب النبيذ والمسح علی الخفين . الحديث ، ومن هنا يعلم أنه كان يستعمل التقية في معاشرته مع أهل السنّة (١) ، ومع ذلك حكی ابن الأنباري في نزهة الألباء طلب الحجاج له وهربه منه واختفاءه حتی مات الحجاج وقد تقدّمت ترجمته في أئمة النحو .

___________

(١) سير أعلام النبلاء ٦ : ٤٠٨ في ترجمته (قال إبراهيم الحربي وغيره : كان أبو عمرو من أهل السنة) ، وهذه الكلمة تدل علی أن مذهب أبي عمرو كان محل ريب وشك عندهم ، وإلا لماذا تكلم في عقيدته عدة منهم ؟! ، فهذا يؤيد حالة التقية التي كان فيها أبو عمرو .

١٤٤
 &

(عاصم الكوفي) ومنهم : عاصم الكوفي ابن أبي النجود بهدلة ، أحد الشيعة من السبعة ، قرأ علی أبي عبد الرحمان السلمي صاحب أمير المؤمنين المتقدم ذكره وتشيّعه آنفاً ، وهو قرأ علی أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، وقد نص الشيخ الجليل عبد الجليل الرازي المتوفی بعد سنة ٥٥٦ . وكان ابن شهر آشوب وشيخ أبي الفتوح الرازي المفسر في كتابه نقض الفضائح علی تشيّع عاصم وأنه كان مقتدی الشيعة ، فقال ما معناه باللسان العربي ، أن التشيع كان مذهباً لأكثر أئمة القراءة ، كالمكي والمدني والكوفي والبصري وغيرهم كانوا عدلية لا مشبّهة ولا خوارج ولا جبرية ، ورووا عن علي أمير المؤمنين عليه السلام ، ومثل عاصم وأمثاله كانوا مقتدی الشيعة والباقون عدلية غير أشعرية انتهی . قال السيد في الروضات عند ترجمته ، وكان أتقی أهل هذه الصناعة علی كون هذا الرجل أصوب كل أولئك المذكورين رأياً وأجملهم سعياً ورعياً ـ إلی أن قال ـ وقال إمامنا العلامة أعلی الله مقامه فيما نقل عن كتابه المنتهی وأحب القراءات إليّ قراءة عاصم المذكور من طريق أبي بكر بن عياش انتهی . قرأ أبان بن تغلب شيخ الشيعة علی عاصم ، كما قرأ هو علی أبي عبد الرحمان السلمي ، ولعاصم روايتان رواية حفص بن سليمان البزاز كان ربيبه وابن زوجته ورواية أبي بكر بن عياش ، وذكره القاضي نور الله المرعشي في مجالس المؤمنين ونص علی تشيّعه .

(الكسائي أبو الحسن) ومنهم : الكسائي أبو الحسن علي بن حمزة بن عبد الله بن بهمن بن فزار الأسدي بالولاء الكوفي المكنّی أبا عبد الله ، وهو من القرّاء السبعة المشهورين ، وكان يذكر أنه ربيب الفضل الضبي ، وكانت أُمّه تحته ، نص علی تشيّعه في رياض العلماء في الألقاب ، قرأ علی شيوخ

١٤٥
 &

الشيعة كحمزة وأبان بن تغلب ، وأخذ النحو عن أبي جعفر الرواسي ومعاذ الهراء والكل من أئمة علماء الشيعة كما عرفت ، قرأ الكسائي القرآن علی حمزة ، وقرأ حمزة علی أبي عبد الله ، وقرأ علی أبيه ، وقرأ علی أبيه ، وقرأ علی أبيه ، وقرأ علی أمير المؤمنين ، كذا وجد بخط شيخنا الشهيد بن مكي نقلاً عن الشيخ جمال الدين أحمد بن محمد بن الحداد الحلي ، ونص علی تشيع الكسائي جماعة ، وهو مذهب أكثر أهل الكوفة في ذلك العصر ، وقد أكثر الشيخ حسن بن علي الطبرسي في كتاب أسرار الإمامة من النقل عن كتاب قصص الأنبياء للكسائي توفي سنة تسع وثمانين ومئة بالري وقيل مات بطوس .

(حمزة الكوفي) ومنهم : حمزة الكوفي ابن حبيب الزيات أحد الشيعة من السبعة ، قرأ علی مولانا الصادق وعلی الأعمش وعلی حمران بن أعين أخي زرارة ، والكل من شيوخ الشيعة ، وعده الشيخ أبو جعفر الطوسي في كتاب الرجال من أصحاب الصادق ، وكذلك ابن النديم في الفهرست ، قال : وكتاب القراءة لحمزة بن حبيب وهو أحد السبعة من أصحاب الصادق ، انتهی بحروفه . مات حمزة سنة ست أو ثمان وخمسين بعد المئة بحلوان ، وكان مولده سنة ثمانين ، وله سبع روايات ، وصنف كتاب القراءة ، وكتاباً في مقطوع القرآن وموصوله ، وكتاب متشابه القرآن ، وكتاب أسباع القرآن ، وكتاب حدود آي القرآن ذكر هذه الكتب له محمد بن إسحاق النديم في الفهرست كل في موضعه وقد جمعتها أنا في ترجمته رضي الله عنه (١) . انتهی بتمامه .

___________

(١) تأسيس الشيعة لعلوم القرآن : ٣٤٦ ـ ٣٤٧ .

١٤٦
 &

وقال في تلخيص التمهيد : أربعة من القرّاء السبعة هم شيعة آل البيت عليهم السلام بالتصريح ومن المحافظين الثقات : عاصم بن أبي النّجود ، وأبو عمرو بن العلاء ، وحمزة بن حبيب ، وعلي بن حمزة الكسائي . وواحد من أشياع معاوية وهو ابن عامر وكان لا يتورّع عن الكذب والفسوق واثنان ـ هما : ابن كثير المكّي ونافع المدني ـ مستورا الحال . ولكن نسبتهما إلی فارس بالخصوص ربما تنم عن موقفهما من مذهب أهل البيت عليهم السلام لأنّهم أسبق من عرف الحق ولمسه في هذا الاتجاه (١) .

وعند تتبع سلسلة إسناد قراءة كل من الأربعة المشار لهم آنفا نجد أن لقراءتهم طرقا شيعية ، صافية لا شائبة فيها ، وهذا بشهادة علماء أهل السنة :

قال في معجم القراءات القرآنية : ولمصحف علي قيمة تاريخية من جانب أن علياً عليه السلام كان من القرّاء فقراءته يمثلها مصحفه ، وقيمته التاريخية ترجع إلی أن قراءات أربعة قرّاء من القرّاء السبعة تنتهي إلی قراءة علي كرم الله وجهه ، وأمّا هؤلاء القرّاء الأربعة فهم :

١ ـ أبو عمرو بن العلاء : ـ قرأ علی نصر بن عاصم ، ويحيی بن يعمر وكلاهما علی أبي الأسود ، وأبو الأسود قرأ علی علي رضي الله عنه .

٢ ـ عاصم بن أبي النجود : ـ قرأ علی أبي عبد الرحمان عبد الله بن حبيب بن ربيعة السّلمي الضرير الذي قرأ علی عليّ كرّم الله وجهه .

___________

(١) تلخيص التمهيد في علوم القرآن : ٣٢٧ ـ ٣٢٨ .

١٤٧
 &

٣ ـ حمزة الزيات : ـ قرأ علی أبي عبد الله جعفر الصادق الذي قرأ علی أبيه محمد الباقر ، وقرأ الباقر علی أبيه زين العابدين وقرأ زين العابدين علی أبيه سيد شباب أهل الجنّة الحسين وقرأ الحسين علی أبيه علي بن أبي طالب . (عليهم السلام)

٤ ـ الكسائي : ـ قرأ علی حمزة وعليه اعتماده (١) .

وكل هذه الطرق شيعية خالصة ، وهكذا يتضح أن الشيعة كانوا لبنة أساسية في أسانيد تلك القراءات ، وأضاف الصدر رضوان الله تعالی عليه في تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام أن هناك دورا بارزا لبعض القرّاء الشيعة في عالم القراءات غير هؤلاء الأربعة وذكر عدة منهم كابن مسعود ، وأُبيّ بن كعب ، وأبي الدرداء ، والمقداد ، وابن عباس ، وأبي الأسود ، وعلقمة ، وابن السائب ، والسلمي ، وزرّ بن حبيش ، وسعيد بن جبير ، ونصر بن عاصم ويحيی بن يعمر ، وحمران بن أعين ، وأبان بن تغلب ، والأعمش ، وابن عيّاش

___________

(١) معجم القراءات القرآنية ١ : ١٤ . أقول : هذا لا يعني أن قراءة كل منهم تتطابق مع الآخر ، إذ أن منهم من كان يضيف من عنده ويقرأ بطريقته الخاصة ، ما عدا عاصم بن أبي النجود الذي نسبت له القراءة المتواترة بين الناس وهي قراءة أبي عبد الرحمان السلمي الذي أخذها عن علي عليه السلام . قال الإمام الذهبي في معرفة القرّاء الكبير ١ : ٧٧ : (وأعلی ما يقع لنا من القرآن العظيم فهو من جهة عاصم ـ ثم ذكر إسناده متّصلا إلی حفص ، عن عاصم ، عن أبي عبد الرحمان السلمي ، عن علي عليه السلام وعن زرّ وعن عبد الله . وكلاهما عن النبي صلی الله عليه واله وسلم ، عن جبرائيل عليه السلام ، عن الله عز وجل) .

١٤٨
 &

وحفص بن سليمان ، ونظرائهم من أعاظم القرّاء في دنيا القرآن (١) .

___________

(١) راجع كتاب تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام ، والإنصاف أن بعضهم يتأمل في نسبته للتشيع .

١٤٩
 &

الشيعة هم إسناد قراءة المسلمين اليوم

هذه القراءة المشتهرة المتواترة بين المسلمين المعروفة بقراءة عاصم برواية حفص ذكر أهل السنة إسنادا لها كل رجاله من الشيعة ، فمن النبي صلی الله عليه وآله وسلم إلی الشيعة واحدا عن واحد ، ولم يقع رجل واحد من أهل السنة في إسنادها ، وقد تسالم الكل علی أنها أصح القراءات .

فرأس سلسلتها هو الإمام علي عليه السلام وقرأ عليه أبو عبد الرحمان السلمي وهو شيعي ، وقرأ عليه عاصم بن بهدلة وهو شيعي كما مر ، وقرأ عليه تلميذه حفص بن سليمان وهو شيعي ، فكلهم من الشيعة .

حفص بن سليمان من أصحاب الإمام جعفر الصادق عليه السلام وقد أسند عنه ، وقد ذكره العلامة السيد الأمين رضوان الله تعالی عليه ضمن أعيان الشيعة :

حفص بن سليمان أبو عمرو الأسدي الغاضري المقري البزاز الكوفي . ذكره الشيخ في رجاله في أصحاب الصادق عليه السلام وقد أسند عنه (١) .

وقد أطری علماء أهل السنة علی تثبّت حفص بن سليمان في نقل قراءة عاصم بن أبي النجود (٢) . وهكذا يتضح أن شيخ حفص بن سليمان الذي

___________

(١) أعيان الشيعة ٦ : ٢٠١ ، وبمثلها ترجم في معجم رجال الحديث . راجع رجال الطوسي قدس سرّه : ١٧٦ .

(٢) هذه جملة من كلماتهم ، قال في ميزان الاعتدال للذهبي ١ : ٥٠٨ ت ٢١٢١ : (وكان شيخاً في

١٥٠
 &

___________

القراءة واهياً في الحديث لأنه كان لا يتقن الحديث ويتقن القرآن ويجوّده ، وإلّا فهو في نفسه صادق) . معجم البلدان ١٠ : ٢١٥ ـ ٢١٦ : (وهو الإمام القارئ ، راوي عاصم بن أبي النجود وكان ربيب عاصم ـ ابن زوجته ـ فأخذ عنه القراءة عرضاً وتلقيناً . قال حفص : قال لي عاصم : القراءة التي أقرأتك بها فهي التي قرأتها عَرْضاً علی أبي عبد الرحمان السلمي عن عليٍّ ، والتي أقرأتها أبا بكر بن عياش فهي التي كنت أعرضُها علی زرِّ بن حُبيش عن ابن مسعود ... قال يحيی بن معين : الرواية الصحيحة من قراءة عاصم رواية حفص ، وكان أعلمهم بقراءة عاصمٍ ، وكان مرجّحاً علی شُعْبة بضبط القراءة) . طبقات القرّاء ١ ترجمة حفص : (أما القراءة فثقةٌ ثبتٌ ضابطٌ لها بخلاف حاله في الحديث . قال ابن المنادي : قرأ علی عاصم مراراً ، وكان الأولون يعدونه في الحفظ فوق أبي بكر بن عياش ويصفونه بضبط الحروف التي قرأها علی عاصم ، وأقرأ الناس دهراً وكانت القراءة التي أخذها عن عاصم ترتفع إلی علي رضي الله عنه) . تاريخ بغداد ٨ : ١٩٦ ت ٤٣١٢ : (وهو صاحب عاصم في القراءة وابن امرأته ، وكان ينزل معه في دار واحدة ، فقرأ عليه القرآن مرارا ، وكان المتقدمون يعدّونه في الحفظ فوق أبي بكر بن أبي عيّاش ، ويصفونه بضبط الحرف الذي قرأ به علی عاصم) ، شذرات الذهب ١ : ٢٩٣ أحداث سنة ثمانين ومائة : (حفص بن سليمان الغضائري الكوفي قاضي الكوفة وتلميذ عاصم ، وقد حدث عن علقمة بن مرثد وجماعة وعاش تسعين سنة وهو متروك الحديث حجة في القراءة قاله في العبر) . تحرير تقريب التهذيب ١ : ٣١٢ ت ١٤٠٥ حفص بن سليمان الأسدي : (متروك الحديث مع إمامته في القراءة) . معجم حفاظ القرآن ١ : ٢١٠ ت ٩٢ : (الإمام الحجّة الثقة الثبت ، صاحب الرواية المشهورة في الآفاق ، ويقرأ بها إلی الآن معظم المسلمين في شتی أنحاء العالم ، وهو حفص بن سليمان بن المغيرة أبو عمرو بن أبي داود الأسدي الكوفي ، ولد حفص سنة تسعين من الهجرة ، وقد أخذ القراءة

١٥١
 &

أخذ منه القراءة المتداولة هو عاصم بن أبي النجود ، وقد ذكره العلامة السيد محسن الأمين رضوان الله تعالی عليه ضمن أعيان الشيعة :

عاصم بن أبي النجود : بهدلة الكوفي ، أحد القرّاء السبعة قرأ علی أبي عبد الرحمان السلمي الذي قرأ علی أمير المؤمنين عليه السلام ومن أصحابه ونقل عن المنتهی للعلامة أنه قال : أحب القراءات إليّ قراءة عاصم من طريق أبي بكر بن العياش ، وقرأ أبان بن تغلب الذي هو شيخ الشيعة علی عاصم ولعاصم روايتان الأُولی رواية حفص بن سليمان البزاز كان ابن زوجته الثانية ورواية أبي بكر بن عياش ، وعاصم من الشيعة بلا كلام نص علی ذلك القاضي نور الله والشيخ عبد الجليل الرازي المتوفی سنة ٥٥٦ شيخ ابن شهر آشوب في كتاب نقض الفضائح أنه كان مقتدی الشيعة (١) .

___________

عرْضاً وتلقيناً علی عاصم بن أبي النجود الإمام الخامس من الأئمة العشرة . قال الداني : وقد أخذ حفص قراءة عاصم تلاوة ، ونزل بغداد فأقرأ بها ، ثم رحل إلی مكة وجاور بها ، فأقرأ الناس بقراءة عاصم ولازال المسلمون حتی الآن يتلقون قراءة حفص بالرضا والقبول ، ولا أكون مبالغاً إذا قلت : إن قراءة حفص من أشهر الروايات في شتی بقاع الدنيا . ومما تجدر الإشارة إليه أن قراءة حفص صحيحة متصلة السند بالهادي البشير عليه الصلاة والسلام لأنها ترتفع إلی الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي صلی الله عليه [وآله] وسلم) . الطبقات لابن الجزري ١ : ٢٥٤ : (قال أبو عمرو الداني : حفص هو الذي أخذ قراءة عاصم علی الناس تلاوة ، ونزل بغداد فأقرأ بها ، وجاور بمكة فأقرأ بها) .

(١) أعيان الشيعة ٧ : ٤٠٧ ترجمة رقم ١٤١٥ .

١٥٢
 &

ومقام عاصم الكوفي عند علماء أهل السنة لا يخفی علی من راجع ترجمته في كتبهم (١) ، ويستفاد منها أن عاصما كان رأسا في القراءة وسيدا في ميدانه

___________

(١) شذرات الذهب ١ : ١٧٥ سنة ثمان وعشرين ومائة : (وعاصم بن أبي النجود الكوفي الأسدي مولاهم ، أحد القرّاء السبعة وكان حجة في القراءات صدوقاً في الحديث قرأ علی أبي عبد الرحمان السلمي وغيره) ، تاريخ الإسلام للذهبي ٥ : ١٣٩ : (قرأ القرآن علی أبي عبد الرحمان السلمي وزرّ بن حبيش ، وروی عنهما ... قال أبو بكر : قال لي عاصم : ما أقرأني أحدٌ حرفاً إلّا أبو عبد الرحمان السلمي كان قد قرأ علی عليّ رضي الله عنه فكنت أرجع من عنده أعرض علی زر ... وقال أبو بكر بن عياش : لا أحصي ما سمعت أبا إسحاق السبيعي يقول : ما رأيت أحداً أقرأ من عاصم ، ما أستثني أحداً من أصحابه) . تهذيب الكمال ١٣ : ٤٧٣ وما بعدها ت ٣٠٠٢ : (قال عبد الله ابن أحمد بن حنبل : سألت أبي عنه فقال : كان رجلاً صالحاً قارئاً للقرآن ، وأهل الكوفة يختارون قراءته وأنا أختار قراءته ، وكان خيّراً ثقةً ، والأعمش أحفظ منه ، وكان شعبة يختار الأعمش عليه ، في تثبيت الحديث . وقال عبد الله أيضا : سألت أبي عن حماد بن أبي سليمان وعاصم ، فقال : عاصم أحب إلينا ، عاصم صاحب قرآن ، وحمّاد صاحب فقه . وقال أحمد بن عبد الله العجلي : عاصم صاحب سُنة وقراءة للقرآن ، وكان ثقة رأسا في القراءة ، ويقال : إن الأعمش قرأ عليه وهو حَدَث ، وكان يختلف عليه في زرّ وأبي وائل) . كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد : ٦٩ : (وكان أخذ القراءة عن أبي عبد الرحمان وعرض علی زرّ بن حبيش ، فيما حدثني به عبد الله بن حمد بن شاكر ، قال : حدثنا يحيی بن آدم ، قال : حدثنا أبو بكر بن عياش ، قال لي عاصم : ما أقرأني أحد حرفاً إلا أبو عبد الرحمان السلمي ، وكان أبو عبد الرحمان قد قرأ علی عليّ رضي الله تعالی عنه ، وكنت أرجع من عند أبي عبد الرحمان ، فأعرض علی زرّ بن حبيش وكان زرّ قد قرأ علی عبد الله . قال أبو بكر بن

١٥٣
 &

لا يبلغ إتقانه أحد ، ولكنه في الحديث غير متقن عندهم ، وله أوهام وأغلاط يسيرة .

وقد قرأ القرآن كاملا علی أبي عبد الرحمان السّلمي ولم يقرأ علی أحدٍ سواه ، ولكنه مع ذلك كان يعرض هذه القراءة التي أخذها من السلمي علی

___________

عياش فقلت لعاصم : لقد استوثقت) . من مقدمة الحافظ القارئ محمد غوث الندوي علی كتاب التبصرة في القراءات السّبع لمكي بن أبي طالب : ٨٤ : (وهو الإمام الذي انتهت إليه رئاسة القراءة بالكوفة بعد أبي عبد الرحمن السّلمي في موضعه . جمع بين الفصاحة والإتقان والتحرير والتجويد ، وكان أحسن الناس صوتاً بالقرآن . روی عن رفاعة التميمي والحارث البكري وكانت لهما صحبة ، وأخذ القراءة عرْضاً عن أبي عبد الرحمان السلمي وزرّ بن حبيش وفضائله كثيرة ، توفي آخر سنة سبع وعشرين ومائة علی الاختلاف . وكفی به شرفاً أنه أستاذ إمام الأئمة أبي حنيفة النعمان ، وأما عاصم فله راويان : حفص وشعبة . سيدنا حفص رحمه الله : هو حفص بن سليمان الكوفي ، أخذ القراءة عرْضاً وتلقيناً عن عاصم قال يحيی بن معين : الرواية الصحيحة من قراءة عاصم رواية حفص ، وكان مرجحاً علی شعبة بضبط القراءة) ، وقال السيد الخوئي رضوان الله تعالی عليه في ترجمته في معجم رجال الحديث : (عاصم بن بهدلة : أبي النجود الكوفي : أحد القرّاء السبعة وقراءته عن طريق حفص معروفة مشهورة ، وكل ما أريناهن من المصاحف القديمة والحديثة قد رسم خطه علی طبق قراءته . قال حفص : قال لي عاصم : ما كان من القراءة التي أقرأتك بها هي القراءة التي قرأت بها علی أبي عبد الرحمان السلمي عن علي عليه السلام ، وما كان من القراءة التي أقرأتها أبا بكر بن عياش فهي القراءة التي كنت أعرضها علی زرّ بن حبيش عن ابن مسعود) .

١٥٤
 &

زرّ بن حبيش رضوان الله تعالی عليه وقد أخذها هو الآخر عن ابن مسعود وكان غرضه من عرضها عليه زيادة التثبّت والإتقان ومعرفة أوجه الاختلاف والتبصرة في تنوّع القراءات ، فكانت قراءته علی أبي عبد الرحمان السلمي هي العمدة عند عاصم بن أبي النجود ، وقالوا أنه اعتبرها الأكمل والأسلم لأنها قراءة سيده ومولاه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فيكون بينه وبين المنبع الأصيل واسطة واحدة ، فأقرأ عاصم حفص بن سليمان قراءة أمير المؤمنين عليه السلام ، وأقرأ أبا بكر بن عياش قراءة ابن مسعود بواسطة زر بن حبيش .

وأما أبو عبد الرحمان السّلمي فمعروف بتشيّعه لأمير المؤمنين عليه السلام وملازمته له في حروبه التي ذكرها التاريخ ونص علی ذلك كتاب التراجم ، فقد ذكره السيد حسن الصدر رضوان الله تعالی عليه في كتابه القيّم تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام بما يلي :

أبو عبد الرحمان السلمي : ومنهم أبو عبد الرحمان السلمي ، عبد الله بن حبيب شيخ قراءة عاصم ، قرأ عليه عاصم وعليه تخرج ، قال ابن قتيبة : كان من أصحاب علي ، وكان مقرئاً ويحمل عنه الفقه (١) انتهی . وقرأ أبو عبد الرحمان السلمي علی أمير المؤمنين كما في مجمع البيان وطبقات القرّاء ، قال ابن حجر في التقريب : ... أبو عبد الرحمان السلمي الكوفي المقرئ مشهور بكنيته ، ولأبيه صحبة ، ثقة ثبت من الثانية ، مات بعد السبعين انتهی ، وفي رجال البرقي في

___________

(١) المعارف لابن قتيبة : ٥٢٨ ، الثانية ، دار المعارف بمصر .

١٥٥
 &

خواص علي عليه السلام من مضر أبو عبد الرحمان عبد الله بن حبيب السّلمي (١) .

وقد قرأ علی أمير المؤمنين عليه السلام ، وهي القراءة التي أخذها أمير المؤمنين عليه السلام من رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم عن جبرائيل عن الباري عز وجل ، وقد اتضح ذلك مما سبق عند الكلام عن نصر بن سليمان ، وعاصم بن أبي النجود .

وعليه فالقراءة المشهورة والمتداولة بين المسلمين لم يسندها أهل السنة إلی رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم إلا عن طريق رجال الشيعة وبلا منازع ، كابر عن كابر ، فمن أبي عبد الرحمان السلمي وهو شيعي ، إلی عاصم بن أبي النجود وهو شيعي ، إلی حفص بن سليمان وهو شيعي ، ورأس السلسلة أمير المؤمنين عليه السلام سيد الشيعة وإمام الشريعة ، عن رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم .

قال في تلخيص التمهيد : أمّا القراءة الحاضرة ـ قراءة حفص ـ فهي قراءة شيعيّة خالصة ، رواها حفص ـ وهو من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام ـ عن شيخه عاصم ـ وهو من أعيان شيعة الكوفة الأعلام ـ عن شيخه السّلمي ـ وكان من خواصّ عليّ عليه السلام ـ عن أمير المؤمنين عليه السلام

___________

(١) تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام : ٣٤٢ ، وذكر الطبري في تاريخه أن أبا عبد الرحمان السلمي كان في جيش الإمام علي عليه السلام في صفين ضد الطليق بن الطليق معاوية بن أبي سفيان .

١٥٦
 &

عن رسول الله صلی الله عليه وآله عن الله عز وجل (١) .

ومع هذا كله مازلنا نبتلی ببعض نفر من تلامذة الوهابية يقومون بنقل أسانيد القرّاء السبعة ويقولون هذا تواتر القرآن عندنا فأين تواتر القرآن عند الشيعة ! ، (ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) (٢) .

موقف الأعلام من التعبّد بالقراءات التي كانت في عهد الأئمة عليهم السلام :

الشيعة يرون أئمة أهل البيت عليهم السلام المنبع الصافي لسنة رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم ، وإقرار أهل البيت عليهم السلام لأمرٍ ما دال علی جوازه ، وقد وردت روايات عنهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين تدل علی جواز التعبّد بما يقرأ به عامة الناس ، وكلمات علمائنا واضحة في جواز التعبد بتلك القراءات المشهورة في زمن الأئمة عليهم السلام لعدم ورود الردع ، بل وردت روايات عنهم عليهم السلام تجوّز العمل بأية قراءة كانت في زمانهم وحكموا بأنها مجزية ، ففي الكافي : عن سالم بن سلمة قال : قرأ رجل علی أبي عبد الله عليه السلام وأنا أستمع حروفا من القرآن ليس علی ما يقرأها الناس ، فقال أبو عبد الله عليه السلام : كف عن هذه القراءة اقرأ كما يقرأ الناس (٣) .

___________

(١) تلخيص التمهيد : ٣٣٧ .

(٢) الحجر : ٣ .

(٣) الكافي ٢ : ٦٣٣ كتاب فضائل القرآن باب النوادر .

١٥٧
 &

ويجب الالتفات إلی أنه لا ملازمة بين جواز التعبد بها وبين أن القرآن واجد له قراءة واحدة ، وهذا صريح ما ذكره المحقق النجفي رضوان الله تعالی عليه في الجواهر :

بل الزمخشري صرح بما في أخبارنا من أن قراءة النبي صلی الله عليه وآله واحدة وأن الاختلاف إنما جاء من الرواية ولذلك أوجب علی المصلي كل ما جاء من الاختلاف للمقدمة واستحسنه بعض من تأخر من أصحابنا لولا مجيء الدليل بالاجتزاء بأي قراءة (١) .

والقراءة المتيقن من الاجتزاء بها من بين القراءات هي تلك التي كان يقرأ بها في زمان المعصوم عليه السلام لا القراءات السبع بعينها ، إذ أن زمن صدور الروايات المجوّزة يمنع من تعلقها بالسبع فقط علی وجه الخصوص .

قال السيد الحكيم رضوان الله تعالی عليه في مستمسك العروة الوثقی : ومن هذا كله يظهر لك الإشكال في حمل النصوص المذكورة وغيرها علی خصوص قراءة السبعة ، أو أنها القدر المتيقن منها لصدورها عن الصادق عليه السلام والكاظم عليه السلام قبل حدوث بعض هذه القراءات أو قبل اشتهاره ولاسيما قراءة الكسائي فكيف يحتمل أن تكون مرادة بهذه النصوص ؟ بل مقتضی النصوص اختصاص الجواز بما كان يقرأه الناس في ذلك العصر لا غير ، فيشكل الشمول لبعض القراءات السبع إذا لم يعلم أنها كانت متداولة وقتئذ .

___________

(١) جواهر الكلام ٩ : ٢٣٩ ط . دار الكتب الإسلامية .

١٥٨
 &

لكن يجب الخروج عن ذلك بالإجماع المتقدم عن التبيان ومجمع البيان المعتضد بالسيرة القطعية في عصر المعصومين عليهم السلام علی القراءة بالقراءات المعروفة المتداولة في الصلاة وغيرها من دون تعرض منهم عليهم السلام للإنكار ولا لبيان ما تجب قراءته بالخصوص الموجب للقطع برضاهم عليهم السلام بذلك كما هو ظاهر (١) .

ولو لم يرد الجواز والاكتفاء بأي قراءة كانت في زمانهم عليهم السلام (٢) لكان من اللازم إبراء الذمة في الصلاة بقراءة ما يتيقن عدم حصول التلاعب فيه من قبل القراء مادةً وهيئة ، كالاقتصار علی سورة التوحيد في الصلاة والإتيان بكل هيئات الكلمة التي اختلف القرّاء في قراءتها ، قال السيد الخوئي رضوان الله تعالی عليه :

والحق أن الذي تقتضيه القاعدة الأولية هو عدم جواز القراءة في الصلاة بكل قراءة لم تثبت القراءة بها من النبي الأكرم صلی الله عليه وآله وسلم أو من أحد أوصيائه المعصومين عليهم السلام ، لأن الواجب في الصلاة هو قراءة القرآن فلا يكفي قراءة شيء لم يجوز كونه قرآناً ، وقد استقلّ العقل بوجوب إحراز الفراغ اليقيني بعد العلم باشتغال الذمة ، وعلی ذلك فلا بد من تكرار

___________

(١) مستمسك العروة الوثقی للسيد الحكيم رضوان الله تعالی عليه ٦ : ٢٤٤ ـ ٢٤٥ .

(٢) من المؤكد أن القراءة التي كانت مشتهرة في زمانهم هي قراءتنا اليوم ، المتواترة علی مرّ الزمان ، فقوله عليه السلام (اقرأ كما يقرأ الناس) إن لم نقل أنها هي المقصودة ، فلا ريب في شمول الأمر لها .

١٥٩
 &

الصلاة بعدد القراءات المختلفة أو تكرار مورد الاختلاف في الصلاة الواحدة ، الإحراز الامتثال القطعي ، ففي سورة الفاتحة يجب الجمع بين قراءة (مالك) وقراءة (ملك) . أما السورة التامة التي يجب قراءتها بعد الحمد ـ بناءً علی الأظهر ـ فيجب لها إما اختيار سورة ليس فيها اختلاف في القراءة ، وإما التكرار علی النحو المتقدم . وأما بالنظر إلی ما ثبت قطعياً من تقرير المعصومين عليهم السلام شيعتهم علی القراءة ، بأية واحدة من القراءات المعروفة في زمانهم ، فلا شك في كفاية كل واحدة منها . فقد كانت هذه القراءات معروفة في زمانهم ، ولم يرد عنهم أنهم ردعوا عن بعضها ، ولو ثبت الردع لوصل إلينا بالتواتر ، ولا أقل من نقله بالآحاد ، بل ورد عنهم عليهم السلام إمضاء هذه القراءات بقولهم : (اقرأ كما يقرأ الناس . إقرأوا كما عُلّمتم) . وعلی ذلك فلا معنی لتخصيص الجواز بالقراءات السبع أو العشر ، نعم يعتبر في الجواز أن لا تكون القراءة شاذة ، غير ثابتة بنقل الثقات عند علماء أهل السنة ، ولا موضوعة ، أما الشاذة فمثالها قراءة (مَلَك يومَ الدين) بصيغة الماضي ونصب يوم ، وأما الموضوعة فمثالها قراءة (إنما يخشی اللهُ من عباده العلماءَ) برفع كلمة الله ونصب كلمة العلماء علی قراءة الخزاعي عن أبي حنيفة ، وصفوة القول : أنه تجوز القراءة في الصلاة بكل قراءة كانت متعارفة في زمان أهل البيت عليهم السلام (١) .

___________

(١) البيان : ١٦٧ ـ ١٦٨ . ط . انتشارات كعبة .

١٦٠