🚘

المحكم في أصول الفقه - ج ٤

السيّد محمّد سعيد الطباطبائي الحكيم

المحكم في أصول الفقه - ج ٤

المؤلف:

السيّد محمّد سعيد الطباطبائي الحكيم


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة المنار
المطبعة: جاويد
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٦٩
🚘 الجزء ١ 🚘 الجزء ٢ 🚘 الجزء ٣ 🚘 الجزء ٤ 🚘 الجزء ٥ 🚘 الجزء ٦
🚘 نسخة غير مصححة

وجوب التحفظ وعدم وجوب الاحتياط ظاهرا مع بقاء الحكم الواقعي ، أما في بقية الفقرات فهو مستلزم لرفع الحكم واقعا كما تقدم ، بخلاف رفع غير المؤاخذة من التبعات الشرعية ، فإن رفعه في الحديث مستلزم لتخصيص دليله واقعا ، وان كان بلسان الحكومة ، لكون الامور المذكورة من الامور الثانوية الطارئة ، فهي من سنخ الرافع ، وعلى كل حال فهي لا تثبت واقعا من دون فرق بين الفقرات ، فكما لا يجب الحد واقعا على من اكره على الزنا ، كذلك لا يجب على من وقع منه الزنا خطأ أو نسيانا أو جهلا.

ومنه يظهر أنه لا فرق بين الجهل والخطأ والنسيان ، خلافا لما يظهر من بعض الأعاظم قدّس سرّه من أن الرفع في الأول ظاهري وفي الأخيرين واقعي ، بل هي مشتركة في ارتفاع التبعات الشرعية واقعا ، وفي ارتفاع التبعة العقلية المستلزمة لارتفاع حكم نفس الفعل ظاهرا مع بقائه واقعا ، كما تقدم.

وعلى ما ذكرنا تنزل صحيحة صفوان بن يحيى والبزنطي عن أبي الحسن الرضا عليه السّلام ، في الرجل يستكره على اليمين ، فيحلف بالطلاق ، والعتاق ، وصدقة ما يملك ، أيلزمه ذلك؟ فقال : «لا ، قال رسول الله صلّى الله عليه وآله : وضع عن امتي ما اكرهوا عليه وما لم يطيقوا وما أخطئوا» (١) ، فإن نفوذ اليمين المذكورة لما كان من سنخ التبعات الشرعية كان مرفوعا بالإكراه بمقتضى الحديث.

قال شيخنا الأعظم قدّس سرّه : «فإن الحلف بالطلاق ، والعتق ، والصدقة وإن كان باطلا عندنا مع الاختيار أيضا ، إلا أن استشهاد الإمام عليه السّلام على عدم لزومها مع الإكراه على الحلف بها بحديث الرفع شاهد على عدم اختصاصه برفع خصوص المؤاخذة».

وبما ذكرنا يظهر الوجه في عدم سقوط الإعادة والقضاء بالإخلال ببعض

__________________

(١) الوسائل ج : ١٦ باب : ١٢ من كتاب الايمان حديث : ١٢.

٤١

الاجزاء أو الشروط جهلا أو نسيانا أو خطأ ، فإن وجوبهما ليس من سنخ التبعة المترتبة على الاتيان بالناقص ، بل هو من باب لزوم امتثال التكليف الواقعي بوجهه الواقعي ، وعدم سقوطه بدونه عقلا أو شرعا.

وقد أطال غير واحد في المقام بما لا حاجة إليه بعد ما ذكرنا. فراجع وتأمل.

الأمر الثاني : الظاهر اختصاص الحديث بما إذا كان الرفع امتنانيا ، لأنه المنصرف منه ، خصوصا مع ظهوره في الاختصاص بالامة المرحومة ، فلا يشمل ما لو كان منافيا للامتنان في حق بعض الامة ، كما لو اكره على الإضرار بالغير ، بل يبقى التحريم في مثله.

ولعله لأجل ذلك لا يرتفع الضمان بالاتلاف مع الخطأ ، فإنه وإن لم يبعد كون الضمان من سنخ التبعات الشرعية ، إلا أن رفعه عن المتلف مناف للامتنان في حق المالك ، فيقصر الحديث عن شمولاه.

الأمر الثالث : الظاهر أن الحديث قابل للتخصيص ، فلا مانع من عدم الرفع في بعض الموارد للدليل الخاص ، كما ثبت وجوب الاحتياط قبل الفحص في الشبهة الحكمية ، ووجوب التحفظ عن النسيان في الأحكام الكلية ، ووجوب الكفارة في بعض موارد الخطأ ، كالقتل ، فان أدلة المذكورة تكون مخصصة لعموم الحديث الشريف.

وأما ما يظهر من بعض الأعيان المحققين قدّس سرّه من قصور الحديث عن الرفع مع التقصير في الجهل والنسيان ، لعدم منافاة فعلية التكليف للامتنان ، إذ لا يأبى العقل حينئذ عن ذلك. نعم ، لو كان التحفظ حرجيا كان مقتضى الحديث الشريف الرفع ، لأن الوضع حينئذ خلاف الامتنان.

فهو كما ترى! لأن عدم إباء العقل حينئذ عن فعلية التكليف لا ينافي كون رفعه امتنانيا لما فيه من السعة ، كما هو الحال فيما لو كان التحفظ حرجيا ، لان

٤٢

العقل لا يمنع من التكليف الحرجي أيضا.

ومثله ما ذكره شيخنا الأعظم قدّس سرّه من أن مثل وجوب كفارة الخطأ خارج عن موضوع الحديث الشريف ، لاختصاصه بالآثار الثابتة لذات الموضوع مع قطع النظر عن الخطأ والنسيان ونحوهما مما تضمنه الحديث ، دون ما ثبت بتوسط أحد العناوين المذكورة بحيث تكون دخيلة فيه ، كما هو الحال في المقام ، وفي مثل وجوب سجود السهو.

لاندفاعه : بأن ثبوت الكفارة المذكورة مناف للحديث ، بناء على ما تقدم من دلالته على عدم التبعة مع الخطأ.

نعم ، بناء على دلالته على رفع الفعل تعبدا بلحاظ آثاره الثابتة له ، يتعين اختصاصه بالآثار الثابتة له بذاته في رتبة سابقة على طروء العناوين المذكورة ، لأن العناوين المذكورة تكون من سنخ الرافع ، فلا ترفع إلا ما تم مقتضيه مع قطع النظر عنها ، ويقصر عما كانت العناوين المذكورة دخيلة فيه.

لكن عرفت الإشكال في حمل الحديث على المعنى المذكور ، فالمتعين ما ذكرنا من أن خروج هذه الموارد بالتخصيص.

هذا ، وأما وجوب سجود السهو فالظاهر أن الوجه في خروجه تخصصا عدم كونه من سنخ التبعة الشرعية ، بل يظهر من دليله كون الإتيان به لإرغام الشيطان ، فهو حكم تعبدي ، كالنجاسة والتذكية.

ولنكتف بهذا المقدار من الكلام في الحديث الشريف. والله سبحانه ولي العون والتوفيق.

الثاني من النصوص المستدل بها في المقام : خبر زكريا بن يحيى عن أبي عبد الله عليه السّلام قال : «ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم» (١) ، فإنه ظاهر

__________________

(١) الوسائل ج : ١٨ ، باب : ١٢ من أبواب صفات القاضي حديث : ٢٨.

٤٣

في أن الحكم الواقعي المجهول موضوع عن المكلفين ، فيدل على عدم وجوب الاحتياط الراجع إلى تنجز الحكم الواقعي المجهول ، كما تقدم.

نعم ، لو فرض تمامية أدلة الاحتياط لم يبعد الجمع بينه وبينها بحمله على الأصل الأولي ، بأن يحمل حجب العلم على حجب العلم بما يعم الوظيفة الفعلية الظاهرية ، فتكون أدلة الاحتياط واردة عليه. فتأمل جيدا.

هذا ، ومما تقدم في حديث الرفع يظهر عمومه للشبهة الحكمية والموضوعية.

وقد استشكل فيه شيخنا الأعظم قدّس سرّه بأن الظاهر مما حجب الله علمه ما لم يبينه للعباد ، لا ما بيّنه واختفى عليهم من معصية من عصى في كتمان الحق ، فهو مساوق لما عن أمير المؤمنين عليه السّلام : «إن الله حدّ حدودا فلا تعتدوها ، وفرض فرائض فلا تنقصوها ، وسكت عن أشياء لم يسكت عنها نسيانا فلا تكلفوها ، رحمة من الله لكم فاقبلوها» (١).

وفيه : أن منشأ الظهور المذكور ..

إن كان هو نسبة الحجب إلى الله تعالى ، فيكون كناية عن عدم إيصال الحكم للرسل أو عدم أمرهم بتبليغه ، فالظاهر أنه يكفي في النسبة المذكورة استناد الفعل إليه سبحانه تكوينا بتقدير أسبابه ولو بطريق الناس ، كما هو الحال في نسبة الرزق والابتلاء إليه تعالى ، فهو نظير قولهم عليهم السّلام : «ما غلب الله عليه فهو أولى بالعذر».

وإن كان منشؤه نسبة الحجب للعباد الظاهر في إرادة جميعهم المستلزم لعدم تصدي الشارع الأقدس لبيانه ، فالظاهر أن العموم في «العباد» ليس مجموعيا ، بل انحلاليا راجعا إلى وضع التكليف عن كل من حجب عنه ، نظير

__________________

(١) الوسائل ج : ١٨ ، باب : ١٢ من أبواب صفات القاضي حديث : ٦١.

٤٤

العموم في حديث الرفع والسعة ، فان ذلك هو المناسب لكون القضية ارتكازية.

على أن ظاهر الحديث كون الحكم المحجوب تام الفعلية وصالحا للمحركية لو لا الحجب المقتضي لوضعه ، فلا يناسب حمله على الأحكام المسكوت عنها ، لقصوره عن مرتبة الفعلية وعدم صلوحها للمحركية في أنفسها.

وأما ما ذكره بعض الأعيان المحققين قدّس سرّه في دفع الإشكال المذكور من شمول الحديث للأحكام الواصلة للنبي صلّى الله عليه وآله التي لم يؤمر بتبليغها ، لاستناد الحجب فيها إلى الله تعالى ، فيمكن تعميم الحكم لغيرها مما بلغ به النبي صلّى الله عليه وآله أو الأئمة عليهم السّلام واختفى بسبب المكلفين أنفسهم بعدم الفصل ، لاشتراكها في الفعلية.

ففيه : أن الظاهر عدم بلوغ الأحكام التي لم يؤمر النبي صلّى الله عليه وآله بتبليغها مرتبة الفعلية ، ولذا لا تتنجز لو فرض العلم بها إجمالا. ولو فرض بلوغها المرتبة المذكورة بمعنى فلا طريق لإثبات عدم الفصل بينها وبين الأحكام التي بلّغها واختفت.

كيف! ولا يظن من الأخباريين أو غيرهم الالتزام بوجوب الاحتياط مع العلم بعدم تبليغ النبي صلّى الله عليه وآله للحكم.

ومن ثمّ كان ظاهر المحدث الاسترابادي عدم وجوب الاحتياط في ما تعم به البلوى ، بحيث لو كان هناك حكم مخالف للأصل لظهر ، لأن عدم الدليل دليل العدم ، على ما حكاه عنه شيخنا الأعظم قدّس سرّه في التنبيه الأول من تنبيهات المسألة الاولى من مسائل الشبهة التحريمية ، وهو ظاهر الحر العاملي في الوسائل في تعقيب الحديث الستين من الباب الثاني عشر من أبواب صفات القاضي ، مع ظهور أن الاستدلال المذكور إنما يتم في ما فرض تبليغ النبي صلّى الله عليه وآله أو الأئمة عليهم السّلام له على تقدير وجوده ، لا في ما لم يؤمروا بتبليغه.

٤٥

الثالث : المرسل عن الفقيه : «كل شيء مطلق حتى يرد فيه نهي» (١). وذكر غير واحد من محشي الرسائل أن في بعض طرق الحديث : «حتى يرد فيه أمر أو نهي» : أو : «حتى يرد أمر أو نهي» كما عن أمالي الشيخ قدّس سرّه ، وعن العوالي : «قال الصادق عليه السّلام : كل شيء مطلق حتى يرد فيه نص».

قال شيخنا الأعظم قدّس سرّه بعد ذكر مرسل الفقيه : «ودلالته على المطلوب أوضح من الكل ، وظاهره عدم وجوب الاحتياط ، لأن الظاهر إرادة ورود النهي في الشيء من حيث هو ، لا من حيث كونه مجهول الحكم. فإن تم ما سيأتي من أدلة الاحتياط دلالة وسندا وجب ملاحظة التعارض بينها وبين هذه الرواية وأمثالها ...».

وما ذكره قريب جدا.

نعم ، لو فرض تمامية أدلة الاحتياط لم يبعد الجمع بينها وبين الروايات المذكورة بحمل هذه الروايات على ما يعم ورود النهي الثانوي.

هذا ، وقد يستشكل في دلالة الرواية بوجهين :

الأول : ما أشار إليه المحقق الخراساني قدّس سرّه من انه يكفي في ورود النهي وروده إلى بعض المكلفين وإن خفي على غيرهم ، وحينئذ لا مجال للاستدلال بالحديث لاحتمال ذلك في مورد الشك بالتكليف ، إلا في الامور المستحدثة التي يعلم بعدم ابتلاء المكلفين المعاصرين لدور تبليغ الاحكام بها ، بحيث يعلم بعدم ورود النهي لأحد من المكلفين فيها.

ولو اريد من المكلفين ما يعم المعصومين عليهم السّلام امتنع الاستدلال حتى في المسائل المذكورة. نعم ، قد يستدل بضميمة أصالة عدم ورود النهي ، وهو أمر آخر.

__________________

(١) الوسائل ج ١٨ : باب ١٢ من أبواب صفات القاضي حديث : ٦٠.

٤٦

وفيه : أن الورود والإطلاق لما كانا أمرين إضافيين فالظاهر من إطلاقهما كون غاية الإطلاق في حق كل شخص ورود النهي له ، واحتمال كون ورود النهي لبعض المكلفين رافعا للإطلاق في حق غيره ، خلاف الظاهر جدا ، خصوصا في مثل هذه القضية الارتكازية.

هذا ، مع أن ظهور القضية في ضرب القاعدة العملية ظاهر في تيسر الاطلاع على موضوعها ، والمتيسر لكل شخص إدراك ورود النهي له لا لغيره.

الثاني : أن ورود النهي لا يتوقف على وصوله للمكلف ، بل يكفي صدوره واقعا ، لا لأن الورود بمعنى الصدور ـ كما قد يوهمه كلام المحقق الخراساني قدّس سرّه ـ لوضوح التقابل بينهما ، بل لأن التكليف لما كان أمرا قائما بين المولى والعبد ، فهو بالإضافة إلى المولى صادر منه ، وبالإضافة إلى العبد وارد عليه ، فصدق وروده على العبد لا يتوقف على وصوله إليه ، بل يكفي فيه صدوره من المولى وجعله في ذمة العبد ، حتى كأنه أمر حمل عليه.

ولعله إلى هذا يرجع ما ذكره المحقق الخراساني قدّس سرّه من صدق الورود على الصدور ، وما ذكره بعض الأعاظم قدّس سرّه من إمكان كونه مقابل السكوت. وحينئذ فيكون مفاد الحديث أن الأشياء في أنفسها على السعة ما لم يرد فيها نهي شرعي رافع لها.

نعم ، لو كان المراد من الورود الورود للمكلف لا الورود عليه كان المتعين حمله على الوصول له ، لأن مجرد ثبوت النهي في ذمة المكلف لا يصحح نسبة وروده له ما لم يصل.

ولعل هذا هو المتعين في مرسل العوالى ، لان النص مما لا ثبوت له في ذمة المكلف ، ليصدق وروده له قبل العلم به ووصوله.

إلا أنه لا مجال له في مرسل الفقيه ، لحذف المتعلق وصلوح التكليف للأمرين ، فبلحاظ كونه أمرا ثابتا في ذمة المكلف وموجبا لمسئوليته والتثقيل

٤٧

عليه يصدق وروده وطروؤه عليه بمجرد صدوره ، وبلحاظ كونه حادثا من الحوادث الخارجية يصدق وروده بالعلم به ووصوله للمكلف ، نظير قولنا : وردني موت زيد.

هذا ، وقد يرجح إرادة الوصول من الورود في المقام بأنه لو كان المراد من الورود ما يلازم الصدور كان الإطلاق قبله عقليا ، فيكون حكم الشارع به إرشاديا ، وهو خلاف الأصل في الحكم الشرعي ، إذ الأصل فيه كونه مولويا ، فيتعين حمله على إرادة الإطلاق الظاهري الشرعي عند الشك في ورود النهي ، وهو لا يرتفع إلّا بوصول النهي ، فيكون قرينة على أن المراد من الورود الوصول.

وكأن هذا هو مراد بعض مشايخنا في مناقشة بعض الأعاظم قدّس سرّه في المقام. فراجع.

وفيه : ... أولا : أن أصالة كون الحكم الشرعي مولويا مختصة بما إذا انعقد للكلام ظهور في معنى ودار الأمر فيه بين الوجهين ، بخلاف ما إذا تردد الكلام بين معنيين أحدهما لا يصلح إلا للمولوية ، والآخر لا يصلح إلا للإرشاد ـ كما في المقام ـ فإن إثبات الظهور بالأصل المذكور حينئذ لا يخلو عن إشكال أو منع.

نعم ، لو فرض كون الحكم العقلي جليا لا يحتاج إلى بيان وإرشاد كان ذلك قرينة على صرف الكلام عن الإرشاد إليه ، إلا أنه لم يتضح بعد كون الحكم العقلي بالإطلاق في المقام بالنحو المذكور. كيف وقد وقع الكلام فيه؟! كما سبق عند الكلام في أصالة الحظر أو الاباحة.

اللهم إلا أن يدعى عدم الفائدة ببيانه بعد فرض ورود الشرع وعدم خلو الوقائع عن الأحكام الشرعية ، فلا ينبغي الحمل عليه ، كما نبه له غير واحد من مشايخنا. فلاحظ.

وثانيا : أن ثبوت الإطلاق العقلي قبل البيان الشرعي لا يستلزم كون حكم الشارع بالاطلاق إرشاديا ، لإمكان كونه مولويا راجعا إلى الحكم بعموم إباحة

٤٨

الأشياء شرعا ما لم يرد النهي عنها ، فيكون مؤكدا لحكم العقل ، بل مغنيا عنه لا ارشادا له ، كسائر موارد الحكم بالاباحة.

إن قلت : لا يمكن جعل النهي الواقعي غاية للإباحة الواقعية ، لاستلزامه جعل أحد الضدين رافعا للآخر ، نظير أن يقال : كل شيء ساكن إلى أن يتحرك.

قلت .. أولا : جعل الشيء غاية لشيء لا يستلزم كونه رافعا له ، وقبح جعل أحد الضدين غاية للآخر إنما هو لوضوح التنافر بينهما الموجب لوضوح ارتفاع أحدهما عند حدوث الآخر بنحو يكون بيانه لغوا ، أما إذا كان المقصود بيان أن أحد الضدين هو مقتضى الطبع الأولي والآخر هو المحتاج إلى علة تقتضيه فلا قبح ، لأنه مزيد فائدة تحتاج إلى البيان ، والمقام من ذلك ، فإن المقصود بيان أن إباحة الأشياء هي مقتضى طبعها الأولي. فتأمل.

وثانيا : ورود النهي من سنخ العلة للحرمة والضيق ، التي هي ضد للإباحة والإطلاق ، وليس بنفسه ضدا للاباحة والإطلاق ، فهو نظير أن يقال : كل شيء ساكن حتى يحرك ، ولا بأس به.

فالإنصاف : أن البناء على إجمال الرواية من هذه الجهة لا يخلو عن قرب.

هذا ، وقد تقدم عند الكلام في مقتضى الأصل الأولي إجمال حديث السعة أيضا وتردده بين الأصل الأولي والثانوي الذي هو محل الكلام ، فلا مجال للاستدلال بكلا الحديثين في المقام.

نعم ، قد يستدل بحديث الاطلاق بضميمة الاستصحاب ، وهو أمر آخر يأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى.

الرابع : صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي إبراهيم عليه السّلام : «سألته عن الرجل يتزوج المرأة في عدتها بجهالة ، أهي ممن لا تحل له أبدا؟ فقال : «لا ، أما إذا كان بجهالة فليتزوجها بعد ما تنقضي عدتها ، وقد يعذر الناس في الجهالة بما هو أعظم ذلك. فقلت : بأي الجهالتين يعذر بجهالته أن ذلك محرم عليه أم

٤٩

بجهالته أنها في عدة؟ فقال : إحدى الجهالتين أهون من الاخرى ، الجهالة بأن الله حرم ذلك عليه ، وذلك بأنه لا يقدر على الاحتياط معها. فقلت : وهو في الاخرى معذور؟ قال : نعم ، إذا انقضت عدتها فهو معذور في أن يتزوجها ...» (١) ، بناء على أن قوله عليه السّلام : «فقد يعذر الناس في الجهالة بما هو أعظم من ذلك» إشارة إلى القضية الارتكازية المقتضية لعموم العذر حتى بالإضافة إلى العقاب وعدم اختصاص العذر بعدم الحرمة المؤبدة ، فيكون واردا لبيان الأصل الثانوي ودليلا على عدم وجوب الاحتياط ، لوضوح كون الجهالة المفروضة فيه هي الجهالة بالحكم الواقعي ، وهو حرمة التزويج بالمرأة ، لا ما يعم الحكم الظاهري ليكون لبيان الأصل الأولي الذي يكون دليل وجوب الاحتياط رافعا لموضوعه.

كما أنه لا ريب في عمومه للشبهة الموضوعية والحكمية معا.

وفيه : أنه منصرف إلى الجهالة بمعنى الغافلة أو اعتقاد الحل خطأ ـ كما ذكرناه في الحديث الثاني الذي تقدم الاستدلال به للأصل الأولي ـ ولا سيما مع التعليل فيه بأنه لا يقدر على الاحتياط ، ضرورة القدرة على الاحتياط مع الالتفات والشك.

ثم إن الصحيحة لم تتضمن تخصيص التعليل المذكور بالجهالة بحرمة التزويج في العدة دون الجهالة بأنها في العدة ، ليستشكل في الرواية بلزوم التفكيك بين الجهالتين ـ كما يظهر من شيخنا الأعظم قدّس سرّه ـ بل مجرد ذكره في الاولي دون الثانية ، وهو لا يدل على عدم وروده في الثانية.

بل لعل التنبيه على التعليل في الاولى لكون المعذورية فيها أخفى ، لما هو المرتكز من أهمية الشبهة الحكمية ، فيكون ذكر التعليل فيها دفعا لذلك ، وتأكيدا لقوله عليه السّلام : «إحدى الجهالتين أهون من الاخرى» الظاهر في أنهما معا غير

__________________

(١) الوسائل : ج ١٤ باب : ١٧ من أبواب ما يحرم بالمصاهرة حديث : ٤.

٥٠

مهمتين.

نعم ، لو كان التعليل مسوقا لبيان أن الشبهة الحكمية أهون من الشبهة الموضوعية كان ظاهرا في الاختصاص ولزم محذور التفكيك بين الجهالتين.

لكنه لا قرينة عليه ، بل هو مناف لقوله : «إحدى الجهالتين أهون من الاخرى». فلاحظ.

الخامس : صحيح عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السّلام «كل شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال أبدا حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه» (١) ، ونحوه خبر عبد الله بن سليمان الوارد في الجبن ، ومرسل معاوية بن عمار (٢).

وعن الشهيد في الذكرى الاستدلال بذلك على ما نحن فيه.

وقد استشكل فيه شيخنا الأعظم قدّس سرّه بأن ظاهر صدره فرض انقسام الشيء فعلا إلى الحلال والحرام ، وأن الانقسام هو منشأ الاشتباه الذي هو موضوع الحكم بالحلية الظاهرية ، وهو إنما يتم في الشبهات الموضوعية ، حيث قد يكون الانقسام فيها سببا للاشتباه ، كالجبن الذي يعلم أن قسما منه محرم ، لأن فيه ميتة ، وقسما منه حلال لا ميتة فيه ، فيشتبه حال بعض أفراده بسبب ذلك.

أما الشبهات الحكمية فلا يتصور فيها ذلك ، إذا الشك فيها ناشئ عن فقد الدليل ، لا عن الانقسام المذكور. فالحيوان وإن كان منقسما إلى ما هو حلال وحرام ، كالضأن والخنزير ، إلا أن الانقسام المذكور لا يكون سببا للاشتباه في المشكوك كالأرنب ، بل الشك فيه ناشئ من فقد الدليل عليه ولو مع فرض عدم الانقسام المذكور.

ولا مجال لتوهم أن ذكر الانقسام في الخبر ليس لكونه منشأ للاشتباه ، بل

__________________

(١) الوسائل ، ج ١٢ باب ٤ ، من أبواب ما يكتسب به ح ١.

(٢) الوسائل ، ج ١٧ باب ٦١ ، من أبواب الاطعمة المباحة ح ١ ، ٧.

٥١

هو مقارن صرف. لاستهجان ذكره حينئذ جدا ، ولا سيما مع كون ذكره موجبا لقصور الحديث عن بعض أفراد الشبهة وهو ما لا يدخل تحت كلي منقسم للقسمين ، كشرب التتن ، فيحتاج تعميم الحكم له للتمسك بعدم الفصل ، كما أوضحه شيخنا الأعظم قدّس سرّه.

وأوهن منه توهم كون المراد بالتقسيم المذكور في الخبر هو الترديد والشك ، فمرجع قوله عليه السّلام : «كل شيء فيه حلال وحرام فهو ...» إلى قولنا : كل شيء مشتبه الحال مردد بين الحلال والحرام فهو ...

لأنه خروج عن ظاهر الخبر ، بل صريحه المستفاد من صدره وذيله ، كما أطال شيخنا الأعظم قدّس سرّه في توضيحه. فراجع.

نعم ، يندفع ما ذكره قدّس سرّه بما نبه له بعض الأعيان المحققين قدّس سرّه من أن الاشتباه في الشبهة الحكمية قد يكون ناشئا من الانقسام المفروض لو فرض إجمال القسمين ، لإجمال دليلهما ، كما لو فرض العلم بأن بعض أجزاء الذبيحة محرم شرعا ، وشك في مقدار الحرام وأنه يشمل الكبد مثلا أولا ، فإن انقسام الذبيحة إلى الحرام والحلال هو السبب في اشتباه حكم الكبد حينئذ ، ومقتضى إطلاق الحديث كونه حلالا ظاهرا ، لعدم العلم بأنه الحرام بعينه ، فيعم الحكم غير ذلك من موارد الاشتباه ـ كالتبغ ـ بعدم الفصل.

ومنه يظهر اندفاع ما ذكره بعض الأعاظم قدّس سرّه من ظهور قوله عليه السّلام : «بعينه» في هذا الحديث وغيره ـ مما يأتي الكلام فيه ـ في الشبهة الموضوعية ، إذ لا معنى لأن يقال : حتى تعرف الحكم بعينه.

وجه الاندفاع : أن كلمة : «بعينه» لو فرض ظهورها في إرادة التمييز بعد الاشتباه فهو مما يمكن فرضه في الشبهة الحكمية ، كما في ما تقدم من المثال.

على أنها إنما يؤتى بها لمحض التأكيد لدفع توهم عدم ثبوت الحكم لموضوعه ، وهو يجري في الشبهة البدوية ، ولا يتوقف على الاشتباه والترديد

٥٢

في ما هو معلوم الثبوت ، واستفادة التمييز بعد الاشتباه في خصوص الحديث المتقدم إنما هو من جهة فرض التقسيم ، ومن اللام في «الحرام» الظاهرة في العهد ، والإشارة إلى الحرام المفروض المشتبه.

فالعمدة في الخدشة في الاستدلال بالحديث في الشبهة الحكمية : أنه في نفسه ظاهر في عدم منجزية العلم الإجمالى ، فمن القريب جدا حمله على الشبهة غير المحصورة التي تخرج بعض أطرافها بسبب كثرتها عن محل الابتلاء ، كما يشير إليه خبر أبي الجارود ، سألت أبا جعفر عليه السّلام عن الجبن ، فقلت له : أخبرني من رأى أنه يجعل فيه الميتة ، فقال : «أمن أجل مكان واحد يجعل فيه الميتة حرم في جميع الارضين؟! إذا علمت أنه ميتة فلا تأكله ، وإن لم تعلم فاشتر وبع وكل ...» (١) ، وذلك إنما يكون خارجا في الشبهات الموضوعية ، حيث تكون العناوين المشتملة على الحرام ـ كالجبن واللحم ـ ذات أفراد كثيرة لا يبتلى بجميعها عادة ، بخلاف الشبهات الحكمية. فلاحظ.

السادس : موثقة مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله عليه السّلام : «كل شيء هو لك حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك ، وذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته وهو سرقة ، والمملوك عندك لعله قد باع نفسه أو خدع فبيع قهرا ، أو امرأة تحتك وهي اختك أو رضيعتك. والأشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك ، أو تقوم به البينة» (٢). ودلالتها على الأصل الثانوي ظاهرة ، ولا سيما بملاحظة الأمثلة.

ولكن لا عموم فيها للشبهة الحكمية ، لا من جهة كلمة «بعينه» لما تقدم ، بل من جهة الأمثلة ، لإمكان سوقها مساق الشرح للقاعدة لا لمجرد التمثيل ،

__________________

(١) الوسائل ، ج ١٧ باب ٦١ ، من أبواب الاطعمة المباحة ح ٥.

(٢) الوسائل ، ج ١٢ باب ٤ ، من أبواب ما يكتسب به ح ٤.

٥٣

خصوصا مع قوله عليه السّلام : «وذلك مثل ...» الظاهر في حصر مفاد القاعدة بما يكون مثل هذه الامور ، وحينئذ فيمكن أن يكون الاشتباه في الموضوع مأخوذا في المماثلة الملحوظة في المقام ، واحتفاف مثل ذلك بالكلام مانع من ظهوره في العموم للشبهة الحكمية.

بل ذكر البينة في ذيل الرواية ظاهر في اختصاصها بالشبهة الموضوعية ، لوضوح كونها المرجع فيها ، لا في الشبهة الحكمية ، فإن المرجع فيها هو خبر الثقة الذي يلغو معه ذكر البينة ، كما أشرنا إليه في مسألة عدم حجية خبر الثقة في الموضوعات من الفقه.

ثم إنه قد أشار شيخنا الأعظم قدّس سرّه إلى الإشكال في الأمثلة المذكورة : بأن الحل فيها ليس مستندا إلى أصالة الحلية ، بل إلى اليد في الأولين ، وإلى أصالة عدم تحقق النسب والرضاع في الثالث ، ومع قطع النظر عنها فالأصل يقتضى الحرمة ، لأصالة عدم التملك في الثوب ، والحرية في الإنسان ، وعدم تحقق الزوجية في المرأة.

ويندفع : بأن نسبة الامارة أو الأصل الحاكم إلى الأصل المحكوم نسبة الحكم الثانوي إلى الحكم الأولي ، فإن الحكم الثانوي وإن كان هو الحكم الفعلي الذي يكون مورد العمل ، إلا أنه لا يوجب قصور موضوع الحكم الأولي ذاتا عن شمول المورد ، بل هو حافظ لحيثيته ، فهو ثابت من الحيثية المذكورة وإن لم يكن فعليا بسب طروء حيثية الحكم الثانوي ، التي هي من سنخ المانع عن تأثير الحيثية الأولية للحكم الأولي.

ففي المقام التصرف في الثوب ـ مثلا ـ من جهة كونه أمرا مشكوك الحرمة يكون مجرى لأصالة الحل ، ومن جهة كون الثوب مجرى لاستصحاب عدم التملك يكون محكوما ظاهرا بالحرمة ، ومن جهة كونه مورد اليد يكون محكوما ظاهرا بالحل.

٥٤

وحينئذ فلا مانع من إغفال الامارة أو الأصل الحاكم والتنبيه للأصل المحكوم ، لكونه مورد الحاجة ، أو لكون تفهيمه للمخاطب أيسر أو لنحو ذلك من الأغراض ، وفي المقام حيث كان المطلوب توضيح أصالة الحل بالتمثيل احتيج للتنبيه في مورد الأمثلة المذكورة على الأصل المذكور ، دون الامارات او الاصول الحاكمة عليه. خصوصا مع صعوبة فرض مثال لا يكون مجرى لامارة أو أصل حاكم موافق أو مخالف.

نعم ، إذا كانت الامارة أو الأصل جاريين فعلا ، ومخالفين عملا للأصل المحكوم امتنع إغفالهما والاقتصار في التنبيه على الأصل المحكوم ، لئلا يلزم الإغراء بالجهل والإيقاع في خلاف الوظيفة الفعلية ، وذلك لا يجري في المقام ، لان الاصل الحاكم على أصالة الحل المخالف لها عملا محكوم لاصول وقواعد أخر جارية فعلا موافقة لأصالة الحل عملا ، فلا يلزم من عدم التنبيه عليها الاغراء بالجهل ، كما لا يخفى.

ثم إنه لو فرض عدم نهوض ما ذكرنا بدفع الإشكال المذكور عن الرواية فهو لا يمنع من الاستدلال بها ، لقوة ظهورها في إرادة أصالة الحل ، بنحو لا توجب الأمثلة ظهورها في غيره ولا إجمالها ، وغاية ما يلزم إجمال الامثلة.

وأما دعوى : أنها تكون بقرينة الأمثلة المذكورة ظاهرة في إرادة الحلية المستندة لليد او الاستصحاب ، لا المستندة لأصالة الحل.

فيدفعها .. أولا : أنه لا جامع عرفي بين الأمرين ، فلا مجال لحمل القاعدة المضروبة في صدر الرواية والمشار إليها في ذيلها عليه.

وثانيا : أن الرواية إن حملت على الإرجاع للاستصحاب واليد بعد الفراغ من جريانهما وتحقق موضوعهما كانت واردة مورد الإرشاد ، وهو خلاف ظاهرها جدا ، لظهورها في التأسيس وضرب القاعدة الشرعية التي يرجع إليها في مقام العمل ، وذلك يقتضي تحديد موضوع القاعدة ، ولا إشارة في القاعدة إلى

٥٥

موضوع قاعدتي الاستصحاب واليد ، بل ظاهرها كون الموضوع صرف الشك ، وليس هو إلا موضوع قاعدة الحل ، كما لا يخفى.

ومنه يظهر الإشكال في ما ذكره بعض مشايخنا من أن ظهور الذيل فيها في انحصار المخرج عن الحل بالعلم الوجداني والبينة موجب لحملها على إرادة الحل الناشئ من اليد والاستصحاب ونحوهما ، لأن الحل الناشئ من أصالة الحل لا ينحصر المخرج عنه بذلك ، بل يخرج عنه أيضا باليد ، والإقرار ، وحكم الحاكم وغيرها.

إذ فيه .. أولا : أن الحصر ليس حقيقيا في مورد اليد والاستصحاب ، لوضوح الخروج عنهما بغيرهما ، كحكم الحاكم والإقرار وغيرهما ، ومجرد كون الحصر حقيقيا في الأمثلة المذكورة ـ لو تم ـ لا ينفع مع ظهور الرواية في جعل القاعدة العامة التي لا تختص بها. والتعميم لخصوص مشابهاتها لا مجال له بعد عدم الإشارة في الرواية إلى المعيار في المشابهة.

وثانيا : أن ظهور الحصر لا ينهض في قبال ما عرفت ، فلا بد من حمل الحصر على الإضافي. ولعل الوجه فيه عموم حجية العلم الوجداني والبينة وإمكان حصولهما في كل مورد ، بخلاف بقية الامور ، فإنها مختصة ببعض الموارد ولا يخرج بها عن أصالة الحل في كل شيء ، ليناسب ذكرها في مقام ضرب القاعدة العامة. فلاحظ.

هذا تمام ما عثرنا عليه من النصوص العامة التي يستدل بها في المقام ، وقد عرفت عدم تمامية الدلالة في غير حديثي الرفع والحجب ، وأن حديث الإطلاق لا يخلو عن إجمال ، وأن صحيح سليمان بن خالد وموثقة مسعدة إنما يصح الاستدلال بهما في الشبهة الموضوعية لا غير. كما أن ضعف سند حديث الحجب موجب لكون عمدة النصوص في المقام هو حديث الرفع.

بقي في المقام شيء ، وهو أنه قد أشرنا إلى أن نصوص المقام دالة على

٥٦

الأصل الثانوي ، وأنها معارضة لأدلة الاحتياط لا مورودة لها ، إلا أنه لو فرض تمامية أدلة الاحتياط فلا يبعد تقديمها على الأدلة المذكورة ، أما حديث الرفع فلأنه أعم منها ، لعمومه لصورتي الغافلة والجهل المركب واختصاص أدلة الاحتياط بالشبهة ، بل لو كانت مختصة بالشبهة التحريمية فالأمر أظهر.

وأما حديثا الحجب والإطلاق فقد سبق أنه لو فرض تمامية أدلة الاحتياط لم يبعد حملهما بقرينتها على الأصل الأولي جمعا ، وان كانا في أنفسهما ظاهرين في الأصل الثانوي. فتأمل جيدا. والله سبحانه وتعالى ولي العصمة والسداد.

تذنيب

قد يستدل في المقام بالاستصحاب ، بلحاظ أن التكليف المشكوك أمر حادث مسبوق بالعدم ، للقطع بعدم التكليف عند فقد شروطه العامة ـ كالبلوغ ـ أو الخاصة ـ كالوقت ـ فيستصحب بعد ذلك ، بناء على ما هو التحقيق من جريان الاستصحاب في الامور العدمية.

وقد يستشكل فيه بوجوه ..

الأول : ما أشار إليه شيخنا الأعظم قدّس سرّه من عدم بقاء الموضوع ، لأن عنوان الصبا ونحوه مما اخذ في أدلة الرفع مما يقوم الموضوع عرفا ، فيمتنع الاستصحاب مع ارتفاعه.

وفيه : أن الموضوع المعتبر في الاستصحاب ليس إلا المعروض الذي يحمل عليه المستصحب ، وهو ذات المكلف في المقام ، حيث أنه طرف نسبة التكليف ، وليس الصبا أو الجنون إلا من حالاته غير المقومة له. ومجرد أخذها في عنوان الموضوع في أدلة رفع القلم لا يوجب كونها مقومة له بعد كونه جزئيا لا يقبل التقييد ، على ما يأتي في محله توضيحه إن شاء الله تعالى.

٥٧

وأظهر من ذلك حال العناوين الخاصة المأخوذة في التكليف ، كالوقت ، فإنها خارجة عن الموضوع المعتبر في الاستصحاب بلا إشكال.

الثاني : ما قد يظهر من بعض الأعاظم قدّس سرّه من أن عدم التكليف الثابت في حال الصبا ليس إلا عبارة عن عدم وضع قلم التكليف على الصبي ، بمعنى كونه مرخى العنان من دون أن يكون الشارع قد أطلق عنانه ورفع قلم التكليف والحرج عنه ، بل هو كالبهائم خارج عن قابلية التكليف.

وفيه : ـ مع عدم جريانه بلحاظ حال عدم تمامية الشروط الخاصة ، كالوقت ، حيث لا إشكال في حكم الشارع في حق المكلف بعدم التكليف ، كسائر موارد الترخيص الشرعي ـ أنه إن كان المراد أن العدم المستصحب هو العدم المقارن لعدم الموضوع ، لا العدم النعتي المقارن لوجود الموضوع.

فهو ـ مع ابتنائه على عدم جريان استصحاب العدم الأزلي ـ لا مجال له بلحاظ حال التمييز قبل البلوغ ، لوضوح أن الصبي حينئذ قابل للتكليف كالبالغ ، وإنما الرفع في حقه بحكم الشارع امتنانا.

على أن عدم قابلية غير المميز أو المجنون للتكليف ليس لتقوم الموضوع المعتبر في الاستصحاب ـ الذي هو بمعنى المعروض ـ بالتمييز والعقل ، بحيث يكون عدم التكليف قبلهما من باب السالبة بانتفاء الموضوع ، بل لكونهما شرطين عقليين زائدين عليه ، مع كون الموضوع هو ذات الإنسان المعروضة لهما ، ولذا يصدق على من سبق له الجنون ـ مثلا ـ أنه كان غير مكلف شرعا بنحو القضية الموجبة المعدولة المحمول ، فلا يكون استصحاب عدم التكليف في حقه من استصحاب العدم الأزلي.

وإن كان المراد أن عدم التكليف في حق الصبي والمجنون لا يرجع إلى خطابهما بعدم التكليف ، بل إلى مجرد عدم خطابهما به ، لخروجهما عن موضوعه ، ويعلم بانقلاب العدم المذكور بعد البلوغ والعقل إلى الخطاب

٥٨

بالتكليف أو عدمه ، فلا مجال لاستصحاب العدم السابق.

فهو ـ لو تم حتى في حق المميز ـ لا يضر في ما نحن فيه ، لوضوح أن العلم بخطابهما بالتكليف أو بعدمه لا ينافي احتمال استمرار عدم خطابهما بالتكليف المتيقن سابقا ، فيصح استصحابه ، وهو كاف في ترتب الأثر بلا حاجة إلى إحراز خطابهما بعدم التكليف ، بناء على ما هو التحقيق من أصالة الإباحة عقلا ، وأن استحقاق العقاب مشروط بالمنع والخطاب بالتكليف شرعا ، كما تقدم في الأمر الخامس من الامور التي ذكرناها تمهيدا للكلام في الاصول العملية.

ومنه يظهر اندفاع ما قد يظهر من شيخنا الأعظم قدّس سرّه من أن استصحاب عدم المنع لا يجدي في إحراز الإذن والترخيص ، إلا بناء على الأصل المثبت.

إذ فيه : أنه لا حاجة إلى إحراز الإذن والترخيص بناء على ذلك ، بل يكفي إحراز عدم المنع في ترتب العمل.

الثالث : أن ما يترتب على الاستصحاب المذكور من السعة في مقام العمل وعدم المسئولية بالتكليف وعدم استحقاق العقاب عليه ثابت بنفس الشك عقلا وشرعا ، بلا حاجة إلى الاستصحاب ، لما تقدم من الأدلة الشرعية والعقلية على عدم العقاب من غير بيان ، فيكون التعبد بالاستصحاب لغوا ، لعدم الفائدة فيه.

وفيه : أن عدم المسئولية والعقاب مع الشك بملاك عدم تحقق شرط العقاب ، وهو تنجيز التكليف ، أما عدم المنع الشرعي فهو بملاك عدم المقتضي له ، فالتعبد به بالاستصحاب تعبد بعدم المقتضي ، ومثل هذا كاف في رفع لغوية التعبد باستصحاب عدم المنع عرفا وإن كانا مشتركين في الأثر ، وإلا امتنع استصحاب الحل والإباحة التي هي مقتض لعدم الاستحقاق ، بل التعبد بالطرق والحجج المثبتة لهما ، بل امتنع جعل الإباحة والترخيص ثبوتا ، لعدم الأثر العملي

٥٩

للجميع إلا السعة عقلا وعدم العقاب الذي يترتب بمجرد الشك وعدم وصول المنع الشرعي.

ولا رافع للغوية إلا ما ذكرنا من اختلاف نحو ترتب عدم استحقاق العقاب ، حيث أن ترتبه مع جعل الترخيص والإباحة لتحقق مقتضي عدم الاستحقاق ثبوتا ، ومع التعبد بهما بالأصل أو الامارة لثبوته تعبدا ، ومع عدم المنع واقعا لعدم المقتضي للاستحقاق ثبوتا ، ومع التعبد به بالأصل أو الأمارة للتعبد بعدمه.

أما مجرد الشك في المنع وعدم تنجزه فعدم العقاب معه لعدم تحقق شرطه مع احتمال وجود مقتضيه. وقد ذكرنا نظير ذلك عند الكلام في أصالة عدم الحجية في أوائل مباحث الحجج.

وما ذكرنا هو العمدة في المقام ، لا ما قد يستفاد من غير واحد من أن الأثر في ظرف جريان الاستصحاب يكون مستندا إليه لا للشك ، حيث يكون الاستصحاب رافعا للشك الذي هو موضوع قاعدة قبح العقاب حقيقة ، وللشك الذي هو موضوع البراءة الشرعية تعبدا.

إذ فيه : أنه لا يرفع محذور لغوية التعبد بالاستصحاب بعد كون الأثر المترتب عليه مترتبا مع عدمه.

وأشكل من ذلك ما ذكره بعض الأعيان المحققين قدّس سرّه من أنه يكفي في فائدة الاستصحاب في المقام كونه حاكما على أدلة الاحتياط أو معارضا لها ، ليرجع بعد المعارضة إلى قاعدة قبح العقاب بلا بيان ، فلو لم يجر كان المعول على أدلة الاحتياط ، لورودها على قاعدة قبح العقاب.

إذ فيه : أن المعارضة وإن كانت من الآثار المترتبة على الدليل ، إلا أنها ليست من الأغراض الملحوظة للحاكم المصححة لورود الدليل عرفا ، إذ لو كان غرضه عدم العمل بالاحتياط كان الأنسب له عدم نصب الأدلة عليه ، أو التنبيه

٦٠