إعلام الخلف - ج ٢

صادق العلائي

إعلام الخلف - ج ٢

المؤلف:

صادق العلائي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الآفاق للدراسات الإسلامية
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٦٣
الجزء ١   الجزء ٢ الجزء ٣
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

مصاحف ، والستة الذين أوصی لهم عمر بن الخطاب كانت لهم مصاحف .

قال أبو محمد ـ ابن حزم ـ : فكيف يقولون مثل هذا ؟! أيجيزون القراءة هكذا ؟! فلعمري لقد هلكوا وأهلكوا وأطلقوا كل بائقة في القرآن ، أو يمنعون من هذا فيخالفون صاحبهم في أعظم الأشياء ، وهذا إسناد عنه في غاية الصحة ، وهو مما أخطأ فيه مالك مما لم يتدبره لكن قاصدا إلی الخير ، ولو أن امرءاً ثبت علی هذا وجازه بعد التنبيه له علی ما فيه وقيام حجة الله تعالی عليه في ورود القرآن بخلاف هذا لكان كافرا ونعوذ بالله من الضلال (١) .

واضح أن ملاك ابن حزم في التكفير منطبق علی الإمام مالك بن أنس ولكنه اعتذر له بأنه كان غافلا عن مقتضی الكلام !! ، وواضح أن الإمام مالك قد استند إلی حديث الأحرف السبعة ، فلا يحتمل أن يكون غافلا !

وابن حزم قد كفّر علماء السنة إجمالا في مبحث الأحرف السبعة لأنهم قالوا بجواز القراءة بالمعنی بمقتضی حديث الأحرف السبعة ، وكفر إمام الحنفية أبا حنيفة لأنه قال بأن ترجمة القرآن بالفارسية هي أيضا قرآن ، وسيأتي الكلام عنه بإذنه تعالی .

___________

(١) الإحكام لابن حزم ٤ : ٥٥٩ ـ ٥٦٠ .

١٠١
 &

القسم الثاني

نذكر هنا كلمات علمائهم في بطلان الاستدلال بالقراءات الشاذة في الفقه لعدم قرآنيتها في نظرهم ، وأن من جوّز ذلك فإنما يجوّزه باعتبارها خبرا أو تفسيرا جاء عن صاحب القراءة لا أنها من قرآن .

البحر المحيط للزركشي : اعلم ، أن الآمدي نسب القول بأنها ليست بحجة إلی الشافعي . وكذا ادعی الأَبْياري في شرح البرهان أنه المشهور من مذهب مالك والشافعي وتبعه ابن الحاجب وكذلك النووي ، فقال في شرح مسلم : مذهبنا أن القراءة الشاذة لا يحتج بها ، ولا يكون لها حكم الخبر عن رسول الله صلی الله عليه [وآله] وسلم ، لأن ناقلها لم ينقلها إلا علی أنها قرآن ، والقرآن لا يثبت إلا بالتواتر وإذا لم يثبت قرآناً لم يثبت خبراً ، والموقع لهم في ذلك دعوی إمام الحرمين في البرهان : أن ذلك ظاهر مذهب الشافعي وتبعه أبو نصر بن القُشَيْري ، والغزالي في المنخول ، وإلْكيا الطبري في التلويح ، وابن السَّمْعاني في القواطع وغيرهم (١) .

وقال الرُّوْياني في البحر في كتاب الصلاة أنها تجري مجری الخبر عن النبي صلی الله عليه [وآله] وسلم أو الأثر عن الصحابة ، نعم الشرط عند الشافعي في ذلك أن لا يخالف رسم المصحف (٢) ، ولا يوجد غيرها مما هو أقوی منها

___________

(١) البحر المحيط للزركشي ١ : ٤٧٥ .

(٢) لاحظ إن الشافعي حكم بأن ما يخالف رسم المصحف ليس من القرآن فضلا عن كونه من

١٠٢
 &

ولذلك لم يحتج بقراءة ابن عباس (وعلی الذين يُطَوَّقُونه فدية) مع أن مذهبه وجوب الفدية كما نص عليه في المختصر ؟ قال شارحوه : إنما عدل الشافعي عن الاستدلال بهذه القراءة ، لأنها تشذ عن الجماعة ، وتخالف رسم المصحف (١) .

الجوهر النقي للإمام المارديني : قال البيهقي : ... عن أبي يونس مولی عائشة قال أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفا فقالت إذا بلغت هذه الآية فآذني (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ) (٢) . فلما بلغتها آذنتها فأملت عليّ (حافظوا علی الصلوات والصلاة الوسطی غير العصر) قلت : هذه قراءة شاذة ، والشافعي ومالك لا يجعلون القراءة الشاذة قرآناً ولا خبراً ويسقطان الاحتجاج بها (٣) .

باب الشيخ الكبير يفطر ويفتدي ، ذكر فيه : عن ابن عباس وعائشة أنهما قرآ (وعلی الذين يطوّقونه) قلت : مذهب الشافعية أن القراءة الشاذة لا يحتج بها وليست بقرآن ولا خبر (٤) .

___________

القراءات الشاذة وهو كذلك قول إمام المالكية كما مر سابقا .

(١) البحر المحيط للزركشي ١ : ٤٧٧ .

(٢) البقرة : ٢٣٨ .

(٣) الجوهر النقي للإمام علاء الدين المارديني ١ : ٤٦٣ ـ ٤٦٤ ، ط . دار الفكر .

(٤) نفس المصدر ٤ : ٢٧١ .

١٠٣
 &

مفتاح الوصول للمالكي التلمساني : ومن ذلك استدلال الحنفية : علی أن التكفير بصيام ثلاثة أيام من شرطها أن تكون متتابعة ، فإن فرّقها لم تجْزه لقراءة ابن مسعود (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) . فيقول أصحابنا ـ المالكية ـ : هذه الزيادة ليست من القرآن ، فإنها غير متواترة ومن شرط القرآن أن يكون متواتراً . وكذلك احتجت الحنفية ، علی أن الفَيْئة في الإيلاء إنما محلّها الأربعة أشهر لا بعدها ، بقراءة أُبيّ بن كعب (فإن فاؤوا فيهن فإن الله غفور رحيم) وأصحابنا يقولون : إنما الفيئة بعد تمام الأربعة الأشهر ، ويعترض علی الحنفية بأن تلك الزيادة التي في قراءة أُبيّ بن كعب ليست من القرآن لأنها لم تتواتر ، ومن شرط القرآن أن يكون متواتراً . والجواب عندهم : أن هذه الزيادة إما أن تكون قرآناً أو خبراً . لأنه إن لم تكن واحداً منهما حرم علی القارئ أن يقرأها ، لما في ذلك من التلبيس ، وإن كانت إما قرآنا وإما خبراً وجب العمل به ، والتواتر ليس بشرط في وجوب العمل ، بل في التلاوة ، كما تقدم (١) .

المنخول لأبي حامد الغزالي : القراءة الشاذة المتضمنة لزيادة في القرآن مردودة كقراءة ابن مسعود في آية كفارة اليمين فصيام (ثلاثة أيام متتابعات) فلا يشترط التتابع ، خلافا لأبي حنيفة رضي الله عنه فإنه قبله ، وهو يناقض أصله من حيث أنه زيادة علی النص ، وهو نسخ بزعمه كما قاله في كفارة الظهار ، ومعتمدنا شيئان أحدهما : أن الشيء إنما يثبت من القرآن إما لإعجازه

___________

(١) مفتاح الوصول إلی بناء الفروع علی الأُصول لأبي عبد الله المالكي التلمساني : ٥ ـ ٦ حققه الأستاذ عبد الوهّاب عبد اللطيف .

١٠٤
 &

وإما لكونه متواترا ولا إعجاز ولا تواتر ، ومناط الشريعة وعمدتها تواتر القرآن ولولاه لما استقرت النبوة ، وما يبتني علی الاستفاضة لتوفر الدواعي علی نقله كيف يقبل فيه رواية شاذة ، فإن قيل : لعله كان من القرآن فاندرس قلنا : الدواعي كما توفرت علی نقله ابتداء فقد توفر علی حفظه دواما ، ولو جاز تخيل مثله لجاز لطاعن في الدين أن يقول لعل القرآن قد عورض فاندرست المعارضة . وجوابنا عنه أنه لو كانت لانتشرت وتوفرت ، ولتوفرت الدواعي والجبلات علی نقلها مع تشوف الطاعنين في الدين إلی إبطاله (١) .

قال في اختلاف الفقهاء : القراءة الشاذة : اتفق العلماء علی الأخذ بالقراءة المتواترة ، لكنهم اختلفوا فيما نقل بطريق أحادي كمصحف ابن مسعود فنفاه الشافعي وأثبته أبو حنيفة وبنی عليه وجوب التتابع في الصيام كفارة عن اليمين مستدلاً بما نقله ابن مسعود في مصحفه : (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) ، ووجه الاستدلال عند الحنفية هو أنه ولو كانت هذه القراءة غير متواترة وحتی لو لم تثبت أنها قرآن فلا أقل من أن تكون سنة نبوية ويجب العمل به (٢) .

رأي الشافعي لا يجب العمل بها : قال الشافعية : إن النبي صلوات الله وسلامه عليه كان مكلفاً بتبليغ ما ينزل عليه من القرآن ، وإلقائه علی طائفة

___________

(١) المنخول للإمام الغزالي ١ : ٢٨١ ـ ٢٨٢ .

(٢) اختلاف الفقهاء : ٢٦ د . أحمد محمد المصري .

١٠٥
 &

معينة تقوم الحجة القاطعة بقولهم . ومن تقوم الحجة القاطعة بقولهم لا يتصور منهم التوافق علی عدم نقل ما سمعوه منه ، ومن ثم يكون ما يروی عن الرسول ـ صلی الله عليه وآله وسلم ـ قرآنا لا بد أن يكون متواتراً . فالراوي إذا كان واحداً وذكر ما رواه علی أنه قرآن فهو خطأ ، وإن لم يذكره علی أنه قرآن فقد تردد بين أن يكون خبراً عن الرسول عليه السلام ، وبين أن يكون حجة فلا يكون حجة وهذا خلاف خبر الواحد عن الرسول صلی الله عليه [وآله] وسلم ـ ولذلك فما روي عن ابن مسعود في صدد الصيام لا يدل علی وجوب التتابع في صوم كفارة اليمين (١) .

مذكرة في أُصول الفقة للشنقيطي : قال المؤلف رحمه الله تعالی : فأما ما نقل نقلاً غير متواتر كقراءة ابن مسعود رضي الله عنه (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) فقد قال قوم : ليس بحجة ، لأنه خطأ قطعاً إلی آخره .

خلاصة ما ذكره في هذا الفصل ، أن ما نقل آحادا كقراءة (متتابعات) المذكورة لا يكون قرآناً وهذا لا خلاف فيه ، وهل يجوز الاحتجاج به مع الجزم بأنه ليس قرآناً ؟ قال جمع من أهل الأُصول : لا يجوز الاحتجاج به لأنه رواه علی أنه قرآن ، فلما بطل كونه قرآناً بطل الاحتجاج به من أصله . وقال قوم : يجوز الاحتجاج به كأخبار الآحاد ، لأنه لا يخرج عن كونه مسموعاً من النبي صلی الله عليه وعلی آله وسلم ومروياً عنه ، وهذا هو اختيار المؤلف ، وعليه

___________

(١) اختلاف الفقهاء : ٢٧ .

١٠٦
 &

فلا مانع من أخذ لزوم التتابع في صوم كفارة اليمين من قراءة ابن مسعود متتابعات وإن جزمنا أنها ليست من القرآن (١) .

أُصول الفقه الإسلامي : فقال الحنفية والحنابلة : إن القراءة الشاذة يصح الاحتجاج بها علی أنها حجة ظنية (٢) ، إذ لابد من أن تكون مسموعة من النبي صلی الله عليه [وآله] وسلم ، وكل مسموع عنه صلی الله عليه [وآله] وسلم حجة ، ودليل السماع أن الناقل عدل ، وعدالته تمنعه من الاختراع وإلا لما ساغ له كتابته وإثباته في مصحفه . وإذا ثبت أنه مسموع من النبي صلی الله عليه [وآله] وسلم ، فيكون سنة ، والسنة يجب العمل بها (٣) . وقال المالكية والشافعية : إن القراءة الشاذة ليست بحجة ، ودليلهم أنها ليست بقرآن ، إذ لم تتواتر ، بل وليست سنة ، لأنها نقلت علی أنها قرآن ولم تنقل علی أنها سنة ، فلا يحتج بها . وقد ردّ الغزالي علی مذهب الحنفية فقال : لا يعد ذلك خبر آحاد : لأن خبر الواحد لا دليل علی كذبه ، وأما جعله من القرآن فهو خطأ قطعاً ، لأنه وجب علی الرسول صلی الله عليه [وآله] وسلم أن يبلغه طائفة من الأمة تقوم الحجة بقولهم ، وكان لا يجوز له مناجاة الواحد به ... وقال صاحب مسلم الثبوت والشوكاني في إرشاد الفحول : ما نقل آحاداً

___________

(١) مذكرة أُصول الفقه للشنقيطي : ٦٧ ـ ٦٨ ، ط . مكتبة ابن تيمية ـ الأُولی ـ .

(٢) لعدم التواتر ، وعدم التواتر يعني عدم قرآنيتها كما اتضح .

(٣) واضح إن أخذ الحنفية والحنابلة بالقراءات الشاذة لا لأنها من القرآن بل لكونها من السنة وعليه فلا يوجد مذهب يری أن تلك الزيادات من القرآن الكريم .

١٠٧
 &

ليس بقرآن قطعاً ، لأن القرآن مما تتوافر الدواعي علی نقله لكونه كلام الرب سبحانه ، وكونه مشتملاً علی الأحكام الشرعية وكونه معجزاً وما كان كذلك فلا بد أن يتواتر ، فما لم يتواتر فليس بقرآن (١) .

أُصول الفقه : أما اعتبار القراءة الشاذة حجة في الاستنباط ، فقد اختلف فيه ، فقال الغزالي : لا يصح الاحتجاج بها لأنها ليست من القرآن ، فمثل قراءة ابن مسعود في كفارة اليمين ... وقال الحنفية : يحتج بالقراءة الشاذة فيجب التتابع ، لأنه وإن لم يثبت كونه قرآناً فلا أقل من كونه خبراً ، والعمل يجب بخبر الواحد ، قال الغزالي : وهذا ضعيف لأن خبر الواحد لا دليل علی كذبه ، وهو إن جعله من القرآن فهو خطأ قطعاً ... الخ (٢) .

زبدة المخاض

نتوصل مما نقل من أقوال علمائهم إلی أن القراءة الشاذة ليست من القرآن لعدم تواترها عنه صلی الله عليه وآله وسلم ، بل إن محل الكلام وهي القراءة المخالفة لرسم المصحف ليست من القراءات الشاذة أصلا ، فهي في نظرهم خارجة عن دائرة القرآن تماما كما أكد علی هذا إمام المالكية وإمام الشافعية وأتباعهما وبعض من ذكرنا من علمائهم ، ولو حصل واستُدل بها في الفقه فلا لكونها من القرآن بل لكونها رواية .

___________

(١) أُصول الفقه الإسلامي ١ : ٤٢٦ ـ ٤٣٧ د . وهبة الزحيلي ، ط . دار الفكر .

(٢) أُصول الفقه للشيخ الخضري بك : ٢٥٩ ، ط . دار إحياء التراث العربي .

١٠٨
 &

والبعض يلمح إلی أن عدم التواتر لا يفيد القطع بانتفاء قرآنية الشاذ بل لعله من القرآن ولم يكتب في المصحف ، وهذا الرأي كما تری يناقض قولهم إن القرآن نقل متواترا وما ليس بمتواتر فليس من القرآن ، وعلی أقل تقدير فصاحب هذا الرأي يشك في أن المصحف قد شمل كل آيات القرآن لاحتمال أن بعض القرآن قد سقط من المصحف بعدم كتابة القراءات الشاذة ، فهو لا يقتطع بحفظ القرآن من التحريف .

التحريف في القراءات الشاذة إما للصحابة وإما لعلماء أهل السنة :

المقدمة الحسية المسلّم بها والآتي بيانها إن شاء الله ، هي أن (بعض الصحابة كانوا يدعون قرآنية قراءتهم الشاذة) ، والمقدمة الثانية التي أثبتناها قبل قليل هي (إن علماء أهل السنة يرون من يدعي قرآنية القراءة الشاذة قد أدخل في القرآن ما ليس منه) ، فنستنتج أن (علماء أهل السنة يرون بعض الصحابة قد أدخلوا في القرآن ما ليس منه) ، فيثبت تحريف القرآن بالزيادة لبعض الصحابة .

أو نقول إن كلام علماء أهل السنة باطل وأن ما قرأ به الصحابة كان من القرآن ، فيصبح هؤلاء العلماء منكرين لقرآنية ما هو من القرآن ، وواضح أن اعتقاد علماء أهل السنة بعدم قرآنية ما هو من القرآن تحريف صريح بإخراج بعض القرآن منه .

وإما أن نقول إن أمر هذه الشواذ مبهم فلا نعلم أهي من القرآن أم لا ، فهذا يعني أن علماء أهل السنة في شك من سلامة القرآن من التحريف لأنهم لا يعلمون أن المصحف قد سقط منه قرآن أم لا ، لاحتمال كون الشواذ قرآنا ! ، وبالنتيجة فهم يشكون في أن عثمان والصحابة تلاعبوا بكتاب الله عز

١٠٩
 &

وجل وأسقطوا بعض القرآن أم لا (١) ، ويلزم منه عدم إمكانية أخذ أي حكم من القرآن بعد احتمال سقوط آيات من المصحف لا نعلمها ، وهذا كما تری رأي ساقط لا يقبله جمهور أهل السنة كما مرت كلماتهم ، والتزاما منا لم نهمل ذكر هذا الوجه لأنه قد يفهم من عبارات بعض علمائهم .

وخلاصة القول : إن الشاذ المخالف لرسم المصحف إما هو من القرآن فيثبت التحريف للنافين وهم علماء أهل السنة ، وإما أنه ليس من القرآن فثبت التحريف للمثبتين وهم سلفهم الصالح ، وإما أن يشكوا في أمرها فيتطرق الشك حينها إلی سلامة القرآن من التحريف .

___________

(١) وهذا الاحتمال بتلاعب عثمان بالمصحف إنما يتصور في القراءات الشاذة التي كانت بين الصحابة قبل جمع المصحف زمن عثمان ، وهناك موارد كثيرة جدا كما سيأتي الإشارة إليها بإذنه تعالی هي من الشواذ بمخالفة رسم المصحف وقد قرأ بها الصحابة والتابعون إلی ما بعد زمن جمع عثمان بوقت كثير ، لذلك لم نذكر احتمال أن تلك الشواذ من الأحرف السبعة المزعومة لأن هذا الاحتمال لا يصدر إلا عن جهل بواقع الروايات وعصر صدورها ، خاصة وأن بعض الموارد الآتية بإذنه تعالی لا تقبل الدخول تحت دائرة الأحرف السبعة لما فيها من حذف لمفردات الآية ، أو الزيادة فيها ، أو الاجتهاد في مفرداتها ، أو الإنكار لبعض كلمات القرآن وإحلال كلمات محلها من قبل الصحابي أو التابعي ، والكثير من هذا النوع .

١١٠
 &

ثانيا : الشيعة الإمامية والقراءات القرآنية

هل قرأ الرسول صلی الله عليه وآله وسلم بهذه القراءات ؟

قلنا سابقا إن منشأ الاختلاف في بداية أمر القراءات هو اجتهاد وتفنن بعض الصحابة في قراءة القرآن ، وسار علی دربهم بعض التابعين وهكذا (١) ، وليس للشرع أدنی مدخلية في تلك القراءات سواء في نشأتها أو في استمرارها وبقائها ، وفي عقيدة شيعة أهل البيت عليهم السلام أن كتاب

___________

(١) يلاحظ أن هؤلاء الصحابة كانوا من مشاهير القرّاء والمتميزين بكثرة القراءة ، ولعل الثقة الزائدة بالنفس كانت سبب اندفاعهم لإعمال الرأي والاجتهاد في قراءة القرآن بأشكال متعددة ، أي من باب التمكّن والتفنن الزائد ، ولذا هذه القراءات المخالفة للمشهور لم تأت عن غير هؤلاء القلة ، وهذا يؤكد أن منشأ تلك القراءات المختلفة اجتهاد نفسي وإعمال للرأي لا أكثر ولا أقل ، ووجدت قولا للمحقق النجفي رضوان الله تعالی عليه يفيد هذا المعنی ، قال في جواهر الكلام ٩ : ٢٩٣ : (ودعوی أن كل واحد من هؤلاء ألف قراءته من متواترات رجحها علی غيرها لخلوها عن الروم والإشمام ونحوهما وبه اختصت نسبتها إليه كما تری تهجس بلا درية ، فإن من مارس كلماتهم علم أن ليس قراءتهم إلا باجتهادهم وما يستحسنوه بأنظارهم كما يؤم إليه ما في كتب القراءة من عدهم قراءة النبي صلی الله عليه وآله وعلي وأهل البيت عليهم السلام في مقابلة قراءاتهم ، ومن هنا سموهم المتبحرين ، وما ذاك إلا لأن أحدهم كان إذا برع وتمهر شرع للناس طريقا في القراءة لا يعرف إلا من قبله ، ولم يرد علی طريقة مسلوكة ومذهب متواتر محدود وإلا لم يختص به ، بل كان من الواجب بمقتضی العادة أن يعلم المعاصر له بما تواتر إليه لاتحاد الفن وعدم البعد عن المأخذ ، ومن المستبعد جدا أنا نطلع علی التواتر وبعضهم لا يطلع علی ما تواتر إلی الآخر) .

١١١
 &

الله عز وجل أنزله جبرائيل عليه السلام علی قلب الرسول الأكرم صلی الله عليه وآله وسلم بلغة عربية فصيحة لا خلل فيها ولا زلل (قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) (١) ، وكان نزوله علی صورة واحدة وهيئة واحدة بلا تغيير أو تبديل ، وكان يعرض علی الرسول صلی الله عليه وآله وسلم في كل عام مرّة وفي آخر حياته الشريفة مرّتين ، وفي كل مرّة كانت القراءة كسابقتها لا تزحزح عنها بحرف أو حركة أو إعجام أو بنبر أو همز أو شيء من هذا القبيل ، ولو حصل هذا ـ كما يزعم المشهور من غير الشيعة ـ لاشتهر وذاع ولصار حديث الساعة بين الصحابة ، فلا تفتأ الأخبار تذكر الوقت الذي تغيّرت فيه القراءة ، وفي أي شهر ومن أية سنة جاء جبرئيل عليه السلام مغيرا بعض الكلمات والأحرف ، ولسارت بهذا الركبان وتناقلته الكبار والصغار ، ولطبّل المشركون له أيما تطبيل ولأثاروا هذا الأمر ووجهوه طعنة قوية وقاتلة في قلب القرآن والدعوة الإسلامية ، وكما هو معلوم لا شيء من هذا وصلنا لا من أهل التاريخ ولا من أرباب السير ومدوني المصنفات ولا حتی من أصحاب المسانيد والجوامع ، فحيث لم يصلنا أي خبر عن تغيير الرسول صلی الله عليه وآله وسلم قراءته يوما ما نعلم وبلا ريب أن قراءة الرسول الأعظم صلی الله عليه وآله وسلم للقرآن طيلة حياته كانت علی صورة واحدة ثابتة لم تتغير ولم تتبدل ، فكان يقرأ به صلی الله عليه وآله وسلم بصورة واحدة في

___________

(١) الزمر : ٢٨ .

١١٢
 &

صلاته ، وفي خطبه ، وفي قيامه وجلوسه في المسجد ، ويسمعه الصحابة المؤمن منهم والمنافق فلا نكير ولا تغيير ، وليت شعري كيف يقرأ صلی الله عليه وآله وسلم آية في صلاة الظهر بألفاظ تختلف عنها في صلاة العصر ولا يصلنا من هذا العجب شيء ؟! ، ويا ليت الأمر اقتصر علی هذا ! بل يدعي أهل السنة أن النبي صلی الله عليه وآله وسلم كان يقرأ القرآن بسبعة أشكال متغايرة وبجميع قراءاتهم !! وهذا ما لا نتكلف لبيان سخفه وإثبات حماقة قائله !

قال في لغة القرآن : وهذا القول يستلزم أن يكون الرسول صلی الله عليه [وآله] وسلم قد قرأ القرآن بجميع أوجه الخلاف التي بين اللهجات العربية أو أذن لهم أن يقرأ كل واحد علی لهجته الخاصة دون سماع منه ، وهذا لا أساس له من الصحة ، لأن الرسول صلی الله عليه [وآله] وسلم إنما قرأ القرآن كما أنزل عليه دون أن يكون له دخل في اختلاف القراءات من ناحيته الشخصية ، وهذا هو ما تدل عليه الأحاديث الكثيرة التي أثبتنا لك قسما منها (١) .

وهذا شيخ الأعراب ابن تيمية يشك في كون الرسول الأعظم صلی الله عليه وآله وسلم قد قرأ بأشكال متعددة ويختم حديثه عن تلك القراءات بقوله : إذا كان ـ صلی الله عليه وآله ـ قد قالها (٢) .

___________

(١) لغة القرآن الكريم : ٧٣ ، ط . مكتبة الرسالة الحديثة .

(٢) مجموع فتاوی ابن تيمية ٢٢ : ٤٦٠ ، مطابع الرياض ، الأُولی ١٣٨٢ .

١١٣
 &

قراءتنا المتواترة

ومما لا ينبغي الشك فيه أن القراءة المتداولة اليوم متواترة عن رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم وأخذها المسلمون أخذ تقديس وتعظيم يقرأونها ليلا ونهارا ، وأقرأها الرجال للرجال والصبية والنساء للنساء والصبية ، فلم تبق ناحية فيها جمع من المسلمين إلّا وقرأت بها بقراءة معلمهم الأول صلی الله عليه وآله وسلم الذي كان يقرأ بقراءة واحدة ، وهذا أمر واضح لكل مسلم خاصة بعد ثبوت عدم تواتر القراءات القرآنية الأخری ، لأنا لو قلنا بأن قراءة المسلمين اليوم غير متواترة أيضا فهذا يعني انعدام التواتر التفصيلي للقرآن ، وثانيا : أن الناس بأجمعهم في كل الأمصار الإسلامية اتفقوا علی ترك ما كان يقرأ به الآلاف المؤلفة من الصحابة والتابعين وعدلوا عنه إلی قراءة أخری اتفقوا عليها وهي التي يقرأ بها المسلمون اليوم !! ، فأمر كهذا يحكي انقلابا شاملا وعاما في جميع الأمصار الإسلامية وفي أقدس مقدسات المسلمين ومع ذلك لاحس له ولا خبر ، هو للأحلام والأساطير أقرب .

إذن تواتر قراءة المسلمين اليوم عن النبي صلی الله عليه وآله وسلم أمر بيّن في نفسه ، ولكن لا بأس بذكر بعض الشواهد علی وجود القراءة المتواترة علی مر التاريخ :

١ ـ عندما كتب المصحف في زمن عثمان لم ينقل لنا التاريخ توقف الكتبة إلا في مواضع قليلة وهي (تابوت) و (يتسنه) و (منسأته) وهذا يعني أن الموارد الأخری كانت واضحة ومعلومة ، وحتی هذه الموارد لا يدل توقفهم فيها علی عدم وضوحها بل كان الخلل في الكتبة لا أكثر من ذلك ، لذلك بيّن

١١٤
 &

حالها أُبيّ بن كعب بكل سهولة ويسر .

٢ ـ التغيير الذي حدث علی خط القرآن الكريم بتشكيل حروفه وتنقيطها دليل علی وجود قراءة متواترة تم التنقيط والتشكيل علی أساسها .

فهذا أبو الأسود الدؤلي نقّط المصحف نقط إعراب ولا يمكن أن يتسنی له ذلك لو لم يجد عند المسلمين قراءة ثابتة ومشهورة .

وكذلك تلميذه يحيی بن يعمر العدواني فقد نقطه نقط إعجام ، فكيف قدر علی أن ينقط المصحف مع وجود التغاير والاختلاف في قراءة الكلمة الواحدة الناشئ من اختلاف مواضع النقط ؟! وسيأتي الكلام عنه بإذنه تعالی .

٣ ـ إن حصر وتحديد موارد اختلاف بعض الصحابة في القراءة واشتهارهم بهذه المخالفات من دون الجميع ، يثبت لنا وجود قراءة متواترة ومشهورة تقاس عليها الشواذ ، وإلا لو كان لكل صحابي قراءة خاصة لما صح تميّز هذا الصحابي بالقراءة لولا أنه كان يقرأ بعض كلمات القرآن بشكل غير معهود ومعروف .

٤ ـ كثير من الروايات تذكر استشهاد الصحابة والتابعين ومن بعدهم بآيات القرآن الكريم المختلف في قراءتها بين القراء فنجدها مطابقة لما نقرأه اليوم وكما هي مثبتة في المصحف .

٥ ـ الأخبار والشواهد الحسية التي تحكي وجود قراءة مشهورة متواترة بين المسلمين وهي القراءة التي كان يقرأ بها رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم ، وهذه بعض الروايات التي تصرح بهذه الحقيقة ، ذكر في المرشد الوجيز قول خلّاد بن يزيد الباهلي :

قلت ليحيی بن عبد الله بن أبي مليكة : إنّ نافعاً حدّثني عن أبيك ، عن

١١٥
 &

عائشة ، أنّها كانت تقرأ (إذ تلقونه) بكسر اللّام وضم القاف (١) وقال : إنها من ولق الكذب ! فقال يحيی : ما يضرّك أن لا تكون سمعته عن عائشة ، وما يسرّني أني قرأتها هكذا ، ولي كذا وكذا ! قلت : ولِمَ وأنت تزعم أنّها قد قرأت ؟! قال : لأنه غير قراءة الناس . ونحن لو وجدنا رجلاً يقرأ بما ليس بين اللّوحين ما كان بيننا وبينه إلّا التّوبة أو نضرب عنقه . ونجيء به نحن عن الأئمّة عن النبيّ عن جبرائيل ، عن الله عز وجل ، وتقولون أنتم : حدّثنا فلان الأعرج عن فلان الأعمی ! إن ابن مسعود يقرأ ما بين اللّوحين ، ما أدري ماذا ؟ إنما هو والله ضرب العنق أو التوبة . (٢)

وقال الزركشي في البرهان : قال أبو عبد الرحمان السلمي : كانت قراءة أبي بكر وعمر وعثمان وزيد بن ثابت والمهاجرين والأنصار واحدة ، كانوا يقرأون القراءة العامة ، وهي القراءة التي قرأها رسول الله صلی الله عليه [وآله] وسلم علی جبريل مرتين في العام الذي قبض فيه (٣) .

وقد ذكر السيوطي في الإتقان : حدث محمد بن سيرين عن عبيدة السلماني قال : القراءة التي عرضت علی النبي صلی الله عليه [وآله] وسلم في العام الذي قبض فيه ، هي القراءة التي يقرأها الناس اليوم (٤) .

___________

(١) وهي في المصحف بفتح اللام وتشديد القاف .

(٢) المرشد الوجيز : ١٨٠ .

(٣) البرهان في علوم القرآن للزركشي ١ : ٢٣٧ ، ط . الحلبي .

(٤) الإتقان ١ : ٥٠ .

١١٦
 &

وقال الزرقاني في مناهل العرفان : قال ابن مجاهد قال لي قُنبل : قال القواس في سنة سبع وثلاثين مئتين : القَ هذا الرجل ـ يعني البُزّي ـ فقل له : هذا الحرف ليس من قراءتنا ـ يعني (ومَا هوَ بميتٍ) ـ مخففا . وإنما يخفف من الميت من قد مات ومن لم يمت فهو مشدّد . فلقيت البُزّي ، فقال : قد رجعت عنه ... قال محمد بن صالح : سمعت رجلا يقول لأبي عمرو بن العلاء : كيف تقرأ (فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ) (١) ؟ فقال : (لا يعذِب) بالكسر . فقال له الرجل : كيف ؟ وقد جاء النبي صلی الله عليه [وآله] وسلم بالفتح ! فقال له أبو عمرو : لو سمعت الرجل الذي قال : سمعت النبي صلی الله عليه [وآله] وسلم ما أخذت عنه . أو تدري ما ذاك ؟ لأني أتهم الواحد الشاذ إذا كان علی خلاف ما جاءت به العامة (٢) .

وهذه الروايات صريحة في وجود قراءة يقرأ بها العامة محددة ومعلومة تقيّم عليها القراءات المستحدثة ، وكذا هذه الرواية :

وأخرج ابن أبي حاتم عن هارون قال : قراءة الحسن والأعرج وأبي عمرو والعامة (فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ) (٣) ، يعني ركوبتهم حمولتهم (٤) .

___________

(١) الفجر : ٢٥ ـ ٢٦ .

(٢) مناهل العرفان في علوم القرآن للزرقاني ١ : ٤٤٥ ، ط . الحلبي الثالثة .

(٣) يس : ٧٢ .

(٤) الدر المنثور ٥ : ٢٦٩ .

١١٧
 &

وذكر صاحب الخِطط المقريزية : قال القضاعي : كان السبب في كتابة هذا المصحف (١) أن الحجاج بن يوسف الثقفي كتب مصاحف وبعث بها إلی الأمصار ، ووجه إلی مصر بمصحف منها ، فغضب عبد العزيز بن مروان من ذلك وكان الوالي يومئذ من قبل أخيه عبد الملك وقال : يبعث إلی جندٍ أنا فيه بمصحف ؟! فأمر فكتب له هذا المصحف الذي في المسجد اليوم فلما فرغ منه قال : من وجد فيه حرفا خطأ فله رأس ثور وثلاثون ديناراً . فتداوله القرّاء فأتي برجل من قرّاء الكوفة اسمه زرعة بن سهل الثقفي فقرأه تهجّياً ، ثم جاء إلی عبد العزيز بن مروان فقال له : إني قد وجدت في المصحف حرفاً خطأ . فقال : مصحفي ؟! فقال : نعم . فنظر فإذا فيه (إِنَّ هَـٰذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً) (٢) . فإذا هي مكتوبة (نجعة) قد قدّمت الجيم قبل العين ، فأمر بالمصحف فأصلح ما كان فيه وأبدلت الورقة ، ثم أمر له بثلاثين ديناراً وبرأس أحمر (٣) .

ولو لم تكن بين المسلمين قراءة مشهورة ومتواترة لما صح السكوت عن ذكر القراءة التي يجب مراعاتها عند التدقيق في هذا المصحف ، مع أنها مختلفة فيما بينها بأكثر من هذا الاختلاف البسيط .

___________

(١) مصحف خاص .

(٢) ص : ٢٣ .

(٣) الخطط المقريزية ٢ : ٢٥٤ للمقريزي ، ط . الحلبي بالأوفست .

١١٨
 &

فتحصّل إلی هنا أن هناك قراءة متواترة ومشهورة علی مر التاريخ ، وهي قراءة رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم ، وكونها قراءة المسلمين اليوم فلأن عدول الناس في كل الأمصار والبلدان عن القراءة التي تلقّوها عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم ، ثم اتفاقهم علی قراءة أخری في قبال القراءة المتلقاة طبقة عن طبقة أمر لا يكاد يتصور فضلا عن معقوليته .

إشكال !

ولعل قائلا يقول : إن هذه القراءة المتداولة اليوم هي قراءة عاصم برواية حفص ، فكيف نسبت له القراءة المتواترة ، مع ما ذُكر سابقا أن اختصاص أحدٍ ما بقراءة ينافي تواترها ؟

قبل الإجابة عن الإشكال يجب علينا بيان الجهة المعنية بالإجابة عنه وبيان كيف حاولوا معالجة المشكلة ، فهذا الإشكال يتوجّه بصورة مباشرة لأهل السنة ، لأنهم الذين نسبوا هذه القراءة إلی شخص عاصم ومن عاصم أخذها حفص ! ، أما دعوی تواترها فتنقسم كلماتهم في ذلك إلی قسمين :

١ ـ إنها متواترة إلی الرسول الكريم صلی الله عليه وآله وسلم بالإسناد المتصل من عاصم إلی الإمام علي عليه السلام .

وهذه الدعوی دون إثباتها خرط القتاد ، ومن أين يأتيها التواتر وهي من عاصم إلی الإمام علي عليه السلام ، أي من واحد إلی واحد ؟! .

٢ ـ إن هذه القراءة ليست متواترة وإنما هي بنقل الآحاد عن الآحاد ، وإنما المتواتر هو ما اتفق عليه القراء السبعة دون تفاصيل كل قراءة ، أي أن تواتر القرآن تواتر إجمالي وليس بتفصيلي .

١١٩
 &

وهذا رأي أرباب فن القراءات عندهم كابن الجزري وابن شامة والشوكاني وغيرهم الذين مرت كلماتهم ، ولا بأس باعادة ما قاله الإمام أبو شامة : والحاصل إنا لسنا ممن يلتزم بالتواتر في جميع الألفاظ المختلف فيها بين القراء ، بل القراءات كلها منقسمة إلی متواتر وغير متواتر ، وذلك بيّن لمن أنصف وعرف وتصفح القراءات وطرقها ، وغاية ما يبديه مدعي تواتر المشهور منها ، كإدغام أبي عمرو ، ونقل الحركة لورش ، وصلة ميم الجمع وهاء الكناية لابن كثير ، أنه متواتر عن ذلك الإمام الذي نسبت القراءة إليه بعد أن يجهد نفسه في استواء الطرفين والواسطة ، إلا أنه بقي عليه التواتر من ذلك الإمام إلی النبي صلی الله عليه [وآله] وسلم في كل فرد فرد من ذلك ، وهنالك تسكب العبرات ، فإنها من ثم لم تنقل إلا آحاداً إلا اليسير منها ، وقد حققنا هذا الفصل أيضا في كتاب البسملة الكبير ، ونقلنا فيه من كلام الحذّاق من الأئمة المتقنين ما تلاشی عنده شبه المشنّعين ، وبالله التوفيق (١) .

ولذا يرد الإشكال السابق عليهم وهو العجز عن إثبات التواتر لتفاصيل القراءة التي يقرأ المسلمون بها اليوم دون المتفق عليه بين القراء السبعة ، وهذا إن سلمنا بأن الأسانيد التي جعلوها للقراء السبعة تنتهي إلی سبعة من الصحابة ، وأنها بمجموعها تفيد التواتر ، وأنها خالية من الانقطاع والعلل ! ، فإن هذا مناقش كما بينا سابقا .

___________

(١) المرشد الوجيز : ١٧٧ ـ ١٧٨ .

١٢٠