إعلام الخلف - ج ٢

صادق العلائي

إعلام الخلف - ج ٢

المؤلف:

صادق العلائي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الآفاق للدراسات الإسلامية
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٦٣
الجزء ١   الجزء ٢ الجزء ٣
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

Description: E:BOOKSBook-LibraryENDQUEUEEalam-Khlaf-part02imagesimage001.png

١
 &

Description: E:BOOKSBook-LibraryENDQUEUEEalam-Khlaf-part02imagesrafed.png

٢
 &

Description: E:BOOKSBook-LibraryENDQUEUEEalam-Khlaf-part02imagesimage002.png

٣
 &

Description: E:BOOKSBook-LibraryENDQUEUEEalam-Khlaf-part02imagesimage003.png

٤
 &

Description: E:BOOKSBook-LibraryENDQUEUEEalam-Khlaf-part02imagesimage004.png

٥
 &
٦
 &

المبحث الثالث

القراءات القرآنية

التعرض لمبحث القراءات القرآنية أمر مهم للوقوف علی حقيقة القراءات الشاذة وما يلحق بها من لوازم وأحكام ، وستكون كلمات علمائهم حولها مقدمة لمبحث آخر سيأتي في التحريف الصريح بإذنه تعالی ومن جهة أُخری علينا فهم معنی القراءات القرآنية بصورة عامة وما يدور في فلكها من حيثيات ومتعلقات لتسليط الضوء علی بعض افتراءات الوهابية التي نسجت علی بعض فروع هذا المبحث ، لذلك سنطيل الكلام في تشقيقاته وتفريعاته (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّـهِ) (١) .

بين يدي البحث

ما هي القراءة ؟

القراءة يقصد بها في علوم القرآن وجهٌ من محتملات النص القرآني (٢) والقراءات هي اختلاف ألفاظ الوحي في الحروف وكيفيتها من تخفيف وتشديد وغيرهما (٣) :

___________

(١) النحل : ١٢٧ .

(٢) التمهيد للشيخ المحقق محمد هادي معرفة حفظه الله تعالی ٢ : ٩ .

(٣) معجم القراءات القرآنية ١ : ١٢٦ .

٧
 &

أنواع اختلاف القراءات ربما تفوق الحصر ، كالاختلاف في الحركات الإعرابية والبنائيّة ، والتقديم والتأخير ، والزيادة والنقصان ، والمد والقصر والتخفيف والتشديد ، والتّرقيق والتفخيم ، والإخفاء والإظهار ، والفك والإدغام ، والإمالة والروم والإشمام ، علی اختلاف أنواعه ، وغير ذلك مما فصّلتها كتب القراءات ، وحصل الاختلاف فيها بين أئمة القرّاء السلف والخلف (١) .

فالقراءة : هي طريقة نطق وتأدية ألفاظ الآية ، ولأسباب معينة ـ يأتي ذكرها ـ حصل الاختلاف من قارئ لقارئ ، والنص القرآني علی كل التقادير ثابت ، لكن البعض يقرأ (مالِكِ يوم الدين) والبعض يقرأها (مَلِك يوم الدين) والخط القرآني القديم هو (ملك يوم الدين) ، واصطلح اسم (القراءات السبع) للدلالة علی وجوه القراءات السبع المشهورة .

أصل القضية

ما بعد توحيد المصاحف علی القراءة المتواترة

قد مرّ سابقا أن عثمان أمر بجمع المصاحف المشوهة وحرقها فجُمع الناس علی مصحف واحد مشتمل علی قراءة رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم المتواترة ، وقلنا : إن المصحف المتيقّن خلوه من التغيير والتبديل أي ما أخذ من لسان رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم هو مصحف أُبيّ بن كعب كما

___________

(١) تلخيص التمهيد : ٢٨١ .

٨
 &

بيناه من كتاب المصاحف لابن أبي داود مسبقا ، فوُحّدت المصاحف عليه بالصورة المتداولة ، وأخذ الناس قراءتهم من المصاحف التي بعث بها عثمان إلی الأقطار الإسلامية ، وهي طبق الأصل في الجملة عن المصحف المجموع .

قال في مناهل العرفان : «إذاً فعدد المصاحف التي نسختها لجنة توحيد المصاحف هي تسعة ، واحدة هي الأُم أو الإمام ، كانت في المدينة ، والبقيّة أرسلت إلی مراكز البلاد وكان المصحف المبعوث إلی كل قطر يحتفظ عليه في مركز القطر ، يستنسخ عليه ويرجع إليه عند اختلاف القرّاء . ويكون هو حجّة والقراءة التي توافقها تكون هي الرسميّة ، وكل نسخة أو قراءة تخالفها تعدُّ غير رسمية وممنوعة يعاقب عليها . أما مصحف المدينة (الإمام) فكان مرجعاً للجميع بصورة عامة ، حتی إذا كان اختلاف بين مصاحف الأمصار ، فإن الحجّة هو المصحف الإمام بالمدينة ، فيجب أن يصحح عليه . وروي أن عثمان بعث مع كل مصحف قارئاً يقرئ الناس علی قراءة ذلك المصحف» . (١)

وانتهی تكفير سلفهم الصالح بعضهم لبعض ، وهدأ طعن بعضهم في قراءة بعض ، وصار المصحف المجموع هو مرجعهم في مطابقة ما بين أيديهم من المصاحف ، فمن أنقص من مصحفه حرفا زاده ، ومن زاد أنقصه ، وهكذا حتی حُلّت الأزمة نوعا ما ، إلا أن بعضاً من سلفهم الصالح رفض تسليم مصحفه وأبی أن يقرأ كما يقرأ الناس ، كابن مسعود ومن معه من أهل الكوفة ـ كما مرّ سابقا ـ ، فكانت هذه بذرةً لنشوء مشكلة القراءات من

___________

(١) مناهل العرفان في علوم القرآن ، للزرقاني ١ : ٣٩٦ ـ ٣٩٧ .

٩
 &

جديد ، وأخطر منها فكرة جواز القراءة بالمعنی الذي زرعه ابن مسعود في أذهان من التفوا حوله .

أضف إلى ذلك أن عملية كتابة المصاحف العثمانية ونسخها لم تكن بتلك الدّقة التي تمنع الاختلاف ، فقد دوّن العلماء اختلافات في رسم المصاحف المرسلة إلى الأقطار ، وكان لها دور مهم في إثراء الاختلاف فيما بعد والذي أبقى على المشكلة تساهل ابن عفان في اللحن الذي ادّعى وجوده في تلك المصاحف ، فحينما عرضت عليه المصاحف المنسوخة قال إن بها لحنا ولكن ستقوّمه العرب بألسنتها ! وهذا الإهمال أبقى الشرخ ووسع هوّة الاختلاف .

ظهور المشكلة من جديد

ومع كل الجهود لتوحيد المصاحف على قراءة واحدة ورسم واحد أخذت تطفو على السطح بوادر الاختلاف كلما بعُد الزمن أكثر فأكثر ، وهذا الأمر كان متوقّعا لكل من وقف على تلك البذور المذكورة سابقاً .

ومع ملاحظة الخط القديم الذي كتبت به المصاحف وسلبياته الكثيرة كان من المتوقع ألا يضبط الخط القراءة المتواترة بالدقّة المطلوبة ، نعم كان الخط يضبط حدود اختلاف القراءات ويضع حدودا حمراء كي لا تدخل الموارد التي تغاير ألفاظ القرآن تغايرا فاحشا ، وواضح أن هذا لا يحل المشكلة بل يبقى المجال مفتوحا لمن يجتهد داخل تلك الحدود .

ومع مرور الوقت أخذ بعض السلف يشذّ عن القراءة المتواترة بين جمهـور المسلمين مع من التفّ حوله من الناس ، وهؤلاء المجتهدون في قراءة

١٠
 &

القرآن راجت لهم السوق ، واشتهرت قراءتهم بين الناس من باب (خالف تُعرف) ، وقيل قراءة فلان ، وقراءة ابن فلان ، في قبال قراءة المسلمين شرقا وغربا .

١١
 &

أولا : أهل السنة والقراءات القرآنية

أسباب نشأة القراءات

نحن نعلم أن خصوصيات كل قراءة ومذاق كل قارئ في تأدية حروف الآية ليست مأثورة ومسندة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بشهادة علماء أهل السنة أنفسهم ـ كما سيأتي بيانها ـ ، فما سبب نشأة تلك القراءات خاصة مع وجود قراءة متواترة بين المسلمين ؟

ذكروا لذلك أسبابا متعددة :

١ ـ بداءة الخط : عند مراجعة المخطوطات القديمة التي كتب بها القرآن الكريم في بداية عصر تدوينه ، تجد مدی صعوبة تمييز الأحرف بعضها عن بعض ، فهناك جملة من الأحرف تتشابه في شكلها وتحتمل ألفاظا ومعاني متعددة للكلمة الواحدة ، فمع عدم معهودية القارئ بالقرآن سوف ينتج عنه الخلط والاشتباه ، وحصل هذا في البلاد النائية القريبة العهد بالقرآن .

٢ ـ الخلو من النقط : فكما أن تشابه الأحرف كان مدعاة للاشتباه فكذلك عدم وجود النقط على الكلمات ، لأن تنقيط المصحف بنقط الإعجام جاء في عصر متأخر نسبيا عن عصر عثمان بن عفان ، فكانت المدّة كفيلة بأن يقرأ البعض (يعلمون) ويبدلها بـ (تعلمون) ، و (تبينوا) بـ (تثبتوا) وهكذا .

٣ ـ إسقاط الألفات : من خصوصيات الكتابة القديمة أنها من غير ألفات ، فلم تستحدث إلا في زمن متأخر ، لذا كان يقرأ البعض (مالك يوم الدين) مع كون الكتابة الأصلية هي (ملك) ولا يعني هذا عندهم أن قراءتها الصحيحة هي (ملك) .

١٢
 &

٤ ـ التجريد من الشكل : وكذلك كانت الكتابة الأُولى خالية من التشكيل والحركات المميّزة ، فيختلط الأمر على من لا عهد له بآيات القرآن فيقرأ (خلق) باعتبار أنها فعل ماضي وهي مصدرٌ ، وكثير من هذا القبيل .

تلميع !

ليس من الغريب أن يضفي بعض علماء أهل السنة شيئا من العبقرية والدقة في التنسيق والتخطيط إلى الصحابة وسلفهم الصالح ، كأن يقال : إن الصحابة تعمدوا كتابة المصاحف في زمن عثمان خالية من النقط وحركات الإعراب ، ولنقتصر هنا على نقل قول ابن تيمية الحراني ، قال في مجموع الفتاوی :

والحروف المكتوبة قد تنازع الناس في شكلها ونقطها ، فإن الصحابة لما كتبوا المصاحف كتبوها غير مشكولة ولا منقوطة ، لأنهم إنما كانوا يعتمدون في القرآن على حفظه في صدورهم لا على المصاحف (١) .

وزادها ابن تيمية عبقرية وكذا أغلب من داخ في هذه السمادير من بني جلدته ، فقالوا : إنما فعله الصحابة عن قصد ليشتمل رسم المصاحف المكتوبة على الأحرف السبعة ووجوه القراءات !!

فكان النبي إذا أتاه جبريل استمع فإذا انطلق جبريل قرأه النبي كما أقرأه فلهذا لم تكن الصحابة ينقطون المصاحف ويشكلونها ، وأيضا كانوا عربا

___________

(١) مجموع فتاوی ابن تيمية ۱۲ : ۱۰۰ ، مطابع الرياض .

١٣
 &

لا يلحنون فلم يحتاجوا إلى تقييدها بالنقط ، وكان في اللفظ الواحد قراءتان يقرأ بالياء والتاء مثل يعملون وتعملون فلم يقيدوه بأحدهما ليمنعوه من الأُخری (۱) .

مع العلم أن الكتابة العربية لم يضف لها النقط ولا التشكيل إلا في زمن متأخر عن زمان عثمان ، وكان أول من حلّاها هو أبو الأسود الدؤلي رضي الله عنه تلميذ الإمام علي عليه السلام ، فمعنى ذلك أن الصحابة ومن بعدهم إلى زمن تغلّب زياد بن أبيه علی الكوفة لم يكونوا يعلمون شيئا عن تلك النقط والتشكيل ، فكيف يستقيم ما ذكره أهل العبقرية والتلميع ؟! وسيأتي الكلام مفصلا بإذنه تعالى .

٥ ـ تأثير اللهجة : واللهجة لها دور في تغيير قراءة الكلمة عن وضعها الأصلي ، كالإمالة وقلب بعض الأحرف وكذلك في الحذف والإثبات .

٦ ـ تحكيم الرأي والاجتهاد : كان قرّاء القرآن يتمسّكون باجتهاداتهم ولو خالفت قراءة الجمهور ! ، وبعضهم كان لا يتزحزح عنه إلا بالجلد كما حصل لابن شنبوذ بدعوى أن له في ذلك وجها معتبرا ، وسيأتي الكلام عنه بإذنه تعالى .

٧ ـ الغلو في الأدب : وهي خصلة متميّزة في القرّاء النحويين ، فكان بعضهم يقرأ بالشاذ الذي يخالف رسم المصحف ، باعتبار أنه أوفق للعربية وقواعدها !

___________

(١) مجموع فتاوی ابن تيمية ۱۲ : ۱۰۱ ، مطابع الرياض .

١٤
 &

٨ ـ عوامل نفسية أُخرى : كحب الظهور وبيان البراعة في قراءة القرآن الكريم فيأتون بكل غريب لأجل كسب الشهرة وذيوع الصيت وما إلی ذلك (١) .

الدقة في المسألة :

يمكن القول أن لو اقتصر نشوء القراءات المختلفة على (بداءة الخط والخلو من النقط وإسقاط الألفات والتجريد من الشكل وتأثير اللهجة) لكانت أسباب اختلاف القراءات خارجة عن الاختيار ، ولكن الصحيح أن السبب الحقيقي الذي ترجع له كل تلك الأسباب هو تحكيم الرأي والاجتهاد سواء أكان منشؤه الغلو في الأدب أو العوامل النفسية ؛ لأن غير ذلك من العوامل التي تقدّمت كخصوصيات الخط القديم لا يمكن أن تعمل على نشوء قراءة معيّنة لها أتباعها ، أو أن تبتدع أُسلوبا خاصا للقراءة له أنصاره ، لأن في مقابلها توجد القراءة المشهورة المتواترة بين المسلمين جيلا بعد جيل ، وهي قراءة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم ، فكانت هذه القراءة التي بين أيدينا اليوم على مر الزمان الميزان والقسطاس المستقيم لتحديد صحة القراءة من سقمها ، وبهذه القراءة المعروفة المتواترة كانت تتميّز الكلمات ، ويزال الاشتباه عن بعض الأحرف في كلمات الآية سواء بتشابه الأحرف أو بتشكيلها .

فكيف يقال بعد هذا إن خصوصيات الخط القديم من هيئته ، وانعدام

___________

(١) رؤوس الفقرات نقلناها من التمهيد في علوم القرآن .

١٥
 &

التنقيط والتشكيل ، وخلوه من الألفات كانت أسباب نشوء القراءات ، مع وجود قراءة متواترة تسير بها الركبان ويقرأ بها الناس والتي بدورها توضّح عوار القراءة المخالفة وتكشف عن خللها ؟! ، فلا مجال للاشتباه في أن مادة الكلمة هل تبدأ بالتاء أم بالياء أو بالباء أو بالثاء ، أو أن هيئة الكلمة بالفتح أو بالضم أو ... الخ ، مع وجود قراءة متواترة بين أظهرهم .

ثم لنفرض أن تلك الأسباب عملت على تغيير القراءة حقا ، فالقارئ الذي اشتبه عليه الأمر بسبب رداءة الخط وفقدان النقاط وغيرها ، أو من اختلاف المصاحف في الرسم يجب عليه بمجرد سماعه للقراءة المتواترة الرجوع والحكم ببطلان ما صار إليه ، فيرتفع غموض واشتباه الكلمة بكلمة أُخری ، وعليه لا تكون خصوصيات الخط أحد أسباب نشوء القراءات ، فنخلص إلی أن السبب الوحيد لاختلاف القراءات ونشوئها هو الاجتهاد والتمسك بالرأي .

نعم ، إن الخط البدائي غير المنضبط أفسح المجال لكثير ممن يجتهد في قراءته ويتمسك برأيه في قبال القراءة المتداولة بين المسلمين آنذاك ، فكان الخط القديم غير المعجم ولا المعرَب ذريعة لكل من يستمزج ويرتئي في قراءة الآيات بشكل يتوافق مع الخط ورسم المصحف ، إذ أن ذلك الرسم غير محدد الملامح وذو وجوه ، وأما أن ينشئ بنفسه قراءة في قبال قراءة المسلمين ، فلا .

من هم القرّاء السبعة ؟

إن أُطلق مصطلح (القرّاء السبعة) فإن المعنى لا ينصرف إلا إلى رجال مخصوصين من مشاهير قرّاء القرآن ، وحتما لا تنحصر الساحة بهم ، بل كان

١٦
 &

من القرّاء من هم أرفع منهم درجة وأعظم قدرا وأجل شأنا ، ولكن وقع اختيار ابن مجاهد علی هؤلاء وحصرهم بالعدد سبعة ، وهم بحسب الترتيب الزمني :

عبد الله بن عامر اليحصبي قارئ الشام ، وعبد الله بن كثير الداري قارئ مكة ، عاصم بن أبي النّجود الأسدي قارئ الكوفة ، أبو عمرو بن العلاء المازني زبان قارئ البصرة ، حمزة بن حبيب الزيّات قارئ الكوفة ، نافع بن عبد الرحمان اللّيثي قارئ المدينة ، علي بن حمزة الكسائي قارئ الكوفة .

١٧
 &
١٨
 &

تفصيل الكلام في القرّاء

الشيوخ والرواة : المجموعة الأُولى (١) :

١ . عبد الله بن عامر أبو عمران اليحصبي :

إمام أهل الشام وُلد سنة ٢١ هـ أو ٢٨ هـ على اختلاف في ذلك ، وتوفي سنة ١١٨ هـ وله سبعٌ وتسعون سنة ، قرأ القرآن على مجهول ، وقيل إنه قرأ على عثمان وعلى أبي الدرداء عويمر بن زيد بن قيس ، وقول آخر إنه قرأ على أبي الدرداء ولم يقرأ على عثمان مباشرة ، وإنما قرأ على أبي هاشم المغيرة بن أبي شهاب عبد الله بن عمرو بن المغيرة المخزومي ، والمغيرة قرأ على عثمان بن عفان .

ويمكننا إطالة النظر في إقراء عثمان لابن عامر ، لأن ابن عامر لو وُلد في سنة ٢١ هـ فهذا يعني أن عثمان بن عفان قُتل وابن عامر حينها بلغ من العمر أربع عشرة سنة ، لأن مقتل عثمان كان سنة ٣٥ هـ كما نص عليه ابن الأثير في أُسده ، وأما إن قلنا إن مولده كان سنة ثمان وعشرين للهجرة فيكون عمره حين مقتل عثمان سبع سنوات ، ولم يؤثر أن عثمان كان يقرئ القرآن للصبية ، هذا مع إنكار الطبري ـ وهو قريب العهد لتلك الفترة ـ إقراء عثمان بن عفان

___________

(١) هذا الترتيب للقرّاء كان علی ما يقتضيه اتصال راويي القراءة والتقائهما بشيخ القراءة وعدمه ، فالمجموعة الأُولى لم يتم الالتقاء والمباشرة ، والأخرى تمّ فيها .

١٩
 &

أحدا ما ، كما سيأتي بإذنه تعالى .

وأما أبو الدرداء فيتأكد فيه الإشكال أكثر ، إذ أن أبا الدرداء عويمر بن زيد بن قيس توفي قبل وفاة عثمان بثلاث سنين أي في سنة ۳۲ هـ كما ذكره الذهبي في سير أعلامه ، فإن كان مولد ابن عامر سنة ۲۱ هـ فيكون عمره عند وفاة أبي الدرداء إحدى عشرة سنة ، وأما إذا كان مولده سنة ٢٨ هـ . فيكون عمر ابن عامر حينئذ أربع سنوات ، فكيف يصح ذلك ؟ ، وهل يمكن علی كلتا الفرضيتين أن يضبط صبي بهذا العمر وجوه القراءة بإتقان ؟! ، وهل يوثق بضبطه حتی يكون راويا للقراءة ؟!

ولِما سبق تردد الذهبي في كون ابن عامر قد قرأ على أبي الدرداء ، ثم تراجع واحتمل أنه قرأ بعض القرآن عليه في أيام الصبا ! فقال الذهبي :

وقيل : إنه ـ أي ابن عامر ـ قرأ عليه ـ أي على أبي الدرداء ـ القرآن ولحقه ، فإن صحّ فلعلّه قرأ عليه بعض القرآن وهو صبيّ (١) .

وأما قراءة ابن عامر على أبي هشام المغيرة بن أبي شهاب فننقل ما ذُكر في التمهيد : نجد أن عبد الله بن عامر اليحصبي (ت ١١٨) ـ أقرب القرّاء السبعة إلى عهد الصحابة ـ لا سند له متصلا إلى أحد الصحابة المختصين بقراءة القرآن ، فقد ذكر ابن الجزري في إسناده تسعة أقوال ، وأخيرا يرجّح أنه قرأ على المغيرة بن أبي شهاب المخزومي ، وهذا قرأ على عثمان بن عفان وعثمان قرأ على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم ينقل عن بعضهم : أنه

___________

(١) سير أعلام النبلاء ٥ : ٣٣٦ ، ط . مؤسسة الرسالة .

٢٠