إعلام الخلف - ج ٢

صادق العلائي

إعلام الخلف - ج ٢

المؤلف:

صادق العلائي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الآفاق للدراسات الإسلامية
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٦٣
الجزء ١   الجزء ٢ الجزء ٣
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

ونحن يمكننا الإجابة عن الإشكال بجواب بسيط جدا وهو أنه يجب التنبه إلی أن حصر القراءات وتعيين قرّائها كان علی يد رجل سني اسمه ابن مجاهد وقد أخطأ خطاً فادحا عندما خصص القراءة المتواترة بشخص أو شخصين رجاء ذكر إسنادها لها إلی الرسول صلی الله عليه وآله وسلم ! ، فتخصيصه هذا لا يعني أن عاصما كان الوحيد الذي كان يقرأ بهذه القراءة ، وإلا فلا يعقل أن تكون قراءة المسلمين في شتی بقاع المعمورة مأخوذة منه ومن رجال إسناده فما كان فعل ابن مجاهد إلا مجرد ترف وأمر شكلي لا يعبر عن واقع قراءة المسلمين .

ومن أشد الأغلاط حصر المشهور والمتواتر عند الجميع بفلان وفلان وذكر إسنادٍ له أحادي ، بل من غير اللائق ذكر طرق عن عشرة أو عن عشرين لمثل إثبات أن ما يقرأ به المسلمون اليوم هو نفس ما كان يقرأ به رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم ، فهذا حاله كحال من يطلب الإسناد لإثبات أن غار حراء الموجود الآن هو نفسه الغار الذي نزل فيه الوحي أول مرة (١) .

___________

(١) وقد ذكر الشيخ المحقق محمد هادي معرفة حفظه الله سبب تخصيص ابن مجاهد للقراءة المتواترة بشخص عاصم ، فقال في تلخيص التمهيد : ٣٢٩ : (إنّ قراءة حفص كانت هي قراءة عامّة المسلمين ، وأنّ النسبة مقلوبة حيث كان حفص وشيخه عاصم حريصين علی الالتزام بما وافق قراءة العامّة والرواية الصحيحة المتواترة بين المسلمين ، وهي القراءة التي أخذها عاصم عن شيخه أبي عبد الرحمان السلمي عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ، ولم يكن علي عليه السلام يقرأ إلا ما وافق نصّ الوحي الأصل المتواتر بين المسلمين ... إن عاصما بين القرّاء

١٢١
 &

والقول الحق إن القرآن متواتر بالبداهة ، والعلم بتواتره كالعلم بتواتر اتجاه القبلة في بلاد المسلمين لا يطلب إسناده ، وكذا العلم بالبلدان الكبيرة الشهيرة التي من السخف طلب إسناد لإثبات وجودها ، وكذا تواتر القرآن فهو أجل من أن يطلب له إسناد من عشرة طرق أو من عشرين طريقا بل حتی من مئة ، فإن الأُمور المعلومة بالبداهة لا يطلب لها إسناد .

وحيث إن العلم بتواتر القرآن من البديهيات والأُمور المفروغ عنها في العصور الأُولی بين الصحابة والتابعين وتابعيهم ، كان عجز أهل السنة وكذا الشيعة اليوم عن إثبات تواتر القرآن بنقل فلان عن فلان له وجه وجيه ، إذ أن الشهرة الذائعة في تلك العصور أغفلتهم عن التنبه لهذه النقطة ، وللجميع الحق في ذلك .

الوهابية من جديد !

قال أحد الوهابية (عثمان .خ) في شريط (الشيعة وتحريف القرآن) :

___________

المعروفين كان فريداً بسمات وخصائص ، جعلته علماً يشار إليه بالبنان ، فقد كان ضابطاً متقناً للغاية شديد الحذر والاحتياط فيمن يأخذ عنه القرآن متثبّتاً ، ومن ثمّ لم يأخذ القراءة أخذاً إلا من أبي عبد الرحمان السلمي عن علي عليه السلام وكان يعرضها علی زرّ بن حبيش عن ابن مسعود) ، أقول : وهذا لا يصحح تخصيص ابن مجاهد المتواتر والمشهور برجل متقن متحرز في قراءته وهو عاصم لما فيه من إيهام أن القراءة المتواترة بين المسلمين شرقا وغربا هي كغيرها من القراءات الأحادية السند ، فإن الإتقان ليس بعاذر .

١٢٢
 &

أما الشيعة فالقرآن عندهم رواه عن النبي صلی الله عليه [وآله] وسلم علي رضي الله عنه ، وعن علي ابنه الحسن وابنه الحسين رضي الله عنهم أجمعين ، وهكذا إلی المهدي عليهم الصلاة والسلام ، فأين التواتر ؟! إن التواتر هو رواية جمع عن جمع تحيل العادة تواطئهم علی الكذب ، وقد ذكر أهل العلم أن أقل طبقة من طبقات التواتر يكون فيها عشرة ، فهل يستطيع الشيعة أن يثبتوا هذا ؟ وهذا التواتر إنما ينقله أهل السنة في كتبهم ويثبتونه ، فإن كان أهل السنة ثقات في نقلهم وجب قبول قولهم من غيره ، وإن كانوا غير ثقات وجب رد روايتهم للقرآن ، وليبحث الشيعة بعد ذلك لهم عن قرآن آخر ودين آخر (١) .

هذا ما قاله الوهابي ، ولا موضع فيه سَلِمَ من العوار والخدش ، ولنذكر هنا بعض الملاحظات :

١ ـ يقول : إن الشيعة تعتقد أن الصحابة خرجوا عن الملة بعد النبي صلی الله عليه وآله وسلم إلا بضع نفر ! واعتمد في دعواه علی بضع روايات في رجال الكشي رضوان الله تعالی عليه .

وأقول :

أولا : وهذه الروايات لم تسلم من النقاش من قبل مراجع الشيعة ومحققيهم رضوان الله تعالی عليهم (٢) ، فكيف يقال إن الشيعة يرون كفر

___________

(١) نهاية الوجه الأول من شريط (الشيعة والقرآن) .

(٢) ناقش الشيخ السبحاني حفظه الله في كتابه القيم (بحوث في الملل والنحل) هذه الروايات

١٢٣
 &

___________

وجزم ببطلان التمسك بها وأشكل عليها بعدة وجوه : (ومع ذلك كلّه فإن هذه الروايات لا يحتج بها أبداً لجهات عديدة نشير إلی بعض منها :

أ ـ كيف يمكن أن يقال : إنّه ارتد الناس بعد رسول الله ولم يبق إلّا ثلاثة تمسّكوا بولاية علي ولم يعدلوا عنها ، مع أنّ ابن قتيبة والطبري رويا أنّ جماعة من بني هاشم وغيرهم تحصّنوا في بيت علي معترضين علی ما آل إليه أمر السقيفة ، ولم يتركوا بيت الإمام إلا بعد التهديد والوعيد وإضرام النار أمام البيت ، وهذا يدل علی أنه كان هناك جماعة مخلصون بقوا أوفياء لما تعهّدوا به في حياة النبي صلی الله عليه وآله وسلم وإليك نص التاريخ ... ) ، ثم نقل سدّده الله نص ابن قتيبة ونص الطبري ثم تابع قائلا : (كل ذلك يشهد علی أنه كان هناك أُمة بقوا علی ما كانوا عليه في عصر الرسول الأعظم ، ولم يغترّوا بانثيال الأكثرية إلی غير من كان الحق يدور مداره ، وكيف يمكن ادّعاء الردّة لعامة الصحابة إلّا القليل ؟!!

ب ـ كيف يمكن أن يقال ارتدّ الناس إلا ثلاثة مع أن الصدوق رضي الله عنه ذكر عدة من المنكرين للخلافة في أوائل الأمر ، وقد بلغ عددهم إثنا عشر رجلاً من المهاجرين والأنصار وهم : خالد بن سعيد بن العاص ، والمقداد بن الأسود ، وأُبيّ بن كعب ، وعمّار بن ياسر وأبو ذر الغفاري ، وسلمان الفارسي ، وعبد الله بن مسعود ، وبريدة الأسلمي ، وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين ، وأبو أيّوب الأنصاري ، وأبو هيثم ابن التيهان وغيرهم ، ثم ذكر اعتراضاتهم علی مسألة الخلافة واحداً بعد واحد .

ج ـ إن وجود الاضطراب والاختلاف في عدد من استثناهم الإمام يورث الشك في صحّتها ففي بعضها ... .

د ـ كيف يمكن إنكار إيمان أعلام من الصحابة مع اتفاق كلمة الشيعة والسنة علی علو

١٢٤
 &

الصحابة إلا بضع نفر !

ثانيا : سلمنا ، ولكن من قال إن الارتداد المعنيّ في الروايات ، هو بمعنی الارتداد الذي يرادف الكفر والمروق عن الإسلام الذي تستباح به الدماء ؟!

قال السيد الكلبايكاني رضوان الله تعالی عليه : إن قلت : فما تصنع بما قاله الإمام أبو جعفر عليه السلام : ارتد الناس بعد رسول الله إلا ثلاثة نفر سلمان وأبو ذر والمقداد ؟ ، نقول : إن هذا الارتداد ليس هو الارتداد المصطلح الموجب للكفر والنجاسة والقتل ، بل الارتداد هنا هو نكث عهد الولاية ونوع رجوع عن ممشی الرسول الأعظم ، وعدم رعاية وصاياه ، ولو كانت المراد منه هو الارتداد الاصطلاحي لكان الإمام عليه السلام ـ بعد أن تقلد القدرة وتسلط علی الأُمور ـ يضع فيهم السيف ويبددهم ويقتلهم من أولهم إلی آخرهم خصوصا بلحاظ أن توبة المرتد الفطري لا تمنع قتله ولا ترفعه بل يقتل وإن تاب (١) .

وقال الشيخ جعفر السبحاني حفظه الله : وأقصی ما يمكن أن يقال في حقّ هذه الروايات هو أنه ليس المراد من الارتداد : الكفر والضلال والرجوع إلی

___________

شأنهم كأمثال بلال الحبشي وحجر بن عدي وأويس القرني ومالك ابن نويرة المقتول ظلماً علی يد خالد بن الوليد ، وعباس بن عبد المطلب وابنه حبر الأُمة وعشرات من أمثالهم ... ) راجع إن أردت الزيادة .

(١) نتائج الأفكار ١ : ١٩٦ .

١٢٥
 &

الجاهلية ، وإنّما المراد عدم الوفاء بالعهد الذي أخذ منهم في غير واحد من المواقف وأهمّها غدير خم . ويؤيد ذلك ـ إلی أن قال ـ وظني أن هذه الروايات صدرت من الغلاة والحشوية دعماً لأمر الولاية وتفانياً في الإخلاص ، غافلين عن أنّها تضاد القرآن الكريم وما روي عن أمير المؤمنين وحفيده سيد الساجدين من الثناء والمدح لعدّة من الصحابة (١) .

___________

(١) بحوث في الملل والنحل ٦ : ٤٠٦ ـ ٤١١ ، ط . قُم المقدّسة ، أقول : إن أول من ذكر قول النبي صلی الله عليه وآله وسلم في ارتداد جمهور الصحابة من بعده هو إمام أهل السنة البخاري صاحب الصحيح ، فقد ذكر البخاري في صحيحه ارتدادهم بعد رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم وأن أغلبهم سيرد نار جهنم ، وهذه نصوص صحيح البخاري كما ذكرها السيد شرف الدين رضوان الله تعالی عليه (وإليك ما أخرجه البخاري في باب الحوض وهو في آخر كتاب الرقاق : ٩٤ من الجزء الرابع من صحيحه بالإسناد إلی أبي هريرة عن النبي صلی الله عليه وآله وسلم قال : بينا أنا قائم فإذا زمرة حتی إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم قال : هلمَّ ، قلت : أين ؟ قال : إلی النار والله ، قلت وما شأنهم ، قال : إنّهم ارتدّوا بعدك القهقری . ثم إذا زمرة حتی إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم ، قال : هلمَّ ، قلت : أين ؟ قال : إلی النار والله ، قلت : وما شأنهم ؟ قال : إنّهم ارتدّوا بعدك علی أدبارهم القهقری فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم . قال السندي في تعليقته علی صحيح البخاري : هَمَل النعم بفتح الهاء والميم : الإبل بلا راع ، أي لا يخلص منهم من النار إلا قليل . وأخرج في الباب المذكور عن أسماء بنت أبي بكر ، قالت : قال النبي صلی الله عليه [وآله] وسلم : إنّي علی الحوض حتی أنظر من يرد عليّ منكم ، وسيؤخذ ناس دوني ، فأقول يا رب مني ومن أمّتي ؟ فيقال : هل شعرت ما عملوا بعدك ؟ والله ما برحوا يرجعون علی أعقابهم . فكان ابن

١٢٦
 &

___________

أبي مليكة يقول : اللهم إنا نعوذ بك أن نرجع علی أعقابنا أو نفتن عن ديننا . وأخرج في الباب المذكور أيضا عن ابن المسيب أنه كان يحدّث عن أصحاب النبي صلی الله عليه وآله وسلم أنّ النبي قال : يرد عليّ الحوض رجال من أصحابي فيحلّؤون عنه فأقول : قال النبي صلی الله عليه وآله وسلم : إنّي فرطكم علی الحوض ، من مرّ عليّ شرب ، ومن شرب لم يظمأ أبداً ليردنّ عليّ أقوام أعرفهم ويعرفوني ، ثم يحال بيني وبينهم . قال أبو حازم : فسمعني النعمان بن أبي عياش ، فقال : هكذا سمعت من سهل ؟ فقلت : نعم فقال : أشهد علی أبي سعيد الخدري لسمعته وهو يزيد فيها : فأقول : إنهم مني ، فيقال : إنّك لا تدري ما أحدثوا من بعدك ؟ فأقول : سحقاً سحقاً لمن غيّر بعدي . قال القسطلاني في شرح هذه الكلمة من إرشاد الساري ما هذا لفظه : لمن غير بعدي أي دينه لأنه لا يقول في العصاة بغير الكفر سحقاً سحقاً بل يشفع لهم ويهتم بأمرهم كما لا يخفی . وأخرج في الباب المذكور أيضاً عن أبي هريرة أنّه كان يحدّث أنّ رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم قال : يرد عليّ يوم القيامة رهط من أصحابي فيحلؤون ـ حَلأه : طرده ومنعه عن وروده ـ علی الحوض ، فأقول يا رب أصحابي ، فيقول : إنّك لا علم لك بما أحدثوا بعدك ، إنّهم ارتدوا علی أدبارهم القهقری . وأخرج في الباب المذكور عن عبد الله عن النبي صلی الله عليه وآله وسلم قال : أنا فرطكم علی الحوض ، وليرفعن رجال منكم ثم ليختلجُنّ دوني ـ اختلج الشيء : انتزعه ـ فأقول : يا رب أصحابي فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك . قال البخاري : تابعه عاصم بن أبي وائل ، وقال حصيم عن أبي وائل عن حذيفة عن النبي صلی الله عليه وآله وسلم . وأخرج أيضاً في باب غزوة الحديبية : ٣٠ من الجزء الثالث من صحيحه عن العلاء بن المسيب عن أبيه قال : لقيت البراء بن عازب ، فقلت له : طوبی لك صحبت النبي صلی الله عليه وآله وسلم وبايعته تحت الشجرة ، فقال : يا ابن أخي إنك لا تدري ما أحدثنا بعده . وأخرج أيضاً في أول باب قوله تعالی : (وَاتَّخَذَ اللَّـهُ إِبْرَاهِيمَ

١٢٧
 &

فأين هذا من المعنی الذي افتراه الوهابي علی الشيعة ؟! ، ولو سأل هذا الوهابي علماء الشيعة عن عقيدتهم في هذه الروايات لما فضح نفسه وكشف عن جهله ، لذا يجب علی كل طالب سؤال أهل المذهب قبل أن ينسب أي عقيدتهم لهم لا أن يعتمد علی ما يسمعه من الذين يتصيدون بدهاء ما في بطون الكتب مما يدل بظاهره خلاف ما يعتقده أصحابها .

ثالثا : سلمنا ، ولكن الروايات تقول إنهم رجعوا بعد وقت العصر وعلماؤنا جمعوا أسماء الشيعة من الصحابة فأوصلوهم إلی ثلاثمئة صحابي ، قال الشيخ كاشف الغطاء رضوان الله تعالی عليه :

ولكن يخطر علی بالي أني جمعت ما وجدته في كتب تراجم الصحابة كالإصابة ، وأسد الغابة والاستيعاب ونظائرها من الصحابة الشيعة زهاء ثلاثمئة رجل من عظماء النبي صلی الله عليه وآله وسلم كلهم من شيعة علي

___________

خَلِيلًا) من كتاب بدء الخلق : ١٥٤ من جزئه الثاني ، عن ابن عباس عن النبي صلی الله عليه وآله وسلم قال ـ من حديث : وإن اناساً من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال ، فأقول : أصحابي أصحابي ، فيقال : إنهم مازالوا مرتدين علی أعقابهم منذ فارقتهم . هذا بعض ما وجدناه في صحيح البخاري) . راجع أجوبة مسائل موسی جار الله : ١٠ ـ ١٣ ، وفي مجمع الزوائد ، الهيثمی ٩ : ٧ : (عن أُمّ سلمة أن عبد الرحمان بن عوف دخل عليها ، فقال : يا أمه ! قد خفت أن يهلكني مالي ! أنا أكثر قريش مالا . قالت : يا بني ، فانفق فاني سمعت رسول الله صلی الله عليه [وآله] وسلم يقول : إن من أصحابي من لا يراني بعد أن افارقه ، الخ . رواه البزار ورجاله رجال الصحيح) وهو في مسند احمد ٦ : ٣١٧ .

١٢٨
 &

عليه السلام ولعل المتتبع يعثر علی أكثر من ذلك (١) .

فكيف لا يثبت التواتر عن هؤلاء بعد أن رجعوا إلی الإسلام ؟! ، هذا إن سلمنا أن الشيعة تری ارتداد الصحابة في أول أمرهم كما تزعم الوهابية .

٢ ـ قال : إن الشيعة لو اعتمدوا علی أحد من الصحابة فإن لهم طريقا واحدا وهو الإمام علي عليه السلام ثم الحسن والحسين وعلي بن الحسين إلی بقية الأئمة عليهم السلام ، وهذا طريق آحاد لا يثبت التواتر .

أقول :

هذا الكلام يتضمن جهلين ، جهل كبير بمذهب الشيعة ، وجهل بأوليات علم الأُصول ، لأن التواتر لا يطلب لذاته بل لكونه وسيلة يراد منها إثبات القطع واليقين ، وتواتر القرآن يراد منه إثبات القطع بقرآنية كل آياته ، فلو ثبت لنا قطعية كل آياته من طريق آخر فيكون البحث عن التواتر تحصيلا للحاصل ، لذلك تری أن الصحابة الذين سمعوا القرآن من النبي صلی الله عليه وآله وسلم لا يحتاجون للتواتر لإثبات قرآنية ما سمعوه ، لأن إفادة الحس والسماع لليقين أقوی من التواتر .

وكذلك الشيعة يعتقدون بعصمة أئمة أهل البيت عليهم السلام من الخطأ والنسيان ، فلو ثبت عندهم بالقطع واليقين قولٌ لأحد أئمتهم عليهم السلام بأن كل ما في المصحف من القرآن ، فلا داعي حينها لإثبات تواتر

___________

(١) أصل الشيعة وأُصولها : ٢٥ ، ط . الأعلمي .

١٢٩
 &

القرآن لأن القطع واليقين يحصل عن الشيعة بقول المعصوم عليه السلام كما يحصل القطع واليقين للصحابة بسماع رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم الذي يغنيهم عن طلب التواتر .

وهذا الجاهل يقول : حتی لو أن الشيعة أحرزوا نقل كل أئمة أهل البيت عليهم السلام لآيات القرآن فلا يثبت التواتر !! ، فنقول : نعم ، ولكن ما الفائدة من التواتر بعد القطع بقول المعصوم ؟!

ومن عرف أوليات مذهب التشيع يعلم أن قطع الشيعة بنقل معصوم واحد فقط أقوی من عشرات النقولات المتواترة من غير المعصوم ، وهذا ليس مختصا بالشيعة بل إن كل عاقل يقر بأنه لو سمعت أُذنه النبي صلی الله عليه وآله وسلم ينقل شيئا وجاء ألف من الناس ونقلوا عكسه لكذبهم وصدق ما سمعه من النبي صلی الله عليه وآله وسلم ، فالأحری لمن جهل هكذا أمر عن مذهبنا ألا يخوض فيه أبدا !

٣ ـ قال إن الشيعة لا يمكنهم الاعتماد علی التواتر عن طريق الصحابة لأنهم كفار في نظرهم .

أقول : هذا يؤكد لي أنه لم يتقن منهج الجامعة أو المعهد الديني التي تخرج منه ، لأمور :

أولا : إن التواتر لا يندرج تحت علم الإسناد والرجال حتی ينظر في أحوال الرواة ، وهذا أبسط ما قاله علماء السنة قبل الشيعة في علم

١٣٠
 &

الحديث (١) .

ولا بأس بنقل أقوال علماء أهل السنة لإثبات هذا المعنی ، وليحفظها هذا الوهابي المبتدئ ويستفيد منها أكثر :

قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في نزهة النظر ، وهو الكتاب المبسط المختصر الذي يدرّسه أهل السنة للصبية في المساجد قبل المعاهد الدينية والجامعات الإسلامية :

وإنما أبهمت شروط التواتر في الأصل ، لأنه علی هذه الكيفية ليس من مباحث علم الإسناد ، إذ علم الإسناد يبحث فيه عن صحة الحديث أو ضعفه ليعمل به أو يترك من حيث صفات الرجال ، وصيغ الأداء ، والمتواتر لا يبحث عن رجاله ، بل يجب العمل به من غير بحث (٢) .

وقال الملا علي القاري : تقدم أن التواتر ليس من مباحث علم الإسناد وأنه لا يبحث عن رجاله (٣) .

___________

(١) ومن الأُمور الغريبة حقا أن ردودي علی هذا الوهابي الجاهل (عثمان .خ) ـ وهو مُشيخ يؤم الناس ويخطب في المساجد وتنشر له الكتب والأشرطة في الأسواق ـ تتسم بميزة خاصة وهي تعليمه دروسا وإرشاده لأقوال علماء أهل السنة التي كان من المفترض أن يتقنها ويحفظها في الجامعة أو المعهد الديني !! ، فإن كان أحداث الشيعة يعلمون مشايخهم دينهم فلا ضير إن سكت عن هرجهم علماء الشيعة .

(٢) النكت علی نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر للعسقلاني : ٦٠ ، ط . دار ابن الجوزي .

(٣) شرح نخبة الفكر للقاري : ١٨٧ ، ط . دار الأرقم .

١٣١
 &

وقال الشيخ طاهر الجزائري : والمتواتر ليس من مباحث علم الإسناد ، لأن علم الإسناد علم يبحث فيه عن صحة الحديث أو ضعفه من حيث صفات رواته وصيغ أدائهم ليعمل به أو يترك ، والمتواتر صحيح قطعا فيجب الأخذ به من غير توقف وهو يفيد العلم بطريق اليقين ، والمتواتر يندر أن يكون له إسناد مخصوص كما يكون أخبار الأحاد لاستغنائه بالتواتر عن ذلك ، وإذا وجد له إسناد معين لم يبحث عن أحوال رجاله بخلاف خبر الآحاد فإن فيه الصحيح وغير الصحيح (١) .

وقال صبحي الصالح : والمحدثون لا يذكرون المتواتر باسمه الخاص المشعر بمعناه ، وإنما يتبعون فيه الفقهاء والأُصوليون لأن التواتر ليس من مباحث علم الإسناد . (٢)

وقال محمد عجاج الخطيب : وقد فصل الأُصوليون القول في المتواتر وشروطه ، ولم يفصل أهل الحديث ذلك ، لأنه ليس من مباحث علم الإسناد ، الذي يبحث فيه عن صحة الحديث ، أو ضعفه ليعمل به أو يترك ، من حيث صفات الرجال ، وصيغ الأداء ، والمتواتر لا يبحث عن رجاله ، بل يجب العمل به من غير بحث وقد ثبتت بعض السنن القولية والعملية بالتواتر (٣) .

___________

(١) توجيه النظر : ٢٠٩ نقلا عن الحديث النبوي لمحمد الصباغ : ٢٤٥ ، ط . المكتب الإسلامي .

(٢) علوم الحديث ومصطلحه د . صبحي الصالح ٥٠ ، ط . دار العلم للملايين .

(٣) أُصول الحديث د . محمد عجاج الخطيب : ٣٠١ ـ ٣٠٢ ، ط . دار الفكر .

١٣٢
 &

وهذا ما قاله شيخ الوهابية محمد بن عثيمين عندما كان يشرح متن نخبة الفكر لصغار الطلبة ، سننقله بالنص من الشريط المسجل :

لماذا ؟ لأنه متيقن الثبوت وعلم الإسناد إنما يبحث فيه عن صحة الإسناد وعدم صحته ، والمتواتر لا يبحث فيه عن صحة السند لأنه ثابت مفيد للعلم .

وقال : فذكره ـ أي سند المتواتر ـ لا شك أنه مفيد وإن كان كما قال المؤلف ليس من مباحث علم الإسناد لأن علم الإسناد يبحث فيه عما يُقبل ويُرد أما هذا فهو مقبول بكل حال (١) .

فأين هو عن أبسط معلومة في علم الحديث ؟! ، وأين هو عن كلمات علمائه ؟ ، وإلى متى نقوم بتعليمه وتعليم أمثاله أقوال علمائهم ؟!

ثانيا : التواتر يفيد اليقين ولو من الكفار واليهود والنصارى ، وهذا رأي علماء الأُصول عند أهل السنة قبل الشيعة إذ ذهبوا إلی عدم اشتراط الإسلام في ناقلي التواتر ، فيجوز الاعتماد علی نقل الكفار في حصول القطع واليقين إذا تواتر عنهم الخبر ، فقد نقل الزركشي أقوال علماء أهل السنة في المسألة مع تخطئته لقول ابن عبدان الذي أخذ قيد الإسلام شرطا في الاعتماد علی ناقلي الخبر المتواتر فقال في البحر المحيط :

والصحيح خلاف ما قال ـ أي ابن عبدان ـ . قال سليم في التقريب : ولا يشترط في وقوع العلم بالتواتر صفات المخبرين ، بل يقع ذلك بإخبار

___________

(١) شرح نخبة الفكر لابن عثيمين شريط رقم ٢ ، وهو متوفر في الأسواق .

١٣٣
 &

المسلمين والكفار والعدول والفساق والأحرار والعبيد والكبار والصغار ، إذا اجتمعت الشروط .

وكذا قال أبو الحسين بن القطّان في كتابه : ذهب قوم من أصحابنا إلی أن شرط التواتر في الكفار أن يكون منهم مسلمون للعصمة ، وعندنا لا فرق بين الكفار والمسلمين في الخبر ، وإنما غلطت هذه الفرقة ، فنقلت ما طريقه الاجتهاد إلی ما طريقه الخبر .

وصرّح القفّال الشاشي بأن الإسلام ليس بشرط ، وإنما رَدَدْنا خبر النصاری بقتل عيسی لأن أصله ليس بمتواتر ، لأنهم بلغوه عن خبر لوما ومارقين (١) ، ثم تواتر الخبر من بعدهم .

وكذا قال الأستاذ منصور ، قال : ولا يشترط أن تكون نقَلَتُه مؤمنين أو عدولا ، وفرق بينه وبين الإجماع حيث اشترط الإيمان والعدالة فيه أن الإجماع حكم شرعي ، فاعتبر في أهله كونهم من أهل الشريعة .

وقال ابن البرهان : لا يشترط إسلامهم خلافاً لبعضهم ، وجری عليه المتأخرون من الأُصوليين .

وقطع به ابن الصباغ في باب السلم من الشامل ، فإن الشافعي قال في المختصر : ولو وَقّت بفضح النصاری لم يجز ، لأنه قد يكون عاما في شهر ، وعاما في غيره ، علی حساب ينسئون فيه أياماً ، فلو اخترناه كنا قد عملنا في ذلك بشهادة النصاری ، وهذا غير خلال للمسلمين ، قال ابن الصباغ : هذا ما لم

___________

(١) من الهامش : الصواب لوقا ومرقس .

١٣٤
 &

يبلغوا حد التواتر ، فإن بلغوه بحيث يستحيل تواطؤهم علی الكذب ، فإنه يكفي لحصول العلم (١) .

فأين هذا المتعالم المبتدئ عن رأي أهل السنة ؟! ، وقد نصت جملة من كلماتهم التي نقلناها في أن التواتر ليس من علم الإسناد علی أن التواتر يفيد العلم بلا نظر في أحوال الرواة ، ونعيد هنا كلام شيخه ابن عثيمين حتی يخرج هذا الوهابي من الجهل المركب إلی الجهل البسيط :

فذِكرُه ـ أي سند المتواتر ـ لا شك أنه مفيد وإن كان كما قال المؤلف ليس من مباحث علم الإسناد لأن علم الإسناد يبحث فيه عما يُقبل ويُرد أما هذا فهو مقبول بكل حال .

وأما وضوح أمر التواتر عند الشيعة وكونه مفيدا لليقين بلا شرط الإسلام أو العدالة أو الوثاقة فلا ينظر في إسناده فأمر لا يحتاج إلی بيان ، ولا بأس من باب المناسبة أن نذكر بعض كلماتهم فيه :

قال السيد المرتضی رضوان الله تعالی عليه في الذريعة : اعلم أن من يذهب إلی وجوب العمل بخبر الواحد في الشريعة يكثر كلامه في هذا الباب ويتفرع ، لأنه يراعي في العمل بالخبر صفة المخبر في عدالته وأمانته . فأما من لا يذهب إلی ذلك ، ويقول : إن العمل في مخبر الاخبار تابع للعلم بصدق الراوي ، فلا فرق عنده بين أن يكون الراوي مؤمنا أو كافرا أو فاسقا ، لان العلم بصحة خبره يستند إلی وقوعه علی وجه لا يمكن أن يكون كذبا ، وإذا لم

___________

(١) البحر المحيط للزركشي ٤ : ٢٣٥ ـ ٢٣٦ .

١٣٥
 &

يكن كذبا فلابد من كونه صدقا ، علی ما بيناه من الكلام علی صفة التواتر وشروطه ، فلا فرق علی هذه الطريقة بين خبر العدل من ليس كذلك ولذلك قبلنا أخبار الكفار كالروم ومن جری مجراهم إذا خبرونا عن بلدانهم ، والحوادث الحادثة فيهم ، وهذا مما لا شبهة فيه (١) .

وقال المحقق الحلي رضوان الله تعالی عليه في معارج الأُصول : شرط قوم شروطا ليست معتبرة ، وهي أربعة : الاول : أن لا يجمعهم مذهب واحد ولا نسب واحد . الثاني أن يكون عددهم غير محصور . الثالث : أن لا يكونوا مكرهين علی الاخبار . الرابع : العدالة . والكل فاسد ، لانا نجد النفس جازمة بمجرد الاخبار المتواترة من دون هذه الأُمور ، فلم تكن معتبرة (٢) .

وقال ابن الشهيد الثاني رضوان الله عليهما في المعالم : فالمتواتر هو خبر جماعة يفيد بنفسه العلم بصدقه . ولا ريب في إمكانه ووقوعه . ولا عبرة بما يحكی من خلاف بعض ذوی الملل الفاسدة في ذلك ، فإنه بهت ومكابرة ، لأنا نجد العلم الضروری بالبلاد النائية والامم الخالية كما نجد العلم بالمحسوسات ولا فرق بينهما فيما يعود إلی الجزم . وما ذلك إلا بالاخبار قطعا . وقد أوردوا عليه شكوكا ... ومنها : أنه يلزم تصديق اليهود والنصاری فيما نقلوه عن موسی وعيسی عليهما السلام أنه قال : (لا نبي بعدي) . وهو ينافي نبوة نبينا عليه الصلاة والسلام ، فيكون ـ القول بإفادة التواتر العلم ـ باطلا .

___________

(١) الذريعة ٢ : ٥٥٥ ـ ٥٥٦ .

(٢) معارج الأُصول : ١٣٩ ـ ١٤٠ .

١٣٦
 &

فأجاب بما يدل علی عدم اشتراط الإسلام في التواتر فضلا عن الوثاقة والعدالة : إن نقل اليهود والنصاری لم يحصل بشرائط التواتر ، فلذلك لم يحصل العلم (١) .

قوانين الأُصول للميرزا القمي رضوان الله تعالی عليه : اختلفوا في أقل عدد التواتر ، والحق أنه لا يشترط فيه عدد ، وهو مختار الاكثرين ، فالمعيار هو ما حصل العلم بسبب كثرتهم ، وهو يختلف باختلاف الموارد ، فرب عدد يوجب القطع في موضع دون الآخر ، وقيل أقله الخمسة ، وقيل اثنی عشر ، وقيل عشرون ، وقيل أربعون ، وقيل سبعون ، وقيل غير ذلك ، وحججهم ركيكة واهية لا يليق بالذكر فلا نطيل بذكرها وذكر ما فيها ، وقد اشترط بعض الناس هنا شروطا أُخر لا دليل عليها ، وفسادها أوضح من أن يحتاج إلی الذكر ، فمنهم من شرط الاسلام والعدالة ، ومنهم من اشترط أن لا يحويهم بلد ليمتنع تواطئهم ، ومنهم من اشترط اختلاف النسب ، ومنهم من اشترط غير ذلك والكل باطل (٢) .

وقال السيد الخوئي رضوان الله تعالى عليه في بحثه ما يشعر بعدم اشتراط الإسلام فضلا عن العدالة في إفادة التواتر العلم : وليس لنا يقين بنبوة موسی إلا من طريق شريعتنا ، فان التواتر لم يتحقق في جميع الطبقات من زمان موسی الی زماننا هذا . والتوراة الموجودة عند اليهود ليس هو الكتاب المنزل من الله

___________

(١) المعالم : ١٨٤ ـ ١٨٥ .

(٢) قوانين الأُصول : ٢٦٤ .

١٣٧
 &

سبحانه علی موسی . ومن راجعه يجد فيه ما يوجب العلم له بعدم كونه من عند الله نسبة الزنا والفواحش الی الانبياء وغيرها مما يجده من راجعها . نعم لنا علم بنبوة موسی لإخبار نبينا بنبوته ، فتصديقه يوجب التصديق بنبوته (١) .

فتحصل أن التواتر عند علماء الشيعة وأهل السنّة حجة ويفيد القطع واليقين سواء كانت النقلة مسلمين أو كفارا ، فالشيعة يمكنهم الاعتماد علی الصحابة في إثبات تواتر القرآن حتی وإن كانوا كفارا مرتدين في عقيدة الشيعة كما تزعم الوهابية .

ثم من أين لأهل السنة إثبات تواتر القرآن بنقل فلان عن فلان ؟! ، إن أقصی ما يمكنهم إثباته هو التواتر الإجمالي وأما التواتر التفصيلي ومواضع اختلاف القرّاء فهذا دونه خرط القتاد ، ونعيد ما قاله إمامهم ابن الجزري في القراءات :

___________

(١) مصباح الأُصول تقرير بحث الخوئي للبهسودي ٣ : ٢١٥ ، ومن كتب في التواتر وشروط إفادته للعلم من علماء الشيعة لم يذكر قيد العدالة مطلقا ، فيمكن مراجعة كتبهم الأُصولية ، وكمثال كتاب قوانين الأُصول للميرزا القمي رضوان الله تعالی عليه : ٤٢٠ و ٤٢٥ ، ودروس في علم الأُصول للسيد محمد باقر الصدر رضوان الله تعالی عليه ٢ : ١٢٣ ـ ١٢٤ ، الأُصول العامة للفقه المقارن للسيد محمد تقي الحكيم رضوان الله تعالی عليه : ١٩٤ ، اصطلاحات الأُصول للشيخ علي المشكيني حفظه الله : ١٤٢ ، دروس في أُصول فقه الإمامية للشيخ عبد الهادي الفضلي حفظه الله : ٢٧١ .

١٣٨
 &

وقد شرط بعض المتأخرين التواتر في هذا الركن ، ولم يكتف فيه بصحة السند ، وزعم أن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر وأن ما جاء مجيء الآحاد لا يثبت به قرآن . وهذا مما لا يخفی ما فيه ، فإن التواتر إذا ثبت لا يحتاج فيه إلی الركنين الآخرين من الرسم وغيره ، إذ ما ثبت من أحرف الخلاف متواتراً عن النبي صلی الله عليه [وآله] وسلم وجب قبوله وقطع بكونه قرآنا سواء وافق الرسم أم خالفه ، وإذا اشترطنا التواتر في كل حرف من حروف الخلاف انتفی كثير من أحرف الخلاف الثابت عن هؤلاء الأئمة السبعة وغيرهم ولقد كنت أجنح إلی هذا القول ثم ظهر فساده (١) .

وهذا قول أُستاذ الفن من علماء أهل السنة الذي قصد به أن تواتر القرآن لا يمكن إثباته بكل تفاصيله ، فيتردد النص القرآني بين ما قرأ به ابن عامر والكوفيون كقوله (نُنشِزُهَا) أو كما قرأ الباقون (ننشرها) ؟ أو كما قرأ الكسائي (إن جاءكم فاسق بنبأ فتثبّتوا) أو كما قرأ الباقون (إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) والكثير الكثير مثله ! ، فمن أين يثبت علماء السنة تواتر القرآن في الموارد التي اختلف فيها القرّاء السبعة ؟ ناهيك عن أن نفس أسانيد القرّاء السبعة لا تثبت تواتر القرآن كما مر بنا ، ولو تنازلنا لقلنا كيف يمكنهم إثبات تواتر آيات خزيمة بن ثابت التي دمجت في القرآن بشهادته فقط ـ بزعمهم ـ وفقدت طيلة ثلاث عشرة سنة ؟!

___________

(١) الكوكب الدري في شرح طيبة ابن الجزري : ٢٣ .

١٣٩
 &

وقلنا سابقا : إن أهل السنة وكذا الشيعة لا يستطيعون إثبات تواتر القرآن بنقل شخص عن شخص إلی النبي صلی الله عليه وآله وسلم ، وهذا لا نقص فيه ، وإنما لوضوح الأمر وعدم الحاجة إليه في تلك العصور حتی أغفله الناس ، فالأمر معتمد علی البداهة وتصور حال المسلمين واهتمامهم بالقرآن من زمن النزول إلی يومنا الحالي ، ولكن بعض الوهابية يتبجحون بأن أهل السنة أثبتوا تواتر القرآن بإسناد القراء السبعة !! ، (ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ) (١) .

زبدة المخاض :

سنذكر هنا كلمات علماء الشيعة رضوان الله تعالی عليهم الناصة علی أن قراءتنا متواترة بدون شك ، وأن المسلمين مازالوا يتناقلونها جيلا بعد جيل بلا فصل ولا انقطاع ، وقد تواترت بجميع حركاتها وسكناتها .

قال السيد شرف الدين الموسوي رضوان الله عليه : فإن القرآن العظيم والذكر الحكيم متواتر من طرقنا بجميع آياته وكلماته وسائر حروفه وحركاته وسكناته ، تواترا قطعيا عن أئمة الهدی من أهل البيت عليهم السلام ولا يرتاب في ذلك إلا معتوه ، وأئمة أهل البيت كلهم أجمعون رفعوه إلی جدهم رسول الله صلی الله عليه وآله عن الله تعالی ، وهذا أيضا مما لا ريب فيه وظواهر القرآن الحكيم ـ فضلا عن نصوصه ـ أبلغ حجج الله تعالی ، وأقوی

___________

(١) النور : ٤٠ .

١٤٠