المحكم في أصول الفقه - ج ٤

السيّد محمّد سعيد الطباطبائي الحكيم

المحكم في أصول الفقه - ج ٤

المؤلف:

السيّد محمّد سعيد الطباطبائي الحكيم


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة المنار
المطبعة: جاويد
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٦٩
  نسخة غير مصححة

منجزية العلم الإجمالي المذكور.

هذا ، ولكن بعض الأعيان المحققين قدّس سرّه مع اختياره لهذا الوجه في حقيقة الوجوب التخييري جزم بوجوب الاحتياط هنا ، للعلم الإجمالي إما بوجوب المتيقن تعيينا بنحو لا يجوز الاكتفاء بالعدل أو وجوب العدل تخييرا ، بنحو يجب الإتيان به عند تعذر المتيقن لاضطرار ونحوه.

وهو كما ترى! إنما يتم إذا فرض تعدد الواقعة وعلم بالابتلاء بتعذر المتيقن في بعضها ، حيث يحصل العلم الإجمالي التدريجي بأحد الأمرين ، أما مع وحدة الواقعة أو تعددها مع عدم العلم بالتعذر في بعضها ، فلا مجال لفرض العلم الإجمالي المذكور ، ليخرج به عن أصل البراءة. فلاحظ.

والأمر غير مهم بعد ما أشرنا إليه من عدم تمامية الوجه المذكور ، وأن التحقيق هو الوجه الأخير ، فاللازم ابتناء الكلام في المقام عليه ، كما جرى عليه غير واحد.

إذا تمهد ذلك فقد ذكر بعض الأعاظم قدّس سرّه أن المرجع في المقام هو الاحتياط ، لأن التعيينية وإن كانت موجبة للضيق ، إلا أنها ليست أمرا وجوديا مجعولا ولو بالتبع ، بل هي منتزعة من عدم جعل العدل ، ومن الظاهر أن جعل العدل محتاج إلى مئونة زائدة لا يقتضيها دليل البراءة ، فكما يكون التخيير محتاجا إلى مئونة بيان العدل في مقام الاثبات ، ولذا كان خلاف إطلاق الأمر ، كذلك هو محتاج إلى مئونة جعل العدل في مقام الثبوت ، ولا مجال مع ذلك لإثباته بأدلة البراءة ، كحديث الرفع ونحوه ، بل لو لا ورودها في مقام الامتنان لنهضت برفعه ، بل يتعين العمل على التعيين ، لوجوب إحراز الفراغ عن التكليف المعلوم في البين.

وفيه : أن كون التخيير محتاجا إلى مئونة بيان العدل في مقام الإثبات ، ولذا كان منفيا بالاطلاق ، لا يستلزم احتياجه إلى مئونة زائدة في مقام الثبوت ، بنحو لا

٤٤١

ينهض به الأصل ، للفرق بين المقامين بأن التخيير مبني على نحو من التقييد في الأمر بالإضافة إلى أحد الطرفين بخصوصه ، وهو خلاف ظاهر الإطلاق في مقام الإثبات ، أما في مقام الثبوت والجعل فكل من التعيين والتخيير مبني على نحو من الجعل في قبال الآخر ، وليس التخيير متقوما بقيد وجودي زائد على التعيين ، ليكون مبنيا على كلفة زائدة في مقام الثبوت ، فلو فرض كون أحد الجعلين مستلزما لزيادة في التكليف أمكن دفعه بالأصل.

نظير تقييد التكليف بقيد خاص كالوقت ، حيث يكون احتماله مطابقا للأصل مخالفا للإطلاق.

ومنه يظهر ضعف التمسك لإثبات التعيينية بأصالة عدم جعل العدل ، لتوقفه على تركب الوجوب التخييري من التكليف وجعل العدل ، وتركب الوجوب التعييني مفهوما من التكليف وعدم جعل العدل ، لتكون أصالة عدم جعل العدل نافية للأول محرزة للثاني ، وقد أشرنا إلى منع ذلك ، فالأصل المذكور ـ مع معارضته بأصالة عدم الوجوب التعييني ـ من صغريات الأصل المثبت.

فالذي ينبغي أن يقال : إن المدار في المقام على وجود المتيقن في مقام الجعل الصالح للتنجيز والموافقة القطعية ، لينحل به العلم الإجمالي ، وعدمه.

وقد ادعى بعض مشايخنا وجود المتيقن في البين ، وهو التكليف بأحدهما بعنوانه الانتزاعي الذي يقطع بموافقته بكل طرف ، وأن الشك إنما هو في التقييد بالخصوصية ، والمرجع فيه البراءة ، كما هو الحال في الدوران بين التعيين والتنجيز العقلي ، الذي يكون الشك في أخذ الخصوصية زائدا على العنوان المتيقن التكليف.

أقول : من الظاهر أن عنوان أحد الأمرين ليس منتزعا من خصوصية فيهما مشتركة بينهما تصلح للتكليف ، بل من نفس الخصوصيتين على ما هما عليه من

٤٤٢

التباين ، فهو لا يحكي عنهما إلا كذلك ، ولذا لا يكون الإتيان بكل منهما مصاحبا لخصوصية زائدة على المطلوب خارجة عنه ، كما هو الحال في مورد التخيير العقلي ، حيث تكون الخصوصية خارجة عن المطلوب.

ومن ثمّ ذكرنا في محله أن الوجوب التخييري عبارة عن التكليف بمصداق أحد الأمرين بنحو الترديد والبدلية ، وليس العنوان إلا حاكيا محضا عنهما ولذا قد يستبدل ـ بل هو الشائع ـ بالعطف بأو التي لا تحكي إلا عن معنى حرفي لا يكون موردا للتكليف.

بل قربنا هناك أن ذلك هو مراد القائل بتعلقه بمفهوم أحدهما ، وأن الخلاف بين القولين أشبه بالخلاف اللفظي.

وعليه ليس الفرق بين الوجوب التعييني والتخييري إلا في كيفية تعلق كل منهما بمتعلقه ، فالتعييني متعلق بالجامع الصالح للامتثال بالأفراد المتكثرة ، والتخييري متعلق بالأطراف رأسا على ما هي عليه من التباين.

إذا عرفت هذا ، ظهر أنه لا مجال لدعوى وجود المتيقن في المقام ، وهو التكليف بالجامع الذي هو عنوان أحد الأمرين ، إذ لا معنى لتعلقه به مع فرض التعيين ، لعدم كون الخصوصية قيدا زائدا في العنوان المذكور ، بل هي بنفسها مورد للتكليف التعييني.

كما أن الجامع المذكور ليس منتزعا من أمر في الخصوصية يجب ضمنا بتبعها ، ليدعى وجوبه على كل حال في فرض التردد بين التعيين والتخيير ، بل لا يؤخذ الجامع المذكور إلا في ظرف الحاجة إليه ، للحكاية عن كلتا الخصوصيتين اللتين هما موضوع التكليف التخييري ، بل لم يؤخذ في الغالب ، حيث اشير للخصوصيتين بوجه آخر ، كالعطف بأو ، وغيره.

وبالجملة : لا مجال لدعوى وجود المتيقن في مقام الجعل الصالح للموافقة القطعية ، لينحل به العلم الإجمالي المفروض ، ويتجه الرجوع للبراءة

٤٤٣

من التعيين.

نعم ، لو أمكن دعوى : أن وجود المتيقن في مقام العمل كاف في سقوط العلم الإجمالي عن المنجزية وإن لم ينحل بذلك ، لعدم المتيقن في مقام الجعل ، اتجه الرجوع للبراءة في المقام ، لكون ترك المتيقن ـ كالعتق ـ لا إلى بدل معصية تفصيلية للتكليف المعلوم بالإجمال يقتضي كلا طرفي الترديد المنع عنها ، فهي متنجزة بحكم العقل على كل حال ، وإن لم يلزم من تجنبها بفعل البدل موافقة قطعية لتكليف متيقن يصلح لحل العلم الإجمالي.

إن قلت : لازم ذلك الاكتفاء بالموافقة الاحتمالية للعلم الإجمالي في المتباينين ، فإن ترك امتثال كلا الطرفين ـ كترك القصر والتمام ـ معصية قطعا يلزم تجنبه في مقام العمل على كلا وجهي الترديد ، فلو كان ذلك مسقطا للعلم الإجمالي عن المنجزية في غير المتيقن لزم جواز المخالفة الاحتمالية بترك أحدهما لا غير.

قلت : ترك كلا الطرفين في ذلك مخالفة إجمالية لا تفصيلية ، للعلم بانطباق المعصية على خصوص أحدهما المردد ، فتنجزهما معا فرع منجزية العلم الإجمالي للتكليف الواقعي على ما هو عليه ، المستلزم لوجوب الموافقة القطعية ، بخلاف المقام ، فإن ترك المتيقن لا إلى بدل بنفسه مخالفة تفصيلية للمعلوم بالإجمال لا بد من تجنبها على كل حال ـ حتى لو قيل بعدم منجزية العلم الإجمالي رأسا ـ فلو تمت دعوى مانعيته من منجزية العلم الإجمالي للتكليف الواقعي على ما هو عليه لم يبق منجز لاحتمال المخالفة بتركه إلى بدل التي هي مقتضى التعيين ، وتعين الاكتفاء بالعمل على التخيير ، ولا مجال لقياس الدوران بين المتباينين عليه.

لكن الدعوى المذكورة في المقام لا تخلو عن خفاء ، فالأمر في غاية الإشكال.

٤٤٤

وإن كان مقتضى الأصل مع الشك في منجزية العلم الإجمالي في مثل ذلك هو عدم المنجزية ، كما تقدم في مسألة الشك في الابتلاء. فلاحظ. والله سبحانه وتعالى العالم ، وهو ولي العصمة والسداد.

وينبغي التنبيه على امور ..

الأول : لو تعذر المتيقن عند الدوران بين التعيين والتخيير فهل الأصل يقتضى البراءة وعدم وجوب ما يحتمل كونه عدلا ، أو الاحتياط بالإتيان به؟

كما لو تعذر العتق ، وقد تردد بين أن يكون واجبا تخييريا عدله الصدقة ، فتتعين بتعذره وأن يكون واجبا تعيينيا يسقط التكليف بتعذره ولا يقوم مقامه شيء.

لا يخفى أن في المقام صورتين ..

الاولى : أن يكون التعذر قبل فعلية التكليف المردد.

ولا ينبغي الإشكال في جريان البراءة من التكليف بما يحتمل كونه عدلا ، من دون فرق بين المباني في حقيقة التكليف التخييري ، وفي مقتضى الأصل عند الدوران بينه وبين التعييني ، لرجوع الشك حينئذ إلى الشك في حدوث التكليف رأسا.

نعم ، لو فرض كونه طرفا لعلم إجمالي منجز امتنع الرجوع للبراءة ، على ما تقدم في نظيره عند الكلام في تعذر الجزء ، كما لو كان لازم الوجوب التعييني وجوب القضاء أو الكفارة أو البدل الاضطراري أو نحوها ، حيث يعلم حينئذ إما بوجوب أحدها أو وجوب ما يحتمل كونه عدلا.

وكذا لو فرض تعدد الواقعة مع القدرة على المتيقن في بعضها ، بناء على أن المرجع عند الدوران بين التعيين والتخيير مع القدرة البراءة ، حيث يعلم إجمالا إما بوجوب المتيقن تعيينا في مورد القدرة عليه أو بوجوب العدل في مورد تعذره.

٤٤٥

وأما بناء على أن المرجع عند الدوران بينهما الاحتياط بالعمل على التعيين فلا أثر للعلم الإجمالي المذكور ، لتنجز بعض أطرافه على كل حال.

الثانية : أن يكون التعذر بعد فعلية التكليف المردد.

وربما يدعى هنا وجوب الاحتياط بالإتيان بما يحتمل كونه عدلا بناء على وجوب الاحتياط عند الدوران بين التعيين والتخيير ، لفرض عدم انحلال العلم الإجمالي وتنجزه ، فيلحقه حكم تعذر البعض المعين من أطراف العلم الإجمالي بالتكليف بعد حصوله ، الذي تقدم في التنبيه الرابع من الفصل الثالث أن اللازم فيه الاحتياط.

وفيه أنه لا معنى لتنجز احتمال الوجوب التخييري حين العلم بالتكليف بناء على وجوب الاحتياط عند الدوران بين التعيين والتخيير ، ليلحقه حكم تعذر بعض أطراف العلم الإجمالي بعد تنجزه ، لأن مفاده السعة غير القابلة للتنجز.

بل ليس المنجز إلا احتمال الوجوب التعييني المفروض سقوطه بطروء التعذر ، ووجوب ما يحتمل كونه عدلا بعد التعذر محتاج إلى منجز جديد ، وهو مفقود في المقام.

نعم ، لو فرض علم المكلف بطروء التعذر قبل طروئه تحقق له علم إجمالي تدريجي إما بوجوب المبادرة إلى المتيقن قبل تعذره ، أو بوجوب فعل البدل بعد التعذر ، فيلزم الخروج عن العلم الإجمالي المذكور ، بخلاف ما إذا كان غافلا عن التعذر ، إذ لا يحصل له العلم الإجمالي إلا بعد التعذر ، فلا يصلح للتنجيز ، لخروج أحد طرفيه بالتعذر عن الابتلاء.

وأما بناء على الرجوع للبراءة من التعيين عند الدوران بينه وبين التخيير ، فإن كان الوجه في ذلك دعوى انحلال العلم الإجمالي بوجود المتيقن في مقام الجعل لرجوعه إلى الدوران بين الأقل والأكثر ـ كما تقدم من بعض مشايخنا ـ

٤٤٦

اتجه إلحاق المقام بالمسألة المذكورة ، وقد تقدم عند الكلام في تعذر الجزء الإشارة إلى أن طروء تعذر ما يشك في جزئيته في أثناء الوقت لا يرفع وجوب الناقص ، عملا باستصحاب وجوبه على ما هو عليه من الترديد والإجمال الصالح لتنجيزه.

وإن كان الوجه في ذلك ما أشرنا إليه من احتمال كون وجود المتيقن تفصيلا في مقام العمل ـ وهو حرمة ترك المتيقن لا إلى بدل ـ مسقطا للعلم الإجمالي عن المنجزية اتجه الرجوع للبراءة إذ لا مجال لاستصحاب المتيقن في مقام العمل لعدم كونه حكما شرعيا مجعولا ، لفرض كونه متيقنا في مقام الامتثال ، لا في مقام الجعل ، فهو قبيح عقلا بملاك كونه معصية تفصيلية ، فمع فرض احتمال سقوط التكليف بسبب التعذر يتوقف وجوب المتيقن المذكور عقلا على فرض منجز للتكليف ، ولا منجز له في المقام ، لعدم جريان استصحاب التكليف المعلوم بالإجمال مع العلم بسقوط بعض أطرافه تفصيلا. على ما تقدم نظيره في التنبيه الرابع من الفصل الثالث ، كما لا يصلح العلم الإجمالي لتنجيز ، لما ذكرناه آنفا. فتأمل جيدا.

التنبيه الثاني : إذا علم بوجوب شيء وبسقوطه بفعل آخر ، وتردد ذلك الواجب بين أن يكون عدلا له ، لوجوبهما تخييرا ، وأن يكون مسقطا له مع كون وجوبه تعيينا ، كالطلاق المسقط لوجوب الإنفاق ، فمن الظاهر أنه لا أثر للشك المذكور مع القدرة على ما هو معلوم الوجوب ، للعلم بإجزائه وإجزاء الآخر عنه على كل حال ، وإنما يظهر اثره فيما لو فرض تعذره ، حيث يجب الآخر على تقدير كونه عدلا في الوجوب التخييري ، دون ما إذا كان مسقطا له ، إذ لا يجب فعل المسقط.

ومن الظاهر أن المرجع في ذلك البراءة ، لعدم المنجز لوجوب ما يشك في كونه عدلا.

٤٤٧

هذا ، وربما يدعى وجوب فعل المسقط عند تعذر امتثال التكليف عقلا ، لأن رفع موضوع الملاك بفعل المسقط أولى عقلا من فوته بالتعذر بعد تحقق موضوعه ، ومقتضى ذلك وجوب فعل ما يحتمل كونه عدلا في المقام ، لتردده بين الواجب والمسقط.

وفيه : أن فوته بالتعذر حيث لم يكن باختيار المكلف ، فلا موضوع معه للأولوية المذكورة ، لسقوط التكليف المانع من تحقق المخالفة ، بل ليس المدعى إلا وجوب فعل المسقط فرارا عن فوت الملاك بالتعذر ، وهو غير ظاهر.

نعم ، لو فرض عدم سقوط التكليف رأسا ، لعدم تعذره ، وإنما يتعذر موافقته القطعية ، للدوران بين محذورين ونحوه ، لم يبعد وجوب فعل المسقط فرارا من المخالفة الاحتمالية ، كما في موارد الاحتياط الوجوبي في النكاح ، حيث لا يبعد وجوب الطلاق فرارا عن المخالفة الاحتمالية بالاضافة إلى الأحكام الإلزامية للزوجية وعدمها ، التي لا يمكن فيها الاحتياط ، كوجوب الوطء كل أربعة أشهر ، كما أشار إلى ذلك سيدنا الأعظم قدّس سرّه في المسألة الثانية عشرة من فصل العقد وأحكامه من كتاب النكاح من المستمسك.

لأن المخالفة الاحتمالية اختيارية للمكلف ، فمن القريب جدا منع العقل منها عند تيسر فعل المسقط من جهة الأولوية المذكورة.

وأظهر من ذلك ما لو كان التعذر مستندا لاختيار المكلف ، لتعجيزه لنفسه ، بنحو يكون مؤاخذا بالمخالفة ، كما لو عجز الجنب نفسه عن الغسل ليلا في شهر رمضان ، واستطاع السفر قبل الفجر ، حيث لا ينبغي الريب في وجوبه عليه عقلا ، دفعا لضرر العقاب. فتأمل جيدا.

هذا ، وقد يبنى على ما نحن فيه مسألة وجوب الائتمام على من عجز عن القراءة ، بدعوى الشك في كون الائتمام مستحبا مسقطا للقراءة مع وجوبها

٤٤٨

تعيينا ، فلا يجب بتعذرها ، أو واجبا مخيرا بينه وبين الصلاة فرادى مع القراءة ، فيجب بتعذرها.

لكن لا يخفى أن المبنى المذكور يختص بالواجبات الاستقلالية التي يكون تعذرها موجبا لسقوط التكليف التعييني بها ، بحيث يحتمل عدم تحقق الامتثال مع الإتيان بالمسقط ، كالانفاق والطلاق ، دون مثل القراءة مما يجب ضمنا ، ولا يكون تعذره موجبا لسقوط التكليف بالمركب ، بل لا إشكال في إمكان امتثاله مع الائتمام ، فإن إسقاط الائتمام للقراءة ـ إما لكونه رافعا لموضوعها ، أو لتنزيل قراءة الإمام منزلة قراءة المأموم ـ لا ينافي كون الصلاة الواقعة حال الائتمام من أفراد الصلاة التامة الصالحة للامتثال ، ولذا لو فرض عدم مشروعية صلاة الفرادى من دون قراءة فلا ريب في وجوب الصلاة جماعة ، كما تجب لو فرض تعذر صلاة الفرادى مع القدرة على القراءة.

فالذي ينبغي أن يقال : لا إشكال في مشروعية الصلاة بلا قراءة للمنفرد في حال تعذر القراءة وفرديتها للصلاة الواجبة في الجملة ، كفردية الصلاة جماعة أو الصلاة فرادى مع القراءة من القادر.

وحينئذ فإن كان موضوع مشروعيتها مجرد تعذر القراءة منه اتجه عدم وجوب الائتمام ، لفرديتها في الحال المذكور في عرض صلاة الجماعة ، فيتعين التخيير بينهما.

وإن كان موضوعها تعذر الصلاة التامة عليه اتجه وجوب الائتمام ، لتحقق الصلاة التامة به ، فمع القدرة عليه لا تشرع الصلاة المذكورة ، بل ينحصر الامتثال بالجماعة.

إذا عرفت هذا ، فحيث كان لدليل جزئية القراءة إطلاق يشمل حال التعذر ، فلو كان دليل مشروعية الصلاة فرادى بدونها مع التعذر منحصرا بالإجماع ، لزم البناء على الثاني ، لأنه المتيقن من معقد الإجماع.

٤٤٩

وكذا لو كان الدليل قاعدة الميسور ، بناء على تماميتها في نفسها ، لظهور كونها قاعدة اضطرارية يختص موضوعها بصورة تعذر التام.

إلا أن الظاهر أن مقتضى النصوص الخاصة والسيرة هو الأول ، وتمام الكلام في الفقه.

التنبيه الثالث : إذا علم بوجوب امور متعددة ، وشك في كون وجوبها تخييريا يغني معه فعل واحد منها ، أو تعيينيا لا بد معه من الجمع بينها.

فإن قلنا بوجود المتيقن في مقام الجعل عند الدوران بين التعيين والتخيير ، بنحو ينحل به العلم الإجمالي ، فلا ريب في الرجوع للبراءة من التكليف بالخصوصيات ، والبناء على وحدة التكليف بالجامع المقتضي للاكتفاء بفعل أحدها ، لليقين معه بالبراءة من التكليف المتيقن.

لكن عرفت الإشكال في ذلك ، ومن ثمّ جزم بعض الأعاظم قدّس سرّه بوجوب الاحتياط هنا.

نعم ، تقدم منا احتمال سقوط العلم الإجمالي عن المنجزية بسبب وجود المتيقن التفصيلي في مقام العمل ، فلو تم جرى هنا.

بل هو هنا أولى ، لأن المتيقن التفصيلي هنا هو الإطاعة بفعل أحدها ، للعلم بكونه امتثالا للتكليف به تعيينا أو تخييرا ، والشك في وجود تكليف آخر يحتاج معه للامتثال بفعل بقية الأطراف.

بل قد يدعى الانحلال في المقام بوجود المتيقن في مقام الجعل ، وهو التكليف الواحد المردد بين التعيين والتخيير ، الذي يعلم بامتثاله بأي طرف ، ومجرد تردد متعلق التكليف المذكور بين أحد الأطراف المعين وأحدها على نحو البدل لا يمنع من الانحلال بعد صلوحه للعمل على كل حال ، فلا يتنجز الأكثر.

ولذا كان جريان البراءة هنا من الزائد والاكتفاء بفعل أحد الأطراف قريبا

٤٥٠

للمرتكزات جدا ، فلتكن هي المرجع في ذلك لو فرض عدم وضوح حال التقريبات المتقدمة.

هذا ، والظاهر عدم الفرق في ما نحن فيه بين احتمال التكليف التعييني بكل من الأطراف بنحو يكون لكل طرف تكليفه الخاص به ، واحتمال التكليف التعييني بمجموع الأطراف بنحو يكون مجموعها موردا لتكليف واحد بنحو الارتباطية بينها ، فيجوز الاقتصار على أحد الأطراف عملا باحتمال التخيير ، والرجوع للبراءة من التكليف التعييني بكل منها.

غايته أن الأول يكون نظيرا لجريان البراءة مع الشك في التكليف الاستقلالي ، والثاني يكون نظيرا لجريانها مع الدوران بين الأقل والأكثر الارتباطيين.

التنبيه الرابع : أشرنا في صدر الكلام في هذا المقام إلى أقسام التخيير ، وذكرنا أن محل الكلام هو التخيير في الحكم الواقعي في مقام الجعل ، وأن التخيير في الحكم الظاهري ـ وهو التخيير بين الحجج ـ والتخيير في الحكم الواقعي في مقام الامتثال للتزاحم ، خارجان عن محل الكلام ، وإن كان المناسب هو التعرض لهما استطرادا ، فنقول :

لا ينبغي الإشكال في أن الأصل مع الدوران بين التعيين والتخيير في الحجج هو التعيين ، للعلم معه بحجية المتيقن ، والشك في حجية الآخر ، الذي يكون المرجع فيه أصالة عدم الحجية على ما تقدم في تمهيد الكلام في مباحث الحجج.

وكذا الحال مع الدوران بينهما في مقام الامتثال لأجل التزاحم ، فلو فرض تزاحم تكليفين ودار الأمر بين تساويهما المقتضي للتخيير بينهما ، وأهمية أحدهما المعين المقتضي لتعينه ، لزم العمل على الثاني.

وينبغي التمهيد بمقدمة يتضح بها الوجه في ذلك ..

٤٥١

وهي أن جهة الكلام في ذلك تختلف عن جهة الكلام في ما سبق ، للاختلاف بينهما في مقام الجعل والامتثال.

أما مقام الجعل فلفرض أن التخيير هناك على تقديره ناشئ عن غرض واحد ، كما هو ظاهر الخطاب ، فليس هناك إلا تكليف واحد تخييري ناشئ عن ملاك واحد قائم بكلتا الخصوصيتين ، ومن ثمّ أمكن هناك فرض تعلق التكليف بالقدر المشترك بينهما ، وهو الأمر المنتزع منهما المعبر عنه بعنوان أحدهما وإن كان هو خلاف التحقيق.

بخلاف المقام ، إذ لا إشكال في تعدد التكليف ذاتا ، لتعدد الغرض الناشئ منهما ، وحينئذ لا وجه لصرف التكليف التخييري الى القدر المشترك ، بل ليس المكلف به إلا كلّا منهما ، لاختصاص غرضه به.

فلا مجال هنا لما تقدم من بعض مشايخنا هناك من توجيه العمل على التخيير بلزوم المتيقن والبراءة من التقييد بالخصوصية.

غايته أنه لا بد من الالتزام بتقييد التكليف بكل منهما بصورة عدم الإتيان بالآخر.

وربما قيل بسقوط التكليفين معا والتخيير بين الطرفين عقلا ، وإن كان الظاهر عدم تمامية ذلك ، لعدم الموجب لسقوط التكليفين رأسا بعد إمكان الجمع بينهما بالوجه المذكور.

بل لو فرض سقوطهما لم يبق مجال لحكم العقل بالتخيير ، لاختصاصه بتشخيص الوظيفة في مقام امتثال التكليف بعد الفراغ عن جعله ، فالظاهر أن تخيير العقل بين الطرفين متفرع على التكليف بهما بالوجه المذكور ، ليكون راجعا إلى مقام الامتثال.

وأما مقام الامتثال فلأنه مع الخروج هناك عن مقتضى التعيين عند الدوران بينه وبين التخيير لا يعلم بحصول شيء من الغرض ، فلا يعلم بالامتثال ،

٤٥٢

نظير مسألة الدوران بين الأقل والأكثر الارتباطيين عند الاقتصار على الأقل ، أما هنا فمع الخروج عن مقتضى التعيين يعلم بحصول أحد الغرضين ، بل امتثال تكليفه بناء على الترتب ، غاية الأمر أنه يحتمل مرجوحيته وكون الآخر الذي لم يمتثل هو الأهم الذي يجب امتثاله دونه.

فلا مجال لما تقدم في توجيه وجوب الاحتياط هناك من الشك في تحقق امتثال التكليف المعلوم ، لأن الشك هنا في وجوب امتثال التكليف الآخر المحتمل الأهمية ، لا في تحقق امتثاله ، كما هو الحال هناك.

إذا عرفت هذا ، فاعلم أنه يظهر من بعض المحققين قدّس سرّه أن الأصل عند الدوران بين التعيين والتخيير في باب التزاحم يقتضي البراءة وعدم التعيين ، لأن ذلك إنما يكون مع احتمال الأهمية في أحد الطرفين بخصوصه ، وحيث كان ذلك مساوقا لاحتمال مساواة الطرف الآخر له ومانعيته من فعلية التكليف فيه ، كان راجعا إلى الشك في ثبوت التكليف الذي هو مجرى البراءة.

وفيه : أن عدم فعلية التكليف في أحد المتزاحمين بسبب الآخر ليس لقصور في ملاكه وجعله ، ليرجع فيه للبراءة ، بل لكون المزاحم عذرا مسوغا لتفويته ، كتعذره ، وحيث كان ذلك مختصا بصورة مساواة المزاحم أو أهميته ، فمع احتمال مرجوحية المزاحم وعدم احتمال أهميته لا يعلم بكونه عذرا رافعا لفعلية المزاحم فيجب الاحتياط في المزاحم ، لعدم إحراز العذر عنه ، كما يجب الاحتياط مع الشك في القدرة ، أو في أصل المزاحمة ، أو في تحقق المزاحم ، لما هو المعلوم من أنه لا يجوز الاتكال على احتمال العذر ، بل لا بد من اليقين بوجوده ، بخلاف الطرف الآخر ، فإنه يعلم بمزاحمته بما يمنع من فعليته ، لكونه أهم منه أو مساويا له ، فيقطع بوجود العذر المسوغ له ، فلا محذور في تركه.

وبالجملة : يجب المحافظة على محتمل الأهمية دون الآخر ، للشك في العذر المسوغ للترك في الأول ، والعلم به في الثاني ، ولا يصح الاتكال على

٤٥٣

احتمال العذر ، بل لا بد من العلم به ، ويأتي في خاتمة مباحث التعارض ما ينفع في المقام.

تذنيب :

حيث اتضح الكلام في الوجوب التخييري فالمناسب إلحاق ذلك بالكلام في الوجوب الكفائي.

فنقول : لا ينبغي التأمل في أن الشك في أصل التكليف الكفائي مجرى للبراءة ، كما هو الحال في الشك في أصل الوجوب العيني التعييني أو التخييري.

وأما مع دوران التكليف المعلوم بين كونه عينيا يجب على كل مكلف تحصيله وكونه كفائيا يغني فيه فعل أحدهم ، فالظاهر أنه يجوز الرجوع للبراءة للعمل على الثاني ، لرجوع الشك المذكور إلى الشك في كون الواجب هو صرف الوجود المتحقق بفعل واحد أو الوجود الخاص الذي لا يتحقق إلا بفعل المكلف نفسه ، فالشك في الحقيقة في أخذ الخصوصية التي هي زيادة في التكليف مدفوعة بالأصل.

نعم ، لو كان الفرق بين التكليف العيني والكفائي متمحضا في مقام الامتثال ، حيث لا يسقط العيني إلا بامتثال المكلف نفسه ويسقط الكفائي بامتثال غيره ، مع اتحادهما في متعلق التكليف اتجه الرجوع للاشتغال ، القاضي بالعمل على ما يطابق العيني ، لأن الأصل عدم سقوط التكليف إلا بتحقق المكلف به. لكن المبنى المذكور ضعيف ، كما تعرضنا لذلك في محله من مباحث تقسيمات الواجب. فراجع وتأمل جيدا.

٤٥٤

خاتمة

ذكر شيخنا الأعظم قدّس سرّه في خاتمة هذا القسم من الاصول ، وهي التي لم يؤخذ فيها الحالة السابقة شروط العمل بالاصول المذكورة ، وأهمها الفحص ، واستطراد بعد ذلك إلى الكلام في قاعدة نفي الضرر.

لكن اشتراط الفحص لما لم يختص بالاصول المذكورة ، بل يجري في غيرها كالاستصحاب ، بل في الطرق أيضا ، كان المناسب ذكره بعد الكلام في التعادل والتراجيح. وقد رأينا ذكره في خاتمة مباحث الاجتهاد والتقليد لرجوعه إلى بيان وظيفة المكلف عند الشك في وجود الدليل.

كما أن قاعدة نفي الضرر لما كانت أجنبية عن محل الكلام ، بل لا مناسبة بينهما ، كسائر القواعد الفقهية ، كقاعدة نفي الحرج والطهارة وغيرهما ، كان المناسب إهمالها هنا ، وإن كان في ذلك خروج عما جرى عليه التبويب لهذه المباحث تبعا لشيخنا الأعظم قدّس سرّه.

نعم ، المناسب هنا التعرض لجريان الاصول المذكورة في غير الحكم التكليفي من الأحكام الاقتضائية ، وهي منحصرة بالاستحباب والكراهة.

فنقول : ـ ومنه سبحانه نستمد العون والتسديد ـ

أما مع الشك في الحكم الاستقلالي ـ كما لو شك في استحباب الغسل لقتل الوزغ ، أو كراهة سؤر البقر ـ فلا مجال للتمسك بالأدلة المتقدمة العقلية والنقلية للبراءة والاحتياط.

لوضوح أن قاعدة قبح العقاب بلا بيان ، وقاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل مختصتان باحتمال العقاب والضرر اللازمين للتكليف.

وكذا الأدلة الشرعية ، لوضوح أن مساق الرفع والوضع والسعة ونحوها مما اشتملت عليه أدلة البراءة رفع الحرج والضيق المختص بالتكليف ، ولا

٤٥٥

يشمل ما لا حرج في ثبوته ، ولا سيما مع وضوح سوق الأدلة المذكورة مساق الامتنان الذي يختص برفع التكليف.

وأما ما ذكره بعض مشايخنا في وجه قصور تلك الأدلة عن الأحكام المذكورة من أن مفادها الرفع الظاهري الذي من لوازمه عدم وجوب الاحتياط ، مع أنه لا إشكال في استحباب الاحتياط في الأحكام المذكورة ، فلا مجال لفرض الرفع فيها.

ففيه : أن رفع الأحكام المذكورة ظاهرا لا ينافي حسن الاحتياط عقلا لإحراز الواقع ، ولذا لا يكون التعبد بعدمها ظاهرا بمثل الاستصحاب ـ لو تمت أركانه في مورد ـ منافيا لحسن الاحتياط قطعا. فالعمدة ما ذكرنا.

ومثل الأدلة المذكورة ما دل على التعبد بالحل عند الشك في الحرمة ، فإنه مسوق لبيان الحل المساوق للإذن المقابل للتكليف والمنع ، لا الحل بمعنى الإباحة المقابلة للأحكام الأربعة الاقتضائية ، لعدم ثبوت اصطلاح شرعي للحل في المعنى المذكور.

ولا سيما مع كون الغاية في الأدلة المذكورة هو العلم بالحرمة الكاشف عن اختصاص موضوعها باحتمالها وسوقها لرفعها.

كما أن أدلة الاحتياط التي استدل بها الأخباريون هناك لما كانت تعبدية محضة ، وكانت مختصة باحتمال الهلكة والحرمة كانت قاصرة عن شمول الأحكام المذكورة.

نعم ، تقدم منا أن الاستصحاب مطابق عملا للبراءة ، ويصح التمسك به في موردها.

والظاهر أنه لا مانع من التمسك به في الأحكام المذكورة بعد كونها أحكاما شرعية مجعولة ، كالأحكام الالزامية.

٤٥٦

هذا ، وقد يدعى أن إهمال الأحكام المذكورة وعدم العلم بها لا يرجع إلى مجرد عدم استحقاق ثوابها وقرب المكلف بامتثالها ، بل يقتضي زائدا على ذلك نحوا من الحزازة والبعد عن حظيرة المولى ، التي هي أشبه بالعتاب وإن لم تبلغ مرتبة العقاب ، كما قد يشير إليه بعض النصوص المتضمنة أن النبي صلّى الله عليه وآله يطالب بالسنة ، كما يطالب الله تعالى بالفرض.

بل قد يترتب على ذلك بعض العقوبات الدنيوية ، كما قد يشير إليه ما تضمن أن الرجل يترك صلاة الليل ، فيحبس عنه الرزق.

فإن تمّ هذا لم يبعد جريان نظير قاعدة قبح العقاب ، لإن الحزازة المذكورة من سنخ المؤاخذة والجزاء ، الذي لا يحسن إلا مع قيام الحجة الكافية.

بل قد يصحح ذلك جريان مثل حديث الرفع ، لأن في ثبوت الأثر المذكور نحوا من الضيق يصدق بلحاظه الرفع ويتحقق برفعه الامتنان.

وأما مع الشك في الحكم الضمني ، للدوران بين الأقل والأكثر الارتباطيين ـ كما لو شك في جزئية السورة للنافلة ـ فقد ذكر بعض مشايخنا أنه لا مانع من الرجوع فيه الى حديث الرفع لرفع شرطية المشكوك في المركب في مقام الظاهر.

لكنه لا يخلو عن غموض ، لأن المراد بذلك إن كان إثبات مجرد عدم استحباب الجزء ضمنا ، فقد عرفت منه عدم نهوض الحديث برفع الاستحباب.

وإن كان إثبات مشروعية العمل وصحته بدونه ، فمن الظاهر أن حديث الرفع لا يقتضي ذلك في الأحكام التكليفية ، فضلا عن غيرها ، لأن ذلك من لوازم كون المأتي به تمام المركب ، وأن الطلب قد تعلق بالأقل لا بشرط الزيادة المشكوكة ، وقد تقدم في تقريب الأصل الشرعي في الأقل والأكثر الارتباطيين عدم نهوض أدلة البراءة بذلك.

٤٥٧

نعم ، لو اريد بالتمامية مجرد حصول تمام ما هو المتنجز الواصل وإن لم يحرز أنه تمام المطلوب لم يحتج في ذلك إلى أدلة البراءة ، للعلم بحصوله بمجرد الشك في جزئية الزائد أو شرطيته وفرض عدم تنجزه.

كما أن الظاهر كفاية ذلك في مقام التقرب والامتثال ، فلا يعتبر إحراز كون المأتي به تمام المطلوب ، ولذا أمكن التقرب في الواجب المردد بين الأقل والأكثر مع الاقتصار على الأقل ، والتفريق بين الواجب والمستحب بلا فارق.

وبالجملة : لا مجال للفرق في شمول أدلة البراءة للأحكام غير الإلزامية بين الأحكام الاستقلالية والضمنية بعد اشتراكها في الجهات المقتضية للجريان أو عدمه مما تقدمت الإشارة إليه.

وأما العلم الإجمالي بالحكم الاقتضائي غير الإلزامي مع إمكان الاحتياط فالظاهر أن ما تقدم في وجه منجزية العلم الإجمالي جار فيه ، وإنما يختلف الحكم الإلزامي عن غيره بأن ترتب العقاب على معصيته موجب لمنع العقل من الإقدام على احتمال مخالفته مهما زوحم بالجهات الخارجية الموجبة لصعوبة إحراز امتثاله في فرض جعله ، ومنها صعوبة الاحتياط الناشئة من تكثر الأطراف في فرض العلم الإجمالي ، لأهمية العقاب بنحو لا يصلح شيء منها لمزاحمته.

أما غيره من الأحكام فكما يصح للمخاطب بها الإقدام على مخالفتها القطعية يصح الإقدام على مخالفتها الاحتمالية بسبب صعوبة الاحتياط الناشئة عن تعدد الأطراف في ظرف العلم الإجمالي.

نعم ، لا مجال لارتفاع حسن الاحتياط فيها ذاتا مع العلم الإجمالي ، كما لا يرتفع حسن إطاعتها مع العلم التفصيلي ، وإن كان قد يزاحم بما هو أهم.

ثم إن الظاهر جريان ما تقدم في تنبيهات مباحث العلم الإجمالي من سقوط العلم الإجمالي عن المنجزية في بعض الأطراف أو انحلاله في الأحكام

٤٥٨

غير الإلزامية.

نعم ، في فرض عدم منجزية العلم الإجمالي في بعض الأطراف يلحقه حكم الشك البدوي ، الذي تقدم الكلام في جريان البراءة معه.

كما أنه تقدم منا في أوائل الكلام في العلم الإجمالي التعرض للضابط في عدم جريان الاصول في الأطراف بنحو يشمل الأحكام غير الإلزامية ، كما ذكرنا هناك حكم العلم الإجمالي بأحد الحكمين الاقتضائيين الإلزامي وغيره من حيثية جريان الاصول وعدمه بما لا مجال لإطالة الكلام فيه هنا. فراجع.

ومنه يظهر الحال فيما لو تعذر الاحتياط للدوران بين محذورين ، كما لو دار الأمر بين استحباب الشيء وكراهته ، فإن ما ذكر هناك من سقوط العلم الإجمالي عن المنجزية جار فيه.

ولا ينبغي الإشكال في عدم وجوب الترجيح هنا ، بل غاية الأمر حسنه ، فيلحقه حكم التزاحم بين الاحتياطين ، وقد سبق في آخر التنبيه الرابع من تنبيهات الفصل الأول أن الترجيح يكون بأهمية التكليف ، وبقوة الاحتمال. فراجع وتأمل جيدا.

ولنكتف بهذا المقدار من الكلام في القسم الأول من الوظيفة العملية عند فقد الحجة ، وهو الذي لم تؤخذ فيه الحالة السابقة ، والتي ينحصر الأصل الجاري فيها بالبراءة والاحتياط والتخيير.

والحمد لله رب العالمين على تيسير ذلك وتسهيله ، ونسأله أن يتم علينا نعمته بتوفيقنا لإتمام الأقسام ، كما نسأله أن يعصمنا من الزلل في القول والعمل ، وأن يوفقنا لشكر نعمه وآلائه ، ويمدنا بعونه ورعايته ، إنه أرحم الرحمين ، وولي المؤمنين ، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

وكان الفراغ من ذلك عصر الثلاثاء ، الرابع والعشرين من شهر شعبان

٤٥٩

المعظم ، سنة ألف وثلاثمائة وخمس وتسعين لهجرة سيد المرسلين صلى الله عليه وآله أجمعين ، وسلم تسليما كثيرا.

في النجف الأشرف ببركة المرقد المشرف على مشرفه أفضل الصلاة والسلام ، بقلم العبد الفقير (محمد سعيد) عفي عنه ، نجل العلامة الجليل حجة الاسلام السيد (محمد علي) الطباطبائي الحكيم (دامت بركاته).

والحمد لله في البدء والختام ، وبه الاعتصام.

وقد انتهى تبييضه بقلم مؤلفه الفقير ليلة الأحد ، التاسع والعشرين من الشهر المذكور ، من السنة المذكورة.

والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين ، وسلم تسليما كثيرا.

٤٦٠